الاستقلالية النقابية بين المبدأ والممارسة ذ. محمد المنصوري

الاستقلالية النقابية بين المبدأ والممارسة
ذ. محمد المنصوري: نقابي داخل الاتحاد المغربي للشغل
مقدمة:
تعد الاستقلالية النقابية من الركائز الأساسية للعمل النقابي الحر والأصيل، فهي الضمانة الأساسية لصفاء الممارسة النقابية ولتحقيق النضال العمالي في خدمة الشغيلة والدفاع عن حقوقها، بعيدا عن أي توجيه حزبي أو حكومي أو من الباطرونا. غير أن التجربة النقابية المغربية، منذ تأسيس الاتحاد المغربي للشغل سنة 1955، تظهر نوع من التعقيد على مستوى تجسيد هذه الاستقلالية على أرض الواقع، إذ ترافق مسار الوحدة النقابية مع انحرافات تنظيمية وسياسية أدت إلى تفريخ نقابات حزبية وفئوية وأخرى تدعي “الاستقلالية” والتي تسقط في الانحياز لطيف حزبي معين عند أول منعطف، أحيانا تحت ضغط الظروف الداخلية المأزومة والقبضة الحديدية من الخارج والداخل معا، وأحيانا نتيجة لغياب الديمقراطية الداخلية داخل التنظيم ذاته. مما ينتقل معه العمل النقابي لخدمة أجندة حزبية تعيش بدورها أزمات داخلية عميقة على مستوى ذات الديمقراطية الداخلية.
ومن هنا نطرح السؤال التالي: إلى أي حد استطاعت النقابات المغربية أن تحافظ على استقلاليتها عن الأحزاب السياسية والحكومات وأرباب العمل وعن نزوات الزعيم وتقلب ميولاته، وكيف أثر غياب الديمقراطية الداخلية على مسار الانشقاقات وتفريخ النقابات؟
إن الإجابة على هذا السؤال تستدعي دراسة العلاقة بين المبدأ والممارسة، وتحليل طبيعة الانشقاقات بين دوافع حزبية ضيقة وإكراهات التنظيم الداخلي، مع التمييز بين الانقسام السياسي/الحزبي والانقسام الناتج عن ضعف الديمقراطية والمحاسبة.
ونهدف من خلال هذه المساهمة المتواضعة إلى إبراز أهمية الاستقلالية النقابية كمبدأ تنظيمي وأخلاقي، وفحص كيف تحولت الانشقاقات المتعاقبة إلى ظاهرة مستمرة بسبب ضعف الديمقراطية الداخلية وتعدد الولاءات الضيقة، مما أفرغ روح الاستقلالية من مضمونها، وكذلك تقديم مقاربة تحليلية نقدية تستند إلى الممارسة الميدانية الطويلة داخل الهياكل النقابية للنقابة الأم بالمغرب، بما يفيد، في تقديرنا، اقتراح سبل إصلاح العمل النقابي وإعادة الاعتبار لمبدأ الاستقلالية.
في هذا السياق، سنعتمد في التحليل على منهج المقارنة بين المبادئ النظرية والتطبيق الواقعي، واستدعاء التجربة التاريخية للتحولات النقابية، من أجل تقديم رؤية متكاملة تجمع بين البعدين النظري والميداني للنقد والتأمل.
ومن خلال هذا المنهج، سنتطرق بإيجاز شديد إلى المحاور التالية: تأصيل مبدأ الاستقلالية، ومقارنة المبدأ بالممارسة، وآفاق الإصلاح نحو نقابة وحدوية ديمقراطية ومستقلة.
المحور الأول: من وحدة الشغيلة إلى تفريخ النقابات الحزبية
- تأسيس الاتحاد المغربي للشغل ووحدة الطبقة العاملة
عند تأسيس الاتحاد المغربي للشغل سنة 1955، كان الهدف الأسمى هو توحيد صفوف الشغيلة المغربية في إطار نقابي واحد، جامع لكل الأطياف الفكرية والسياسية والمهنية، بعيدا عن التجاذبات الحزبية والولاءات الشخصية الضيقة. فقد كان الاتحاد آنذاك بيتا للعمال، وصوتا للوطن، ومدرسة في النضال الجماعي من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
كانت الوحدة النقابية في هذه المرحلة هي سر القوة، إذ شكلت سدا منيعا أمام كل محاولات التسيس المفرط أو التبعية للأجهزة الحزبية، ووفرت مناخا يسمح بتعايش مختلف المرجعيات الفكرية والسياسية داخل فضاء نقابي واحد، شرط أن تبقى البوصلة موجهة نحو خدمة المصلحة العامة وحماية حقوق العمال والعاملات وسائر المأجورين والموظفين.
- الانشقاقات الأولى والدوافع الحزبية.
إذا كان الانشقاق النقابي الأول الذي عرفه الاتحاد قد وقع نسبيا، في مطلع ستينيات القرن الماضي، بدوافع حزبية ضيقة، فإن ما تلي تلك المرحلة من انقسامات لم يكن مجرد استنساخ لذلك النموذج، بل جاء نتيجة تراكم مشكلات تنظيمية داخلية مست بنية الديمقراطية الداخلية داخل التنظيم النقابي نفسه. لكن الافراز لم يأخذ في نهاية المطاف فيما بعد إلا بعدا نقابويا حزبيا وتكرار نفس الممارسات على مستوى الديمقراطية الداخلية.
لقد ظل عدد من المناضلين يواجه صعوبة في إدارة الصراع الداخلي والخلافات داخل الوحدة، إذ كانت الخلافات تدار أحيانا بمنطق الهيمنة وليس الحوار، ففضل بعض المناضلين الانسحاب بدوافع حزبية أو بحثا عن حرية التعبير. فتشكل في واخر السبعينيات ما توهم أنه بديل نقابي هروبا من البيروقراطية كما قيل آنذاك.
- . التعددية المفرطة وأزمة العمل النقابي.
تحولت التعددية النقابية، مع مرور الزمن، في غياب الديمقراطية الداخلية، إلى تعددية شكلية تخفي وراءها صراعات شخصية وتنظيمية، بدل أن تعبر عن غنى في التجربة أو تنوع في الاجتهاد. وهكذا، بدل أن تكون النقابات قوة موحدة للشغيلة، أصبحت جزرا متفرقة تتنازع الزعامة والتمثيلية داخل مختلف التنظيمات وداخل التنظيم الواحد نفسه، مما أضعف صوت العامل وأفقد العمل النقابي جزء من مصداقيته.
ومع تفاقم هذا الواقع، لم تعد التعددية النقابية نتاجا لثراء فكري أو اختلاف منهجي مشروع، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى آلية للتفتيت واستقطاب مزاجي، تدار وفق منطق الولاءات الشخصية لا وفق مبادئ العمل الجماعي. فأصبح إنشاء نقابة جديدة رد فعل على خلافات ظرفية أو حسابات ضيقة، بدل أن يكون ثمرة حوار ديمقراطي أو مراجعة تنظيمية ناضجة. ونتيجة لذلك، تشتت الجهد النضالي، وتراجعت القدرة على التفاوض الجماعي، وتآكل رأس مال الثقة لدى الشغيلة، التي وجدت نفسها بين عروض نقابية كثيرة في الشكل، فقيرة في الفعل، ومتشابهة في الخطاب. حيث تتيه الشغيلة، في ظل هذه العروض “النقابية” في التميز بين الأصيل والهجين.
المحور الثاني: الاستقلالية النقابية بين المبدأ والممارسة
- تعريف الاستقلالية وأهميتها.
تعرف الاستقلالية النقابية بأنها قدرة التنظيم النقابي على اتخاذ مواقفه وقراراته بشكل حر ومسؤول، بعيدا عن أي تدخل أو وصاية أو تأثير من الجهات الخارجية، سواء كانت أحزابًا سياسية أو حكومات أو أرباب عمل أو زعامات فردية داخلية. وهي بذلك تمثل الركيزة الأساسية التي تضمن للنقابة الحفاظ على هويتها ووظيفتها الأصيلة في الدفاع عن حقوق الشغيلة وخدمة مصالحهم العامة.
وتكمن أهمية الاستقلالية في كونها الشرط الأول لتحقيق نضال نقابي حقيقي، يحفظ للنقابة مصداقيتها وشرعيتها أمام قواعدها. فالنقابة التي تذوب في أجندة حزب أو حكومة، أو تتحول إلى أداة في خدمة أرباب العمل أو مصالح شخصية، تفقد دورها كقوة مجتمعية مستقلة، وتتحول إلى امتداد لغيرها بدل أن تكون ممثلة لصوت العمال.
ويبدو، وفي سياقات متوازية ومختلفة، أن مسألة الانخراط في العمل النقابي ينبغي أن تحسم ابتداء من حيث المبدأ، فـلا نضالا نقابيا حقيقيا يمكن أن يتحقق دون استقلالية تامة عن الأحزاب السياسية، والحكومات، وأرباب العمل. فالنقابة لا يمكن أن تكون تابعا أو ظلا لأي من هذه الأطراف، بل يجب أن تبقى مؤسسة حرة تعبر عن الإرادة الجماعية للشغيلة، لا عن حسابات حزبية أو مصالح ضيقة.
- الاستقلالية والممارسة الفعلية.
إن الاستقلالية النقابية لا تعني الانغلاق أو الإقصاء، بل هي انفتاح واع يتيح تعايش مختلف المرجعيات داخل فضاء واحد، شرط أن تبقى البوصلة موجهة نحو خدمة المصلحة العامة، وصون كرامة العامل، والدفاع عن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
وعند تثبيت هذا المبدأ، تصبح الخطوة الموالية هي تطهير الجسم النقابي من شوائب التبعية والتوظيف المصلحي، عبر تحكيم القوانين التنظيمية وحدها باعتبارها الفيصل بين الجميع، بعيدا عن الأهواء والمحاباة والشخصنة، حتى لا يختزل الفعل النقابي، تحت شعار الاستقلالية أيضا، في أسماء أو مواقع أو نفوذ عابر.
- الاختيار النقابي المستقل: تحديات ونضال.
إن الاختيار النقابي المستقل ليس ترفا ولا شعارا للاستهلاك، بل مسار نضالي صعب وصراع مرير يتطلب نزاهة وثباتا وإيمانا بأن النقابة وجدت لتخدم العامل لا لتخدم، “الزعيم” أو الحزب السياسي، ولترتقي بالفعل الجماعي لا لتغذي الفردانية.
ولذلك، فإن العمل النقابي المستقل ينهض بالفعل الجماعي المنظم، القائم على المشاركة الواسعة، والتأطير القيمي، وترسيخ ثقافة المسؤولية المشتركة، لا على الشخصنة وتغذية النزعات الفردانية التي تحول التنظيم إلى ملكية خاصة أو مشروع شخصي. فالرهان الحقيقي ليس في رفع راية الاستقلالية، بل في ترجمتها إلى ممارسة تبقي النقابة قوة اقتراح وقوة ضغط، لا ملحقة بأي جهة ولا خاضعة لأي وصاية.
إنه خيار صعب، نعم، لكنه وحده القادر على صناعة عمل نقابي يحظى بالثقة، ويحفظ الكرامة، ويعيد للنضال النقابي معناه وشرفه ودوره في بناء مجتمع تسوده العدالة الاجتماعية.
المحور الثالث: آفاق الوحدة النقابية المستقلة واستعادة الديمقراطية
- تخليق العمل النقابي.
إن الحسم في مبدأ الانخراط النقابي ضرورة لا تحتمل التأجيل، ولن يتحقق إلا داخل النقابة المستقلة عن الأحزاب السياسية، التي تستمد قوتها من ديمقراطيتها الداخلية وصفائها من شوائب التبعية والانحراف. فبقدر ما نطهر العمل النقابي من البدع المضللة والممارسات المهلكة، بقدر ما نمهد لعمل نقابي حر ومسؤول وتأسيس فعلي للاستقلالية، والانتصار لقيم الكرامة الانسانية والعدالة والحرية.
وعلى هذا الأساس، فإن الانخراط النقابي الرشيد لا يتحقق بمجرد رفع الشعارات أو الادعاء بالاستقلالية، بل يبدأ من امتلاك نموذج أخلاقي يحتذى به، يترجم في السلوك الشخصي وفي الممارسة المهنية على السواء. فالنقابة، قبل أن تكون إطارا للمطالب والاحتجاج، ينبغي أن تكون مدرسة في القيم، تربي على النزاهة والمسؤولية واحترام الآخر، وتجسد في واقعها اليومي معنى القدوة والالتزام.
- ترسيخ الديمقراطية الداخلية.
إن التعددية المفرطة داخل الحقل النقابي لم تكن يوما دليلا على الديمقراطية، بل كانت في كثير من الأحيان عنوانا للتشرذم وضياع البوصلة. فالرهان اليوم ليس في تكثير الهياكل، بل في ترسيخ الممارسة الديمقراطية الأصيلة، القائمة على الشفافية والتداول والمحاسبة التنظيمية، وتجاوز كل البدع التنظيمية المعيقة والعقيمة، من قبيل “لجان الترشيحات” وأشباهها. التي يتحول فيها الاختيار الواعي إلى تزكية تحت مفردات “المناضل المناسب ” ” والزعيم الذي لا يعوض”، حيث هذه الممارسات تفرغ الاختيار النقابي من جوهره الحر الأصيل.
ومن ثم، فإن إصلاح المشهد النقابي لا يتحقق بمجرد رفع الشعارات أو تبادل الاتهامات، بل يقتضي عملا هادئا داخل التنظيم الواحد المستقل، يعيد الاعتبار للمناضل الواعي لا للتابع المصفق، وللقاعدة الحية لا لـ”الزعيم الملهم”. فالتعددية التي نحتاجها اليوم ليست تعددية نقابات هجينة، متنافرة ومتصارعة على التمثيلية، وإنما تعددية الأفكار والاجتهادات داخل الإطار الواحد، تثري النقاش وتنتج البدائل وتؤسس لثقافة الاختلاف الإيجابي.
إن بناء النقابة الوحدوية المستقلة الديمقراطية، تبدأ من تحرير الإرادة النقابية من “الولاءات الشخصية” و”الاصطفافات العمياء”، وترسيخ قيم المؤسسة والقانون الداخلي والميثاق الأخلاقي، حتى يصبح التنظيم إطارا للتكوين والرقابة والمحاسبة التنظيمية الحقة، لا حلبة لتضخيم الذوات أو تثبيت الكراسي.
- الجرأة في النقاش والصدق في الممارسة.
إن الصدق مع الذات، والجرأة في النقد، والالتزام بمبدأ الاستقلالية والديمقراطية الداخلية هي المفاتيح التي تفتح باب الإصلاح النقابي المنشود، وتعيد للنقابة مكانتها الطبيعية كبيت جامع للكرامة والعدالة والاخلاق النبيلة، وصوت أصيل للشغيلة لا يخفت مهما اشتد التعدي على الحق في الممارسة النقابية الحرة، حيث يلتف حوله كل المناضلين الأحرار الذين يتواجدون في جزر متعددة، والذين زج بهم تحت الضغط الداخلي والاستغلال السياسوي في واقع نقابي متشرذم لا يخدم إلا النقيض.
غير أن استعادة البوصلة النقابية هاته لن تتحقق بالشعارات ولا بالنوايا الحسنة وحدها، بل تستلزم مراجعة عميقة لطرائق الاشتغال وأساليب القيادة، بما يعيد الاعتبار للممارسة التنظيمية الرصينة القائمة على الشفافية، والنقد البناء وتجديد النخب النقابية، وربط المسؤولية بالمحاسبة التنظيمية الحقة. فالإصلاح النقابي يبدأ حين يتحرر الفاعل النقابي من وهم العظمة و”المناضل الوحيد’، ويستمد قوته من القاعدة التي يمثلها، فيصغي لنبضها، ويعكس إرادتها، ويقطع مع كل أشكال التوجيه الحزبي والحكومي أولا، ويرسخ لثقافة العمل المؤسسي الجماعي لا لثقافة “الزعيم” الذي يختزل النقابة في شخصه.
خاتمة:
وفي الأخير، فان هذا الرأي، وإن كان اجتهادا شخصيا، فإنه يستمد في اعتقادنا، مشروعيته من ممارسة نقابية ميدانية متواضعة، ومسؤولية تنظيمية تجاوزت خمسة وعشرين عاما، مما يمنحه بعدا عمليا وتجريبيا يثري التحليل، دون ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة. فالصواب نسبي، والمقصد واحد: خدمة العامل ولاشيء غير العامل.
وكما أن قول الحقيقة، وإن كانت قاسية، يظل دواء شافيا يطهر الجسد النقابي من علله، ويعيده إلى أصله، ويؤسس لوحدة صادقة تجمع المناضلين الأحرار في نقابة مستقلة جامعة واحدة، لا متفرقة ولا “متناحرة.”
—————————————–
بعض المراجع ذات الصلة:
-محمد الساسي، النقابة والحزب: قراءة في التجربة المغربية، مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية – مدى، الرباط، 2015.
-محمد عابد الجابري، المسألة النقابية في المغرب: جدلية الحرية والتنظيم، مجلة أقلام، عدد خاص حول العمل النقابي، 1980.
-عبد اللطيف المنوني، الحركة النقابية المغربية: النشأة والتطور، منشورات كلية الحقوق، الرباط، 1991.
-عياش البير، الحركة النقابية في المغرب: 1919-1942، الجزء الأول. ترجمة: نور الدين سعودي. مراجعة: العربي مفضال، الدار البيضاء: دار الخطابي، الطبعة الأولى ،1988.
عياش البير، الحركة النقابية في المغرب مغربة الحركة 1943-1948، الجزء الثاني. ترجمة: نور الدين سعودي. الدار البيضاء: دار الخطابي، 1989.
-وثائق الاتحاد المغربي للشغل (UMT): البيانات التأسيسية وتقارير المؤتمرات (1955–1975).
-Thierry Desrues, Syndicalisme et politique au Maroc : entre autonomie et dépendance, Revue des Mondes Musulmans et de la Méditerranée, n°107, 2005.





