الأساس القانوني لتكييف الانتحار المهني كحادثة شغل في ظل التشريع المغربي : دراسة تحليلية مقارنة الباحثة : فاطمة أصوفي
الأساس القانوني لتكييف الانتحار المهني كحادثة شغل في ظل التشريع المغربي : دراسة تحليلية مقارنة
“The Legal Basis for Classifying Occupational Suicide as a Work Accident under Moroccan Legislation: An Analytical Comparative Study”
الباحثة : فاطمة أصوفي
باحثة بسلك الدكتوراه كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة ابن زهر، أكادير
هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 60 الخاص بشهر أكتوبر/ نونبر 2025
رابط تسجيل الاصدار في DOI
https://doi.org/10.63585/EJTM3163
للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

الأساس القانوني لتكييف الانتحار المهني كحادثة شغل في ظل التشريع المغربي : دراسة تحليلية مقارنة
“The Legal Basis for Classifying Occupational Suicide as a Work Accident under Moroccan Legislation: An Analytical Comparative Study”
الباحثة : فاطمة أصوفي
باحثة بسلك الدكتوراه كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة ابن زهر، أكادير
الملخص:
يمثل الانتحار المهني إشكالية قانونية ونفسية معقدة في المغرب، حيث لا يحظى باعتراف رسمي كحادثة شغل قابلة للتعويض، مما يضع الأجراء وذوي حقوقهم أمام فراغ تشريعي يهدد مصالحهم. ورغم الجهود المبذولة لتنظيم علاقات الشغل وضمان بيئة عمل آمنة، فإن النصوص الحالية ما تزال غير كافية لحماية الصحة النفسية للأجراء، خصوصا مع تزايد الضغوط المرتبطة بثقافة العمل المفرط، التنمر، وعدم التوازن بين الحياة المهنية والشخصية.
يهدف هذا المقال إلى تحليل الأساس القانوني لتكييف الانتحار المهني كحادثة شغل في المغرب، مع الاستفادة من التجارب الدولية المقارنة التي أولت أهمية خاصة للضغوط النفسية في بيئة العمل. وتخلص الدراسة إلى ضرورة تدخل المشرع المغربي بشكل عاجل لتوسيع مفهوم حوادث الشغل بحيث يشمل المخاطر النفسية، مع وضع آليات واضحة لإثبات العلاقة السببية بين ظروف العمل والانتحار، وذلك من أجل تعزيز الحماية الاجتماعية وضمان بيئة مهنية صحية وآمنة.
Abstract
Occupational suicide represents a complex legal and psychological issue in Morocco, where it is not officially recognized as a compensable workplace accident. This legal void places employees and their beneficiaries in a precarious position, potentially jeopardizing their rights and interests. Despite ongoing efforts to regulate labor relations and ensure a safe working environment, existing legislation remains insufficient to safeguard workers’ mental health—particularly in light of mounting pressures stemming from excessive work culture, workplace bullying, and the lack of balance between professional and personal life.
This article aims to analyze the legal foundations for classifying occupational suicide as a workplace accident in Morocco, drawing on comparative international experiences that have given particular attention to psychological stress in the workplace. The study concludes with an urgent call for legislative intervention to broaden the definition of workplace accidents to include psychological risks. It also advocates for the establishment of clear mechanisms to prove the causal link between working conditions and suicide, in order to strengthen social protection and ensure a healthy and safe professional environment.
مقدمة
يعد توفير بيئة عمل صحية وآمنة حقا أساسيا لكل أجير، والتزاما قانونيا يقع على عاتق المشغل، ولا يقتصر هذا الالتزام على الحماية الجسدية فحسب، بل يشمل أيضا الصحة النفسية باعتبارها ركيزة في استقرار الأجير وقدرته على أداء مهامه.
وقد كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية أن15% من الأشخاص في سن العمل يعانون من اضطرابات نفسية قد تؤدي أحيانا إلى الانتحار، مسببة خسارة ما يقارب12 مليار يوم عمل سنويا[1]. هذه الأرقام تعكس حجم المخاطر النفسية عالميا، وتؤكد الحاجة إلى تدخل تشريعي يفرض على المشغلين اتخاذ تدابير وقائية فعالة لحماية الأجراء، ترسيخا للطابع الحمائي الذي يشكل جوهر القانون الاجتماعي.
كما أظهرت تقارير أخرى، مثل تقرير”Mental Health Foundation”، أن أكثر من نصف الأمراض المهنية ذات طبيعة نفسية[2]، مما يبرز ضرورة إدماج البعد النفسي ضمن أولويات التشريع المهني. أما على الصعيد العملي، فقد أظهرت بيانات هيئة السلامة والصحة المهنية في نيوزيلندا أن 12% من حالات الانتحار مرتبطة مباشرة بالضغوط المهنية مثل المطالب المرتفعة والتنمر والإرهاق الناتج عن ساعات العمل الطويلة…[3].
كما كشفت دراسة تحليلية أن ضغط العمل يضاعف احتمالات التفكير في الانتحار بنسبة تقارب 1.9 مرة[4]، مما يعكس الأثر العميق للبيئة المهنية السلبية على الصحة النفسية، ويبرز الحاجة إلى تنظيم قانوني يحمي الأجراء من هذه المخاطر المتفاقمة.
ويكتسي الموضوع أهمية خاصة، إذ أصبح الأجير معرضا بشكل متزايد لمخاطر نفسية مزمنة في ظل ثقافة العمل المفرط، وغياب الدعم المؤسسي، واختلال التوازن بين الحياة المهنية والشخصية للأجير.
ورغم أن العديد من الدول، مثل فرنسا[5] وكندا[6] واليابان[7]…، خطت خطوات متقدمة في إدماج الصحة النفسية ضمن سياساتها التشريعية، فإن الوضع في المغرب يظل مختلفًا. فبالرغم من الجهود المبذولة من خلال مدونة الشغل والقانون رقم 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل، لا يزال الانتحار المهني غير معترف به قانونيًا كحادثة شغل[8]، وهو ما يكرس فراغا تشريعيا ينعكس سلبا على حماية الأجراء وذويهم.
تواجه مسألة الاعتراف بالانتحار المهني كحادثة شغل عدة تحديات قانونية وعملية، لعل أبرزها غياب نص تشريعي صريح ينظم هذه الوضعية، وضعف آليات المراقبة داخل المقاولات، إلى جانب الصعوبة في إثبات العلاقة السببية بين ظروف العمل والفعل الانتحاري، ويزداد الأمر تعقيدا نتيجة التداخل القائم بين الطابع الإرادي للانتحار، الذي قد يفهم على أنه فعل شخصي محض، والطابع الفجائي وغير المتوقع الذي يشترطه المشرع[9] لتكييف الانتحار كحادثة شغل، مما يؤدي إلى فراغ قانوني يعقد تحميل المسؤولية للمشغل.
أمام هذا الواقع، يثار التساؤل المركزي:
إلى أي حد يمكن تكييف الانتحار المهني كحادثة شغل وفق التشريع المغربي، وما هي الأسس القانونية لإقرار مسؤولية المشغل في مثل هذه الحالات؟
وتنبثق عن هذا التساؤل أسئلة فرعية:
- ما هو الإطار المفاهيمي للانتحار المهني وما علاقته بالبعد الوقائي لمسؤولية المشغل ؟
- كيف يتعامل القضاء مع حالات انتحار الأجير داخل المقاولة أو خارجها ؟
- ما حدود الإثبات المطلوبة للاعتراف بالانتحار كحادثة شغل ؟
للتعامل مع هذه الإشكالية، سيتم تناول الموضوع وفق التقسيم الآتي :
- المبحث الأول: الانتحار المهني بين الإطار المفاهيمي والبعد الوقائي لمسؤولية المشغل
- المبحث الثاني: انتحار الأجير: الإشكاليات القانونية وآفاق المسؤولية
المبحث الأول : الانتحار المهني بين الإطار المفاهيمي والبعد الوقائي لمسؤولية المشغل
إن مسألة الانتحار المهني من القضايا الحساسة التي تتداخل فيها العوامل النفسية والاجتماعية والمهنية، حيث تظهر التأثيرات السلبية للبيئة الضاغطة على الصحة النفسية للأجراء. وبالتالي، يصبح من الضروري فهم هذا المفهوم بشكل دقيق لتحديد الأسباب والظروف التي تؤدي إلى هذه الظاهرة، مما يتطلب التصدي لها من منظور قانوني ونفسي (المطلب الأول). بناءً على ذلك، يجب على التشريعات الوطنية والمؤسسات تبني استراتيجيات وقائية تعزز الصحة النفسية وتحد من عوامل الضغط؛ فالأمر لا يقتصر على تحسين ظروف العمل من الناحية البدنية فقط، بل يشمل أيضا توفير الدعم النفسي للأجراء. ومنه، يعتبر الالتزام القانوني بالمحافظة على الصحة النفسية للأجراء خطوة أساسية، حيث يمكن أن يلعب دورا محوريا في تقليص حالات الانتحار المهني أو الحد منها (المطلب الثاني).
المطلب الأول : مفهوم الانتحار المهني
في البداية، سنتوقف عند مفهوم الانتحار (الفقرة الأولى)، ثم الانتقال لتسليط الضوء على مفهوم الانتحار المهني (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى : مفهوم الانتحار: مقاربة قانونية ونفسية
يُعرف الانتحار باعتباره فعلا إراديا يهدف إلى إنهاء الحياة. وقد تناول دوركايم (Durkheim)[10] هذه الظاهرة باعتبارها “كل حالة موت تنجم مباشرة أو غير مباشرة عن فعل إيجابي أو سلبي تنفذه الضحية ذاتها وهي واعية بالنتيجة”.
فمن الناحية القانونية، تختلف التشريعات العالمية في كيفية تعاملها مع الانتحار، حيث نجذ أن القانون المغربي لا يعتبر الانتحار نفسه جريمة، ولكنه يعاقب على التحريض أو المساعدة على الانتحار بالسجن من سنة إلى خمس سنوات وغرامة وفقا للفصل 407 من القانون الجنائي المغربي[11]، وتتضاعف هذه العقوبة إذا ارتكبت الجريمة ضد قاصر أو امرأة بسبب جنسها.
أما في فرنسا، فالوضع مشابه من حيث عدم اعتبار الانتحار أو محاولة الانتحار جريمة، إلا أن القانون الفرنسي وسع من نطاق فرض المسؤولية، بحيث يعاقب على التحريض أو المساعدة على الانتحار، سواء كان الجاني شخصا ذاتيا أو اعتباريا، وفقا للمادة -13223 من قانون العقوبات الفرنسي[12]. وبالتالي يتضح أن القانون الفرنسي يعكس توجها أوسع في تحميل المسؤولية، في حين يركز القانون المغربي بشكل خاص على حماية الأشخاص الذاتيين دون التطرق لمسؤولية الأشخاص الاعتباريين.
دوليا، يعتبر الحق في الحياة من الحقوق الأساسية وفق المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان(1948)[13]، وهو ما يؤكده الدستور المغربي الحالي في الفصل 20 منه[14].
ومن المنظور النفسي، يُنظر إلى الانتحار كنتيجة محتملة لعوامل نفسية معقدة، فغالبا ما يرتبط باضطرابات مثل الاكتئاب الشديد، القلق، الإرهاق، وهي حالات تؤدي إلى تدهور الحالة النفسية للفرد ودفعه إلى اتخاذ قرار إنهاء حياته، مما عكس الارتباط الوثيق بين الانتحار واضطرابات الصحة النفسية[15]، ويمكن أيضا أن يكون الانتحار ناتجا عن معاناة مستمرة بسبب أمراض جسدية مزمنة أو مؤلمة لا تحتمل، التي تؤثر سلبا على حياة الفرد وتدفعه للشعور بالعجز واليأس، ما يجعله يرى في الانتحار الوسيلة الوحيدة للتخلص من الألم.
الفقرة الثانية : مفهوم الانتحار المهني
يكتسب الانتحار المهني طابعا خاصا، لارتباطه المباشر بظروف العمل التي تفرض ضغوطا نفسية واجتماعية متراكمة. وقد شهدت شركات كبرى مثل France Télécom وRenault وEDF موجات انتحار أثارت جدلا كبيرا حول العلاقة بين بيئة العمل وتفاقم المعاناة النفسية.
ويرى الباحث كريستوف ديجورز أن هذه الحوادث لم تعد عرضية، بل تعكس أزمة بنيوية ناجمة عن تفكك الروابط الاجتماعية وثقافة مهنية تهمش الاعتراف بالمعاناة النفسية. وفي هذا السياق، يبرز ديجورز أن التعبير عن المعاناة في بيئة العمل ظل لفترة طويلة من المحرمات، نتيجة لثقافة مهنية تعلي من شأن القوة والصلابة وتنبذ أي مظهر للضعف، مما يجعل الأجراء يتجنبون الإفصاح عن معاناتهم خشية فقدان مكانتهم المهنية. وبالموازاة مع ذلك، فإن غياب الدعم الاجتماعي في ظل ضعف دور النقابات، يُفاقمان الوضع ويزيدان من حوادث الانتحار[16].
وبناءً على ذلك، فإن معالجة هذه المعاناة لا ينبغي أن تقتصر على الرؤية السلبية أو الشعور بالذنب، بل يجب أن تكون موجهة نحو تعزيز القدرة على مواجهة هذه الضغوط بشكل عقلاني. ومنه، يتعين أن تأتي الحلول من خلال إعادة تنظيم بيئة العمل، وهو ما يستدعي التفاوض المستمر بين الأجراء والمشغلين.[17]
ويرتبط الانتحار المهني بعدم التزام المؤسسات في توفير بيئة عمل ملائمة، وهو ما يتعارض مع الحق في العمل في ظروف آمنة وصحية الذي تنص عليه المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان[18]، والمادة24 من مدونة الشغل[19]، غير أنها لم تشر صراحة إلى الصحة النفسية، وهو ما يمثل فراغا تشريعيا مقارنة بالمادة L4121-1[20]من قانون العمل الفرنسي، التي تُلزم المشغل باتخاذ كل الإجراءات الضرورية لحماية الصحة النفسية للأجراء.
في اليابان، ارتبط المفهوم بظاهرتي كاروشي-Karoshi (الموت بسبب الإفراط في العمل) وكاروجيساتسو karo-jisatsu (الانتحار بسبب ضغط العمل)[21]، حيث تعكس ارتباط الضغط المهني المزمن بأمراض جسدية ونفسية قد تنتهي بالموت أو الانتحار. وتُظهر هذه المفاهيم كيف يمكن أن تتحول بيئة العمل من إطار للإنتاج إلى مصدر خطر حقيقي على حياة الأجير، خصوصا حين تهيمن عليها ثقافة العمل المفرط، وتغيب فيها الحدود بين الحياة المهنية والخاصة[22]، وفي هذه الحالات يصبح الانتحار أو الوفاة نتيجة مباشرة للضغوط الهائلة المرتبطة بالعمل، مما يجعل بيئة العمل عامل خطر رئيسي بدلا من كونه مجرد مسبب ثانوي.
وباختصار تام، يمكن فهم الانتحار المهني على أنه نتيجة لتفاعل عدة عوامل مهنية، نفسية، وثقافية تتجمع لتشكل بيئة غير صحية تؤدي إلى نهاية مأساوية، سواء عبر الانهيار الجسدي (كاروشي) أو النفسي (كاروجيساتسو).
كما تسهم العوامل الثقافية، مثل الولاء للمؤسسة[23] الذي قد يدفع الأجير إلى قبول العمل الإضافي غير المدفوع بدافع الالتزام أو الرغبة في تحقيق أهداف المؤسسة، إلى جانب ثقافة العمل التي تشجع على الاستمرار في العمل لساعات طويلة في ترسيخ ثقافة العمل المفرط، وتؤدي هذه العوامل إلى صعوبة الفصل بين الحياة المهنية والشخصية، مما يعرض الأجير لضغوط نفسية مستمرة قد تتفاقم في بعض الحالات لتؤثر على صحته الجسدية والنفسية. وفي النهاية، قد تؤدي هذه الضغوط إلى الانتحار، مما يجسد مفهوم الانتحار المهني[24].
وفي بعض بيئات العمل، قد تؤدي المحاباة وعدم العدالة في توزيع الفرص والموارد إلى تصاعد الضغوط النفسية على الأجراء، خاصة عندما يُمنح التفضيل لمجموعة معينة بناءً على الولاء الشخصي أو الانتماءات الداخلية بدلا من الأداء المهني. هذا التمييز يشعر الأجراء الآخرون بالتهميش والإهمال، مما يعمق لديهم مشاعر الإحباط وفقدان القيمة الذاتية، ويضعهم تحت ضغط نفسي مستمر[25].
إذن، يمكن القول إن الانتحار المهني هو نتيجة تفاعل بين ضغوط مهنية مزمنة وعوامل نفسية وثقافية تؤدي إلى فقدان التوازن النفسي وانتهاء حياة الأجير.
بعد استعراض الإطار المفاهيمي للانتحار، نتناول الآن البعد الوقائي لمسؤولية المشغل في حماية صحة الأجراء.
المطلب الثاني: البعد الوقائي لمسؤولية المشغل
يتطلب الحديث عن البعد الوقائي لمسؤولية المشغل، التوقف عند الالتزام القانوني بالسلامة المهنية (الفقرة الأولى)، ثم الانتقال لآليات الوقاية والمراقبة للحفاظ على صحة وسلامة الأجراء (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: الالتزام القانوني بالسلامة المهنية
يمثل التزام المشغل بتوفير بيئة عمل آمنة وصحية من المبادئ الأساسية في قانون الشغل، حيث يشمل ذلك حماية الأجراء من مختلف المخاطر التي قد يتعرضون لها أثناء أداء مهامهم، لذلك، يتوجب على المشغل اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة لضمان سلامة الأجراء وصحتهم.
على الصعيد الدولي، أولت منظمة العمل الدولية أهمية كبيرة لمسألة الصحة والسلامة المهنية من خلال إصدار الاتفاقية رقم 155[26]، التي تنص على ضرورة صياغة سياسة وطنية شاملة بشأن السلامة والصحة المهنية في كل دولة عضو، تشمل الحماية من المخاطر النفسية.
تماشيا مع هذا التوجه الدولي، قام المغرب بتقنين حماية صحة وسلامة الأفراد في دساتيره، حيث ينص الدستور الحالي[27] على ضرورة حفظ السلامة الجسدية والمعنوية لمواطنيه، مما يعكس التزام بلادنا بحماية الصحة العامة للأفراد.
وفي إطار مدونة الشغل المغربية، تم التأكيد على حماية صحة وسلامة الأجراء من خلال مجموعة من المواد القانونية التي تحدد مسؤولية المشغل في هذا الإطار، حيث تفرض المادة 24 من المدونة على المشغل اتخاذ التدابير الضرورية لضمان سلامة وصحة[28] الأجراء وكرامتهم. ورغم أن النص لا يذكر بشكل صريح “الصحة النفسية”، فإن هذا الالتزام يمكن تفسيره بأنه يشمل الحماية من الضغوط النفسية المرتبطة ببيئة العمل، كالتنمر وسوء المعاملة أو العبء المهني الزائد، التي قد تؤدي إلى تدهور الصحة النفسية للأجراء، مما قد يؤدي في بعض الحالات إلى الانتحار.
في فرنسا، تنص المادة L.4121-1 من قانون العمل الفرنسي على إلزام المشغل باتخاذ كل الإجراءات الضرورية لحماية الصحة الجسدية والنفسية، ما يجسد فرقا واضحا مع التشريع المغربي.
الفقرة الثانية : آليات الوقاية والمراقبة للحفاظ على صحة وسلامة الأجراء
لتعزيز هذه الحماية، خلق المشرع المغربي مجموعة من الأجهزة داخل المقاولة كالمصالح الطبية للشغل ومفتشية الشغل، ولجنة حفظ الصحة والسلامة بالإضافة إلى لجنة المقاولة، لتتولى مراقبة وتنفيذ التدابير المتعلقة بحفظ صحة الأجراء وسلامتهم، حيث تقوم هذه اللجان باستقصاء وتقييم المخاطر المهنية التي قد يتعرض لها الأجراء، والتأكد من تطبيق النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالسلامة والصحة المهنية، كما تلزم اللجنة بإجراء تحقيق في كل حادثة شغل يتعرض لها أحد الأجراء، مما يسهم في الحد من المخاطر الجسدية والنفسية التي قد تنشأ عن العمل.
وفي نفس التوجه، فرضت مدونة الشغل المغربية[29] على المشغل اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة لحماية الأجراء من مخاطر الشغل، كما أوجب المشرع على المشغل إخضاع الأجراء الذين يعتزم تشغيلهم لفحص طبي مسبق، وإلزامهم بإجراء هذا الفحص بشكل دوري[30].
يمثل الفحص الطبي الأولي ضمانة قانونية لتحديد مسؤولية المشغل في حالات الانتحار المهني، خاصة إذا أثبتت التقارير الطبية أن الضغوط المرتبطة بالعمل أسهمت في تدهور صحة الأجير النفسية.
وبالتالي، فالفحص الطبي الأولي هو بمثابة خطوة مهمة لتحديد العلاقة السببية بين بيئة العمل وصحة الأجير، ما قد يؤدي إلى تحميل المشغل مسؤولية الانتحار المهني إذا ثبت أن ظروف العمل كانت عاملا مباشرا في تدهور الحالة النفسية للأجير.
من المهم أيضا أن نلاحظ أن مدونة الشغل تنص على أن طبيب الشغل[31] مؤهل لاقتراح تدابير فردية تتعلق بتعديل ظروف عمل الأجير، كنقله من شغل إلى آخر أو تحويل منصب الشغل، وذلك بناء على عوامل مثل سن الأجير وقدرته البدنية أو حالته الصحية[32].
ومع ذلك، يظل النص المغربي محدودا نسبيا مقارنة بالقانون الفرنسي، الذي ينص في المادة L.4624-3[33] على أنه يمكن لطبيب الشغل اقتراح كتابة وبعد التشاور مع الأجير والمشغل، تدابير فردية تتعلق بتعديل أو تكييف أو تغيير منصب العمل أو تدابير تتعلق بتعديل ساعات العمل، بناء على اعتبارات مرتبطة بالعمر أو بالحالة الصحية الجسدية أو النفسية لللأجير، وهذا يعكس أن النص الفرنسي أضاف جوانب أخرى مثل تعديل ساعات العمل، ويشمل كذلك الصحة النفسية إلى جانب اشتراط التشاور مع الأجير والمشغل قبل اتخاذ أي تدبير.
في هذا السياق، يثار تساؤل مهم حول الإجراءات الواجب اتباعها في حالة رفض المشغل تنفيذ التدابير المقترحة من قبل طبيب الشغل، مستغلا بذلك سلطته التنظيمية؟
قد عالج المشرع المغربي هذه المسألة في الفقرة الأخيرة من المادة 320 من مدونة الشغل، حيث منحت هذه الفقرة للعون المكلف بتفتيش الشغل صلاحية اتخاذ القرار المناسب بعد استشارة طبيب الشغل في حالة حدوث صعوبات أو عدم الاتفاق.
ويمثل هذا النص اختبارا لاستقلالية طبيب الشغل في مواجهة سلطة المشغل، فإذا تطابق قرار مفتش الشغل مع المقترحات المقدمة من طبيب الشغل، فإن رفض المشغل تنفيذ تلك التدابير يعرضه للمسؤولية المدنية، ويتمثل هذا الرفض في تقصير المشغل في اتخاذ الوسائل القانونية الضرورية لضمان الحفاظ على شروط الصحة والسلامة في العمل، وتجدر الإشارة إلى أن قرار مفتش الشغل في هذه الحالة يعتبر قرارا إداريا، ويمكن أن يؤدي إلى عقوبات زجرية إذا ثبت عدم الامتثال[34].
بناءً على ما تقدم، يتحمل المشغل المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأجراء نتيجة عدم احترامه لأحكام السلامة والصحة المهنية[35]، إذ قد تنشأ المسؤولية إذا ترتبت أضرار مادية أو معنوية على الأجراء نتيجة الإهمال في توفير بيئة عمل آمنة، ورغم ذلك لا تزال هناك حاجة إلى سن نصوص قانونية وطنية تتعلق بالصحة النفسية في بيئات العمل لضمان حماية أكبر للأجراء.
كما تؤكد منظمة العمل الدولية أن توفير بيئة عمل صحية لا يقتصر على التدابير الجسدية فقط، بل يشمل أيضا تقديم خدمات دعم نفسي كجزء من سياسات السلامة المهنية. لذا، من الضروري أن تسعى المقاولات إلى وضع إجراءات وقائية للتعامل مع الضغوط النفسية وتوفير الدعم اللازم للأجراء، إذ إن عدم اتخاذ هذه التدابير قد يؤدي إلى تحميل المقاولة مسؤولية قانونية جسيمة.
بينما يركز التشريع الفرنسي[36] -على سبيل المثال- على تضمين الحماية النفسية ضمن السياسات الصحية في العمل، لا تزال مدونة الشغل المغربية تركز بشكل أكبر على الجانب الجسدي دون الاهتمام الكافي بالصحة النفسية، مما يؤثر على تحديد مسؤولية المشغل عن المخاطر التي يتعرض لها الأجراء.
بل وأكثر من ذلك، استثنى المشرع المغربي الأجراء الذين يعملون من منازلهم من المقتضيات المتعلقة بحفظ صحة الأجراء وسلامتهم، فالمادة 295 من مدونة الشغل المغربية[37] تنص على أن القواعد الصحية السارية على هؤلاء الأجراء، والالتزامات المنوطة بالمشغلين الذين يستنجزون أشغالا منزلية، تحدد بموجب نص تنظيمي. ومع ذلك، لم يتم إصدار أو تفعيل هذا النص التنظيمي حتى الآن.
تحتوي مدونة الشغل المغربية على أدوات قانونية مهمة لحماية الأجراء من ضغوط الشغل، إلا أن هناك حاجة ماسة للاهتمام بالصحة النفسية، مع ضرورة ضمان تطبيق هذه النصوص بفعالية على أرض الواقع. ورغم أن المدونة لا تشير بشكل مباشر وصريح إلى “الحماية النفسية” للأجير بلفظ محدد، فإنها تتضمن إشارات ضمنية لحماية الصحة العامة، التي يمكن أن تشمل الصحة النفسية، في إطار التزام المشغل اتخاذ التدابير اللازمة لضمان سلامة الأجراء أثناء أداء مهامهم.
وفي هذا السياق، يتعين على المقاولة وضع إجراءات وقائية للتعامل مع الضغوط النفسية في العمل، مثل توفير خدمات الدعم النفسي للأجراء أو تسهيل الوصول إلى مستشاري الصحة النفسية، فغياب مثل هذه التدابير قد يفسر على أنه إخلال بواجبات المشغل في العناية اللازمة بأجرائه، وهو ما قد يُعرض المقاولة للمساءلة القانونية.
في ضوء ما سبق، يتعين على المشغلين تعزيز الالتزام بحماية صحة الأجراء سواء في بيئة العمل التقليدية أو الرقمية، وذلك من خلال وضع تدابير وقائية فعالة، وتطوير آليات مراقبة لتنفيذ هذه التدابير، مما يضمن بيئة عمل شاملة تحمي صحة الأجراء النفسية والجسدية على حد سواء، ويأتي ذلك تماشيا مع نهج المشرع الفرنسي الذي ظل مواكبا للتطور الحاصل في عالم الشغل وتجاوز المفهوم التقليدي للصحة الذي يقتصر فقط على السلامة الجسدية فقط.
ختاما، رغم توفر بعض الأدوات القانونية، يظل القصور التشريعي المغربي بارزا في النقاط التالية:
- غياب نص صريح يعترف بالضغوط النفسية كخطر مهني.
- ضعف إدماج الصحة النفسية ضمن إجراءات الوقاية مقارنة بفرنسا.
- قصور في متابعة تنفيذ التدابير على أرض الواقع.
المبحث الثاني : انتحار الأجير : الإشكاليات القانونية وآفاق المسؤولية
تشكل ظاهرة الانتحار المرتبطة بالعمل قضية معقدة تثير تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة؛ إذ في ظل الضغوط المتزايدة التي تعاني منها بيئات العمل، يصبح من الضروري تصنيف هذه الحالات كحوادث شغل وتحديد المسؤوليات القانونية الملقاة على عاتق المشغلين. علاوة على ذلك، فإن غموض النصوص القانونية الحالية في هذا المجال، يبرز الحاجة الملحة لوضع معايير واضحة تحدد نطاق المسؤولية وتضمن حقوق الأجراء، حيث أن بعض الأجراء يمكن أن يختاروا إنهاء حياتهم أثناء تواجدهم داخل المقاولة (المطلب الأول)، بينما يقدم آخرون على الانتحار بعيدا عن مقر عملهم (المطلب الثاني).
المطلب الأول : انتحار الأجير داخل المقاولة
نبتغي من هذا المطلب أساسا التوقف عند الإطار القانوني والقضائي لانتحار الأجير داخل المقاولة (الفقرة الأولى)، ثم التعريج كيفية إثبات العلاقة السببية ومسؤولية المشغل (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: الإطار القانوني والقضائي لانتحار الأجير داخل المقاولة
تعد الصحة النفسية للأجير أحد العوامل الحاسمة في تحديد كفاءته وإنتاجيته في بيئة العمل، وأي إخلال بها قد يقوده إلى سلوكيات خطيرة كالانتحار، فغياب الدعم النفسي المناسب قد يفاقم من الأمراض المهنية ويزيد من خطورتها، مما يجعل توفير الرعاية النفسية أمرا أساسيا لحفاظ الأجراء على توازنهم النفسي والتوافق مع بيئة العمل[38].
في السنوات الأخيرة، ارتفعت نسبة انتحار الأجراء في شركات عالمية كبرى بشكل ملحوظ، رغم أن حالات الانتحار المرتبطة بظروف العمل لم تكن شائعة إلا في العشرين سنة الماضية. وتشير عالمة النفس آني ثيبو-موني (Annie Thébaud-Mony) إلى أن هذه الظاهرة ترتبط بعوامل مهنية متعددة. نتيجة لذلك، تتدهور ظروف عمل العديد من الأجراء الذين يتم التضحية بهم لتحقيق أرباح سريعة بأقل التكاليف[39]، وهذا يثير تساؤلا حول طبيعة العوامل المهنية التي قد تصبح غير محتملة للأجير وتدفعه إلى إيذاء نفسه؟
يعد الضغط المهني من الأسباب الرئيسية للانتحار المرتبط بالعمل، حيث تسهم الضغوطات المفرطة مثل الأهداف غير الواقعية، والإرهاق المستمر، وعدم الاستقرار المهني، في زيادة معدلات الاكتئاب والقلق بين الأجراء[40].
كما تساهم ظروف العمل السلبية، مثل الإهانة، التمييز، والتنمر، بشكل كبير في تدهور الصحة النفسية للأجراء، فالأفراد الذين يتعرضون لهذه الظروف غالبا ما يشعرون بالعزلة واليأس، مما يؤثر على قدرتهم على التفاعل الاجتماعي بشكل إيجابي. بالإضافة إلى ذلك، يؤدي إهمال الإدارة لقضايا الإرهاق وعدم معالجتها إلى تفاقم مشاعر الإحباط، حيث تصبح بيئة العمل مكانا يعزز القلق والتوتر، مما يزيد من احتمالية اتخاذ قرارات خطيرة كالانتحار في حالات معينة.
كما نجد أيضا أن العوامل النفسية الفردية، كضعف القدرة على التعامل مع الضغوط النفسية والمشاكل الشخصية، تلعب دورا مهما في زيادة خطر الانتحار المهني، حيث يكون الأشخاص الذين يعانون من مشاكل نفسية مزمنة أكثر عرضة للتأثر بالضغوط المهنية بشكل مدمر[41].
وبالنظر إلى هذه العوامل المختلفة التي تسهم في الانتحار المهني، يثار التساؤل حول إمكانية إثبات العلاقة السببية بين ظروف العمل وانتحار الأجير والاعتراف به كحادثة شغل في ظل ظروف معينة؟
باستقراء المادة الثالثة[42] من القانون 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل، يتضح أن مفهوم حادثة الشغل يشمل أي ضرر يلحق بالمستفيد من أحكام هذا القانون، سواء كان إصابة جسدية أو نفسية تؤدي إلى عجز جزئي أو كلي، مؤقتا أو دائما. ورغم أن النص لم يشر بشكل مباشر إلى الوفاة، واقتصر على حالات العجز، فإن نطاق التفسير القانوني يمكن أن يمتد ليشمل الحالات التي تؤدي إلى وفاة الأجير بسبب ظروف العمل، خاصة إذا ثبت أن الضغوط النفسية المهنية لعبت دورا رئيسيا في تفاقم حالته النفسية، مما أدى إلى انتحاره.
ويمكن اعتبار أن مجرد وقوع الانتحار داخل المقاولة يصبح دليلا قويا على ارتباطه بالعمل، إلا أن هذا الافتراض ليس مطلقا، إذ يتعين على المشغل الادلاء بما يثبت انتفاء العلاقة السببية بين العمل والانتحار، وفي غياب الإثبات، قد تعتبر المحكمة الانتحار حادثة شغل، مما يترتب عليه إلزام المشغل بالتعويض وفقا لأحكام القانون 18.12.
إضافة إلى ذلك، تعتبر محاولة انتحار أحد الأجراء داخل مقر العمل وما تلاها من تعرض أجير آخر لاضطرابات نفسية بمثابة حادثة شغل، حيث أن الضرر النفسي الناتج عن هذه الحادثة، مثل ظهور أعراض الاكتئاب أو القلق الناجم عن الصدمة التي وقعت أثناء ساعات العمل وفي مقر العمل، يُصنف ضمن حوادث الشغل، ولا يُستثنى من ذلك ولا يُستثنى من نطاق الحماية القانونية إلا إذا أثبت المشغل أن تلك الاضطرابات النفسية تعود إلى عوامل خارجية لا علاقة لها بالعمل. توجهنا هذا، يجد سنده في نص المادة الثالثة من القانون 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل. كما أكدت محكمة النقض الفرنسية[43] هذا التوجه، مما يعزز الطابع الحمائي الذي يتميز به القانون الاجتماعي.
وبموجب المادة 155 من القانون 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل، لا يمكن اعتبار الانتحار أو محاولة الانتحار حادثة شغل، إلا إذا تبين أن هذا الفعل مرتبط بالعمل وليس ناتجا عن خطأ متعمد من الأجير والخطأ الذي لا يعذر عنه[44].
وفي هذا الصدد، نستحضر قرار صادر عن محكمة سانت إتيان الصادر في 30 يوليو 2024، الذي أكدت هذا التفسير، لكونها قضت بأن محاولة انتحار أجيرة في مقر عملها هو بمثابة حادثة شغل وفقا للمادة L.411-1 من قانون الضمان الاجتماعي الفرنسي، حيث ثبت أن محاولة الانتحار كانت مرتبطة بشكل مباشر بظروف العمل التي عاشتها الأجيرة، إلا أن الشركة رغم محاولتها نفي الصلة بين الحادث والعمل، لم تتمكن من إقناع المحكمة، التي حكمت لصالح صندوق الضمان الاجتماعي ورفضت طلباتها، مؤكدة على مسؤوليتها المهنية[45].
كما قضت محكمة الاستئناف ب”Douai” سنة 2023، بأن محاولة الانتحار الناتجة عن ظروف العمل التي أدت إلى تدهور الحالة النفسية للأجيرة لا يمكن اعتبارها مبررا للفصل، مما يبرز التوجه القضائي نحو تعزيز حماية الأجير من آثار الضغوط المهنية[46].
يتضح من هذا القرار أهمية التزام الشركات بحماية حقوق الأجراء المتعلقة بصحتهم النفسية، وأن إهمال تلك الحقوق قد يجعل أي إجراء تأديبي، كالفصل، يُعتبر تعسفيا وغير قانوني.
تؤكد هذه الأحكام القضائية أن الضغوط النفسية الناتجة عن ظروف العمل تؤدي إلى تصنيف محاولات الانتحار كحوادث شغل، بغض النظر عن موقع الحادث أو إشراف المشغل المباشر. وقد أوضحت محكمة الاستئناف بفرنسا[47] هذا الأمر، حيث قضت بأن محاولة انتحار الأجير التي وقعت قبل ساعات العمل في موقف السيارات التابع للشركة تُعتبر حادثة شغل، كون المحاولة كانت نتيجة مباشرة لضغوط مهنية شديدة، بما في ذلك استجواب حول أدائه وإخفاقاته المهنية وعلاقاته الشخصية. ورغم أن الشركة اعتبرت المحاولة تمت خارج ساعات العمل الرسمية، إلا أن المحكمة وجدت علاقة سببية واضحة بين الضغوط المهنية والحادث، مما دفعها إلى اعتبار محاولة الانتحار حادثة شغل، وقضت بتعويض الأجير.
الفقرة الثانية : إثبات العلاقة السببية ومسؤولية المشغل
يتطلب إثبات العلاقة بين الانتحار وظروف العمل يتطلب أدلة مثل:
- تقارير طبية أو خبرات نفسية
- رسائل تركها الأجير قبل الانتحار.
- شهادات الزملاء أو المراسلات الداخلية، أو بيئة مهنية سامة.
ويتحمل المشغل عبء نفي هذه العلاقة، وإلا يُعتبر مسؤولا. وعلى سبيل المثال، قضت محكمة النقض في قضية أجير انتحر بعد تعرضه لإصابة في الرأس أنها حادثة شغل، حيث أثبتت الخبرة الطبية أن الانتحار كان نتيجة مباشرة للتأثيرات النفسية الناجمة عن الحادث[48].
وبالمثل، اعتبرت محكمة النقض أن انتحار أجير أثناء ممارسته عمله في مكتبه بمقر الشركة التي كان يعمل بها، بعد تعرضه لحادث سير، حادثة شغل، لكونه كان نتيجة مباشرة للحادث استنادا إلى التقارير الطبية [49].
يبدو أن التقارير الطبية تؤثر بوضوح على قرارات المحكمة في تحديد أسباب الانتحار. ومع ذلك، كلما تبين للمحكمة أن الوفاة ناتجة عن الظروف المهنية، قد لا يكون الملف الطبي ضروريا، وهذا ما أكدته محكمة فرساي في قرارها الصادر بتاريخ 29 أغسطس 2024، حيث رفضت إجراء تحقيقات إضافية حول الملف الطبي المفقود، معتبرة أن الأدلة المتاحة كافية للحكم[50].
فضلا عن ذلك، يمكن اعتبار الرسائل التي يتركها الأجراء قبل انتحارهم دليلا على تصنيف الانتحار كحادثة شغل، ففي قضية مرفوعة ضد شركة فرونس تيليكوم وإدارتها الداخلية، لم يُوجه اللوم إليها إلا في عام 2009، عندما تم اكتشاف رسالة تركها أحد الأجراء المنتحرين، كتب فيها: “لقد أقدمتُ على الانتحار بسبب عملي في شركة فرونس تيليكوم، ولا يوجد أي سبب آخر لهذا الانتحار سوى ذلك”[51].
ومن جهة أخرى، يمكننا التساؤل عن إمكانية تحميل المشغل المسؤولية الكاملة في حال وجود بيئة عمل غير صحية تتسم بالتنمر أو التمييز أو التحرش…، أم أن المسؤولية تكون مشتركة بين الأجراء والمقاولة؟
أظهرت دراسة نرويجية أن الأجراء الذين يعانون من التنمر والتحرش المعنوي أو النفسي[52] والمضايقات في أماكن عملهم، يكونون أكثر عرضة للتفكير في الانتحار مقارنة بمن لا يعملون في بيئة عدائية[53].
إن تعرض الأجير لهذه المضايقات قد يؤدي إلى تحميل المشغل المسؤولية، ليس فقط بسبب عدم اتخاذ تدابير السلامة العامة، ولكن أيضا بناء على التحرش الأخلاقي والتهديد…، الذي يعاقب عليه من الناحيتين الجنائية والمدنية، وهذا ما أكدته محكمة الاستئناف في ميتز في قرارها الصادر بتاريخ 30 أبريل 2024[54] في نزاع بين السيد [[x وشركة Lorraine Cintrage Services. السيد [x] الذي كان يعمل في الشركة منذ عام 2006، تم فصله في أكتوبر 2020 بتهمة “الخطأ الجسيم” نتيجة لسلوكه غير اللائق تجاه زملائه في العمل، المحكمة اعتبرته متورطا في ممارسات تضمنت التحرش اللفظي (الإهانات والتهديد)، مما خلق بيئة عمل عدائية أثرت سلبا على زملائه، خاصة السيد [Y]، الذي تعرض لأزمة نفسية، فالتحقيق الداخلي أكد تلك الاتهامات بشهادات من زملاء آخرين، والمحكمة اعتبرت أن الفصل كان مبررا نظرا لخطورة الأفعال، ورفضت تعويضه.
وفيما يخص التحقيق الجنائي الذي فُتح بعد انتحار السيد [Y] في نوفمبر 2020، أكدت المحكمة أنه لا علاقة له بالفصل، وأُغلق لعدم كفاية الأدلة.
يستنتج من هذا القرار، أن المشغل قد يعفى من المسؤولية الجنائية إذا كانت بيئة العمل غير صحية بسبب تصرفات أجير آخر، ما لم تقدم أدلة قوية تربط تلك الظروف بتصرفات أو إهمال من قبل المشغل. في هذا الإطار، أكدت محكمة النقض على ضرورة وجود دليل قاطع يثبت أن انتحار الأجير ناتج مباشرة عن الضغوط المهنية وليس بسبب عوامل خارجية، مشيرة إلى أن شهادات الزملاء والمراسلات الداخلية، مثل البريد الإلكتروني والشكاوى، يمكن استخدامها لإثبات تعرض الأجير للتنمر أو التحرش، وبالتالي يمكن اعتبار الانتحار حادثة شغل إذا ثبت هذا الارتباط [55].
تتمثل أهمية التزام الشركات بتوفير بيئة عمل آمنة وصحية في تجنب المساءلة الجنائية في حال انتحار أحد الأجراء، إذ يمكن أن تستند المسؤولية الجنائية إلى ستة اتهامات محتملة، كتعريض الأجير لظروف غير لائقة، أو تعريض حياة الآخرين للخطر، كما قد تشمل المسؤولية القتل غير العمد والتحريض على الانتحار، فضلا عن عدم تقديم المساعدة لشخص في خطر أو التحرش النفسي. ومع ذلك، يواجه إثبات العنصر العمدي المطلوب عادة في الجرائم الجنائية تحديات كبيرة تقلل من فرص إثبات الجريمة، وينطبق ذلك أيضا على الجرائم غير العمدية مثل تعريض الآخرين للخطر أو القتل غير العمد، حيث يتطلب إثباتها وجود خطأ ناتج عن الإهمال أو التقصير في الالتزام بواجب الحذر والسلامة المنصوص عليه في القوانين أو اللوائح[56].
أشرنا سابقا إلى أن تحديد المسؤولية في حالات الانتحار المرتبطة بالعمل يتطلب دراسة شاملة تأخذ بعين الاعتبار عدة عوامل، بما في ذلك الحالة النفسية الفردية للأجير والتاريخ الشخصي للاضطرابات النفسية أو المشاكل الشخصية. إذن كيف تؤثر الحالة النفسية والتاريخ الشخصي للأجير، بما في ذلك الاضطرابات النفسية والمشاكل العاطفية أو الأسرية على تحديد المسؤولية في حالات الانتحار؟
من الواضح أن تحديد أسباب الانتحار، سواء كانت مرتبطة بالعمل أو بالحياة الشخصية، يمثل تحديا كبيرا. وتُشير الطبيبة النفسية المتخصصة في أزمات بيئات العمل بريجيت فون لو بري إلى أن الانتحار في مكان العمل يكشف عن تجاوزات داخل الشركة، حيث يواجه الأجراء الذين يقدمون على إنهاء حياتهم ضغوطا نفسية تتجاوز قدرتهم على التحمل، وهذا ما حدث بالفعل في شركة “فرونس تيليكوم”، حيث تعرض العديد من الأجراء الذين أمضوا أكثر من عشرين عاما في بناء مسارهم المهني كمهندسين أو تقنيين لتخفيض رتبهم، حيث وجدوا أنفسهم في النهاية يعملون في مراكز الاتصال لخدمة العملاء أو في محلات بيع الهواتف النقالة[57].
وفي قرار صادر عن محكمة النقض الفرنسية، تم النظر في حالة أجير أقدم على الانتحار بعد تعرضه لكسر في الحوض نتيجة حادثة شغل، وقد اعتمد الخبير على أن هذه الحادثة تسببت في اضطرابات عقلية أدت إلى الانتحار، ومع ذلك لم تتمكن المحكمة من إثبات أنها كانت السبب المباشر للانتحار، نظرا لوجود مشاكل عائلية أثرت أيضا على الحالة النفسية للأجير[58].
وفي سياق مشابه، أكدت محكمة الاستئناف في نانسي في قرارها الصادر بتاريخ 5 سبتمبر 2023، أن المشغل لم يتمكن من إثبات أن انتحار الأجير كان ناتجا عن أسباب شخصية، فالأدلة أظهرت أنه كان يعاني من إرهاق جسدي ونفسي بسبب ظروف العمل القاسية، فقد ترك رسالة توضح ارتباط حالته الصحية المتدهورة ببيئة العمل[59]. بناء على ما تقدم، يتضح أنه متى تم إثبات أن سبب انتحار الأجير مرتبط بظروفه الشخصية، فإن مسؤولية المشغل تنتفي.
وفي قضية السيدة Helen Green ضد Deutsche Bank عام 2006، تعرضت للاعتداء والتنمر من زملائها في العمل، مما تسبب في تدهور حالتها النفسية. ورغم محاولات البنك الدفاع عن نفسه بالإشارة إلى تاريخها النفسي، بما في ذلك مشاكلها النفسية ناتجة عن عوامل وراثية (مرض الفصام الذي أصيبت به والدتها)، أو تاريخها العائلي (صدمة من اعتداء جنسي سابق في طفولتها من قبل والدها بالتبني)، إلا أن المحكمة أيدت أن حالتها النفسية كانت نتيجة الضغط غير الطبيعي في بيئة العمل، وحكمت لها بتعويض عن الأضرار النفسية وفقدان الدخل[60].
في ظل غياب تشريعات واضحة تعالج الإشكاليات المرتبطة بانتحار الأجير ومسؤولية المقاولة، يضطلع القضاء بدور حاسم في تحديد نطاق هذه المسؤولية، من خلال دراسة كل حالة على حدة وتحليل الظروف النفسية والاجتماعية والطبية المحيطة بها، بهدف التوصل إلى حكم عادل يأخذ في الاعتبار خصوصية كل واقعة، ويضمن حماية حقوق الأجراء ضمن إطار قانوني ملائم. ونأمل أن يسير القضاء المغربي على خطى نظيره الفرنسي في اجتهاداته، لضمان عدم حرمان الأجراء الذين حاولوا الانتحار أو ذوي حقوقهم من التعويضات المستحقة وفقا لأحكام القانون 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل.
المطلب الثاني: انتحار الأجير خارج بيئة العمل
إن الحديث عن انتحار الأجير خارج بيئة العمل يتطلب التطرق لحدود الإطار القانوني والقضائي للانتحار خارج بيئة العمل (الفقرة الأولى)، ثم الانتحار المهني بين اختبار سلسلة السببية وتحديات إثبات العلاقة السببية خارج بيئة العمل (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: حدود الإطار القانوني والقضائي للانتحار خارج بيئة العمل
من المهم الإقرار بأن الانتحار المهني لا يقتصر على وقوعه داخل بيئة العمل، إذ قد يلجأ بعض الأجراء المتأثرين بضغوط مهنية شديدة إلى تنفيذه خارج مكان العمل، بينما يتجنبه آخرون تماما، وهو ما قد يستغله المشغل للتنصل من المسؤولية بدعوى غياب العلاقة المباشرة بين الحادث وظروف العمل. غير أن استمرار الضغوط النفسية المرتبطة بالمهنة قد يجعل الأجير معرضا للخطر حتى خارج أوقات العمل، مما يستدعي دراسة شاملة لحياته الشخصية والمهنية لتحديد الأسباب الفعلية واتخاذ موقف قانوني منصف يضمن حماية حقوق جميع الأطراف.
وعلى ضوء هذا، يأتي دور القانون لتحديد ما إذا كان يمكن اعتبار الانتحار حادثة شغل، وذلك من خلال توضيح الشروط والمعايير التي تحكم العلاقة بين مكان وتوقيت الحادثة والعمل نفسه.
في هذا السياق، ينص المشرع في المادة الرابعة من القانون 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل[61] على أن الحوادث التي تحدث أثناء الذهاب والإياب بين محل العمل ومحل إقامة الأجير الرئيسي أو الثانوي، وبين محل العمل والمكان الذي يتناول فيه الطعام، تعتبر حوادث شغل، ولا تعد الحادثة كذلك إذا انحرف الأجير عن مساره المعتاد لأسباب لا تتعلق بالحاجيات الأساسية للحياة أو بالنشاط المهني.
وفقا لهذا، يمكن اعتبار الانتحار خارج مقر العمل حادثة شغل، شريطة أن يكون الحادث وقع ضمن الإطار المحدد في هذه المادة، وأن تكون ظروف العمل السبب المباشر في وقوع الانتحار، و هذا ما أكده قرار محكمة النقض الفرنسية الصادر في 23 يناير 1970، والذي يتعلق بأجير سقط أثناء ذهابه إلى العمل وعُثر عليه مشنوقا بعد يوم، حيث رفضت هيئة الضمان الاجتماعي اعتبار هذه الوفاة حادثة شغل، وأكدت المحكمة أيضا أن الحادثة لم تكن مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالعمل، مما أدى إلى عدم تطبيق افتراض الإسناد القانوني الخاص بحوادث الشغل[62].
وعليه، إذا انتحر الأجير ضمن النطاق الذي حدده المشرع، وتم إثبات أنه كان نتيجة للضغوط النفسية المرتبطة بالعمل، فيمكن اعتباره حادثة شغل، مما يترتب عليه استحقاق التعويض.
إذا كان الأمر كذلك بالنسبة للانتحار الناتج عن حادث الطريق، فهل يمكن اعتبار الانتحار خلال فترة التوقف عن العمل حادثة شغل؟
لقد حدد المشرع في المادة 32 من مدونة الشغل[63] حالات توقف عقد الشغل، التي تختلف نتائجها حسب السبب، سواء كانت راجعة للأجير، مثل المرض أو إصابات الشغل، يثبتهما الطبيب إثباتا قانونيا أو الأمومة…، أو راجعة للمشغل كالتوقيف التأديبي أو الإغلاق القانوني للمقاولة بصفة مؤقتة، وفي حالة حدث التوقف ضمن هذا النطاق الذي حدده المشرع، وتم إثبات أن انتحار الأجير كان نتيجة للضغوط النفسية المرتبطة ببيئة العمل، فيمكن اعتبار الانتحار حادثة شغل، مما يفضي إلى استحقاق التعويض.
ولتوضيح هذا التوجه القانوني بشكل عملي، يمكن الاستدلال بقرار محكمة الاستئناف في متز الصادر بتاريخ 22 يوليو 2024[64]، حيث انتحر السيد [A] في منزله خلال فترة توقفه عن العمل، وتقدمت زوجته بطلب إلى صندوق التأمين الصحي للاعتراف بالوفاة كحادثة شغل، لكنه رفض ذلك، وبعد تقديمها طلب مراجعة وإجراء خبرة طبية، قضت المحكمة الابتدائية في 6 يوليو 2022 بأن الانتحار ناتج عن الضغوط النفسية المرتبطة بالعمل، وأمرت بتعويضها بمبلغ 2000 يورو.
وعندما استأنف صندوق التأمين الصحي الحكم، أكدت محكمة الاستئناف أن الانتحار، رغم وقوعه خلال فترة التوقف عن العمل، كان نتيجة مباشرة للضغوط المهنية، وأوضحت أن الحالة النفسية السيئة التي عانى منها نتجت عن هذه الضغوط، مما يبرر اعتبار الانتحار حادثة شغل.
بذلك، أيدت محكمة الاستئناف الحكم الابتدائي، ورفضت استئناف صندوق التأمين الصحي، وأمرت بتعويض الزوجة بمبلغ 1000 يورو عن النفقات القانونية.
الفقرة الثانية : الانتحار المهني بين اختبار سلسلة السببية وتحديات إثبات العلاقة السببية خارج بيئة العمل
يعد اختبار سلسلة السببية (Chain-of-Causation Test) من الآليات القانونية المعتمدة في بعض الأنظمة، لا سيما في النظام القضائي الأمريكي، لتحديد ما إذا كان الانتحار المهني يمكن اعتباره حادثة شغل قابلة للتعويض، ويقوم هذا الاختبار على مبدأ مفاده أن الانتحار لا يعتبر فعلا إراديا مستقلا إذا كان نتيجة مباشرة لسلسلة من الأحداث بدأت بإصابة مهنية وانتهت باضطراب نفسي أفقد الأجير قدرته على اتخاذ قرارات عقلانية.
وقد تبنت المحكمة العليا بولاية نيوهامبشر هذا الاختبار بشكل صريح في حكمها الصادر سنة 2021 في قضية Pelmac Industries، معتبرة أن الوفاة الناتجة عن الانتحار قابلة للتعويض متى ثبت أن الإصابة المهنية تسببت في اضطراب نفسي خطير أفقد الأجير قدرته على التمييز العقلي السليم، وأن هذا الاضطراب كان نتيجة مباشرة للعمل، دون تدخل عوامل خارجية قاطعة.
ويستند تطبيق هذا الاختبار إلى عناصر جوهرية، أهمها :
- وقوع إصابة أثناء أو بسبب العمل؛
- تسبب هذه الإصابة في اضطراب نفسي شديد ؛
- أن يكون الاضطراب هو السبب المباشر في الانتحار، بحيث يُفقد الأجير القدرة على اتخاذ قرار عقلاني سليم؛
- وأن تكون هذه العلاقة السببية بين الإصابة والانتحار مستمرة وغير منقطعة.
كما أكدت المحكمة أن هذا الاختبار يوازن بين الطبيعة الإرادية للانتحار والحالة النفسية التي قد تُفقد الأجير القدرة على اتخاذ قرارات عقلانية، معتبرة أن وجود هذا التسلسل السببي يجعل الانتحار قابلا للتعويض، شأنه شأن أي نتيجة مباشرة لإصابة مهنية.[65]
بينما يعزز اختبار سلسلة السببية فهمنا لكيفية ربط الحادث بالعمل، فإن حالات الأجيرات الحوامل والنوافس تضيف تحديات إضافية قد تجعل تحديد العلاقة السببية أكثر تعقيدا لكونها ليست دائما واضحة أو مباشرة، إذ تتداخل العوامل البيولوجية والنفسية المرتبطة بالحمل مع الضغوط المهنية. هذه التداخلات تثير تساؤلات حول مدى ارتباط الأضرار النفسية بظروف العمل أو بالعوامل البيولوجية والنفسية الطبيعية خلال فترة الحمل أو النفاس، ما قد يتيح للمشغل التنصل من المسؤولية. لذا، يصبح من الضروري التمييز بين الآثار النفسية الناتجة عن الحمل والضغوط المهنية لتحديد العلاقة المسؤولية القانونية بدقة في حالات الانتحار[66].
في هذا النطاق، تنص المادة 154 من مدونة الشغل المغربية[67] على أنه في حال إثبات وجود حالة مرضية مرتبطة بالحمل أو النفاس بشهادة طبية، يمكن تمديد فترة الإجازة إلى ثمانية أسابيع قبل الوضع وأربعة عشر أسبوعا بعده، غير أن هذه المدد قد تكون غير كافية في حالات معينة، خاصة عند التعامل مع ظروف نفسية معقدة كالاكتئاب ما بعد الولادة الذي قد يستمر لفترات أطول، لذلك يُقترح إجراء فحص طبي للأجيرات خلال فترة الحمل وبعد انتهاء الإجازة لضمان تقييم دقيق لحالتهن قبل استئناف العمل، وذلك لضمان سلامتهن النفسية والجسدية.
من ناحية أخرى، تتصاعد المخاوف بشأن مسؤولية المشغل في حماية الأجراء، خاصة في سياق العمل عن بعد، فقد أدى التحول الكبير في سوق العمل، لا سيما الانتقال نحو هذه الأنماط الجديدة، إلى بروز إشكالات قانونية تتعلق بحالات الانتحار التي قد تحدث خارج نطاق المقاولة.
يواجه القضاء صعوبة في إثبات العلاقة السببية في حالات الانتحار خارج المقاولة أو أثناء العمل عن بعد. ففي حين اعترفت محكمة متز[68] بانتحار حدث في المنزل كحادثة شغل لارتباطه بالضغط المهني، اتجهت محاكم فرساي[69] ونانت[70] إلى رفض مطالب مماثلة لعدم كفاية الأدلة ووجود عوامل شخصية موازية.
وعليه، لا يمكن تكييف الانتحار أو محاولة الانتحار كحادثة شغل، إلا إذا تم إثبات وجود علاقة سببية واضحة بين ظروف العمل وانتحار الأجير. وفي انتظار تدخل المشرع لإصدار نصوص قانونية واضحة، يجب على المحاكم دراسة كل حالة بعناية لضمان حماية أكبر للأجراء، من خلال وضع إجراءات لتقييم الضغط النفسي في بيئات العمل المختلفة وتحديد معايير التقييم النفسي. وتفيد دراسة أجرتها منظمة العمل الدولية إلى أن حوالي 25% من الأجراء في بيئات العمل عن بعد أبلغوا عن مستويات عالية من الضغط النفسي، مما يبرز الحاجة الملحة للتدخل.[71]
كما تشير دراسة أجراها المجلس الاقتصادي والاجتماعي إلى تسجيل نحو 400 حالة انتحار سنويا مرتبطة بالعمل، دون احتساب الحالات غير المصرح بها. وحسب الطبيبة النفسية المتخصصة في أزمات بيئات العمل “بريجيت فون لو بري”، فإن بيئات العمل قد فقدت مظاهر الدعم المتبادل وبدأت تهمش قيم العمل الجماعي، مما يجعل هذه النهايات المأساوية، المتمثلة في الانتحار، نتيجة حتمية للعزلة التي يفرضها العمل على الأجراء[72].
يتبين من خلال ما سبق، أن حالات الانتحار التي تقع خارج نطاق المقاولة تثير تحديات قانونية معقدة فيما يتعلق بتحديد المسؤولية، فغياب العلاقة المباشرة بين مكان الحادث وظروف العمل لا يعني بالضرورة انتفاء الرابط السببي بين الانتحار والضغوط المهنية.
لذلك، فإن صياغة إطار قانوني أكثر دقة للتعامل مع الأضرار النفسية الناجمة عن بيئة العمل بات ضرورة لضمان حماية الأجير من جهة، وتجنب تحميل المشغل تبعات مطالب غير مؤسسة قانونا من جهة أخرى. وفي هذا الإطار، يظل تدخل المشرع لتحديد الشروط التي تجيز اعتبار الانتحار خارج المقاولة حادثة شغل أمرا ضروريا، لضمان تحقيق استقرار قانوني للطرفين.
خاتمة :
صفوة القول، يتضح أن الانتحار المهني لم يعد ظاهرة فردية منعزلة، بل أصبح نتاجا مباشرا لضغوط العمل غير الصحية التي تهدد حق الأجير في حياة كريمة وآمنة. ويكشف تحليل الوضع القانوني في المغرب عن قصور واضح، إذ لا يتم الاعتراف بالانتحار كحادثة شغل، مما يحرم الأجراء وذويهم من التعويضات المستحقة، ويترك فراغا قانونيا يستلزم المعالجة.
المقترحات:
- تعديل القانون 18.12 المتعلق بحوادث الشغل لإدراج الانتحار المهني صراحة ضمن نطاق الحوادث القابلة للتعويض.
- تنقيح المادة 24 من مدونة الشغل لتشمل بشكل واضح الصحة النفسية إلى جانب السلامة الجسدية.
- إلزام المشغلين بتوفير برامج دعم نفسي داخل المقاولات، كخدمات استشارة ومتابعة نفسية دورية للأجراء.
- تعزيز دور مفتشية الشغل والأطباء المهنيين في مراقبة الضغوط النفسية داخل بيئات العمل.
- تكوين القضاة والخبراء في مجال الطب النفسي المهني لضمان تقييم أكثر دقة للملفات المعروضة أمام القضاء.
- إدراج العمل عن بعد ضمن الإطار التشريعي بشكل أوضح، مع وضع ضوابط لحماية الأجراء من العزلة والضغط النفسي.
إن إصلاح المنظومة التشريعية بهذا الشكل لن يقتصر أثره على حماية الأجراء وذوي حقوقهم، بل سيُسهم أيضا في تعزيز الإنتاجية والاستقرار الاجتماعي، ويعكس التزام المغرب بالمعايير الدولية ذات الصلة.
لائحة المراجع :
أولا: المراجع باللغة العربية
1- الكتب:
إميل دوركايم، ترجمة حسن عودة، الهيئة العامة السورية للكتاب، مطابع وزارة الثقافة، سنة 2011.
بلال العشري، حوادث الشغل والأمراض المهنية -دراسة نظرية وتطبيقية-، دار ابي رقراق للطباعة والنشر، الطبعة الثانية 2011.
محمد سعيد بناني، قانون الشغل بالمغرب في ضوء مدونة الشغل، علاقات الشغل الفردية، الجزء الأول المجلد الأول ، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء.
2- المقالات العلمية:
- بوعالية شهرة زاد، الصحة النفسية للعامل واستراتيجيات تحقيقها في البيئة المهنية، المجلة الدولية للدراسات التربوية والنفسية العدد 01 مارس 2018 .
- مارغو رومبار، لماذا تزايدت حالات الانتحار في أماكن العمل؟ 2022. مقال منشور على الموقع التالي : https://nafseyati.com/.
ثانيا: مراجع باللغة الفرنسية
-1المقالات العلمية:
- Jean-Pierre Durand, Isabelle Baszanger et Christophe Dejours (2000). Souffrance en France. La banalisation de l’injustice sociale. Revue Française de Sociologie, Vol. 42, n° 2, Avril-Juin.
- JULIEN Pierre (2010). Suicide et travail, que faire? Questions de communication, 18.
- Pierre Bonneau. Suicide de salariés : quels risques juridiques pour les employeurs? Suicide de salariés : quels risques juridiques pour les employeurs ?
ثالثا: مراجع باللغة الانجليزية
1- الكتب
- Christina Maslach & Michael P. Leiter, (2022). The Burnout Challenge: Managing People’s Relationships with Their Jobs. Harvard University Press.
- David Semple & Roger Smyth, Oxford Handbook of Psychiatry, 4th edition, Oxford University Press, 2019.
- Richard S. Lazarus & Susan, Folkman. (1984). Stress, Appraisal, and Coping. Springer.
2- المقالات العلمية
- Allison Milner, Katrina Witt, Anthony D. LaMontagne, Isabelle Niedhammer (2018). Psychosocial job stressors and suicidality: A meta-analysis and systematic review. Occupational and Environmental Medicine, 75(4).
- Beata Mostafavi, (2020, November 17). Suicidal risk during pregnancy, after childbirth on the rise. Michigan Medicine. https://www.michiganmedicine.org/health-lab/suicide-risk-during-pregnancy-after-childbirth-rise.
- Caiti Maskrey, Ashley H. Van DerCar, (2022). Worker’s compensation claims following an employee’s suicide. The Journal of the American Academy of Psychiatry and the Law, 50(4).
- Ronald C. Kessler, Wai Tat Chiu, Olga Demler, Kathleen R. Merikangas, Ellen E. Walters (2005). Prevalence, severity, and comorbidity of 12-month DSM-IV disorders in the National Comorbidity Survey Replication. Archives of General Psychiatry, 62(6).
- Sachin Murali, Aayush Poddar, A. Seema (2017). Employee Loyalty, Organizational Performance & Performance Evaluation – A Critical Survey. SR Journal of Business and Management (IOSR-JBM), 19(8).
رابعا: التقارير الدولية
- UNESCO. (2019). Behind the Numbers: Ending School Violence and Bullying. Paris: UNESCO.
- WorkSafe New Zealand. (2020). Preventing suicide: Guidance for workplaces.
- World Health Organization & International Labour Organization. (2022). Mental health at work: Policy brief. Geneva: WHO and ILO.
- World Health Organization. Healthy and Safe Telework: Technical Brief.
- Mental Health Foundation. (2023, March 28). Ten workplace mental health statistics for 2023. Mental Health First Aid England.-American Psychological Association. (2023). Work in America: The state of workplace health and well-being.
- WorkSafe New Zealand. (2020).Preventing suicide: Guidance for workplaces. Retrieved from: https://www.worksafe.govt.nz/topic-and-industry/work-related-health/work-related-stress/preventing-suicide-guidance/. visited 01-08-2024 at 13h25.
– كما أوضح التقرير الصادر عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، أن الصناعات التي تعاني من ضغط عمل كبير مثل البناء تظهر نسبا مرتفعة للتفكير الانتحاري، تشير بعض الدراسات إلى أن ما يصل إلى 15% من العاملين في صناعات مجهدة مثل البيع بالتجزئة يفكرون في الانتحار بشكل منتظم.
–https://www.apa.org/pubs/reports/work-in-america/2023-workplace-health-well-being. visited 01-08-2024 at 13h45. ↑
- Allison Milner, Katrina Witt, Anthony D LaMontagne, Isabelle Niedhammer (2018). Psychosocial job stressors and suicidality: A meta-analysis and systematic review. Occupational and Environmental Medicine, 75(4), p 245-247. ↑
- Code du travail français, art. L.4121-1.
-Ministère du Travail (France), Prévention des risques psychosociaux au travail, https://travail-emploi.gouv.fr . ↑
- Gouvernement du Canada, Centre canadien d’hygiène et de sécurité au travail – Santé mentale au travail, 2023, https://www.cchst.ca . ↑
- أقرت منذ 2015 قانونا يلزم الشركات بإجراء فحص إجهاد نفسي إلزامي (Stress Check Program) للأجراء، بهدف الوقاية والتدخل المبكر.
– Ministry of Health, Labour and Welfare (Japan). (2015). Stress Check Program: Prevention and Early Intervention in Workplaces. Retrieved from https://www.mhlw.go.jp . ↑
- لقيام حادثة الشغل الموجبة للتعويض، يتعين توفر ثلاثة عناصر أساسية، وهي: –أولا: يجب وجود فعل ضار يؤثر سلبا على الأجير. –ثانيا: يجب أن يقع الفعل الضار أثناء أداء الأجير لعمله أو بسببه. –ثالثا: يتعين أن يحدث الفعل الضار بشكل فجائي، بحيث لا يكون الأجير قد توقع حدوثه أثناء أداء عمله.
– بلال العشري، حوادث الشغل والأمراض المهنية -دراسة نظرية وتطبيقية-، دار ابي رقراق للطباعة والنشر، الطبعة الثانية 2011، من الصفحة 24 إلى 31. ↑
- المادة 3 من القانون رقم 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل. ↑
- إميل دوركايم، ترجمة حسن عودة، الهيئة العامة السورية للكتاب، مطابع وزارة الثقافة، سنة 2011، صفحة 10 .
– إميل دوركايم بالرغم من كونه لم يتحدث مباشرة عن الانتحار المرتبط بالعمل، إلا أن تحليله لتأثير الظروف الاجتماعية مثل العمل مهم في هذا السياق. ↑
- الفصل 407 من القانون الجنائي المغربي ينص على ما يلي: “من ساعد، عن علم، شخصا في الأعمال المحضرة أو المسهلة لانتحاره أو زوده بالسلاح أو السم أو الأدوات اللازمة للانتحار، مع علمه بأنها ستستعمل لهذا الغرض يعاقب، في حالة وقوع الانتحار، بالحبس من سنة إلى خمس.
تضاعف العقوبة إذا ارتكبت الجريمة ضد قاصر أو ضد امرأه بسبب جنسها…”. ↑
- Article 223-13 code pénal :” Le fait de provoquer au suicide d’autrui est puni de trois ans d’emprisonnement et de 45 000 euros d’amende lorsque la provocation a été suivie du suicide ou d’une tentative de suicide.
Les peines sont portées à cinq ans d’emprisonnement et à 75 000 euros d’amende lorsque la victime de l’infraction définie à l’alinéa précédent est un mineur de quinze ans.
Les personnes physiques ou morales coupables du délit prévu à la présente section encourent également la peine complémentaire suivante: interdiction de l’activité de prestataire de formation professionnelle continue au sens de l’article L. 6313-1 du code du travail pour une durée de cinq ans”. ↑
- المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: “لكلِ فرد الحق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه”. ↑
- الفصل 20 من الدستور المغربي: “الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان. ويحمي القانون هذا الحق”. ↑
- David Semple & Roger Smyth, Oxford Handbook of Psychiatry, 4th edition, Oxford University Press, 2019, page 129 to 154. ↑
- JULIEN Pierre, «Suicide et travail, que faire?», Questions de communication, 18, 2010. p 295-297. – https://doi.org/10.4000/questionsdecommunication.313 . visité le 12-07-2024 à 21h34. ↑
- Jean-Pierre Durand, Isabelle Baszanger et Christophe Dejours: Souffrance en France. La banalisation de l’injustice sociale, Vol. 42 – n° 2 | Avril-Juin 2000.
https://journals.openedition.org/sdt/36832#tocto2n11.visité le 12-07-2024 à 22h15. ↑
-
تنص المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على ما يلي: “
- لكل شخص حق العمل، وفي حرية اختيار عمله، وفي شروط عمل عادلة ومُرضية، وفي الحماية من البطالة …”.
- تنص المادة 24 من مدونة الشغل المغربية على ما يلي: “يجب على المشغل، بصفة عامة، أن يتخذ جميع التدابير اللازمة لحماية سلامة الأجراء وصحتهم، وكرامتهم، لدى قيامهم بالأشغال التي ينجزونها تحت إمرته…”. ↑
- Article L4121-1 Code du travail :” L’employeur prend les mesures nécessaires pour assurer la sécurité et protéger la santé physique et mentale des travailleurs”. ↑
- Christina Maslach & Michael P. Leiter, The Burnout challenge- Managing People’s Relationships with Their Jobs, harvard university press Cambridge, Massachusetts London, England 2022, page 85-86. ↑
- تشير الإحصائيات في المملكة المتحدة إلى أن الضغوط المهنية تتسبب في حوالي 120,000 وفاة سنويا، فيما يعاني 83% من الأجراء من ضغط العمل، و54% أفادوا بأن هذه الضغوط تؤثر سلبا على حياتهم المنزلية.
–https://www.osha.gov/workplace-stress . visited 01-07-2024 at 17h55. ↑
- الولاء للمؤسسة أو الولاء المهني يُعرف كارتباط عاطفي عميق بين الأجير ومؤسسته، حيث يسعى لتحقيق مصالح المشغل حتى وإن كان ذلك يتطلب التضحية بمصالحه الشخصية، ويتأثر هذا الولاء بعوامل متعددة مثل بيئة العمل والراتب… .
-Sachin Murali , Aayush Poddar , A. Seema. (2017). Employee Loyalty, Organizational Performance & Performance Evaluation – A Critical Survey. SR Journal of Business and Management (IOSR-JBM), 19(8), page 62-63. ↑
- Christina Maslach & Michael P. Leiter, The Burnout challenge- Managing People’s Relationships with Their Jobs, Previous reference, page 85. ↑
- Christina Maslach & Michael P. Leiter, The Burnout challenge- Managing People’s Relationships with Their Jobs, Previous reference, page 152-153. ↑
- الاتفاقية رقم 155: اتفاقية السلامة والصحة المهنيتين، 1981. ↑
- الفصل 22 من الدستور المغربي 2011 ينص على ما يلي: ”
-لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة.
-لا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهنية أو خاصة بالكرامة الإنسانية”.
– أنظر أيضا الفصل 31 من الدستور المغربي 2011. ↑
- وحسب المادة 3 من الاتفاقية رقم155: اتفاقية السلامة والصحة المهنيتين، 1981 مصطلح “الصحة”، فيما يتعلق بالعمل، لا يشير إلى مجرد عدم وجود مرض أو عاهة؛ ويشمل أيضا العناصر الجسدية والعقلية التي تؤثر على الصحة والتي ترتبط ارتباطا مباشرا بالسلامة والنظافة في العمل. ↑
- تضمنت مدونة الشغل مقتضيات تعزز الضمانات القانونية الممنوحة للأجراء فيما يتعلق بصحتهم وسلامتهم. حيث شملت المواد من 281 إلى 344 أحكاما عامة تصب جميعها على حماية صحة الأجراء وضمان سلامتهم في بيئة العمل. ↑
- المادة 290 من مدونة الشغل المغربية. ↑
- حددت مدونة الشغل المغربية في المادتين 318 و319 دور طبيب الشغل في الوقاية كقاعدة عامة، واستثنائيا منح المشرع للطبيب دورا استشاريا يسمح له باقتراح تدابير تتناسب مع الوضعية الصحية للأجير. ↑
- الفقرة الأولى من المادة 320 من مدونة الشغل المغربية. ↑
- Article L. 4624-3 Code du travail:“ Le médecin du travail peut proposer, par écrit et après échange avec le salarié et l’employeur, des mesures individuelles d’aménagement, d’adaptation ou de transformation du poste de travail ou des mesures d’aménagement du temps de travail justifiées par des considérations relatives notamment à l’âge ou à l’état de santé physique et mental du travailleur”. ↑
- محمد سعيد بناني، قانون الشغل بالمغرب في ضوء مدونة الشغل، علاقات الشغل الفردية، الجزء الأول المجلد الأول، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، صفحة 300. ↑
- المشغل عليه أن يعمل على منع المخاطر التي قد تمس بصحة أجرائه والسهر على حماية سلامتهم البدنية والنفسية.
– Cass.Soc. 29 Mai 2019, n 18-15.624. ↑
- Article L4622-2 Code du travail:“Les services de santé au travail ont pour mission exclusive d’éviter toute altération de la santé des travailleurs du fait de leur travail. A cette fin, ils:
1° Conduisent les actions de santé au travail, dans le but de préserver la santé physique et mentale des travailleurs tout au long de leur parcours professionnel ;
2° Conseillent les employeurs, les travailleurs et leurs représentants sur les dispositions et mesures nécessaires afin d’éviter ou de diminuer les risques professionnels, d’améliorer les conditions de travail, de prévenir la consommation d’alcool et de drogue sur le lieu de travail, de prévenir ou de réduire la pénibilité au travail et la désinsertion professionnelle et de contribuer au maintien dans l’emploi des travailleurs ;
3° Assurent la surveillance de l’état de santé des travailleurs en fonction des risques concernant leur sécurité et leur santé au travail, de la pénibilité au travail et de leur âge ;
4° Participent au suivi et contribuent à la traçabilité des expositions professionnelles et à la veille sanitaire”. ↑
- المادة 295 على ما يلي “القواعد الصحية السارية على الأجراء المشتغلين تحدد بمقتضى نص تنظيمي بمنازلهم، والالتزامات المنوطة بالمشغلين الذين يستنجزون أشغالا منزلية”. ↑
- بوعالية شهرة زاد، الصحة النفسية للعامل واستراتيجيات تحقيقها في البيئة المهنية، المجلة الدولية للدراسات التربوية والنفسية العدد 01 مارس2018، صفحة 249-250. ↑
- مارغو رومبار، لماذا تزايدت حالات الانتحار في أماكن العمل؟ 2022. مقال منشور على الموقع التالي :
–https://nafseyati.com/. visité le 25-07-2024 à 20h. ↑
- Richard S. Lazarus & Susan, Folkman. (1984). Stress, Appraisal, and Coping. Springer, page 45-67. ↑
- Ronald C Kessler , Wai Tat Chiu, Olga Demler, Kathleen R Merikangas, Ellen E Walters (2005). Prevalence, severity, and comorbidity of 12-month DSM-IV, disorders in the National Comorbidity Survey Replication. Archives of General Psychiatry, 62(6), page 617-627. ↑
- المادة 3 من القانون 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل على أنه ” تعتبر حادثة شغل كل حادثة، كيفما كان سببها يترتب عنها ضرر، للمستفيد من أحكام هذا القانون، سواء كان أجيرا أو يعمل بأية صفة تبعية كانت وفي أي محل كان إما لحساب مشغل واحد أو عدة مشغلين، وذلك بمناسبة أو بسبب الشغل أو عند القيام به، ولو كانت هذه الحادثة ناتجة عن قوة قاهرة أو كانت ظروف الشغل قد تسببت في مفعول هذه القوة أو زادت في خطورتها إلا إذا أثبت المشغل أو مؤمنه طبقا للقواعد العامة للقانون أن مرض المصاب كان سببا مباشرا في وقوع الحادثة.
ويقصد بالضرر في مفهوم هذا القانون كل إصابة جسدية أو نفسية تسببت فيها حادثة الشغل وأسفرت عن عجز جزئي أو كلي، مؤقت أو دائم، للمستفيد من أحكامه”. ↑
- Cass.Soc. 8 juillet 2021, n 20-15.790. ↑
- تنص المادة 155 من القانون 18.12 على ما يلي :
“لا يمكن منح المصاريف والتعويضات المنصوص عليها في هذا القانون للمصاب ولذوي حقوقه، إذا ثبت أن الحادثة ناتجة عن خطأ متعمد من طرفه.
ويمكن للمحكمة الابتدائية المختصة، بناء على طلب المشغل أو مؤمنه، التخفيض من الإيراد الممنوح للمصاب أو لذوي حقوقه طبق أحكام المواد من 80 إلى 104 من هذا القانون إذا ثبت أن الحادثة ترتبت عن خطأ لا يعذر عنه ارتكبه المصاب”. ↑
-
Tribunal judiciaire de Saint-Etienne, Ctx protection sociale, 30 juillet 2024, 22/00208.
-
Cour d’appel de Douai, Sociale a salle 3, 27 janvier 2023, 21/00125.
- Cour d’appel d’Aix-en-Provence, Chambre 4-8, 13 juin 2023, 22/02587. ↑
-
Cour de cassation, Chambre sociale, 13 juin 1979 N°78-10115.
-
Cour de cassation, Chambre sociale, 15 février 2001, N 99-15493.
-
France, Tribunal judiciaire de Versailles, Ctx protection sociale, 29 août 2024, 17/00915.
- مارغو رومبار، مرجع سابق. ↑
- تصف الطبيبة والمعالجة النفسية الفرنسية ماري-فرانس هيريجوين التحرش النفسي بكونه وسيلة للسيطرة على الضحية باستخدام استراتيجيات خفية وغير مباشرة، مما يؤدي إلى تدمير الروح المعنوية للضحية وجعلها تشعر بالعجز والضعف. ببساطة هو شكل من أشكال الإساءة النفسية التي تهدف إلى إضعاف الضحية والسيطرة عليها.
– Le harcèlement psychologique au travail | Conférence de Marie-France Hirigoyen: Internet Archive. visité le 27-07-2024 à 13h39. ↑
- المضايقات في العمل قد تدفع للانتحار – DW – 2015/9/21. تم الاطلاع عليه بتاريخ 24-07-2024 على الساعة الرابعة زوالا. ↑
- Cour d’appel de Metz, Chambre sociale, 30 avril 2024, 22/00492. ↑
- Cass. Soc., 22 février 2005, n° 03-45.726 ↑
-
Pierre Bonneau, Suicide de salariés : quels risques juridiques pour les employeurs? Suicide de salariés : quels risques juridiques pour les employeurs ? visité le 26-07-2024 à 17h35.
- مارغو رومبار، مرجع سابق. ↑
-
Cour de cassation, Chambre sociale, 04 mai 1972, N°71-13354.
- Cour d’appel de Nancy, Chambre sociale, 5 septembre 2023, 22/02664. ↑
- : للاطلاع على الحكم، أنظر
–Green v DB Group Services (UK) Ltd. | [2006] EWHC 1898 (QB) | England and Wales High Court (Queen’s Bench Division) | Judgment | Law | CaseMine. Visited 26-07-2024 at 09h. ↑
- تنص المادة الرابعة على ما يلي:”تعتبر كذلك بمثابة حادثة شغل الحادثة الواقعة للمستفيد من أحكام هذا القانون في مسافة الذهاب والإياب بين :
– محل الشغل ومحل إقامته الرئيسية أو إقامة ثانوية تكتسي صبغة ثابتة أو أي محل آخر يتوجه إليه بصفة اعتيادية ؛
– محل الشغل والمحل الذي يتناول فيه بصفة اعتيادية طعامه وبين هذا الأخير ومحل إقامته.
ولا تعتبر الحادثة بمثابة حادثة شغل إذا انقطع أو انحرف الأجير أو المستخدم عن مساره المعتاد لسبب لا تبرره الحاجيات الأساسية للحياة العادية أو تلك المرتبطة بمزاولة النشاط المهني للمصاب”. ↑ - Cour de cassation, Chambre sociale, 29 octobre 1973, 72-13.765. ↑
- المادة 32 يتوقف عقد الشغل مؤقتا أثناء:
1– … ؛
–2 تغيب الأجير لمرض، أو إصابة، يثبتهما طبيب إثباتا قانونيا؛
3 – فترة ما قبل وضع الحامل حملها، وما بعده، وفق الشروط المنصوص عليها في المادتين 513 و512 أدناه؛
4 – فترة العجز المؤقت الناتج عن حادثة شغل أو مرض مهني؛
5– فترات تغيب الأجير المنصوص عليها في المواد 2.3 و2.1 و2.. أدناه؛
6– مدة الإضراب؛
7– الإغلاق القانوني للمقاولة بصفة مؤقتة.
غير أن عقد الشغل محدد المدة، ينتهي بحلول الأجل المحدد له، بصرف النظر عن الأحكام الواردة أعلاه”. ↑
- Cour d’appel de Metz, Chambre sociale, 22 juillet 2024, 22/02037. ↑
- Caiti Maskrey and Ashley H. Van Dercar, Worker’s Compensation Claims Following an Employee’s Suicide, The Journal of the American Academy of Psychiatry and the Law, Volume 50, Number 4, 2022, page 651 and 652. ↑
- تشير دراسة نشرت في مجلة JAMA Psychiatry إلى أن معدلات التفكير في الانتحار وإيذاء النفس بين النساء الحوامل والنساء بعد الولادة قد تضاعفت تقريبًا بين عامي 2006 و2017، مما يعرض نحو 24,000 امرأة سنويا لخطر الانتحار. وتعتبرهذه الفترة من أكثر الأوقات خطورة من الناحية النفسية، خاصة بين النساء الشابات، ذوات الدخل المنخفض، والنساء من ذوات البشرة السوداء، وكذلك من يعانين من اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب.
-Beata Mostafavi, (2020, November 17). Suicidal risk during pregnancy, after childbirth on the rise. Michigan Medicine. https://www.michiganmedicine.org/health-lab/suicide-risk-during-pregnancy-after-childbirth-risemichiganmedicine.org. visited 01-07-2024 at 10h.
هذه الأرقام تسلط الضوء على أهمية تقديم الدعم النفسي والرعاية الصحية المناسبة للنساء الحوامل والنوافس. ↑
- الفقرة الثانية من المادة 154 من مدونة الشغل “إذا ثبت بشهادة طبية نشوء حالة مرضية، عن الحمل أو النفاس، تجعل من الضروري إطالة فترة توقف العقد، زيدت في فترة إجازة الوالدة مدة استمرار تلك الحالة المرضية، على ألا تتعدى فترة التوقيف ثمانية أسابيع قبل تاريخ توقع الوضع، وأربعة عشر أسبوعا بعد تاريخ الوضع”. ↑
- Cour d’appel de Metz, Chambre sociale, 22 juillet 2024, 22/02037. ↑
- Tribunal administratif de Nantes, 4 juillet 2022, 2110257. ↑
- Tribunal administratif de Nantes, 4 juillet 2022, 2110257. ↑
- الإحصائيات التي تتعلق بالضغط النفسي في بيئات العمل عن بعد لا تزال تحت الدراسة، ولكن هناك بعض الأرقام الحديثة التي تسلط الضوء على الوضع الحالي. وفقا لتقارير من منظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية، فقد تم تقدير أن حوالي 12 مليار يوم عمل يُفقد سنويا بسبب الاكتئاب والقلق، مما يكلف الاقتصاد العالمي ما يقرب من تريليون دولار. أضف إلى ذلك، فقد زادت مستويات القلق والاكتئاب بشكل كبير خلال جائحة كوفيد-19، حيث ذكرت منظمة الصحة العالمية أن هناك زيادة بنسبة 25% في القلق والاكتئاب عالميا.
–Healthy and safe telework: Technical brief (who.int). visited 15-04-20244 at 17h30.
–Time to address mental health issues in the workplace, UN agencies urge | UN News. visited 15-07-2024 at 17h58. ↑
- مارغو رومبار، مرجع سابق. ↑
- - Aborder la notion d’ordre public ressemble à une aventure dans des sables mouvants. »
-Jean Dabin, Théorie générale du droit, Éditions Bruylant, Bruxelles, 1969, p. 302 ↑
- -أشار الأستاذ أبو بكر مهم، الى صعوبة تقديم تعريف دقيق ومحدد لفكرة النظام العام، بالنظر لطابعها المرن والمتغير بحسب السياقات القانونية والاجتماعية
-أبو بكر مهم، المدخل لدراسة القانون: دراسة وفق آخر المستجدات التي عرفتها الترسانة القانونية المغربية ، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2018، ص 133. ↑






