الاهتمام بتقليص الفوارق المجالية وتعزيز العدالة الاجتماعية في التوجهات القانونية والسياسية بالمغرب من سنة 2003 إلى 2025 – عبدالغني الحمراوي

الاهتمام بتقليص الفوارق المجالية وتعزيز العدالة الاجتماعية في التوجهات القانونية والسياسية بالمغرب من سنة 2003 إلى 2025:
الباحث: عبدالغني الحمراوي
حاصل على ماستر الحكامة الأمنية و حقوق الانسان و هو ماستر متخصص في القانون الإداري و العلوم الإدارية و السياسية من كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية مكناس جامعة مولاي اسماعيل
تعد العدالة المجالية مدخلا أساسيا لضمان النهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لساكنة على صعيد كافة التقسيمات الترابية للمغرب، فبدون الحرص على التوزيع المتكافئ لثروات والخدمات العمومية وفرص التنمية التي يتيحها الاستثمار العمومي وكذا تشجيع الاستثمار في القطاع الخاص لا يمكن تصور تحقيق هذه العدالة، وهذا ما يؤدي بدوره إلى تعزيز الفوارق المجالية و الفوارق بين السكان وارتفاع نسبة الفقر و الجهل و الهشاشة التي تساهم بدورها في اشتداد شوكة عدة مشاكل عمومية كالهجرة القروية وتكثف السكان بالمدن و ما يترتب عنها من انتشار مهول لسكن العشوائي وارتفاع في معدل الجريمة بسبب عجز المؤسسات والقطاع الخاص بالمدن على توفير فرص لشغل لمختلف المهاجرين الذي يعانون أساسا من الضعف مستواهم في التعليم و التكوين المطلوب للولوج إلى هذه الفرص و ذلك بسبب الوضعية المزرية لخدمات التعليم والتكوين العمومي، كما يؤدي إلى ارتفاع نسبة الهجرة إلى الخارج سواء كانت هجرة شرعية أو غير شرعية هجرة تشمل الفئات الهشة فقط أو حتى النخب من الأطباء و المهندسين و ذلك لأن سوء تدبير المجال لا يتأثر به فقط الفئات الفقيرة و الهشة بل يؤثر عموما على جميع السكان وقدراتهم على التكيف مع مختلف الصعوبات المهنية والاقتصادية والاجتماعية و على أمنهم واستقرارهم.
و لا يعد الاهتمام بالعدالة المجالية في السياسات العمومية حديث النشأة بل هو اهتمام ممتد في الزمان و المكان، إلا أن التطور النموذجي في التعامل مع هذا المشكل من حيث التنظيم الإداري الترابي و تبني نموذج تنموي ملائم، و اعتماد برامج و قوانين أكثرا انسجاما و تطورا في هذا المجال يعد حديث النشأة إلى حد ما، حيث أدت بداية الاحداث الإرهابية بمدينة الدار البيضاء في سنة 2003 بالنظام إلى إعادة النظر في مختلف القوانين ذات الصلة بالعدالة الاجتماعية خاصة القانون الجبائي الذي حرصت فيه على الانتقال من نظام الضريبة النسبية إلى الضريبة التصاعدية و الانتقال من الاعتماد المكتف على الضريبة على الدخل إلى الضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة، كما تم إطلاق المبادرة الوطنية لتنمية البشرية في سياق دعم المشاريع الصغرى و المتوسطة لما تتيحه من فرص لتشغيل والتخفيف من ظواهر الفقر والهشاشة، و تم اتخاذ الخطوات الأولية لتعميم الاستفادة من خدمات التعليم العمومي و التعليم العتيق والتخفيف من عزلة المجال القروي …وغيرها.
لكن رغم هذه الإصلاحات الأولية التي شهدتها المملكة المغربية في بداية عهد الملك محمد السادس أدى سوء التدبير الترابي بسبب التقليص التشريعي لدور الجماعات الترابية في التدبير العمومي وتضييق المقاربة التشاركية لسنوات عدة وجعل الممارسة السياسية حكرا للإدارة المركزية وغياب المقومات القانونية والمؤسساتية للحكامة في التدبير العمومي إلى استدامة مشكل الفواق المجالية وضعف المقومات المؤسساتية لتحقيق العدالة الاجتماعية، وهذا ما دفع بالمملكة المغربية بعد ثورة 20 فبراير إلى بلورة دستور برؤية قانونية وهندسة سياسية ومؤسساتية جديدة تجعل من الفاعل الترابي-الجهات وباقي الجماعات الترابية- في صلب بلورة وتنفيذ السياسات العمومية ذات الصلة بتنمية المجال الترابي وجعل من الإدارة المركزية المنسق والموحد للرؤية الاستراتيجية الوطنية و السند الداعم للجماعات في هذا المجال ولذا نص الفصل الأول من هذا الدستور 2011 بأن: “التنظيم الإداري تنظيم لامركزي قوامه الجهوية المتقدمة”، كما أكد الفصل 31 منه على: “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في:
- العلاج والعناية الصحية؛
- الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، والتضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة؛
- الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة؛
- التنشئة على التشبث بالهوية المغربية، والثوابت الوطنية الراسخة؛
- التكوين المهني والاستفادة من التربية البدنية والفنية؛
- السكن اللائق؛
- الشغل والدعم من طرف السلطات العمومية في البحث عن منصب شغل، أو في التشغيل الذاتي؛
- ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق؛
- الحصول على الماء والعيش في بيئة سليمة؛
- التنمية المستدامة.”
ولم يقف دستور 2011 عند هذا الحد بل توجه إلى تعزيز الحكامة في التدبير العمومي بتني مبادئ جديدة كالإنصاف في تغطية التراب الوطني والتشارك في التدبير وجودة الخدمات وربط المسؤولية بالمحاسبة والإقرار بأهمية تصريح كل من الموظف المعين والمنتخب بشكل دوري بممتلكاته، وتعزيز الرقابة على التدبير العمومي بتعزيز استقلالية القضاء ودور القضاء المالي وباقي هيئات ومؤسسات الحكامة الواردة بالباب 12 من هذا الدستور.
لكن التأخر في التنزيل الفعلي لرؤية التي جاء به دستور 2011 الى حدود يومنا هذا بسبب ضعف كفاءة الفاعل الترابي في بعض المجالات الترابية وتعتر اعتماد وتفعيل عدة قوانين أو التأخر في تفعيلها بما فيها القوانين المنظمة للجماعات الترابية و القوانين المعززة لاستقلالية السلطة القضائية وفشل النموذج التنموي السابق، كل ذلك ساهم بشكل أو أخر في استمرار معناة الساكنة و انفجار ردود فعل غير مألوفة من حين إلى أخر ضد هذه الأوضاع غير المقبولة، كما انعكس ذلك مع احداث جرادة و الريف و احداث العطش بورززات في سنة 2017 ، هذه السنة التي ستشكل منطلقا جديدا للإصلاح مختلف القطاعات و الخدمات في ضوء الرؤية الاستراتيجية للأمم المتحدة لتنمية في أفق 2030 و النموذج التنموي الجديد، و ذلك في إطار برامج الجيل الجديد لتنمية المجالية.
وسوء التدبير الترابي بالأساس في نظرنا بالإضافة إلى ضعف اهتمام بمشكل العدالة المجالية من طرف الحكومة في الولاية الممتدة بين 2020-2025 وانكبابها بالأساس على البرامج المتعلقة بالمشاريع الاستثمارية الكبرى وتعميم ورش الحماية الاجتماعية ومحاولات اصلاح منظومتي الصحة والتعليم المتعثرة وتهميش العالم القروي والواحات في عز الازمة التي تعاني فيها من تبعيات الجفاف المستمر السلبية على فرص التشغيل ومخلفات زلازل الحوز لسنة 2023 وتباطؤ التعامل معها، هو ما دفع بصاحب الجلالة في خطاب العرش و خطاب افتتاح الدورة التشريعية لسنة 2025، إلى إعادة تذكير الفاعل السياسي بأهمية تزيل البرامج العالقة المرتبطة بمحاربة الفوارق المجالية و تعزيز العدالة الاجتماعية و التعامل معها كأولوية بنفس الجهد الذي يتم به التعامل مع البرامج و المشاريع الكبرى المرتبطة بالبنيات التحتية.
كل ذلك يدفع بنا لتساؤل: كيف ساهمت الإصلاحات القانونية والسياسية التي شهدها المغرب الى حدود يومنا هذا في تقليص الفوارق المجالية وتعزيز العدالة الاجتماعية؟ وما أبزر التحديات التي تعيقها؟ وكيف يمكن العمل على تجاوزها؟





