في الواجهةمقالات قانونية

التعويض المدني لمتضرري النزاعات المسلحة المفهوم والتحديات في ظل القانون الدولي الإنساني الدكتور :  مفلح بن سعود بن عبدالرحمن آل مغيره

 

 

التعويض المدني لمتضرري النزاعات المسلحة المفهوم والتحديات في ظل القانون الدولي الإنساني

الدكتور :  مفلح بن سعود بن عبدالرحمن آل مغيره

الأستاذ المساعد في القانون بجامعة الأمير سطام بن عبد العزيز.

رابط DOI

https://doi.org/10.63585/NRXT3616

الملخص

يقع كثيرون ضحية للنزاعات المسلحة في أنحاء شتى من العالم، وينتج عن ذلك عدد كبير من الأضرار الشخصية الجسدية والنفسية، وقد يمتد للتسبب بالخسائر في الممتلكات والأموال، وهذا يثير تساؤلات عن مدى فعالية وصول المتضررين للتعويض العادل والنافذ في ظل القانون الدولي الإنساني. ويستعرض البحث ماهية التعويض في ظل القانون الدولي الإنساني، وأبرزَ التحديات التي تعوق الوصول له، كما يشير إلى بعض الإصلاحات للإسهام في تحسين الإطار القانوني ليشمل الآليات والتفصيلات الكافية. ويجيب البحث عن سؤال مدى التشابه والاختلاف بين التعويض في القانون المدني والقانون الدولي الإنساني، ومدى الاعتراف والإلزامية لحق التعويض في ظل القانون الدولي الإنساني، والصعوبات القانونية والعملية والإجرائية التي تعترض آليات التعويض، كما يناقش معضلة تنفيذ الأحكام الدولية التي تتضمن تعويضات وأبرز الصعوبات التي تتعلق بها، ويتعرض البحث لبعض الحلول المطروحة على الطاولة. ويخلص البحث إلى الإشارة إلى بعض من الاتجاهات الممكنة لتطوير وصول المتضررين لحق التعويض.

الكلمات المفتاحية: القانون الدولي الإنساني، التعويض المدني، ضحايا الحرب، متضرري الحروب

The Civil Compensatory Remedies for Victims of Armed Conflicts

The concept and challenges in the light of International Humanitarian Law

Dr. Muflih Saud A. Almughyirah

Assistant Professor of Law at Prince Sattam bin Abdulaziz University

Summary

Many suffer worldwide due to armed conflicts, experiencing both personal and financial hardships. Several pertinent questions arise regarding fair compensatory remedies under International Humanitarian Law (IHL). This research examines the concept of reparation under IHL, the critical challenges that impede proper access to reparation, and the reforms that enhance the legal framework ensuring access to just and enforceable reparation. The study explores the similarities and differences between compensatory remedies under classical civil law and IHL, the extent of recognition and enforceability of the right to reparation under IHL, as well as the legal, practical, and procedural barriers to this right. Additionally, it addresses the challenges of implementing international court judgments involving compensatory remedies. The research concludes by exploring potential reform trends to improve access to reparation rights.

مقدمة

طالما حلمت الإنسانية بعالم مثالي يسوده السلام والأمان، ومازال هذا الحلم ساكناً في المخيلات، وكما نرى أنه كلما سكنت حرب وعم التفاؤل اشتعلت أخرى، حيث يتساقط الكثير من ضحايا الحروب في شتى أنحاء العالم، وتتكبد الإنسانية يومياً خسائر بشرية واقتصادية كبيرة نتيجة لهذه الحروب، وفي ظل الواقع المرير المختلف عن الآمال البعيدة بالسلام الشامل، جاء القانون ليترجم المحاولات الإنسانية التاريخية التي حاولت علاج هذا السلوك الإنساني المضطرب والحتمي في إطار منظم، وذلك من خلال الأخذ بقواعد تخفف حدة هذه الحروب وآثاره السلبية على الإنسانية تحت ما يسمى بالقانون الدولي الإنساني، ورغم أن حق التعويض للمتضررين من الحروب معترف به بموجب القانون الدولي كمبدأ إلا أن كثيرًا من الأسئلة تثار حول آليات الوصول لهذا الحق ونفاذه.

كان إقرار ميثاق الأمم المتحدة في عام 1945م نقطة فاصلة في تاريخ الجهود الدولية القانونية الحثيثة التي تكفل الاعتراف الصريح لحقوق الإنسان[1]، وقد تصاعد بعد ذلك الاهتمام العالمي بحقوق الإنسان حيث تتابعت الإعلانات والعهود والاتفاقيات لتعزيز هذه الحقوق والتعبير المتكرر والمؤكد لاحترامها على اختلاف أنواعها[2]. ومع زيادة الاهتمام بالحقوق العامة والحريات العامة للإنسان بهدف تعزيزها وضمان احترامها؛ ظهر على الساحة تطور تركَّز في احترام حقوق الإنسان بأحوال معينة وهي أحوال الحرب، وقد ظهرت بعد ذلك معاهدات جنيف الأربع في عام 1949م التي أسهمت في رسم الشكل الحديث للقانون الدولي الإنساني واهتمت بتنظيم وسائل الحرب من خلال وضع مبادئ وقواعد إنسانية لا ينبغي المساس بها حتى في حال النزاع المسلح[3].

ويتشارك القانون الدولي الإنساني مع القانون الدولي لحقوق الإنسان في أنهما يهدفان لتحقيق الحد الأدنى من صيانة الحقوق الإنسانية الضرورية، ومنها: الحق في العيش والحرية والعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية والسلام والأمان وغيرها، إلا أن القانون الدولي لحقوق الإنسان أعمُّ من حيث النطاق من القانون الدولي الإنساني في حين ينطبق الأول في جميع الأحوال كأصل حتى في حال الحرب، إلا أن الثاني يراعي أحوال النزاع المسلح ويضع القواعد التي تخفّف حدّته وتقلّل من تأثيراته السلبية[4]. كما يتصور انطباق القانونين معاً فيشكل قانون حقوق الإنسان الإطار العام للقانون الدولي الإنساني كما أكد ذلك حكم محكمة العدل الدولية بشأن الأنشطة المسلحة في أراضي الكونغو[5].

ورغم أن فكرة التعويض في القانون الدولي الإنساني موجودة ومنصوص عليها في عدد كبير من المصادر القانونية الدولية إلا أن هناك أسئلة كثيرة تدور حول فعاليته، إذ يقف عدد من التحديات الإجرائية حجر عثرة أمام وصول المتضررين للجهات القضائية الدولية، كما أن المتضررين الذين يحالفهم الحظ وتكون الشروط الإجرائية متحققة في حالتهم لا يكون وصولهم هذا نجاحاً، بل يتبقى أمامهم كثير من العقبات التي قد تضع النهاية لوصولهم لحقهم في التعويض، فمن ناحية يكون إقامة المسؤولية على المتعدين وإثبات تعديهم عقبة، ومن ناحية أخرى فإن النجاح في إقامة المسؤولية وثبوت الحق لا يعني بالضرورة نفاذه، إذ تقف كثير من العقبات في حجم التعويضات وفي آليات وصولها لمستحقيها حتى تبقى أحياناً هذه الأحكام حبيسة الأدراج، وفي أحيان أخرى لا تكون متناسبة مع الضرر.

يسلط هذا البحث الضوء على حق التعويض في ظل القانون الدولي الإنساني بإثارة جملة من الأسئلة الجوهرية بخصوص حق متضرري النزاعات المسلحة من الأفراد الطبيعيين، أولها: ما مفهومه؟ وكيف يختلف عن التعويض المدني إن كان ثمة اختلاف؟ وما أبرز التحديات التي تواجه التعويض وما أبرز الإصلاحات التي يمكن أن تُطرح لعلاج هذه التحديات؟ ثم ننهي ذلك بوضع أطر عامة تسهم في الإشارة لباحثي القانون الدولي الإنساني والمهتمين به على بعض الاتجاهات الإصلاحية في ما يخص الوصول لحق التعويض وما يتعلق به.

المبحث الأول: ماهية التعويض المدني لضحايا النزاعات المسلحة في القانون الدولي الإنساني:

يستعرض هذا المبحث مقدمة ضرورية للتعريف بأبرز مفاهيم هذا البحث لتوضيح نطاقه والأساس القانوني للتعويض الإصلاحي، ويبدأ على وجه الخصوص بتعريف التعويض في ظل القانون الدولي الإنساني، ثم يبدأ في التعريف ببعض الجوانب الجوهرية المتعلقة بالموضوع كتعريف الضحية والضرر وغير ذلك.

  أولا: مفهوم التعويض وأساسه في ظل القانون الدولي الإنساني:

حق التعويض للمتضررين من النزاعات المسلحة ينحصر في نطاق الضرر الذي نشأ نتيجة لمخالفة قواعد القانون الدولي الإنساني في وقت النزاعات المسلحة، ومن ذلك الاعتداءات التي تكون على المدنيين في وقت الحرب[6]، وحق التعويض هذا معترف به في عدد من الاتفاقيات الدولية ومنها اتفاقية لاهاي التي تناولت القوانين والأعراف في الحرب البرية[7]، ورغم أن اتفاقية لاهاي قد حددت أن الدولة المحارِبة هي من تتحمل المسؤولية عن الأضرار التي ترتكبها، إلا أنها لم تصرح من يستحق التعويض عن الأضرار على وجه التحديد، بل إن السياق العام في ذلك الزمن لم يتطور ليعترف بالحق الموضوعي للفرد المتضرر للحصول على التعويضات بل كان يدور حول فكرة تعويض الدولة المتضررة، وقد تطور الأمر لاحقاً حتى استقرَّ على الاعتراف بحقوق المتضررين من الأفراد[8]، وما نصت عليه اتفاقية لاهاي بخصوص أن الدولة هي الطرف الثابت المسؤول عن الانتهاكات قد اتسع لاحقاً ليشمل جهات أخرى كالجماعات المسلحة والأفراد[9].

كما استقرت محكمة العدل الدولية في عدد من أحكامها على حق الضحايا في المطالبة بالتعويضات عن الأضرار التي تعرضوا لها نتيجة للحرب[10]. وقد ثار جدل حول اعتبار حق التعويض من العرف الدولي حتى سار الأمر نحو الاعتراف به كونه من العرف الدولي الملزم مما يترتب عليه أن تكون الدولة ملزمة بالتعويض عن الأضرار الناشئة عن أفعالها غير المشروعة.[11] ونتيجة لهذه الاعتبار يفترض أن يكون حق التعويض للمتضرر تجاه المتسبب بالضرر وإن لم تكن الدولة المتسببة طرفاً في اتفاقية دولية منشئة أو مقرة لهذا الحق وذلك لأن حق التعويض من العرف الدولي الملزم، ورغم أن حق التعويض الموضوعي اعتُبر من العرف الدولي إلا أنه مقيد بقيود إجرائية ترى بمعزل عنه مما يجعل كونه من العرف الدولي غير كافٍ للإلزام؛ لذلك ثار جدل كبير حول مدى جدوى هذا الاعتراف فلا يوجد تفصيل دقيق ينظم حق التعويض هذا ويرسم حدوده وآلياته بشكل واضح، كما أن الاعتراف بالشق الموضوعي محصور فيه ولا يتعداه للشق الإجرائي الذي يقيد الاستفادة منه لحد العدم أحياناً[12].

ويلتقي مفهوم التعويض في القانون الدولي الإنساني مع المفهوم المدني التقليدي للتعويض، فالتعويض في الحالتين هو الأداء المالي أو العيني الذي يمنحه المتعدي للمتضرر لجبر الضرر الذي ترتب على تعديه، فالمنطلق في القانونين مشترك، إلا أن القانون الدولي الإنساني كما سنفصل في القسم التالي الذي يتناول بعضاً من الأضرار على وجه يتعدى فكرة المصلحة الخاصة، وينطلق ليراعي المصلحة الجماعية فيوسع من مفهوم التعويض في ظله ليشمل جوانب تتعدى مقاصد وأساليب التعويض المدني التقليدي[13]. وسنتناول كيف أن القانون الدولي الإنساني لا يستهدف فقط مراعاة المصلحة الخاصة للمتضرر بتعويضه، بل يستهدف أيضاً إيجاد حد واضح للممارسات التي أدت لهذا الضرر.

ويسعى المتضرر من خلال المطالبة بحق التعويض لجبر الضرر الذي وقع عليه من المسؤول أو المتعدي، وكما تقدم الحديث أن المتعدي في حال الحرب أحد المنتمين للقوات المسلحة للدولة المزعوم مسؤوليتها عن الانتهاك الذي تسبب بالضرر[14]، أو المطالبة من المتعدين من الأفراد أو الجماعات المسلحة[15].  أما بالنسبة للمتضرر أو الضحية فقد تقدم الإشارة إلى أن فكرة الاعتراف بالفرد العادي بوصفه ضحية في ظل القانون الدولي الإنساني تشكلت عبر عقود من الزمن، حتى صار يعرف الضحية على أنه الفرد أو مجموعة الأفراد الذين تعرضوا لضرر مادي أو معنوي نتيجة للنزاعات المسلحة[16]. ونلحظ أن الضحية في هذا السياق قد تعرض للضرر نتيجة لسبب محدد وهو الحروب الداخلية أو الدولية، وقد وسع قرار الجمعية العام للأمم المتحدة المتضمن بعض المبادئ المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني من مفهوم الضحية ليشمل أفراد العائلة ومن يعتمدون على الضحية معيشياً، كما تضمنت هذه المبادئ حماية لمن تدخل لمساعدة الضحية وإنقاذهم[17]. وقد اعترفت المحكمة الجنائية الدولية بالمركز القانوني المستقل لضحايا الجرائم الدولية[18].

أما الضرر المعتبر لتعويض الضحايا فهو يشمل كل الأضرار المادية والمعنوية، ومفهوم الضرر المادي يشمل الأضرار الجسدية الشخصية التي تمس جسد الشخص كما يشمل الخسائر المالية، ومفهوم الضرر المعنوي يشمل الأضرار النفسية المترتبة على الانتهاك في حالة الحرب، والغرض العام للتعويض هو جبر ضرر الضحية حتى يعود لحالته الأصلية، والعودة للحالة الأصلية يتضمن أن يعود الشخص لممارسة حقوقه الأساسية وحرياته، ويسترد هويته ووطنه وأسرته، وأن يعود لبيته ووظيفته ويسترد كل ممتلكاته التي افتقدها بسبب هذا الانتهاك للقانون الدولي الإنساني[19]. وقد يكون الضرر ناتجًا عن قصد أو خطأ بلا عمد، وقد يكون في شكل أي ضرر جسدي بما في ذلك الجروح والأضرار النفسية والقتل المباشر أو نتيجة تعذيب أو تسبب، وقد يكون ماليًّا متمثلًا في إلحاق الضرر بالممتلكات بالتسبب بالهلاك الجزئي أو الكلي لها، وقد يكون الضرر للحرية فيكون بالحجز غير المسوغ قانوناً[20].

وقد تكون عملية اقتضاء التعويض من خلال عدد من السبل القانونية الدولية أو الوطنية المعتبرة، وتمر من خلال المراحل التي قد تكون من بينها إحدى المحاكم الدولية على اختلاف مسمياتها واختصاصاتها، وليس بالضرورة أن تكون المحاكم الدولية منخرطة في كل الأحوال والمراحل، بل وجدت حالات كانت العملية تتضمن وجود لجان دولية لتقصي الحقائق، ولجان دولية أخرى لا تتسم بأنها قضائية، كما هو الحال في اللجنة التي كانت على خلفية الحرب العراقية الكويتية[21]. ويراعى في تقدير التعويض عدد من المبادئ القانونية المستقرة ومن ذلك مبدأ التناسب مع الضرر، فلا يكون التعويض أقل من الضرر ولا يكون أكثر من الضرر[22]. فهذا المتضرر الذي تعرض لانتهاك جسيم لحقوقه الأساسية بسبب النزاع المسلح ترتبت عليه أضرار ربما يصعب معها مساعدته في الرجوع إلى حالته الأصلية من سلامة الجسد والنفس والمال، لكن يأتي القانون ليرتب له الحق الأصيل في التعويض لمساعدته في تخفيف الضرر كحد أدنى أو إنهائه إن أمكن، وإن كان حق الضحية هذا حقًّا طبيعيًّا إلا أنه قد جاء تأكيده والنص عليه في عدد من مصادر القانون الدولي المعتبرة كما رأينا، ولا شك بالضرورة أن اقتضاء هذا الحق تحيط به كثير من التحديات التي سنتناولها لاحقاً بعد أن نتناول أنواع التعويض.

ثانياً: أنواع التعويض في ظل القانون الدولي الإنساني:

تناولت الفقرة التاسعة من المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في الانتصاف والجبر لضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي الصادرة من الجمعية العامة للأمم المتحدة مفهوم الضرر في إطار القانون الدولي الإنساني[23]. وقد تضمنت على أن التعويض يهدف إلى تحقيق العدالة من خلال إعادة حال الضحية إلى ما كان عليه، كما لم تغفل النواحي المعنوية، إذ إن من مقاصد التعويض المذكورة صيانة نفس الضحية من خلال استعادة كرامته بالانتصار له وتعويضه، ثم عددت هذه الفقرة أنواع التعويض المعتبرة في ظل القانون الدولي الإنساني، وهي: إعادة الحال لما كان عليه، والتعويض عن الضرر، وإعادة التأهيل، وتحقيق الرضا، وضمان عدم تكرار التعدي[24]. يظهر جلياً من خلال استعراضنا لهذه الجوانب أن فكرة التعويض العامة في القانون الدولي الإنساني (التعويض الإصلاحي) وحتى في القانون المدني (التعويض المدني) تستهدف في جوهرها تحقيق العدالة ورفع الظلم الذي تعرَّض له المتضرر بسبب وقوع الضرر، فكما أشرنا سابقاً هناك قدر كبير من التشابه بين المفهومين رغم الاختلاف في بعض الآليات والتطبيقات، كما ينتهي التعويض الإصلاحي الشامل بأنه ينزع لشيء من العمومية كما سنبين لاحقاً.

ويستند التعويض في القانون المدني على القانون الوطني، بينما يستند التعويض في القانون الدولي الإنساني على أساس قانوني دولي كما هو الحال مع المعاهدات الدولية[25]، ويخضع كلاهما للسلطة التقديرية للقضاء في تقديريهما سواء كان القضاء دولياً أو وطنياً، ويشترك كلاهما بشرط قيام المسؤولية التقصيرية بأركانها المعتبرة[26]. ويهدف التعويض المدني للسعي لجبر أو تخفيف الضرر الذي وقع على المتضرر فمرتكزه هو المصلحة الخاصة، بينما يتوسع التعويض الإصلاحي في ظل القانون الدولي الإنساني ليراعي بالإضافة للمصلحة الخاصة المصلحة الجماعية للجماعة المتضررين، فربما يفرض بعض الإجراءات التي تراعي مصلحتهم الجماعية، ولذلك نجد أن التعويض في القانونين يتشابه عند المصلحة الخاصة ويختلف عند المصلحة الجماعية، إذ إنه في القانون المدني التقليدي لا يوجد مسوغ للتعويض عن الأضرار التي تمس المصلحة الجماعية فيخرجه من مفهوم التعويض المدني[27] ويعتبره من التدابير الوقائية أو الحمائية، فمفهوم التعويض المدني التقليدي ينحصر في التعويض العيني أو بمقابل، وفكرة إدخال المصلحة الجماعية على خط التعويض الإصلاحي في مفهومه الشامل يجعله يمتد لنواحٍ لا تعتبر من قبيل التعويض العيني أو المالي بل يقصد منها وضع حد لهذه الانتهاكات للقانون الدولي الإنساني، ومثل هذا الإجراء الإصلاحي لا يستهدف جبر الضرر الذي وقع بل منع احتمالية وقوع الضرر في المستقبل.

وبالنسبة لفكرة التعويض العيني أو ما يسمى بإعادة الحال لما كان عليه Restitution)) فهي حاضرة في التعويض المدني والإصلاحي، وقد أخذت به محكمة العدل الدولية في فتوى الجدار العازل في الأراضي الفلسطينية المحتلة فقد خلصت إلى إيقاف أعمال تشييد الجدار وإعادة الأراضي التي تم الاستيلاء عليها بسبب بناء الجدار لأصحابها[28] ونلحظ هنا أن المحكمة بدأت بفكرة التعويض العيني مادام رد الممتلكات عيناً ممكناً. ويشترك أيضاً المفهوم في القانونين بشأن التعويض عن الأضرار Compensation)) والذي يشمل التعويض المالي عن الأضرار الأخرى جوانب الأضرار الإضافية التي تكبدها الضحية ويمكن تقديرها مالياً بمعايير اقتصادية معينة، ويدخل في ذلك النواحي النفسية والتكاليف التي تكبدها الضحايا، وقد أخذت فتوى الجدار تلك أيضاً بفكرة التعويض المالي فلم تغفل المحكمة أيضاً أن جزءًا من الأضرار لا يمكن التعويض العيني عنه لهلاكه فنصت على أن التعويض المالي هو وسيلة المناسبة لجبر الضرر عن إتلاف الممتلكات حال تعذر ردها عيناً[29]. كما أننا نجد أن فكرة إعادة التأهيل Rehabilitation)) هي الأخرى لا تختلف عن الوضع التقليدي في التعويض المدني، وقد عرفت على أنها الإجراءات والبرامج التي تقرر لمساعدة الشخص على ممارسة حياته الطبيعية لتجاوز الآثار التي ترتّبت على الأضرار الجسدية والنفسية، وهو أيضاً يراعي المصلحة الخاصة للمتضرر بالدرجة الأولى[30]. ويعتبر الحكم بفرض إعادة التأهيل محدوداً في المحاكم الدولية[31].

أما بالنسبة للترضية المعنوية (Satisfaction) وهي واسعة المفهوم فقد يدخل في مفهومها جميع أشكال الاعتراف والاعتذار وإعلان تحمل المسؤولية المباشرة وغير المباشرة، فقد يتمثل في إعلان صريح، أو إجراءات ضمنية تتمثل في إحياء ذكرى الضحايا والإشادة بهم مثلاً أو التعريف بهم وبتضحياتهم في الإعلام أو التعليم، أو الإعلان عن إجراء تحقيقات للنظر في الأمر، ولهذا النوع من التعويض طبيعة وقيمة خاصة في ظل القانون الدولي العام عموماً تجعل فكرة الاعتذار حتى وإن أخذ بها القانون المدني فإنها لن تكون بذات المفهوم والقيمة والثقل الذي ينتج عن انخراط الدول في هذه المسألة المعنوية الهامة، وما تحققه في ظل أن انتهاك المصلحة العامة لما له من أهمية بين الدول، أو ربما يكون له دور في جبر الضرر المعنوي الذي لحق بالجماعة فتحقق المصلحة الجماعية للضحايا عندما تقدر المحكمة أنه من المجدي الاعتراف والاعتذار في الجرائم التي لحقت بهم لا سيما إذا ما تداخلت معها عوامل أخرى ككونهم من خلفية عرقية أو دينية أو تجمعهم رابطة معينة، ويلحظ أن تطبيقاته تجاه الأضرار التي تكبدها الأفراد محدودة، إذ إن محكمة العدل الدولية لا تطبقه إذا كان التعويض العيني والمالي الممنوح عن الأضرار المعنوية كافيًا وقابلًا للتقدير[32].

ويأتي ضمان عدم تكرار التعدي (Guarantee of non-repetition)  كأكثر الأنواع تميزاً عن التعويض المدني التقليدي، وسبق لنا الحديث عن ذلك في مقدمة هذا القسم، إذ إن القانون المدني التقليدي لا يعتبر هذا النوع من التدابير في مفهوم التعويض، ويمكن تعريفه على أنه الإصلاح الشامل للضرر من خلال القضاء على مصدره، فضمان عدم تكرار التعدي لا يستهدف إعادة حالة الضحية إلى ما كان عليه بالضرورة، بل يستهدف وضع الأمور في نصابها بحيث لا يتكرر الخطأ الذي سبَّب ضرراً للضحية فيسبّب ضرراً للغير من أفراد المجتمع، وهذا بالتحديد ما يجعل التعويض في القانون الدولي الإنساني تعويضاً إصلاحياً وشاملاً؛ لأنه بوجود هذا المكون قد أعطى التعويض صبغة عامة لا تتعلق بالحق الخاص بالضحية بل تتناول شيئاً من المصلحة الجماعية كما قدمنا، ومثال ذلك أن تفرض المحكمة على الدولة التي أوقعت الضرر بهجمات مسلحة غير مشروعة أن توقف هذه الهجمات إن كانت مستمرة حتى لا يسقط مزيد من الضحايا ويقع المزيد من الضرر[33].

وكما يلحظ القارئ أن مفهوم التعويض لا يختلف كثيراً عن المفهوم المدني في غالب جوانبه التي استعرضناها، ولو بحثنا في تحديد الجانب الجوهري الذي يكمن فيه الفرق بين مفهومي التعويضين المدني والدولي الإنساني، فإننا وبلا تردد سنحدد ضمان عدم تكرار التعدي، فهو بلا شك محل التباين الواضح بين المفهومين من بين كل التباينات، وطبيعة القانون الدولي الإنساني التي ترعى المصلحة الجماعية بالاعتراف عن طريق مد مفهوم التعويض الإصلاحي ليشمل ضمان عدم التكرار وربما يعود ذلك لكون طبيعة الخطأ أو التعدي في هذا القانون يكون غالباً كبيرًا واستثنائيًّا وشاملًا ومنظمًا، على عكس الضرر في ظل القانون المدني إذ إن ما يتبادر للذهن أنه ضرر – في الغالب – فردي ومحدود واعتيادي وعشوائي، فكان من الضروري تفاعل مفهوم التعويض الإصلاحي الشامل مع هذه الطبيعة للخطأ حتى لا يتكرر. وسننطلق في المبحث الثاني لنستعرض أبرز التحديات التي تقف في وجه المتضررين للوصول لتعويض عادل.

المبحث الثاني: أبرز التحديات والإصلاحات:

تناول المبحث الأول مفهوم التعويض الإصلاحي في القانون الدولي الإنساني، وتبين لنا أن لحق التعويض أساسًا قانونيًّا دوليًّا راسخًا يمكن أن تبنى عليه المسؤولية المدنية، ونظراً لعمومية هذا الاعتراف يثور كثير من التساؤلات حول فعاليته وأهميته في ظل وجود عدد من العقبات المحيطة به، ويُعَدُّ المتضرر الفرد أو الضحية هو الحلقة الأضعف من بين المسؤول عن الضرر والدولة التي ترعاه، فبينما يتمتع هذا المتضرر بحق التعويض الموضوعي الذي يُعَدّ من العرف الدولي؛ فإن الدولة التي ترعاه تتمتع بحق تقرير السير في إجراءات التقاضي من عدمه في كثير من الأحيان، وربما تكون الدولة المتعدية دولة متسلطة وذات نفوذ وقوة تجعل لمركزية مصالحها ثقلًا يفوق مصالح المتضررين الأفراد، كما أنه في أحيان أخرى تكون الدولة ذاتها – التي يُفترض أن تكون حامية للضحية – هي الطرف الآخر في هذا النزاع مما يعقّد المسألة أكثر. فهل يكفل القانون الدولي للضحية الوصول للوسائل التي تمكّنه من اقتضاء حقه بوسيلة مستقلة ومتوفرة؟! ثم ماذا يترتب على صدور حكم التعويض من محكمة الدولية؟ هل التنفيذ يكون سهلاً وميسراً؟! فطريق المتضرر لا يخلو من التحديات التي قد تطرأ من لحظة وقوع الضرر ومروراً بالوصول لجهة الفصل إلى صدور حكم نهائي يفصل في القضية ومدى اكتسابه للنفاذ والإلزامية ومحاولة تنفيذه.

يستعرض هذا المبحث أبرز التحديات التي طرحت في الأدبيات القانونية مع استعراض بعض الاتجاهات التي يمكن أن تسهم في علاج هذه التحديات، وسيتناول هذا البحث أولاً المشكلات الإجرائية والإدارية التي تؤثر على سير عملية العدالة، ثم سينطلق لمحاولة فهم إشكالية الأساس القانوني وعدم وضوح الاعتراف القانوني في المصادر الدولية المعتبرة، وبعد ذلك ننتقل لفهم إشكالية العوامل غير القانونية التي من الممكن أن تؤثر على سير العدالة ومحاولة فهم أثرها، ثم أخيراً نتناول مشكلة التنفيذ الجوهرية بالنسبة للأثر المأمول من جراء إقرار جهات الفصل بحق التعويض.

أولاً: الإشكاليات العملية والإجرائية والإدارية.

               نناقش في هذه الجزئية بعض الإشكالات العملية والإجرائية والإدارية التي ربما يتبادر للذهن أنها بسيطة لكن أثرها في تعطيل أو تعقيد الوصول للتعويض كبيرة، وأساس هذه الإشكاليات هو الوعي، فكلما زاد الوعي لدى المتضررين وكان لديهم إلمام بأهمية وطبيعة الحق في التعويض نتج عن ذلك سلاسة الإجراءات وإتمام التحقيقات بأفضل نتيجة ممكنة، وكلما ضعف الوعي زادت المسؤولية على اللجان والجهات ذات العلاقة لضمان سير الإجراءات بالطريق الصحيح والتحقق من الوصول لكل المتضررين، كما أن فقد المستندات الأساسية قد يحرم الضحية من المشاركة في الإجراءات القانونية أو يجعل موقفه ضعيفاً، وقد يكون المتضررون أمام مأزق لتحقيق معايير الإثبات أمام المحكمة، وأخيراً فإن التكاليف الباهظة للوصول للعدالة قد ينتج عنها استحالة الوصول للعدالة أو صعوبة ذلك، وسنتناول كلًّا من هذه الإشكاليات على حدة.

إشكالية الوعي عظيمة الأثر، فلا يمكن أن نتصور أن المتضرر سيختار السعي للوصول للتعويض العادل قبل أن نتأكد أنه يعي هذا الحق، فضعف الوعي بالحق بالتعويض يقلل احتمالية المطالبة به أصلاً، فتجربة الوقوع في الضرر في حالة حرب ليست تجربة تتكرر عادة كما تتكرر حوادث السيارات التي يسهل معرفة آلية التعامل معها، مما يجعل الضحايا في النزاعات المسلحة يعيشون هذه التجربة لأول مرة في غالب الأحوال، وهذا يجعل افتراض الجهل هو الأصل وينبغي التعامل مع المتضررين على هذا الأساس، وقد أدت لجان تقصي الحقائق دوراً مهماً في سد هذه الفجوة من خلال المساعدة على فهم الانتهاكات والوصول للضحايا[34]. وقد تؤثر إشكالية الوعي على الجهود التي تسعى لمعرفة الضحايا، فمع وجود أعداد ضخمة من المتضررين المحتملين في الحروب، نجد أن وعي المتضرر بحقوقه هو ما يسهل هذه العملية ويجعلها أكثر دقة وإمكانًا، وضعف الوعي يعقّد هذا الأمر كثيراً، فلذلك لا بد من النظر في وضع حلول تقلّل من حدّة هذه الإشكالية.

في العادة إقامة دعاوى ضمن النطاق الوطني يُتصور أنها تكون ضمن إجراءات سلسة واعتيادية ولا تحتاج للكثير من النظر في الأمور الأولية التي تعتبر من المسلمات، فوجود بطاقة هوية لمن يريد إقامة دعوى أمر مفترض ولا نحتاج غالباً للتوقف عنده، وحتى لو كانت بطاقة الهوية قد فُقدت فالحصول على بديل لها أمر منظم وممكن، لكن الحال مع ضحايا الحروب مختلف، فكثيراً ما تكون مؤسسات الدولة لا تعمل كالمعتاد، وربما تكون قد انهارت تماماً لا سيما إذا طال أمد الحرب، فتبدأ الصعوبات من الوهلة الأولى في إيجاد وثائق هؤلاء المتضررين بداية[35]. وفي بعض الأحوال يكون بعض المتضررين من عديمي الجنسية فيفتقد لتلك الهوية القانونية التي تمنحه الاعتراف، إلا أن القانون الدولي مدَّ حمايته لعديمي الجنسية في حال تضررهم حيث عملت منظمات اللاجئين على تمثيل عديمي الجنسية في عدد من المطالبات[36]. وفي النتيجة يجب ألا تكون إشكالية فقد المستندات عائقاً للوصول للعدالة خصوصاً أنه من الممكن إيجاد الوسائل المناسبة لتجاوز هذه العقبات في ظل التطور الذي وصلت له البشرية.

ويواجه المتضررون إشكاليات قانونية في إقامة المسؤولية، فينبغي لهم أن يثبتوا وجود أركان المسؤولية كاملة، والأركان المستقرة هي الخطأ والضرر والعلاقة السببية، فإذا عجزوا عن إثبات هذه الأركان الثلاثة، فإن ادعاءاتهم ستكون حبرًا على ورق، والإثبات يجب أن يرتقي لمعايير تتطلبها المحكمة، فقد حدَّت نوعية الإثباتات المقدَّمة أمام محكمة العدل الدولية في قضية جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد أوغندا من حجم التعويضات لعدم كفايتها حسب تقدير المحكمة[37]، وقد ينجح المتضررون في بعض الأحيان في إثبات الضرر لكن يصعب عليهم إثبات العلاقة السببية، كما تتعرض الأدلة للإتلاف نتيجة الصراعات المسلحة، والتفجيرات التي قد يُقصد منها محو السجلات والآثار التي قد تفيد في إثبات الجرائم.

أما بالنسبة للتكلفة الباهظة للتقاضي، فإن التكلفة النفسية والاجتماعية والمالية قد لا تتناسب مع حالة السواد الأعظم من المتضررين فلا يجدون الدافع نحو الاستمرار في الإجراءات مع ضعف العائد من هذه العملية المكلفة والطويلة، فاقتضاء التعويض يتطلب إجراءات باهظة ومعقدة وقد تستغرق مدة التقاضي زمناً طويلاً حتى تثمر[38]. فلن يصمد في هذا الطريق الطويل من الإجراءات الذي قد يبدأ بالسعي خلف موافقة الدولة على اللجوء للمحكمة حتى التنفيذ الذي تحفه كثير من العقبات إلا من لديه مطالبة كبيرة تستحق هذا العمل الدؤوب، ولا شك أن هذا يعطّل عملية العدالة ويجعل قرار الوصول للتقاضي من عدم مربوطًا بمسائل ليس لها علاقة بتحقيق العدالة، فالتكلفة الباهظة قد تقصي معظم المطالبات اليسيرة والمتوسطة من المعادلة، وهذا أمر قد لا يكون تجاوزه أو الحد من أثره تحديًا في ظل التطورات التقنية المعاصرة.

كما رأينا أن طبيعة وضع المتضررين، وكونهم في العادة عددًا ضخمًا وفي بقعة جغرافية يحيط بها آثار الحرب من دمار وأوضاع اقتصادية صعبة، فيكون لمحدودية الوعي بالحقوق وفقدان المستندات والتكاليف الباهظة أثراً مضاعفاً، وقد يكون أحد الحلول في التغلب على جزء كبير من هذه الإشكالات هو في زيادة الوعي واستثماره من خلال التقنية، ومن ثم يستثمر هذا الوعي من خلال إيجاد وسائل يمكَّن للمتضررين خلالها، وتمكين المتضررين من رفع المستندات والقيام بالكثير من الإجراءات، فيمكن أن تساعد التقنية على التغلب على كثير من هذه الإشكاليات العملية بشكل فعّال وتقلّل التكلفة للحد الأدنى مهما طال أمد التقاضي، ويجب أن يكون للمنظمات غير الربحية دور ريادي في الدعم والتعريف بالحقوق للضحايا للوصول للعدالة، كما أن مبادرات المسؤولية الاجتماعية للشركات الكبرى قد تساعد في سد هذه الفجوة التقنية. أما بالنسبة لمشكلة الإثبات فينبغي أن يوضع إطار عام يُقصد به توعية المتضررين عن الإجراءات التي ينبغي لهم الاهتمام بها حال تعرضهم لانتهاكات، ومن ذلك توثيق هذه الانتهاكات وإيضاح السبل التي ينبغي أن تُتخذ في هذا الشأن، فمشكلة التوثيق يمكن أن تحجَّم بالدرجة الأولى من خلال إدراك الآلية السليمة للتعامل معها، وبالدرجة الثانية من الممكن دراسة ما إذا كان من الممكن إجراء بعض الإصلاحات التشريعية والقضائية التي يمكن أن تغير من يكون عليه عبء الإثبات أو نحو ذلك من الحلول القانونية المساعدة في هذه الحالة.

ثانياً: إشكالية الأساس القانوني للتعويض في ظل القانون الدولي الإنساني.

استقر الفقه الدولي بحسب ما ذكر آنفاً على اعتبار حق التعويض المقرر للمتضررين من العرف الدولي الملزم، وهذا يعطي حق التعويض أساساً متيناً يجعله ملزماً حتى وإن كانت الدولة ليست طرفاً في اتفاقية تقرر هذا الحق، كما أن حق التعويض كثيراً ما يرتبط بالانتهاكات التي تُعَدّ من العرف الدولي تحت مظلة حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني كالمذابح الجماعية والتعذيب من المحرمات الدولية في العرف الدولي ولا يحتاج التأسيس للالتزام بها مصدراً تعاقدياً بل إن الكافة ملتزمون به، إذ إن فكرة الخطأ أو التعدي كركن من أركان المسؤولية قد تشكلت باعتبار أن مخالفة الحقوق المقررة في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني يُعَدّ مخالفة للعرف الدولي[39]، مما وسّع دائرة الملتزمين بهذه الحقوق ولم يحصرها تعاقدياً على من دخل في اتفاقية تلزمه بالامتثال لهذه الحقوق[40]، وقد جاءت دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر مفسرة بأن حق التعويض يُعتبر من قبيل العرف الدولي[41].

وقد أثار بعضهم فكرة ضعف الأساس القانوني لحق التعويض وأن اعتبارها من القواعد الآمرة أو من العرف الدولي غير محسوم[42]، وفكرة إخراج حق التعويض خارج إطار العرف الدولي قد يفضي إلى إهدار حق الضحية في التعويض لتعذر تأسيس التزام تعاقدي تكون الدولة المدعى عليها طرفاً فيه. ويبدو أن ما أثير حول ضعف الأساس القانوني هو محاولة لتفسير القصور في صعوبة قبول دعاوى الضحايا أمام المحاكم الدولية أو نفاذ حقوق الضحايا حتى بعد نجاح وصولهم للمحكمة، ويرون أن مجرد الاعتراف بحق التعويض على أنه من العرف الدولي غير كاف، وخلصوا أن هذا يؤدي بالضرورة إلى أن الأساس القانوني لحق التعويض يحيط به كثير من الغموض ولا يوجد تفصيلات كافية بشأنه، فلم تحدد مصادر القانون الدولية أنواع التعويض المعتبرة وآليات الوصول لها على وجه يجعلها ملزمة، وما ورد بهذا الخصوص في مصادر ثانوية لا ترتقي للإلزام المنشود[43]. ورغم وجاهة ما ذهبوا إليه في بعض النواحي إلا أن تحقيق العدالة في حقوق الضحايا ليس متوقفًا على هذه المسألة فقط، بل هناك تحديات أخرى وأبرزها صعوبات إجرائية وموضوعية أخرى، ومنها أن الاعتراف القانوني بحق التعويض على أنه من العرف الدولي بهذه العمومية لا يُعدّ كافياً ولم ينتج عنه أثر الحماية المأمول للمتضررين، فإذا لم تمنح الدولة الحق الإجرائي للمتضرر بالوصول لمحكمة العدل الدولية، فرغم صلاحية الاعتراف القانوني بالحق الموضوعي هنا أصبح الاعتراف بلا جدوى وغير ملزم بسبب أن الدولة الحامية للمتضرر مارست حقها في رفض تمثيل المتضرر أمام جهة القضاء الدولية.

ويمكن أن نخلص في هذه الإشكالية إلى أن الاعتراف القانوني بحق التعويض اعترافٌ عامٌّ وغامضٌ لم تُرسم فيه التفصيلات والآليات بوضوح، مما جعل كثيرين يختزلون ضعف إلزامية حق التعويض في غموض هذا الاعتراف؛ وهذا مؤثر لكنه غير دقيق، إذ إن العوامل التي أدت إلى ضعف حق التعويض وقلة تطبيقاته هي عوامل مركَّبة تحيط بالتعويض من لحظة وقوع الضرر على المتضرر مروراً بإقامة المسؤولية وإثباتها إلى حين تنفيذه. أما بالنسبة لإشكالية الأساس القانوني فيمكن أن تعالَج من جانبين، أولاً الاعتراف صراحةً بأن حق التعويض يجب أن يعامَل معامَلة العقوبة من وجه فهو نتيجة طبيعية للانتهاك محلّ النظر عندما يعالج الشق المدني كما تعالج العقوبة الجانب الجنائي، ويقتضي الأمر بالضرورة لزومه، ومن الجانب الآخر يجب العمل على أن يكون حق التعويض واضحًا ومُقَرًّا به على نحو صريح وواسع مع بيان التفصيلات اللازمة في مصدر ملزم من مصادر القانون الدولي، ولا يُكتفى في ذلك باعتبار أن مجرد الاعتراف بحق التعويض كافٍ، بل ينبغي أن تكون هناك آليات واضحة وملزمة لاقتضاء هذا الحق ونفاذه[44].

ثالثاً: دخول حقوق الضحايا في حسابات مختلفة تؤثر على سير قضيتهم وتؤثر في اقتضاء ونفاذ حقوقهم المدنية.

يضع المتضرر الذي يسعى للوصول لحق التعويض ولتخفيف الضرر الذي أصابه آمالاً كبيرة على العدالة الدولية، إذ إن المتضرر المحق في دعواه والذي صار في موضع ضعف وبلا حيلة وربما تكون العدالة الدولية هي السبيل القضائي الوحيد لاقتضاء حقه، إلا أن آماله هذه تتحطم ويقف عاجزاً في كثير من الأحيان عن الوصول إلى العدالة لأسباب قانونية وسياسية وتقديرية، وعبَّر بعض الباحثين عن ذلك بأنه غموض في سبل الاقتضاء والنتائج المترتّبة على عدم احترام الأحكام الناجزة للتعويض[45]. لا ينفكّ التعويض في ظل القانون الدولي الإنساني عن البعد السياسي، إذ إن الضحايا في كثير من الأحيان يجدون المطالبة بحقوقهم مرتبطة ببعض الحسابات السياسية الأخرى، فبعض الأحيان تحول هذه التوجهات من وصولهم لحقوقهم القانونية، وفي أحيان أخرى ينجحون في الوصول لحقوقهم القانونية لكن تعرقل هذه الحسابات نفاذ حقوقهم بعد إقرارها من القضاء، فوصول الضحية للمحكمة الدولية في أحيان كثيرة مرتبط بموقف دولته الداعم لذلك، كما أن صدور حكم يُقِرّ بحق الضحية لن ينعكس على الواقع إذا لم يجد الآلية التنفيذية التي تسهم في تعزيز العدالة[46].

ففكرة أن اللجوء للمحكمة يتطلب موافقة الدولة الممثلة للمتضرر يفتح الباب أمام جميع الاعتبارات لتكون على الطاولة، وقد تحجب ممارسة المتضرر لحقه في التقاضي أمام محكمة العدل الدولية ما لم تتبيّن دولهم ذلك وتترافع بالنيابة عنهم، فإذا لم ترغب الدولة باتخاذ هذه الخطوة، فسيبقى الضحية عاجزاً عن اقتضاء حقه في ظل محكمة العدل الدولية وربما لا يبقى له سبيل إن عجز عن أي وسيلة أخرى. كما أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية متعلق بقبول دولة الضحية باختصاص المحكمة إما بكونها طرفًا في اتفاقية روما المنشئة للمحكمة أو بقبول الدولة لاختصاص المحكمة في هذه القضية أو في حالات أخرى[47]. وبما أن هذا البحث يرتكز على فكرة حق المتضرر؛ فإنه يثير هذه الإشكالات لأنه قد ينتج عنها تعثر المتضرر للوصول للعدالة الدولية، ولا شك أن الدول لها حق السيادة المقرر، ومسألة موافقتها من عدمه راجع لمصالحها العليا، إلا أن السؤال هنا هل يمكن أن تكون هناك آليات تضمن أن اعتبارات الأضرار التي وقعت على الضحية يجب ألّا تُهدر تماماً، كأن تعوّض الدولة المتضرر أو تتخذ إجراءات تكفل وصوله للقضاء أو للجنة قانونية وطنية تنظر في الضرر الذي وقع عليه.

ونشير هنا إلى أن تجربة محكمة حقوق الإنسان الأوربية هي التي اتخذت مساراً يقلّل ولا ينهي المؤثرات غير القانونية على مسار وصول الضحايا للعدالة، فرغم أنها تسمح للفرد بأن يتقدم بشكوى أمامها إلا أن تأسيس هذا الحق منطلق من كون الدولة طرفاً في اتفاقية حقوق الإنسان الأوربية[48]، ورغم أن هذا التأسيس ضروري لإنشاء هذه القاعدة، إلا أنه في النتيجة يمكن أن يحجب المتضرر عن القضاء حال الانسحاب، ويعتبر وصول الفرد للمحكمة بشكل مباشر تبسيطًا للإجراءات وجعلها تدور على مصلحة الضحية. وربما هذه التجربة من الحلول التي تحفظ سيادة الدولة إذ إنها تملك حق الدخول أو الانسحاب من الاتفاقية متى شاءت، مع إيجاد وسيلة أكثر استقراراً من فكرة الموافقة على كل قضية على حدة.

كما أن بعض المحاكم الدولية قد تسهم بشكل أو بآخر في إضافة تحدٍّ أمام حصول الضحايا على التعويضات المناسبة بسبب توجهات معينة تتجاهل معها حقوق الضحية المدنية في التعويض، ومن ذلك فإن هيئات التقاضي الدولية تنحاز لممارسة دورها الجنائي وأخذ البعد الجنائي بالاعتبار أكثر من التعويضات المدنية[49]، فالآثار الجنائية عادةً معتبرةٌ ومسلمٌ بها لكن الآثار المدنية لا يُنظر لها بالاعتبار نفسه، كما أن القضاء الدولي قد وصل لمحطات متقدمة نسبياً في فرض العقوبات الجنائية وتطبيقها ولم يصل لمثلها فيما يتعلق بالتعويضات المدنية.

ومن ناحية أخرى فقد لقيت فكرة التعويض الجماعي قَبولاً واسعاً أمام المحاكم الدولية، وربما هذه الفكرة يمكن من خلالها تجاوز كثير من الصعوبات عند إقرار التعويض، ورغم أن تقدير الأضرار في هذا التعويض يكون جزافاً إلا أنه أكثر واقعية في كثير من الأحيان، لكن الاعتماد عليه مع وجود إمكانية لتقدير التعويض لكل حالة على حدة قد يكون مجحفًا وقد يدخل المتضرر في حسابات غير عادلة تعتمد بالدرجة الأولى على عدد المتضررين ومقدار التعويض الكلي ولا تنظر بعين الاعتبار الضرر الحقيقي الذي وقع على المتضرر، وربما تكون فكرة التعويض الجماعي مقبولة خلال العقود الماضية من الناحية الواقعية بسبب التعقيدات التي تحيط بالضحايا وصعوبة الوصول لهم وكثرتهم، إلا أنه ومع التطورات التي تشهدها الإنسانية أضحت إدارة عملية التعويض يمكن أن تتطور وتغيّر تصوّرنا عن هذه التعقيدات، فالخيارات المتاحة اليوم لم تكن متاحة في الماضي وعلى ذلك يجب أن نعيد النظر في حلول الماضي.

وبالنظر لهذه الإشكالية فإن وجود اعتبارات متنوعة قد تؤثر في مسار العدالة مسألة يبدو أنه لا مفر منها في ظل طبيعة القانون الدولي المركبة، ويمكن أن نحصر هذه الإشكاليات في مسألة البعد السياسي الذي نتج عن حق الدولة في تقرير حق المتضرر في اللجوء للقضاء الدولي في بعض الحالات، والانحياز القضائي للجانب الجنائي مع ضعف الاهتمام بالجانب المدني. وجميع الجهود التي تصبّ في تعزيز آلية الوصول الأفراد للقضاء مع الحفاظ على سيادة الدول ستكون مهمة في هذا الجانب، ومن ذلك حوكمة حق الدولة في تقييد وصول المتضررين للقضاء بحيث يكون للمنع بدائل مثل إيجاد لجنة وطنية بديلة للنظر في مشكلات المتضررين، وربما يكون الحل من خلال وسائل قانونية غير تقليدية لمواجهة هذا الوضع غير التقليدي بحيث يحمي سيادة الدول من دون إخلال بحقوق الأفراد، وربما تكون أول خطوة في هذا الجانب تأسيس نظام إلكتروني عالمي لتبسيط الإجراءات القانونية الحالية، وقد رأينا أن الاستخدام المنضبط والموزون للتقنية على المستوى الوطني في جائحة كورونا الأخيرة كان عاملاً مميزاً في تعزيز الكفاءة في الإجراءات، فلماذا لا يتم توسيع ذلك في المجال الدولي؟! وأخيراً، ذهب عدد من الباحثين للهروب من المعضلات المؤرِّقة التي تقف عائقاً أمام إشكاليات القانون الدولي الإنساني بدايةً من الأساس وطرق الاقتضاء وآليات النفاذ، وتأثر هذا الفرع بالمعضلة المؤرِّقة التي تثور حول مدى إلزامية القانون الدولي ككل، فكان المقترح هو الاستنجاد بالقضاء الوطني الذي يستند على التشريعات الوطنية الملزمة، وإذا ما امتدَّ اختصاصه فإن مسألة النفاذ أوضح وأكثر تطوراً، إلا أن فكرة اللجوء للقضاء الوطني فكرة لا تخلو من التحديات الكبيرة هي الأخرى[50].

 

 

رابعاً: إشكالية التنفيذ:

لا يُتصور أن تتحقق العدالة إن لم يحقق الحكم القضائي الدولي ثمرته من خلال تنفيذه ووصول المتضررين للتعويضات العادلة، وقد ألقت فكرة مدى إلزامية القانون الدولي الإنساني وطبيعته الخاصة من هذه الناحية بظلالها على الأحكام الدولية الصادرة بهذا الشأن من جانب، ومن جانب آخر قد يتعذر التنفيذ بسبب وجود عدم رغبة سياسية بالتجاوب مع هذه الأحكام وسوء إدارتها، وقد يكون السبب أن الإمكانات المالية للمحكوم عليه محدودة ولا تحتمل حجم التعويضات، فالحكم بالتعويضات ليس له جدوى إن لم يقترن بالآلية التنفيذية المناسبة، وسنستعرض في هذا القسم بعض الإشكاليات والحلول التي يمكن أن تساعد في التغلب عليها[51].

أما بالنسبة لإشكالية الإلزامية فقد ناقشنا أن حق التعويض الموضوعي من العرف الدولي، إلا أن هذا الحق عام ولم يأتِ فيه تفصيل يتعلق بآلياته والمعايير المعتبرة في تقديره ونحو ذلك، بالإضافة لذلك فإن الجوانب الإجرائية منه ليست من العرف الدولي، وقد يكون للاعتبارات السياسية فيها مساحة أيضاً تعوق وصول المتضرر للعدالة من خلال موافقة دولته على رفع الدعوى أمام محكمة العدل الدولية، والحال كذلك مع التنفيذ، فقد ينجح المتضرر بالحصول على حكم يقرر حقه في التعويض لكن يكون نفاذه مربوطًا بنَواحٍ سياسية فقد ترى السلطة المنوط بها التعويض أنه ليس من أولوياتها في مرحلة معينة[52]، وقد يترتب على ذلك في أقل الأحوال تأجيل التعويض لسنوات طويلة إن لم يؤدِّ إلى نسيانه تماماً، وقد تعتري عملية التعويض سوء إدارة بسبب قلة الكفاءة أو الفساد مما يؤدي لتوجيه التعويض لغير الأهداف المقصودة له.

وقد يكون العائق ماليًّا فقد توجَّه أحكام التعويض لدول محدودة الموارد وربما للتو خرجت من حالة حرب فلا تستطيع الالتزام بدفع التعويضات، وفي أحيان أخرى تتجه المحكمة الجنائية الدولية – على سبيل المثال – إلى تحميل الأفراد المرتكبين للجرائم التعويضات لا دولهم، وعادةً تكون موارد الأفراد محدودة، وهذا يجعل أحكام التعويض متى وُجدت غيرَ فعالة نظراً لأن هؤلاء الأفراد لا يستطيعون تحمُّل هذه الأعباء المالية[53].

وبالنظر للتحديات التي تحيط بعملية التنفيذ، وما ينتج عنها من إهدار لثمرة العمل القانوني الذي أُقِرَّ من خلاله التعويض، فيجب الأخذ في الاعتبار أن تنظيم آليات وأساليب التعويض دولياً بطابع إلزامي سيساعد في التقليل من هذه الإشكالية، أما بالنسبة للعائق المالي فقد جرت محاولات محاولة المحكمة الجنائية الدولية في تأسيس صندوق لتعويض الضحايا: نظراً لأن المحكمة كما قدمنا في التحديات لا تمد سلطتها لتحميل الدول للتعويضات بل تحملها للأفراد المسؤولين عن الجرائم، فإن المحكمة ابتكرت فكرة الصندوق الذي يدعم اختياراً من جهات متبرعة لتمويل تعويضات المتضررين[54]. إلا أن هذه التجربة لم تلق نجاحاً واسعاً بسبب أن المساهمة في هذا الصندوق تطوعية، وقد لا يتلقى الصندوق الدعم الكافي لتعويض المتضررين[55].

المبحث الثالث: ملاحظات ختامية

يدرك الكثير من الباحثين في القانون الدولي الإنساني وجود إشكاليات كبيرة تحاصر الحق في التعويض، فرغم الاعتراف الواسع بأصل هذا الحق كجزء من العرف الدولي الملزم إلا أن هذا الاعتراف محدود الأثر لسببين رئيسين: أولهما تعلقه بأمور إجرائية قد تعرقل سير العدالة كالتعقيد الذي يكون حتى يحصل الفرد على موافقة تمثيل دولته له أمام القضاء الدولي، وثانيهما غياب الإطار التنظيمي الفعال الذي يراعي المعطيات ويسهم في تحجيم المشكلات فالغموض والعمومية في الاعتراف بالحق لا تكفي دون وجود سبل فعالة لاقتضاء هذا الحق، فالسؤال القائم في هذا الخصوص والذي لم يلقَ جواباً حاسماً في المصادر القانونية الدولية الرسمية هو ماذا بعد اعتبار حق التعويض من العرف الدولي الملزم بهذه العمومية والغموض؟ ولماذا لم يأت مصدر دولي معتبر وملزم ليجيب عن هذا التساؤل المهم؟ وهل من المعقول أن نبقى نفكر في حل المشكلات القائمة بالأساليب الاعتيادية في ظل التطورات المعرفية والتقنية التي تشهدها البشرية؟ أم إن العدالة الدولية يمكن أن تشهد تحوُّلًا يسهم في مواكبة المتغيرات بإيجابية؟ سيسلط البحث الضوء في هذه الجزئية على وضع تصوُّر شامل للتحديات والإصلاحات.

وأول هذه التحديات هي التكلفة الباهظة للوصول للعدالة، وهي مسألة شائكة وجرى نقاشها على المستوى الوطني والدولي بإسهاب، والمطالبة بحق التعويض محل هذا البحث لا شك أنه مكلف من جوانب زمنية ومالية وإجرائية وعملية كما جرى الحديث عن ذلك، وفي هذا العصر التقني الذي شهد فيه العالم قفزات تقنية متسارعة يمكن الاستفادة من الحلول التقنية لمعالجة الأزمات، وهذا يكون بالنظر في الاستفادة القصوى من التقنية والبرمجيات في إدارة عمليات التعويض بكفاءةٍ بدءًا من عملية زيادة الوعي بالمشكلة، وحصر الأضرار، والتعرف على المتضررين، وجمع الأدلة، وانتهاءً بالوصول لنتيجة مبنيّة على تحليل البيانات الموجودة ومعرفة أحوال الضحايا وهوياتهم ومدى كفاية الأدلة، وتوافر هذه المعلومات قبل بدء النظر وتحليلها قد يفتح المجال أمام حلول أخرى كتسوية النزاع قبل اللجوء للمحكمة، وأيضاً قد تسهم التقنية في إمكانية تعزيز متابعة المتضررين لقضاياهم وحضور الجلسات، ومتابعة وضع تنفيذ التعويضات، وكل هذا مع تقليل تكاليف الوصول للعدالة وتحقيق كفاءة أكبر.

أما بالنسبة للتحدي الآخر فهو محاولة لفهم التحديات والإصلاحات بشمولية أكبر، وبالنظر والتأمل تبيَّن أن أغلب التحديات والإصلاحات مرتبطة بشكل أو آخر بمشكلة مركبة وهي اختلال الاستقلالية والإلزامية، فقد وجدنا أن الكثير من التحديات ترتبط بمتغيرات يرجَّح عدم تحقُّقها مع الضعف في الإلزامية في حكم القاعدة القانونية المقرّة بهذا الحق، ووجدنا أن الإصلاحات تدور هي الأخرى على عكس ذلك إذ تنطلق من فكرة تعزيز إلزامية حق التعويض واستقلاليته بحيث لا يتعطل جزئياً أو كلياً بسبب عوامل قد تضر بالعدالة ونفاذها. فحق التعويض ومستلزماته هي حق من جانب المتضرر، وهي التزام من جانب المتعدي، وكونه التزامًا قانونيًّا فإن ذلك يستتبع بالضرورة فرضه وإلا فقدَ قيمته، وحتى لو تعذّر تنفيذه بطريقة فيجب أن يُلجأ لبدائل ملزمة ولا يكون الأمر رهيناً بعوامل أخرى كما رأينا تأثير الاعتبارات السياسية مثلاً على مسيرة هذه الإجراءات، وفي ظل غياب الجزاء الذي يضمن نفاذ هذا الإلزام تكون الغلبة في مثل هذا الحال للاعتبارات السياسية.

ومما يجعل الأمر أكثر تعقيداً في ظل الاختلال في الإلزامية والاستقلالية هو غياب الإطار التنظيمي الذي يفصل في حق التعويض ويبين سبل الوصول له، فيكون حق المتضررين بهذا الحال معتمدًا على التفسيرات والاجتهادات وربما المصالح المختلفة لأشخاص القانون الدولي المرتبطين بحق المتضرر، بينما إيجاد إطار ملزم ينظم هذا الحق يعزز من ذاتيته ويضمن الحد الأدنى من الإلزام به مع وضوح الآليات. ويكون أيضاً حق المتضررين وفعاليته متعلقة على قوة نفاذ أحكام التعويض الذي يكون التنفيذ فيه معتمدًا على وجهة نظر الدول المرتبطة بهذا التنفيذ من جانب، ومدى القدرة المالية للمدعى عليهم بدفع التعويضات للمتضررين من جانب آخر، وهذا الأمر يجعل الإقرار الدولي القضائي بحق هذا المتضرر بالتعويض معلقًا على مسائل ربما تعطل أو تؤخر التنفيذ، وهذا يطعن في استقلالية هذا الحق ونفاذه الذي هو نتيجة لمشكلة ضعف الإلزام.

وكما قدّمنا فإن كل إجراء يعزّز الإلزامية والاستقلالية في حق التعويض مطلوب في هذه المرحلة، وأول هذه الإجراءات هو رفع وعي المتضررين بحقهم في المطالبة بالتعويضات بحيث يكون الضحية عالماً بحقه وقادراً على اتخاذ القرار المناسب والسعي للمطالبة به، كما أن وضع إطار تنظيمي واضح وأرضية ملزمة لتعزيز ذاتية هذا الحق وإلزاميته خطوة جوهرية؛ لأن الوضوح في الآليات والمعايير التي يُبنى عليها التعويض يجعل مساحة التفسيرات والتأويلات والمصالح المتشابكة في الإطار المعقول والمقبول، وبالنسبة للحلول التي تصبّ في استقلالية التنفيذ فإن تحقيق الاستقلال المالي للتعويضات من خلال فكرة إقرار الصناديق لعزلها عن الوضع المالي للمحكوم عليهم ومن ثم تعزيز نفاذها اتجاه وجيه وهي في مسار مقبول عملياً، وربما يكون مرورها بعدد من التحديات مرحلة طبيعية لتطورها لكن ينبغي إعادة النظر في آليات تدعيم هذه الصناديق من خلال توفير موارد ملزمة لها بطريقة أو أخرى.

 

الخاتمة

ناقش هذا البحث موضوعاً جوهرياً يمسّ حقوق الضحايا المتضررين من النزاعات المسلحة، وارتكز البحث على مناقشة ماهية التعويض الإصلاحي في القانون الدولي الإنساني وأبرز التحديات والاتجاهات الإصلاحية المقترحة. بداءةً فإن الفقه الدولي استقرَّ على اعتبار حق التعويض من العرف الدولي الملزم، إلا أن التساؤل قائم حول غياب الإطار التنظيمي الإلزامي الواضح الذي يرسم الوسائل والآليات التفصيلية لممارسة هذا الحق وحدوده. ويرتبط القانون الدولي الإنساني بقانون حقوق الإنسان، إذ يُعَدّ الأخير هو القانون الشامل الذي ينطبق في كل حال، بينما ينحصر دور الأول في نطاق النزاعات المسلحة ومحاولة الحدّ من انتهاكات حقوق الإنسان خلالها. وقد خلص البحث إلى أن التعويض الإصلاحي لا يختلف عن مفهوم التعويض المدني التقليدي كثيراً، وإن أبرز نقطة اختلاف بينهما هي الالتزام بعدم تكرار التعدي الذي أدى إلى شمولية في مفهوم التعويض الإصلاحي؛ تعالج المصلحة الجماعية ولا تقتصر فقط على المصلحة الخاصة كما هو الحال في التعويض المدني التقليدي.

تحفُّ بحق التعويض الكثير من المعوقات الشائكة، وأبرزها: الصعوبات العملية التي تتعلق بالمسائل الأولية والإجرائية وتتسبّب في تعطيل الوصول للحق في التعويض وصعوبة الإثبات، والغموض في حق التعويض في ظل غياب الآليات التفصيلية الملزمة مما يجعل حدوده غير واضحة، كما أن إلزاميته فضفاضة ومرتبطة بمجرد الاعتراف بفكرة الحق في التعويض، وأخيراً هي التداخل والتعقيد في الآليات المرتبطة بحق التعويض مما جعله مرتبطًا بحسابات غير قانونية كالإرادة السياسية وأثرها على حق اللجوء للمحكمة الدولية ونفاذ الحكم بعد صدوره، وأخيراً معضلة التنفيذ التي تنبع من محدودية الإلزامية في حق التعويض بالقانون الدولي الإنساني والتي قد تتداخل معها عوامل أخرى ومنها جوانب مالية واقتصادية وحتى سياسية.

وقد خلصنا إلى أن ضعف غالب التحديات يتصل بغياب الاستقلالية والإلزامية، وأي إجراء يعزّز من الاستقلالية والذي قد يبدأ بالعمل على رفع وعي الأفراد المتضررين بحقهم في التعويض وآليات الوصول له الذي يسهم في اتخاذهم لقرارات لمصلحتهم بناءً على معرفة وإدراك لحقوقهم، وقد تتخذ هذه الإجراءات الإصلاحية منحنى آخر مثل: الاعتراف بحق المتضررين الأفراد للوصول للقضاء الدولي مباشرة ورسم حدود واضحة له، ومحاولة تعزيز الحلول التي تزيد من استقلالية التنفيذ من حيث الإلزامية وتدعيم الصناديق التي وُضعت لدعم تعويضات الضحايا من خلال تطويرها وضمان فعاليتها واستدامة مواردها.

كما أن هناك نوعًا آخر من التحديات يكون الاتجاه في إصلاحه بالحلول التقنية، فتفعيل التقنية ربما يسهّل عملية جمع الأدلة، ورفع المطالبات ومتابعتها، والتعرف على المتضررين والوصول لهم، وربما متابعة الإجراءات القانونية حتى صدور حكم بالتعويض وتنفيذه، وهذا يسهّل عمل الجهات ذات العلاقة كما يضمن الكفاءة في تقليل التكاليف. وأنوّه هنا لدور المنظمات الدولية ومن ذلك منظمة التعاون الرقمي والتي تتخذ الرياض مقرًّا لها وتعمل في تعزيز التطور الرقمي العالمي المشترك من خلال عدة مبادرات وقد يكون لها دورٌ مستقبليٌّ في تعزيز العمل أو المساعدة على تطوير الوصول للعدالة الدولية من خلال التقنية.

وفي النهاية، أشكر الأعزاء القارئين على ما منحوه من وقت لقراءة هذا البحث، وأسأل الله عز وجل أن يكون هذا البحث مثمراً مفيداً ومعيناً في فهم هذه المشكلة، وأتقدم بالشكر والامتنان لكل من شجعني على إجراء هذا البحث، وأتقدم بالشكر الجزيل والخاص لجامعة الأمير سطام بن عبد العزيز لتمويلها هذا العمل البحثي[56].

المراجع:

اتفاقية لاهاي (1907)، الاتفاقية (الرابعة) بشأن قوانين وأعراف الحرب البرية وملحقها: اللائحة المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية.

الأمم المتحدة. (1945). ميثاق الأمم المتحدة.

الأمم المتحدة. (1948).  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

الأمم المتحدة. (1966). العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

الأمم المتحدة. (1966). العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

الجمعية العامة للأمم المتحدة. (2005). المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في الانتصاف والجبر (قرار 60/147).

محكمة العدل الدولية. (2003-2007). موجز الأحكام والفتاوى والأوامر الصادرة عن محكمة العدل الدولية 2003 – 2007. لاهاي: محكمة العدل الدولية.

اللجنة الدولية للصليب الأحمر. (2005). دراسة حول القانون الدولي الإنساني العرفي. جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر. متاح على: https://ihl-databases.icrc.org/ar/customary-ihl/v1/rule150

أبو الوفا، د. احمد. (2010). الوسيط في القانون الدولي العام. الطبعة الخامسة. دار النهضة العربية. ص 156-157، 201-202.

السنهوري، د.عبدالرزاق. (2015). الوسيط في شرح القانون المدني الجديد. منشورات الحلبي الحقوقية.

ميلزر، نيلس. (2016). القانون الدولي الإنساني: مقدمة شاملة. جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

 

شوقي، د. سمير. (2013). التعويض عن الأضرار في القانون الدولي الإنساني: دراسة على ضوء الاجتهاد القضائي لمحكمة العدل الدولية. مجلة الفقه والقانون، (6)، 141-151. http://search.mandumah.com/Record/364674

واجعوط، سعاد. ( 2016 ). فعالية المحكمة الجنائية الدولية في تنفيذ القانون الدولي الإنساني. مجلة جيل حقوق الإنسان، ع 11 ، 131 – 142 .

خاطر، د. مايا. (2023). الآليات القانونية الدولية لتعويض ضحايا الحرب الروسية على أوكرانيا، مجلة البحوث الفقهية والقانونية، 35(43)، ص. 1475-1501. https://jlr.journals.ekb.eg/article_323113.html

سركالي، إنصاف. (2023). العلاقة بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان: دراسة نظرية للمفهومين. المجلة الإلكترونية الدولية لنشر الأبحاث القانونية، 3(13)، 102-128.

Henckaerts, Jean-Marie, & Doswald-Beck, Louise. Customary International Humanitarian Law, Vol. I: Rules. International Committee of the Red Cross, 2005, Cambridge University Press.

Evans, C. (2010). The right to reparation in international law for victims of armed conflict: Convergence of law and practice? (Doctoral dissertation, London School of Economics and Political Science).

Furuya, S., Correa, C., & Sandoval, C. (2020). The right to reparation for victims of armed conflict: The intertwined development of substantive and procedural aspects. In S. Furuya, C. Correa, & C. Sandoval (Eds.), Reparation for victims of armed conflict (pp. 16–91). Cambridge University Press.

Keller, L. (2007). Seeking justice at the International Criminal Court: Victims’ reparations. Thomas Jefferson Law Review, 29(2), 189.

Mégret, F. (2009). Justifying compensation by the International Criminal Court’s Victims Trust Fund: Lessons from domestic compensation schemes. SSRN Electronic Journal.

Zyberi, G. (2011). The International Court of Justice and applied forms of reparation for international human rights and humanitarian law violations. Utrecht Law Review, 7(1).

Jassam, T. H., et al. (2016). The right to compensation for victims of armed conflicts. IOSR Journal of Humanities and Social Science, 21(1).

Moffett, L., & Sandoval, C. (2021). Tilting at windmills: Reparations and the International Criminal Court. Leiden Journal of International Law34(3), 749–769. doi:10.1017/S092215652100025X

Cómo citar este artículo: López, M. A. (2022). General Enquiries into Reparation for War Victims under International Law. Verba Iuris, 18(48), 189-205. https://doi.org/10.18041/0121-3474/verbaiuris.48.9941

Rose, C. (2025). Evidentiary challenges in the litigation of war reparations: Armed Activities on the Territory of the Congo (DRC v Uganda). Journal of International Dispute Settlement, 16(1), Article idaf004.

[1] الأمم المتحدة. (1945). ميثاق الأمم المتحدة. متاح على الرابط: [https://www.un.org/ar/about-us/un-charter/full-text

[2] ومنها: الأمم المتحدة. (1948).  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان متاح على الرابط: [https://www.un.org/ar/about-us/universal-declaration-of-human-rights] ، وكذلك: الأمم المتحدة. (1966). العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية متاح على الرابط: [https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/international-covenant-civil-and-political-rights] وكذلك: الأمم المتحدة. (1966). العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية متاح على الرابط: [https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/international-covenant-economic-social-and-cultural-rights]

[3]ميلزر، نيلس. (2016). القانون الدولي الإنساني: مقدمة شاملة (ص. 21). جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

[4] أنظر، سركالي، إنصاف. (2023). العلاقة بين القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان: دراسة نظرية للمفهومين. المجلة الإلكترونية الدولية لنشر الأبحاث القانونية، 3(13)، ص 102-128.

[5] محكمة العدل الدولية. (2003). الأنشطة المسلحة في أراضي الكونغو (رقم 159). موجز الأحكام والفتاوى والأوامر (2003-2007)، ص. ص149-167 .

 

[6] Furuya, S., Correa, C., & Sandoval, C. (2020). The right to reparation for victims of armed conflict: The intertwined development of substantive and procedural aspects. In S. Furuya, C. Correa, & C. Sandoval (Eds.), Reparation for victims of armed conflict (pp. 18- 22). Cambridge University Press.

[7] اتفاقية لاهاي (1907)، الاتفاقية (الرابعة) بشأن قوانين وأعراف الحرب البرية وملحقها: اللائحة المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية، المادة 3، اعتمدت في لاهاي في 18 أكتوبر 1907، ودخلت حيز التنفيذ في 26 يناير 1910.

[8] Furuya et al., The Right to Reparation, pp. 55- 57.

[9] Ibid., pp. 62- 65.

[10] شوقي، د. سمير. (2013). التعويض عن الأضرار في القانون الدولي الإنساني: دراسة على ضوء الاجتهاد القضائي لمحكمة العدل الدولية. مجلة الفقه والقانون، (6)، 141.

[11] Henckaerts, Jean-Marie, & Doswald-Beck, Louise. Customary International Humanitarian Law, Vol. I: Rules. International Committee of the Red Cross, 2005, Cambridge University Press, pp. 537.

[12] Furuya et al., The Right to Reparation, p. 18.

[13] السنهوري، عبدالرزاق. (2015). الوسيط في شرح القانون المدني الجديد (المجلد 1، ص. 1043-1045). منشورات الحلبي الحقوقية.

[14] شوقي، التعويض عن الأضرار في القانون الدولي الإنساني، ص. 142.

[15] Furuya et al., The Right to Reparation, pp. 62- 65.

[16] أنظر: الجمعية العامة للأمم المتحدة. (1985). إعلان بشأن المبادئ الأساسية لتوفير العدالة لضحايا الجريمة وإساءة استعمال السلطة 40/34. الرابط: https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/declaration-basic-principles-justice-victims-crime-and-abuse

[17] الجمعية العامة للأمم المتحدة. (2005). المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في الانتصاف والجبر (قرار 60/147)، المادة 5.

[18] واجعوط، سعاد. ( 2016 ). فعالية المحكمة الجنائية الدولية في تنفيذ القانون الدولي الإنساني. مجلة جيل حقوق الإنسان، ع 11 ، 131 – 142 .

 [19] الجمعية العامة للأمم المتحدة، المبادئ الأساسية بشأن الحق في الانتصاف والجبر، المادة 9.

[20] خاطر، د. مايا، الآليات القانونية الدولية لتعويض ضحايا الحرب الروسية على أوكرانيا، مجلة البحوث الفقهية والقانونية، 35(43)، 2023، ص. 1483-84. https://jlr.journals.ekb.eg/article_323113.html

[21] المرجع السابق، ص. 1488.

[22] شوقي، التعويض عن الأضرار في القانون الدولي الإنساني، ص. 145.

[23] الجمعية العامة للأمم المتحدة، المبادئ الأساسية بشأن الحق في الانتصاف والجبر، المادة 9.

[24] المرجع السابق.

[25] Jassam, T. H., et al. (2016). The right to compensation for victims of armed conflicts. IOSR Journal of Humanities and Social Science, 21(1), 86-94.

[26]See Furuya et al., The Right to Reparation, pp. 55- 59.

[27] أنظر: السنهوري، الوسيط، ص 1045. ويحسن الإشارة هنا إلى التفرقة بين منظور الضرر بالنسبة للمصلحة الجماعية وبالنسبة للدعوى الجماعية، إذ إن المصلحة الجماعية يقصد بها الجماعة من الناس الذي يتضررون من أمر ويكون المستهدف كعلاج للمشكلة لا يراعي مصالحهم الخاصة بالتعويض بل بالقيام بالتدابير التي توقف تعرضهم أو تعرض من تنطبق عليه صفتهم للوقوع في الضرر، ومن ذلك تدخل المنظمات الدولية في حماية الأقليات قبل وقوع أي ضرر عليهم، فهذا الإجراء لا يراعي المصلحة الخاصة لمن وقع عليه الضرر بل يوقف وقوع الضرر عن بقية الأقليات في المستقبل وبذلك تتحقق المصلحة الجماعية، بينما الدعوى الجماعية في الضرر يكون هدفها تحقيق المصلحة الخاصة لمجموعة من الأفراد، فيجتمع هؤلاء الأفراد في وعاء واحد للمطالبة بحقوقهم الخاصة مرة واحدة بدلاً من التفرق، ومن ذلك مطالبة المتضررين بالتعويض عن الخسائر التي تعرضوا في دعوى جماعية ومقصدُهم في ذلك تحقيق المصلحة الخاصة لكل واحد منهم، فالدعوى الجماعية لا تغير من طبيعة الأمر المقصود وكونه يستهدف تحقيق المصلحة الخاصة إذ إن الصفة الجماعية هنا تتعلق باجتماع المدّعين في دعوى واحدة تقليلاً للتكاليف واختصاراً للوقت.

[28] محكمة العدل الدولية. (2004). الآثار القانونية المترتبة على تشييد جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة (فتوى رقم 148). في موجز الأحكام والفتاوى والأوامر الصادرة عن محكمة العدل الدولية 2003 – 2007 (ص. 63). لاهاي: محكمة العدل الدولية. أنظر كذلك: شوقي، التعويض عن الأضرار في القانون الدولي الإنساني، ص. 146.

[29]المرجع السابق، ص. 63. أنظر كذلك: شوقي، التعويض عن الأضرار في القانون الدولي الإنساني، ص. 147.

[30] Furuya et al., The Right to Reparation, p. 65.

[31] Evans, C. (2010). The right to reparation in international law for victims of armed conflict: Convergence of law and practice? (Doctoral dissertation, London School of Economics and Political Science), pp. 148.

[32] See Zyberi, G. (2011). The International Court of Justice and applied forms of reparation for international human rights and humanitarian law violations. Utrecht Law Review, 7(1), p.211.

[33] Ibid., pp. 213-14.

[34] See Evans, The right to reparation in international law, p. 219.

[35] See Ibid., p.103.

[36] See Ibid., p.131.

[37] See Rose, C. (2025). Evidentiary challenges in the litigation of war reparations: Armed Activities on the Territory of the Congo (DRC v Uganda). Journal of International Dispute Settlement, 16(1), Article idaf004.

[38] Moffett, L. (2014). Realising Justice for victims before the International Criminal Court. https://www.internationalcrimesdatabase.org/upload/documents/20140916T170017-ICD%20Brief%20-%20Moffett.pdf 

[39] أنظر: فتوى محكمة العدل الدولية التي أكدت فيها على عالمية نطاق الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان لأنها تحقق مصالح عامة فهي ملزمة حتى وإن لم تدخل الدولة فيها كطرف. محكمة العدل الدولية. (1948-1991). موجز الأحكام والفتاوى والأوامر الصادرة عن محكمة العدل الدولية 1948 – 1991. لاهاي: محكمة العدل الدولية، ص 23-25.

[40] حقوق الإنسان يقصد بها تحقيق مصالح عامة، فإننا يجب أن نستذكر حقيقة أن المعاهدة الدولية لا تأتي بالضرورة لإنشاء أو إقرار مراكز قانونية دولية جديدة تتمثل في حقوق والتزامات يوافق عليه أطراف المعاهدة بل تأتي في كثير من الأحيان كاشفة ومؤكدة لأعراف دولية مستقرة، ففي هذه الحال تنشأ القوة الملزمة لهذه القاعدة بصفتها عرفاً دولياً للكافة والتزاماً تعاقدياً لأطراف المعاهدة. أنظر: أبو الوفا، د. احمد. (2010). الوسيط في القانون الدولي العام. الطبعة الخامسة. دار النهضة العربية. ص 156-157، 201-202.

[41] اللجنة الدولية للصليب الأحمر. (2005). دراسة حول القانون الدولي الإنساني العرفي، المجلد الأول: القواعد (القاعدة 150). جنيف: اللجنة الدولية للصليب الأحمر. متاح على: https://ihl-databases.icrc.org/ar/customary-ihl/v1/rule150 أنظر كذلك: خاطر، الآليات القانونية الدولية، ص. 1483 – 86، 1495.

[42] Cómo citar este artículo: López, M. A. (2022). General Enquiries into Reparation for War Victims under International Law. Verba Iuris, 18(48), 189-205. https://doi.org/10.18041/0121-3474/verbaiuris.48.9941

[43] See Evans, The right to reparation in international law, pp. 88–90.

[44] أنظر: خاطر، الآليات القانونية الدولية، ص. 1495.

[45]  المرجع السابق.

[46]  See Evans, The right to reparation in international law, p. 119.

[47] واجعوط، فعالية المحكمة الجنائية الدولية، ص. 131 – 142.

[48] Council of Europe. (1950). Convention for the Protection of Human Rights and Fundamental Freedoms (as amended), Article 34.

[49] See Evans, The right to reparation in international law, pp. 87-88.

[50]  See Marxsen, C. (2017). Unpacking the international law on reparation for victims of armed conflict. Max Planck Institute for Comparative Public Law and International Law, pp.531-532. See Also

[51] See Mégret, F. (2009). Justifying compensation by the International Criminal Court’s Victims Trust Fund: Lessons from domestic compensation schemes. SSRN Electronic Journal, p.190.

[52] See Evans, The right to reparation in international law, p. 214. See also Moffett & Sandoval, Tilting at windmills, p, 767.

[53]See Keller, L. (2007). Seeking justice at the International Criminal Court: Victims’ reparations. Thomas Jefferson Law Review, 29(2), 189.

[54] See Moffett & Sandoval, Tilting at windmills, pp.749–769.

[55] See The Guardian. (2024, November 1). ‘Not one government has paid’ into Uganda warlord Dominic Ongwen victim reparations, ICC says. The Guardian.

[56] The authors extend their appreciation to Prince Sattam bin Abdulaziz University for funding

this research work through the project number (PSAU/2024/02/30652).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى