التنظيم القانوني للتفاوض التعاقدي وأثره في الالتزام، في ضوء القانون السوداني دراسة مقارنة – الدكتورة : نفيسة حامد عبد الرازق بدري
التنظيم القانوني للتفاوض التعاقدي وأثره في الالتزام، في ضوء القانون السوداني دراسة مقارنة
الدكتورة : نفيسة حامد عبد الرازق بدري
أستاذ مساعد، كلية الحقوق، جامعة الملك فيصل
رابط DOI
https://doi.org/10.63585/XBKU7059
ملخص البحث
المرحلة السابقة على إبرام العقد تُعد من أهم المراحل، ولها دور أساسي في تحقيق التوازن العقدي، نظراً لما تحتويه من تحديد لأهم التزامات وحقوق طرفي العقد من خلال سماحها لأطراف التفاوض بالاطلاع على شروط العقد، وهي بذلك تُعد ضمانة للطرف الضعيف تجاه الطرف القوي الذي يملك الهَيْمَنة الاقتصادية والقانونية على العقد. وكما اتضح لنا من خلال الدراسة فقد عدَّها جانب من الفقه القانوني على أنها تُرتِّب مسؤولية مدنية، وآخر عدَّها مسؤولية تقصيرية، وبعضهم عدَّها عملاً مادياً لا يُرتِّب أي أثر قانوني ولا تُلزِم بإبرام العقد؛ حيث تُمثِّل المفاوضات في الواقع أهمية قانونية كبيرة لإيضاح غايات وأهداف التعاقد والأسباب الدافعة لإبرامه. وفي محاولة لإقامة نوع من التوازن وعدم الإضرار بالمتفاوض الآخر عند العدول عن المفاوضات، اتجه جانب من القضاء مُؤيَّداً من الفقه لإيجاد وسائل، منها تقرير ضمانات معينة يجب أن تسود مرحلة التفاوض، أهمها: مراعاة مبدأ حسن النية في سير المفاوضات، وهذا ما اعتمده القانون الفرنسي والقوانين الأخرى المقارنة ضمنياً، وإلقاء عبء المسؤولية على المتسبِّب في قطع المفاوضات إذا اقترنت بخطأ أو تعسُّف، إلا أن عدم إحاطة هذه المرحلة بنصوص قانونية صريحة في معظم القوانين أنشأ مشكلات قانونية عديدة. لذلك خُصص هذا البحث لمعالجة هذه الإشكالات، حيث تبين أن هناك ثَمَّة التزامات تترتب على أعمال المفاوضات العقدية.
كلمات مفتاحية:
المفاوضات العقدية، الإيجاب، المسؤولية القانونية، العقد، العدول.
Legal Regulation of Contractual Negotiation and Its Impact on Obligation, in Light of Sudanese Law A Comparative Study
Dr. Nafisa Hamed Abd Elrazig Badri
Assistant Professor, Faculty of Law, King Faisal University
Abstract:
The stage prior to concluding the contract is one of the most important stages, and it plays a fundamental role in achieving contractual balance, given that it contains a definition of the most important obligations and rights of the two parties to the contract by allowing the negotiating parties to view the terms of the contract, and thus it is a guarantee for the weak party against the strong party that has economic and legal dominance over the contract. As it became clear to us through the study, some legal jurisprudence considered it to entail civil liability, and another considered it to be a tort liability, and some considered it a material act that does not entail any legal effect and does not obligate the conclusion of the contract; as negotiations in reality represent great legal importance to clarify the goals and objectives of the contract and the reasons motivating its conclusion. In an attempt to establish a kind of balance and not harm the other negotiator when withdrawing from negotiations, a section of the judiciary, supported by jurisprudence, has moved to find means, including establishing certain guarantees that must prevail in the negotiation stage, the most important of which are: observing the principle of good faith in the course of negotiations, which is what French law and other comparative laws have implicitly adopted, and placing the burden of responsibility on the person who caused the termination of negotiations if they were accompanied by an error or arbitrariness, but the lack of explicit legal texts covering this stage in most laws has created many legal problems. Therefore, this research was devoted to addressing these problems, as it became clear that there are obligations arising from the work of contractual negotiations.
Keywords: Contractual negotiations, offer, legal responsibility, contract, withdrawal.
مقدمة
تُعد مرحلة المفاوضات من أهم مراحل العقد على الإطلاق وأخطرها؛ حيث تُحدد فيها الملامح العامة لنطاق حقوق والتزامات الأطراف المتعاقدة، ولما تحتويه من تحديد لأهم ومعظم التزامات وحقوق طرفي العقد، وبما ينشأ عنهـا من مشكلات قانونية عديدة، ما زالت تثير الكثير من الإشكالات، سواء منها ما يتعلق بالإخلال بالالتزامات السابق تحديدها في هذه المرحلة، أو ما يتعلق منها بنطاق ونوع المسؤولية القانونية التي تقع على الطرف المتسبِّب، في حالة عدم بلوغ الغاية من المفاوضات، وهي إبرام العقد المنشود.
إذ يدخل هؤلاء في مناقشات مُكثَّفة حول العديد من المسائل القانونية مثل: الثمن، ومواعيد التوريد، وكيفية التنفيذ، ووقته، ومكانه، وضماناته، وجزاء الإخلال بالالتزامات التي ستنشأ عنه، فضلاً عن مناقشة الأعمال التحضيرية السابقة على التوقيع على العقد النهائي، مثل: تقديم العروض، والفحص الفني لها، ودراسات الجدوى الاقتصادية، وإصدار القرارات بشأنها، وهو ما يقتضي التقاء الأطراف وتبادل الأفكار والمقترحات ومناقشتها حتى ينعقد العقد محل المفاوضة.
لذلك تُعد المرحلة السابقة على التعاقد أو مرحلة المفاوضات التعاقدية هي فترة استكشافية ومهمة في نفس الوقت؛ لما تثيره من المناقشات بين الطرفين، وعادةً ما تستغرق هذه المرحلة وقتًا طويلًا وشاقًّا، وخاصة في العقود ذات القيمة الاقتصادية والمالية الكبيرة، والتي لا تلائمها القواعد المعروفة (اقتران الإيجاب بالقبول)؛ ومِن ثَمَّ تثير الفترة السابقة على إبرام العقد نوعين هامين وأساسيين من الصعوبات القانونية: أولاهما: صعوبات تتعلق بتمييزها عن غيرها ونطاقها، وصعوبات أخرى مرتبطة بالطبيعة القانونية لمرحلة المفاوضات وأحكامها؛ لذلك سيتم تَناوُل الجوانب القانونية التي تصاحب المرحلة السابقة للعقد من خلال هذا البحث ، وما يترتب عليها من التزامات تقع على عاتق الأطراف في ضوء القانون السوداني مقارنة بموقف بعض التشريعات (الفرنسي والجزائري والمصري)، وقُسمت الدراسة لمبحثين فجاءت كالآتي: المبحث الأول: خُصص لمفهوم المفاوضات العقدية وخصائصها، وتَناولتْ في المبحث الثاني المسؤولية القانونية في مرحلة المفاوضات العقدية وأساسها القانوني، وأخيراً: اشتملت هذه الدراسة على مجموعة من النتائج والتوصيات.
مشكلة البحث: –
مشكلة البحث تكمن في تحديد الطبيعة القانونية والمسؤولية المترتبة على هذه المرحلة، والدور الذي تلعبه في إبرام العقود، وهذه الإشكاليات القانونية تحتاج إلى معالجة، ويمكن حصرها في الأسئلة الآتية:
1-ما مفهوم المفاوضات العقدية؟ وما الفرق بينها وبين الالتزامات المشابهة؟
2-ما الدور الذي تلعبه المفاوضات العقدية في إخراج العقد القانوني ونطاقها؟
3-ما الطبيعة القانونية للمفاوضات العقدية؟
4-هل هناك مسؤولية قانونية تترتب على مرحلة المفاوضات؟
أهمية البحث: –
وتظهر أهمية هذا البحث في أن القانون السوداني لم ينظِّم المرحلة السابقة على التعاقد بنصوص قانونية خاصة، مُكتفِياً باهتمامه بالمراحل التالية على إبرام العقد، وهو ما يزيد من أهمية هذه الدراسة علمياً وعملياً في مجال مرحلة تكوين العقد، باعتبارها مرحلة حساسة وجوهرية، وكذلك كثير من القوانين المدنية العربية لم تنظِّم المرحلة السابقة على إبرام العقد بنصوص قانونية صريحة وواضحة؛ فمن الناحية القانونية: نحن أمام فراغ تشريعي، يُفرِز تصورات فقهية وقضائية غير واضحة أحياناً ومُتباينة أحياناً أخرى.
أهداف البحث: –
الهدف من هذه الدراسة إبراز الأهمية الكبيرة للمرحلة السابقة على العقد، وبيان ضرورة أن يتناولها المُشرِّع بالتقنين، أيضاً تحديد طبيعة المسؤولية القانونية في هذه المرحلة يبدو على جانب من الأهمية في هذا السياق، بالنظر إلى اختلاف النتائج القانونية التي يمكن أن تَتأتَّى عن هذه الطبيعة.
منهجية البحث: –
لدراسة موضوع التنظيم القانوني للتفاوض التعاقدي وأثره في الالتزام، سوف أعتمد على المنهجين: التحليلي والمقارن؛ نظراً لطبيعة الموضوع التي تستدعي عرض وتحليل آراء الفقه والنصوص القانونية فيما يختص بالمفاوضات العقدية، وبيان إلزاميتها في القانون السوداني بالمقارنة بموقف التشريعات في بعض الدول بغرض إثرائه.
الدراسات السابقة: –
من خلال اطِّلاعي لم أجد دراسة بعنوان: (التنظيم القانوني للتفاوض التعاقدي وأثره في الالتزام، في القانون السوداني) ولكن هناك بعض الدراسات التي يمكن أن تفيد الباحثة في بعض الجوانب؛ حيث إنها تناولت موضوع المفاوضات العقدية في قوانين أخرى غير القانون السوداني، وهذا هو الجانب الذي ستتناوله الباحثة خلافاً لهذه الدراسات، ومنها على سبيل المثال:-
1-د. حسين ميلود، “النظام القانوني للمفاوضات السابقة على التعاقد- دراسة في القانون المدني الفرنسي رقم 2016-131″، مجلة الفكر القانوني السياسي، مجلد (6)، 2022م.
2-د. هاني عبد العاطي عبد المعطي الغيتاوي، “المفاوضات وأثرها على التوازن العقدي- دراسة مقارنة”، بحث منشور بمجلة الشريعة والقانون- جامعة طنطا، 2019م.
3-د. بلحاح العربي، “الإطار القانوني للمرحلة السابقة على إبرام العقد في ضوء القانون المدني الجزائري- دراسة مقارنة”، دار وائل للنشر- الجزائر، ٢٠١٠م.
هيكل البحث:-
سوف تتم دراسة الموضوع من خلال: مبحثين، ومقدمة، وخاتمة.
المبحث الأول:- مفهوم المفاوضات العقدية وتمييزها عن غيرها وخصائصه:
المطلب الأول: مفهوم المفاوضات العقدية ونطاقها.
المطلب الثاني: خصائص المفاوضات العقدية وتمييزها عن غيرها.
المبحث الثاني:- المسؤولية القانونية في مرحلة المفاوضات العقدية:
المطلب الأول: أساس المسؤولية القانونية لمرحلة المفاوضات العقدية.
المطلب الثاني: الطبيعة القانونية للمفاوضات العقدية في القانون السوداني.
المطلب الثالث: الطبيعة القانونية للمفاوضات العقدية في القوانين المقارنة.
المبحث الأول:
مفهوم المفاوضات العقدية خصائصها وتمييزها عن غيرها
المطلب الأول:
مفهوم المفاوضات العقدية وخصائصها
أولاً: مفهوم المفاوضات لغةً:
التَّفَاوُضُ لغةً: فاوضه في الأمر: بادله الرأي فيه بُغية الوصول إلى تسوية واتفاق، ويُقال فاوضه في الحديث: بادله القول فيه([1])، والمفاوضة في اللغة: من تبادل الرأي من ذوي الشأن، وفاوضه في أمره أي: جاراه([2])، ويُقال: فوض تفويضاً إليه الأمر: صيَّره إليه وجعله الحاكم فيه، (فاوض في الأمر مفاوضة: بادله الرأي فيه بغية الوصول إلى تسويةٍ واتفاقٍ، وفَوَّضَ إليه الأمْرَ: رَدَّهُ إليه، ومُفَاوَضَةٌ: الاشْتِرَاكُ في كلِّ شيء: كالتَّفاوُضِ، والمُساواةِ، والمُجاراةِ في الأمْرِ؛ وتَفَاوَضوا في الأمْرِ: فاوَضَ فيه بعضُهُمْ بعضاً([3]).
وتتضمن كلمة “مفاوضات” باللغة العربية: الأخذ والعطاء، وتعني: العملية التي تقوم على اجتماع طريقين أو أكثر لإجراء مباحثات بهدف التوصل إلى اتفاق حول قضية ما.
ثانياً: مفهوم المفاوضات اصطلاحاً:
تعريف شُراح القانون أن المفاوضات: عبارة عن تبادُل وجهات النظر حول موضوع العقد وشروطه ومناقشتها، والتعبير عن مواقف العروض المقدَّمة التي يتخذها المفاوضون تمهيداً للوصول إلى اتفاق نهائي.
وتسبق المفاوضاتِ إجمالاً دعوةٌ للتفاوض حول موضوع عقد معين، هذه الدعوة لا تشكِّل عرضاً بمفهوم الإيجاب؛ لأن للعرض مواصفات لا تتوفر في الدعوة للتفاوض، أيضاً الدعوة لا تشكِّل التزامات من قِبَل الداعي بالتفاوض مع أي شخص يتقدم منه لتلبية هذه الدعوى([4])؛ فهي إذاً مجرد تعبير عن رغبة صادرة عن شخص أو أشخاص بصورة منفردة يمكن الإعراض عنها، سواء قُبلت أم لم تُقبل؛ لأنها لا تشكل بالمعنى القانوني الإيجاب([5]).
فالمفاوضة على العقد هي تصرف إرادي فيه تتعدد الأطراف، بمعني أن التفاوض لا يتم غالباً إلا بين طرفين أو أكثر، ويكون هذا التفاوض بإرادتها الحرة، والتي تظل كذلك طيلة مرحلة المفاوضات(([6]، إلا أن التشريعات المدنية الوضعية في غالبها لم تعرف مرحلة التفاوض كمرحلة سابقة على التعاقد صراحة، ولكن هناك محاولات عديدة من جانب الفقه لإرساء تعريف محدد للمرحلة السابقة على التعاقد؛ فقد ذهب جانب من الفقه الفرنسي إلى تعريفها بأنها تلك المرحلة التمهيدية التي تتم فيها دراسة ومناقشة شروط العقد، وفي هذه المرحلة لا يكون العقد قد تم، وبأنها من العمليات التمهيدية التي تتمثل في المباحثات، والمساعي والمشاورات وتبادُل وجهات النظر بهدف التوصل إلى اتفاق([7]).
أيضاً عُرفت هذه المرحلة بأنها: تلك المرحلة التي يتم فيها اتصال مباشر أو غير مباشر بين شخصين أو أكثر بمقتضى اتفاق بينهم يتم خلاله تبادل العروض والمقترحات، وبذْل المساعي المشتركة بهدف التوصل إلى اتفاق بشأن عقد معين تمهيداً لإبرامه في المستقبل، ولا توجد نصوص صريحة لتعريف هذه المرحلة في القوانين: (السوداني والمصري والجزائري) وإن كانت قد تَعرَّضت لها هذه القوانين بالمفهوم الضمني.
ثالثاً: نطاق مرحلة المفاوضات:
في هذه المرحلة يتم تبادل الاقتراحات، والمساوَمات، والمكاتَبات، والتقارير، والدراسات الفنية، والاستشارات القانونية التي يتبادلها أطراف المرحلة السابقة على التعاقد؛ ليكون كلٌّ منهما على بَيِّنة، إلا أنه يجب على الطرفين أن يلتزما بمواصلة هذه المفاوضات بحسن نية حتى تتحقق الغاية المطلوبة منها؛ حيث إن مبدأ حسن النية نادت به كثير من التشريعات، من بينها: القانون السوداني والمصري والجزائري؛ ولذلك تجب تهيئة الظروف المناسبة لقيام مفاوضات حقيقية لا تُتجاهل فيها مصلحة أحد.
وتنتهي مرحلة المفاوضات العقدية: إما بإبرام العقد النهائي، وإما بفشلها، على أن المفاوضات قد تنتهي أحياناً بقطعها؛ فقد يقطعها أحد الأطراف عندما يتبين له أن الصفقة ليست لصالحه أو لأنه وجد جهة أخرى قد تمنحه شروطاً أفضل أو لأي سبب من الأسباب؛ فالإيجاب الذي يأتي غالباً بعد المفاوضات لا ينتهي قبل نهاية مرحلة التفاوض التعاقدي؛ لأنه لا يؤدي بمفرده لانعقاد العقد؛ فمرحلة المفاوضات العقدية تظل قائمة إلى لحظة قبول مطابق للإيجاب([8]).
وقد يتحدد نطاق المسؤولية العقدية بوجود عقد صحيح من المسؤول والمَضْرُور في وقت وقوع الضرر؛ فمتى توصل أطراف العقد إلى اتفاق كامل على شروط العقد، انتهت مرحلة المفاوضات، وبدأت مرحلة التعاقد على العقد.
المطلب الثاني:
خصائص المفاوضات العقدية وتمييزها عن غيرها
أولاً: خصائص المفاوضات العقدية:
١-عملية التفاوض لا تحدث إلا باتجاه إرادة الأطراف المتفاوضة الدخول في التفاوض على العقد، وهي مرحلة تمهيدية لإبرامه؛ فالمفاوضات تهدف في حقيقتها إلى التقاء أطراف العقد للتشاور وتبادُل وجهات النظر والاقتراحات من أجل الإعداد والتمهيد لإبرام العقد النهائي.
٢-تقوم المفاوضات على الأخذ والعطاء المتبادل؛ حيث يتم تبادل المقترحات والعروض والآراء، وهذا ما يميزها عن عقود الإِذْعان التي لا تقبل المساوَمات والمناقشات، ولا يملك الطرف الآخر في هذه العقود سوى الانْصِياع.
3-نجاح المفاوضات أو فشلها من عدمه، لا يُلزِم أطرافها بإبرام العقد؛ فالمفاوضات لا تُرتِّب التزاماً بالتعاقد؛ فهي ذات نتيجة احتمالية قد تتحقق أو لا تتحقق، ويكون للأطراف الحرية الكاملة في إبرام العقد أو عدم إبرامه وفق ما تتجه إليه الإرادة ([9]).
4-إن المفاوضات بشكل عام تُرتِّب التزاماً ببذل العناية وفقاً لمبدأ حسن النية على عاتق أطرافها.
ثانياً: التمييز بين المفاوضات العقدية والإيجاب:
يتميز الإيجاب عن الدعوة إلى التعاقد أو المفاوضات العقدية في سبيل الوصول إلى عقد معين، من عدة أوجه، يمكن إجمالها في الآتي:
1-التفرقة بين الإيجاب ومقدماته من مساومة أو مفاوضة أو وساطة لها أهميتها؛ لأن مقدمات الإيجاب لا تُلزِم صاحبها بالتعاقد حتى لو صدر قبول ممن وُجِّهت إليه، في حين أن الإيجاب كقاعدة عامة يُلزِم صاحبه إذا صدر قبول ممن وُجِّه، إليه والدعوة إلى التعاقد كذلك لا تُلزِم صاحبها بالتعاقد.
2-الإيجاب خطوة مباشرة إلى العقد؛ فهو يُوجَّه إلى الطرف الآخر، حتى إذا ما قبله قام العقد، ولا يجوز لمن وُجِّه له الإيجاب وقَبِلَه التحللُ منه؛ أما الدعوة للتعاقد أو المفاوضات العقدية: فهي لا تتضمن أكثر من إعلان من صاحبه ليحث به الطرف الآخر أن يتقدم للتعاقد معه، وعليه: فإن الدعوة للدخول في مفاوضات خطوة إلى الإيجاب ([10]).
3-قد يصدر الإيجاب دون أن تسبقه مقدمات كما هو الحال في شراء الخبز والصحف، وغير ذلك من البيوع ذات الأسعار البسيطة المحددة ([11])، وقد تسبق الإيجاب دعوة إلى التعاقد، أو مفاوضات أو وساطة، ويتم ذلك غالباً في العقود ذات القيمة الكبيرة أو العقود الهامة التي تقوم بها الإدارة في عمليات البيع والشراء، والتشييد والعطاءات وغيرها.
4-ويفترق الإيجاب عن الدعوة إلى التعاقد أو المفاوضات أو الوساطة في أن كلاً منهم (سوى الإيجاب مما ذُكر) يصدر فيه تعبير بنية الرغبة في التعاقد، لا الارتباط نهائياً به، في حين أن الإيجاب هو التعبير عن الإرادة الباتَّة المقترنة بقصد الارتباط بالتعاقد الذي ينصبُّ عليه إذا لحقه قبول؛ ولهذا يُشترط في الإيجاب أن يتضمن العناصر الجوهرية للعقد، بخلاف الدعوة إلى التعاقد: فهي تخلو غالباً من هذه العناصر ([12])، وعليه فإن وُجِدت هذه النية كنا أمام إيجابٍ باتٍّ، وإن لم توجد فنحن أمام دعوة للدخول في مفاوضات ([13]).
5-لا يجوز الرجوع عن الإيجاب قبل انقضاء المدة التي حددها الموجب، أو قبل انقضاء مدة معقولة إذا لم يحدد له مدة الرجوع عن الإيجاب، والمخالفة لهذا الحظر تحول دون إبرام العقد ([14])، ولكنه يجوز الرجوع عن الإيجاب بكل حرية طالما لم يصل إلى مَن وُجِّه إليه ([15]).
وهذا ما عَبَّر عنه المُشرِّع الفرنسي في القانون المدني الفرنسي الجديد بقوله: “إذا عين ميعاد للقبول، التزم الموجب بالبقاء على إيجابه إلى أن ينقضي هذا الميعاد، ويجوز أن يستخلص الميعاد من ظروف الحال أو من طبيعة المعاملة ([16]).
المبحث الثاني:
المسؤولية القانونية في مرحلة المفاوضات العقدية
المطلب الأول:
أساس المسؤولية القانونية لمرحلة المفاوضات العقدية
تنشأ المسؤولية القانونية عن التصرفات أو الوقائع القانونية أو عن سلطة القانون، ويمكن أن تنشأ عن التنفيذ الإرادي، أو الوعد بالتنفيذ لواجب يمليه الضمير تجاه الغير.
والتصرفات القانونية هي تعبيرات عن الإرادة تهدف إلى إحداث آثار قانونية، وهذه التصرفات قد تكون اتفاقية أو من جانب واحد، وتخضع التصرفات القانونية من حيث صحتها وآثارها عند الاقتضاء للقواعد التي تحكم العقود ([17]).
ومن خلال التعريفات الفقهية السابقة لمرحلة التفاوض، وَضَح أنها تُعد مرحلة تمهيدية تتم فيها دراسة ومناقشة شروط العقد، وفي هذه المرحلة لا يكون العقد قد تم حتى يُنشِئ التزامات قانونية مباشرة، بل إنها تضم مجموعة من العمليات التمهيدية التي تتمثل في: المباحثات، والمساعي، والمشاورات، وتبادُل وجهات النظر بهدف التوصل إلى اتفاق ([18]).
ونجد أن معظم القوانين أسندت الالتزامات إلى العقد عند التقاء الإيجاب والقبول؛ حيث رد القانون السوداني ترتيب الالتزامات وبدء آثار التعبير عن الإرادة إلى وقت ارتباط الإيجاب والقبول عندما يتصل فيه بعلم مَن وُجِّه إليه، ويُعتبر وصول التعبير قرينةً على العلم به ما لم يقُم الدليل على غير ذلك ([19]).
وهذا يتطابق مع ما جاء في القانون المدني الجزائري بالنص على أن: (ينتج التعبير عن الإرادة أثره في الوقت الذي يتصل فيه بعلم مَن وَجَّهه إليه، ويُعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به ما لم يقُم الدليل على عكس ذلك”)([20])، ويتم العقد المدني بمجرد أن يتم تبادل التعبير عن إرادتين متطابقتين([21])، وهذا ما عبَّر عنه المُشرِّع الفرنسي بأن ينعقد العقد بمجرد وصول القبول إلى الموجب، ويُعد منعقداً في مكان وصول القبول([22])، ويتطابق كذلك مع ما جاء في القانون المصري على أنه: “يتم العقد بمجرد أن يتبادل طرفان التعبير عن إرادتين”([23]).
طبقاً لهذه النصوص يُجمِع المُشرِّع القانوني على كيفية نشأة الالتزام والوقت الذي ينتج فيه التعبير عن الإرادة أثره، وربطه بالإيجاب في العقود، وليست بمرحلة المفاوضات، ويَلْزَم المُشرِّع في مجال العقد -إضافةً إلى وجود الإرادة والتعبير عنها- ضرورة أن يصل التعبير عن الإرادة الى علم مَن وُجِّه إليه هذا التعبير حتى يكون صالحاً لأن يرتِّب أثره القانوني.
لذلك نجد أن القانون من حيث المبدأ لا يرتِّب مسؤولية قانونية على مرحلة المفاوضات، وهو مبدأ مضمون قانوناً، وكذا لا تقوم المسؤولية العقدية عن الخطأ في الفترة السابقة على إبرام العقد؛ ولذا جاء في القانون السوداني والمصري والجزائري خلافاً عن القانون الفرنسي: أن المفاوضات ليست إلا عملاً مادياً ولا يترتب عليها بذاتها أي أثر قانوني، وأن لكل طرف حرية في المفاوضات، وله أن يقطعها أو يَعدِل عنها في أي وقت دون أن يتحمل المسؤولية، ولا يُكلف إثبات أسباب ودوافع العدول.
ولا يرتِّب هذا العدول مسؤولية على مَن عدل إلا إذا اقترن بالعدول فِعل أو سلوك أضرَّ بالمتفاوض الآخر، ولا يجوز عدُّ العدول في ذاته عن المفاوضات خطأً، بل يلزم أن يثبت الخطأ من وقائع أخرى اقترنت به، والمعنى: أن المفاوضات بذاتها لا تلقى على عاتق المتفاوض الالتزام بإبرام العقد محل المفاوضة؛ إذ يحتفظ كل طرف بحرية التعاقد أو عدمه.
وإذا ارتبط العدول عن التفاوض بالتشهير بالطرف الآخر أو بالإساءة إليه، فإن المسؤولية التي تترتب على ذلك تقصيرية لا تعاقُدية، وهي لا تقوم كما ذكرنا عن العدول بذاته، وإنما عما صاحَبَ العدولَ من أفعال أخرى ألحقت الضرر بالطرف الآخر ([24]).
وفي هذه الحالة تقوم مسؤولية الطرف الذي قطعها عن الأضرار التي تصيب الطرف الآخر، ويلزم تعويضه رفعاً للضرر؛ وذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار”([25])، وأن “الضرر لا يُزال بمثله”([26])، ويشمل التعويضُ عن قَطْع المفاوضات من دون سببٍ جِدِّيٍّ الأضرارَ المادية والمعنوية التي لحقت بالطرف المضرور: كالنفقات، والمصاريف التي صُرفت في التنقلات والإقامة والدراسات الفنية من أجل إبرام العقد النهائي، وكذا الضرر الناتج عن المَساس بالسُّمعة التجارية، وتفويت فرصة إبرام العقد المنشود في حدود احتمال تحقيقها([27]).
وفي كل الأحوال يمكن ترْك مسألة التعويض للقاضي أو المحكَّم؛ ليقدِّر كل حالة على حدة، أما إذا كان هناك ثمَّة إبرام عقد اتفاق تفاوضي تمهيدي في هذه المرحلة السابقة على التعاقد، فيكون في هذه الحالة القانون الواجب التطبيق على (عقد) التفاوض هو الذي سيحكم المسائل الخاصة بالمسؤولية العقدية عن الإخلال بالالتزامات الناشئة عن العقد ([28]).
أيضاً عدَّ جانبٌ من الفقه الإجراءاتِ التمهيدية أو الإعدادية لإبرام العقد منذ زمن بعيد، قراراتٍ قابلة للانفصال عن العملية العقدية، ومن أمثلتها: الإجراءات الإدارية الخاصة بوضع شروط المناقَصة، والإعلان عنها، وتلقِّي العطاءات المقدَّمة فيها، والمفاضَلة بين العطاءات، وقرارات إرساء المناقَصة، وقرارات استِبعاد بعض العروض لتخلُّف أحد الشروط الشكلية الواردة في دعوة العطاء، خصوصاً قرارات إرساء المَزاد.
فهي إجراءات سابقة على إبرام العقد ذاته، وتندرج ضمن الإجراءات التمهيدية لإبرام العقد، وكذلك إلغاء قرار إحالة العطاء، وقرار إلغاء الدعوة للدخول في المناقَصة، أيضاً تُعد قراراتُ التصديق على قرارات إحالة العطاءات أو رفْض المصادَقة عليها إجراءاتٍ قابلة للانفصال عن العملية العقدية، ويطعن به بدعوى الإلغاء، ويخضع إلى الإجراءات ذاتها التي تخضع لها هذه الدعوى الإدارية، بما فيها التظلم الوجوبي قبل تقديم الدعوى؛ لأن القرار محل الطعن هو من القرارات المنفصلة عن العقد ([29]).
المطلب الثاني:
الطبيعة القانونية للمفاوضات العقدية في القانون السوداني
عَرَّف قانون المعاملات المدنية السوداني لسنة 1984م العقدَ، وجعله هو مصدر الالتزام، بأنه: (ارتباط الإيجاب الصادر من المتعاقدين بقبول الآخر على وجه يثبت أثره في المعقود عليه، ويُرتَّب عليه التزامُ كلٍّ منه بما وجب على الآخر) ([30])، وأجاز أن تتطابق أكثر من ارادتين لإحداث الأثر القانوني لإنشاء الالتزام أو نقله أو تعديله وإنهائه ([31]).
ومن ثَمَّ نجد أن هذا التعريف يؤكد أنه يتم العقد بمجرد أن يتبادل الطرفان التعبير عن إرادتين متطابقتين لإحداث أثر قانوني، وهو نفس مسلك القانون الجزائري؛ حيث جعل العقد هو محل الالتزام؛ حيث نص على أن: “العقد اتفاق يلتزم بموجَبه شخص أو عدة أشخاص نحو شخص أو عدة أشخاص آخرين بمنح أو فِعل أو عدم فِعل شيء ما”([32]).
أيضاً ورد في القانون المدني الفرنسي الجديد بشأن العقد كمصدر للالتزام (العقد بأنه اتفاق إرادات بين شخصين أو عدة أشخاص، يهدف إلى إنشاء التزامات أو تعديلها أو نقلها أو إنهائها)([33])، ولكل شخص الحرية في أن يتعاقد أو لا يتعاقد، وفى أن يختار مَن يتعاقد معه، وأن يحدد مضمون العقد ضمن الحدود التي يقررها القانون، ولا تسمح الحرية التعاقدية بمخالفة القواعد المتعلقة بالنظام العام([34]).
وجاء عن الأثر القانوني المرتَّب أن: (التعبير عن الإرادة إيجاباً كان أو قبولاً، يصبح له وجود مادي بمجرد صدوره عن صاحبه واستقلاله عن شخص مَن صدر عنه، غير أنه لا يُنتِج أثره إلا من وقت اتصاله بعلم مَن وجَّهه إليه، عندها فقط يصبح له وجودٌ قانونيٌّ يؤهِّله لأن يكون صالحاً لأن يرتِّب أثره القانوني) ([35]).
ومعنى ذلك: إذا كان التعبير عن الإرادة إيجاباً، فإنه قبل وصول الإيجاب إلى علم مَن وجَّهه إليه، يكون للإيجاب وجودٌ ماديٌّ فقط، فلا يترتب عليه أثره القانوني، وعليه: يستطيع الموجب الرجوع في لإيجابه أو تعديله؛ وبعد وصول الإيجاب إلى علم مَن وجَّهه إليه، يدخل مرحله الوجود القانوني، فيكون صالحاً لترتيب أثره القانوني والمتمثل في صلاحيته لأن يقترن به قبول، ومن هنا فلا يمكن في هذه الحالة للموجب العدول عن إيجابه أو التعديل فيه؛ حيث يصبح الإيجاب مُلزِماً له ([36]).
أما الوعد بالتعاقد: فإن الاتفاق الذي يعد بموجبه كلا المتعاقدين أو أحدهما بإبرام عقد معين في المستقبل، لا ينعقد إلا إذا عينت جميع المسائل الجوهرية للعقد المراد إبرامه، والمدة التي يجب إبرامه فيها([37])؛ وإذا اشترط القانون لتمام العقد استيفاء شكل معين، فهذا الشكل تجب مراعاته أيضاً في الاتفاق الذي يتضمن الوعد بإبرام هذا العقد.
ويُفهم من نص المادة (119) أن: (تَسري شروط العقد العامة التي يضعها أحد المتعاقدين على المتعاقد الآخر إذا كان على علم بها وقت إبرام العقد، أو كان من الضروري أن يعلمها حتماً لو أعارها انتباه الشخص العادي) ([38]).
حيث ربط القانون السوداني الالتزام بالشروط السابقة للعقد أو شروط الإعفاء أو الحد من المسؤولية باكتمال العقد، ويكون الطرف على علم بها، ويجوز لطرفي العقد أن يتفقا على إعفاء أي منهما من المسؤولية أو الحد منها في الحالات التي يحددها العقد، على ألا يَسرى شرط الإعفاء أو الحد من المسؤولية إلا إذا أعطى الطرف المستفيد إخطاراً كافياً للطرف الآخر بوجود الشرط قبل إبرام العقد، ويَسري شرط الإعفاء أو الحد من المسؤولية ولو لم يُعطَ الطرف الآخر إخطاراً بوجود الشرط إذا كان الشرط مُضمَّناً في وثيقة تكون جزءاً من العقد، ويوقِّع عليها الطرف الآخر([39]).
وبقراءة النصوص السابقة نجد أن القانون السوداني أشار بشكل واضح إلى أن الالتزام ينشأ عند اكتمال العقد، وعندما يتم الاتفاق على كل المسائل المتفاوَض عليها، ولم يُشِر إلى الإلزام بما تم في هذه المرحلة التفاوضية، ولم يتناولها بشكل صريح، إنما يشير لها ضمنياً؛ حيث نص على:(1-لا يتم العقد ما لم يتفق الطرفان على كل المسائل التي تَفاوَضا فيها بشأن هذا العقد، أما الاتفاق على بعض هذه المسائل: فلا يكفي لإلزام الطرفين، حتى لو أُثبِت هذا الاتفاق بالكتابة.
2-ومع مراعاة حكم البند (۱): إذا اتفق الطرفان على جميع المسائل الجوهرية في العقد، واحتفظا بمسائل تفصيلية يتفِقان عليها فيما بعدُ، ولم يشترطان أن العقد لا يتم عند عدم الاتفاق عليها، عُدَّ العقد قد تم على المسائل التي لم يتم الاتفاق عليها، ويُقضى طبقاً لطبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعرف والعدالة في أي خلاف ينشأ حول المسائل التي لم يتم الاتفاق عليها)([40])،وفي هذا الجانب يتطابق ما ورد بالقانون المصري والقانون الجزائري والفرنسي.
أيضاً يُلحظ من النصوص القانونية المذكورة أن القانون السوداني ميَّز بين العقد والاتفاق السابق، وبما أن الاتفاق يتميز عادةً بأنه أعم من العقد؛ فالاتفاق هو توافُق إرادتين على إحداث أثر قانوني، وهو إنشاء الالتزام أو نقله أو تعديله (وإنهاؤه)، أما العقد فهو اتفاق على إنشاء الالتزام أو نقله فحسب، إلا أنه لم ينص على تعريف واضح لمرحلة المفاوضات والرأي المنعقد على أهمية التفرقة؛ ذلك لعدم ترتيب أية نتائج قانونية عليها بحيث يقربها الشراح عادةً مترادفين للفظ واحد([41])؛ حيث إن تقدير وجود الإرادة الدالة على انعقاد العقد، ثم دخول العلاقة دائرة القانون، أو الدالة على إبقاء العلاقة خارج نطاق القانون، مسألة تتوقف على النية الحقيقية للطرفين وفقاً للقواعد العامة للتفسير؛ حيث يؤكد هذا الاتجاه على أن مجرد الدخول في المفاوضات، لا يكفي لترتيب التزامات قانونية؛ لأن الدعوة إلى التعاقد أو المفاوضات لا تُلزِم صاحبها بالتعاقد حتى لو صدر قبول ممن وُجِّهت إليه، بخلاف الإيجاب: فيلزم صاحبه بالبيع إذا صدر قبول موافق له، على أن مَن يَعدِل عن الدعوة إلى التعاقد قد يُسأل قانوناً إذا أخطأ في هذه الدعوة بأن كان غير جادٍّ فيها، أو أخطأ في العدول عنها بأن كان عُدولُه لغير سبب مشروع، أو لم يُخطِر الطرف الآخر بالعدول في وقت مناسب؛ وذلك طالما ترتَّب على هذا الخطأ ضرر أصاب المتعاقد الآخر، فالمسؤولية هنا هي مسؤولية تقصيرية غير ناشئة عن عقد، أما العدول عن الإيجاب اللازم: فيرتِّب المسؤولية العقدية([42]).
حيث نص القانون السوداني على أن من المبادئ الأساسية لتطبيق الأحكام: (الضرر يُدفع بقدر الإمكان) ([43])، وبناءً عليه: يمكن رفع الضرر المترتب في هذه المرحلة السابقة للتعاقد بصرف النظر عن نوع المسؤولية المترتبة، إلى أن تشمل بنصوص قانونية واضحة في القانون السوداني لأهمية هذه المرحلة ودورها الكبير في نجاح العمليات التعاقدية.
وفي محاوله لإقامة نوع من التوازن المقبول أو المعقول بين مبدأ الحرية العقدية وعدم الإضرار بالمتفاوض الآخر، حيث اتجه القضاء مؤيَّداً من الفقه إلى وسائل، منها: (تقرير ضمانات معيَّنة يجب أن تسود مرحلة التفاوض، أهمها: مراعاة حسن النية في سير المفاوضات)، وإلقاء عبء المسؤولية على المتسبِّب في قطع المفاوضات إذا اقترنت بخطأ أو تعسُّف، وكذلك هذا المبدأ تم اعتماده في كثير من القوانين، ومنها القانون السوداني.
المطلب الثالث:
الطبيعة القانونية للمفاوضات العقدية في التشريعات المقارنة
انقسم الفقه بشأن القيمة القانونية الإلزامية للمفاوضات العقدية وطبيعتها: فمنهم مَن عدَّها مُلزِمة، ومنهم مَن عدَّها غير ذلك كما جاء في القانون السوداني؛ لأن الأطراف يتمتعون بحرية كاملة في هذه المرحلة، مما يَتعيَّن علينا في هذا المطلب ولإثراء البحث إبراز الموقف القانوني لكلٍّ من: (القانون الفرنسي– القانون الجزائري– القانون المصري) على النحو الآتي:
الفرع الأول: موقف القانون الفرنسي:
الفقهاء الفرنسيون أطلقوا عدة تسميات على اتفاقات التفاوض: فهناك مَن يطلق على جميع الاتفاقات التي تسبق إبرام العقد بما يُسمَّى: “اتفاق ما قبل العقد”، وهناك مَن عدَّها عقوداً مقدَّمةً دون أن تُلزِم أطرافها بإبرام العقد النهائي، لكن غالبية الفقه الفرنسي تقبل بسهولةٍ وجود التزامات ما قبل العقد ذات طبيعة عقدية؛ حيث لم يتردد الفقهاء الفرنسيون في الاعتراف باتفاق التفاوض الصريح؛ فقد عدُّوه اتفاقاً حقيقياً يُنشِئ على عاتق الطرفين التزامات حقيقية، ويُعد الإخلال بهذه الالتزامات الناشئة على هذه العقود خطأً عقدياً تحكمه قواعد المسؤولية العقدية طبقاً للقانون المدني الفرنسي؛ ذلك لأن القانون الفرنسي يأخذ بمبدأ الرِّضائِيَّة في العقود([44])، فيَعتَدُّ بأي اتفاق متى تم الرِّضاء به، وقد رَضِيَ الطرفان باتفاقهما على التفاوض([45]).
أيضاً عرَّف القانون عقد الإطار بأنه: (اتفاق يحدِّد الأطراف بمقتضاه: الخصائص العامة لعلاقاتهم التعاقدية المستقبلة، وتحدد عقود التطبيق كيفية تنفيذ هذا الاتفاق)([46]).
ولهذا فان المسؤولية في مرحلة المفاوضات غير المصحوبة باتفاق صريح على التفاوض، لا تكون إلا تقصيرية؛ فقواعد المسؤولية التقصيرية الواردة في القانون المدني الفرنسي هي وحدها الواجبة التطبيق على المسؤولية في المرحلة السابقة للعقد، وكذلك عند قطع المفاوضات ([47]).
وقد ذهب جانب من الفقه الفرنسي، يؤيدهم القضاء إلى القول بأن (المفاوضات غير المصحوبة باتفاق صريح هي مجرد أعمال مادية وتصرف قانوني) غير مُلزِمة، ولا يترتب عليها بذاتها أي أثر قانوني، وبمجرد الدخول في هذه المفاوضات لا ينشأ على عائق الطرفين أي التزام، حتى لو توصَّلا إلى مشروع العقد النهائي”، ومثال ذلك: الإخلال بالاتفاق المبدئي؛ حيث يُعد إخلالاً بالتزام تعاقدي يقضي بإلزام طرفي المفاوضة باستمرار التفاوض بحسن نية، وعليه تقوم المسؤولية العقدية في جانب مَن أخلى بهذا الالتزام ([48]).
لم يتناول المُشرِّع الفرنسي مفاوضات مرحلة ما قبل التعاقد بشكل واضح إلا في سنة 2016م، مع أنها تشكِّل الحلقة التي تربط بين أطراف التعاقد، والتي تؤدي إلى إبرام العقد النهائي؛ حيث بادر المُشرِّع الفرنسي استجابةً لمطالب الفقه والقضاء إلى تعديل القانون المدني وإثبات الالتزامات بموجب الأمر 2016-131 الصادر في 2016م، وتنظيم أحكام مرحلة المفاوضات التعاقدية والمسؤولية الناشئة عن الأخطاء المرتكَبة في هذه المرحلة.
ومن الأهداف الأساسية التي يسعى إليها التعديل الجديد في القانون المدني الفرنسي هي: الأمان، أو الاستقرار القانوني، بما تَضمَّنه من أحكام إلى تحقيقه، وذلك من خلال المزيد من التوضيح والتبسيط في أحكام قانون العقود، وجعلها أكثر إتاحةً للمواطنين، وتدعيم جاذبية القانون الفرنسي، باعتباره مصدر إلهام المشرِّعين في كثير من الدول، سواء على المستوى السياسي أو الثقافي أو الاقتصادي ([49]).
وقد كانت المادة (۱/۱١٣٤) من القانون المدني الفرنسي (الملغاة) تنص على وجوب مراعاة مبدأ حسن النية في تنفيذ العقد، وهذا النص يتشابه مع ما تضمنه القانون السوداني والقوانين المقارنة التي تقضي بوجوب تنفيذ العقد طبقاً لما يتضمنه من أحكام، وبطريقة تتفق مع ما يقتضيه حسن النية وشرف التعامل، وفي التعديلات الأخيرة أخضع المُشرِّع الفرنسي المرحلة السابقة للتعاقد لهذا المبدأ ([50]).
حيث فرض التزاماً عاماً بحسن النية في العقود: بدءاً من التفاوض على العقد، إلى إبرامه، حتى تنفيذه، وعَدَّ ذلك من النظام العام؛ حيث نص على أن: (يجب التفاوض على العقود وإبرامها وتنفيذها بحسن نية، ويعتبر هذا الحكم من النظام العام) ([51]).
أيضاً تضمَّن التعديل الجديد المفاوضات التعاقدية والمسؤولية الناشئة عن الأخطاء المرتكَبة في هذه المرحلة بالنص عليها، بأن يكون اقتراح المفاوضات قبل التعاقدية وسيرها وقطعها حراً .
يجب –إلزاماً- أن تراعي هذه المسائل مقتضيات حسن النية، وتعويض الضرر الناجم عن المفاوضات لا يشمل خسارة المزايا التي كانت مُنتظَرة من العقد الذي لم يتم إبرامه على أن ينحصر هذا التعويض في الخسارة الحقيقية ( ). ولكل شخص الحرية في أن يتعاقد أو لا يتعاقد، وفي أن يختار مَن يتعاقد معه، وأن يحدد مضمون العقد وشكله ضمن الحدود التي يقررها القانون، ولا تسمح الحرية التعاقدية بمخالفة القواعد المتعلقة بالنظام العام( ).،([52]).
ومثل هذه القواعد الملزِمة التي تؤطِّر المفاوضات السابقة على التعاقد تُعد ضمانات حقيقية لحماية المفاوض من جهة، وهي كفيلة أيضاً إلى حد بعيد بضمان الإعداد الجيد والسليم للعقد النهائي من جهة أخرى ([53])، ويُعد تقنيناً لمرحلة التفاوض مُستحدثاً بموجب التعديل الأخير للقانون المدني الفرنسي، وحتى تحقق هذه المرحلة أهدافها لابد من تزويدها بضمانات كافية تزرع عنصر الثقة ما بين المتعاقدين.
وإنّ ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تَكْرِيس ما يُعرف بـ: “مبدأ حسن النية”، وهو مبدأ معروف منذ القِدم في العلاقات التعاقدية؛ حيث ترجع أصوله للقانون الروماني، وتم نقله بعد ذلك للقانون المدني الفرنسي الحديث، واقتصر تطبيقه قبل التعديل على مرحلة التنفيذ فقط، ولكن بعد أن تم استحداث مرحلة المفاوضات رأى المُشرِّع أن يَسحَبه على هذه المرحلة، ويجعله أحد الركائز التي يقوم عليها؛ لأنه في غيابه يَستحيل أن تتحقق أهداف المفاوضات وربط تطبيقه بالتزامات معينة وهي كالآتي:
أولاً: الالتزام بالإعلام السابق للتعاقد:
حيث تضمَّن تنظيماً للالتزام بالإعلام وبُيِّنت حدوده، وعبء إثبات القيام به، وجزاء الإخلال بهذا الالتزام، وجعل المُشرِّع الالتزام بالإعلام يقع عبء إثباته إذا تحققت شروط قيامه وعدم تنفيذه على الطرف الذي يدَّعِيه، وللطرف الآخر أن يثبت العكس تطبيقاً للقانون: (يجب على مَن يعرف من الأطراف معلومة لها أهميتها الحاسمة بالنسبة لرِضاء الطرف الآخر
أن يُعلِمه بها متى كان رضا هذا الأخير بالمعلومة مشروعاً أو كان قد وضع ثقته بالمتعاقد معه، وتُعد المعلومات التي لها أهمية حاسمة، تلك التي لها صلة مباشرة وضرورية بمضمون العقد أو صفة الأطراف، ويقع على مَن يَّدعي أن معلومة كانت واجبة له إثبات أن الطرف الآخر كان مَديناً له بها، ويقع على هذا الطرف الآخر إثبات تقديمها له، ولا يجوز للأطراف الحد من هذا الواجب أو استبعاده، فيما عدا مسؤولية المَدين بواجب الإعلام؛ حيث جعل القانون الجديد الإخلال بهذا الواجب يمكن أن يؤدي إلى بطلان العقد وفقاً للشروط المنصوص عليها في المواد ۱۱۳۰ وما بعدها) ([54]).
إضافةً إلى بطلان العقد: يجوز للطرف المَضْرُور المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي أصابه طبقاً للقواعد العامة للمسؤولية غير التعاقدية([55]).
ثانياً: الالتزام بالسِّرِّيَّة:
نجد أن القانون المدني الجديد قد أفرد نصاً خاصاً لمبدأ السرية، ورتب مسؤولية على مَن يستخدم أو يُفشِي المعلومات السرية التي حصل عليها خلال فترة التفاوض، إلا أنها أحالت تنظيم هذا الالتزام للقواعد العامة؛ حيث نص على أن: (يكون مسؤولاً -وفقاً للقواعد العامة- كل مَن يستخدم أو يفشي دون إذنٍ معلومةً سريةً حصل عليها بمناسبة المفاوضات) ([56]).
الفرع الثاني: موقف القانون الجزائري:
القانون الجزائري لم يتطرق إلى طبيعة الالتزام القانوني لمرحلة التفاوض السابق للعقد، ولم يشمله بنصوص صريحة، إنما ألحق الالتزامات القانونية بالعقد نفسه، ومنها الالتزام بحسن النية، وطبقاً للقانون: تسري على الالتزامات الناجمة مباشرة عن القانون دون غيرها النصوص القانونية التي قررتها ([57])، وأن العقد اتفاق يلتزم بموجَبه شخص أو عدة أشخاص آخرين بمنح أو فِعل أو عدم فِعل شيء ما ([58])، ويكون العقد ملزماً للطرفين، متى تبادل المتعاقدان الالتزام بعضهما بعضاً ([59]).
ويقتصر الالتزام بحسن النية في التشريع الجزائري على مرحلة تنفيذ العقد، ولا يمتد إلى مرحلة التفاوض على العقد، هذا ما نص عليه القانون المدني الجزائري ([60]): (على أنه يجب تنفيذ العقد طبقاً لما اشتمل عليه وبحسن نية)؛ فإن مبدأ حسن النية الواجب مراعاته عند تنفيذ العقد، ضمنياً يشمل المرحلة السابقة للعقد.
فهذا المبدأ تَبَنَّتْه بشكل ضمني في مرحلة المفاوضات العقدية، العديدُ من القوانين، منها: القانون السوداني (م114)، والقانون المصري (م148) وغيرها من القوانين العربية.
ونص القانون الجزائري على أنه “كل فعلٍ أيّاً كان يرتكبه الشخص بخطئه، ويسبِّب ضرراً للغير، يُلزم مَن كان سبباً في حدوثه بالتعويض”([61]).
ومع أنَّ هذا النص جاء عاماً ومطلقاً ومتعلقاً بالمسؤولية عن الفعل الضار، لكنه يتسع أيضاً ليستوعب الخطأ المرتكَب والضرر المترتب خلال مرحلة مفاوضات العقد، بما في ذلك الخطأ المتمثل في قطع عملية التفاوض دون مبرر مقبول أو دون سببٍ جِدّيٍّ([62]).
أيضاً تضمن القانون المدني الجزائري نصوصاً تُعد في الحقيقة تطبيقاً للمسؤولية عن الخطأ خلال المرحلة السابقة على التعاقد، على أنه: (يُعاد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد في حالتَي بطلان العقد أو إبطاله، فإن كان هذا مستحيلاً جاز الحكم بتعويض عادل) ([63]).
أما بالنسبة لمرحلة التفاوض على العقد نفسها: فلا يوجد نص خاص يفرض صراحة الالتزام بالتفاوض بحسن نية أو يرتِّب التزاماً، غير أن جانباً من الفقه الجزائري يذهب إلى القول بأن المُشرِّع الجزائري -من خلال النص القانوني- أشار ضمنياً إلى وجود الالتزام بحسن النية في جميع مراحل العملية التعاقدية، سواء تعلَّق الأمر بمرحلة تنفيذ العقد أو مرحلة التفاوض على العقد.
ويذهب جانب آخر من الفقه الجزائري إلى أن المفاوضات غير المصحوبة باتفاق التفاوض في القانون الجزائري، تُعد مجرد عمل مادي، ولا يترتب عليها أي أثر قانوني، ولا يكون المتفاوض مسؤولاً إذا ما عَدَل أو انسحب من هذه المفاوضات بخطأ مستقل تتحقق معه المسؤولية التقصيرية لهذه المرحلة التي يجب أن تكون بحدود وضوابط معينة.
وتطبيقاً لذلك أشار القانون المدني الجزائري بالنص على أن: (الاتفاق الذي يعد له كلا المتعاقدين أو أحدهما بإبرام عقد معين في المستقبل، لا يكون له أثر إلا إذا عُيِّنت جميع المسائل الجوهرية للعقد المراد إبرامه، والمدة التي يجب إبرامه فيها)، وإذا اشترط القانون لتمام العقد استيفاء شكل معين، فهذا الشكل يُطبق أيضاً على الاتفاق المتضمِّن الوعد بالتعاقد ([64])، وهذا يتطابق مع مسلك القانون السوداني والقانون المصري.
وإذا وعد شخص بإبرام عقد، ثم نَكل، وقاضَى المتعاقد الآخر طالباً تنفيذ الوعد، وكانت الشروط اللازمة لتمام العقد -وخاصة ما يتعلق منها بالشكل- متوافرةً، قام الحكم مقام العقد ([65]).
وإن لم يُنص صراحة على أحكام هذه المرحلة في القانون المدني الجزائري، إلا أنه نَظَّم أحكام التعسُّف في استعمال الحق، والذي عدَّه صورة من صور الخطأ ([66])، بالنص على: (أن كل فعل أيّاً كان يرتكبه الشخص بخطئه، ويسبِّب ضرراً للغير، فإنه يُلزم مَن كان سبباً في حدوثه بالتعويض ([67].(
الفرع الثاني: موقف التشريع المصري:
موقف القانون المصري من مرحلة التفاوض هو كموقف القانون السوداني والقانون الجزائري، لم يتطرق إلى مرحلة التفاوض بنصوص صريحة.
أما الفقه المصري الحديث: فلم يتردد في الاعتراف باتفاق التفاوض، وقد سلَّم بأن اتفاق التفاوض خاصة الصريح بأنه ينشئ على عاتق الطرفين التزاماً عقدياً بالتفاوض بتعيين تطبيقه وفقاً لما يُوجِبه حسن النية، وطبقاً للقانون المدني المصري إذا ما أخلَّ أحد الطرفين بالتزامه بالتفاوض بحسن نية، فإنه يكون مسؤولاً مسؤولية عقدية ([68]).
ومبدأ حسن النية في المفاوضات أخذت به أغلبية النظم القانونية؛ حيث جاء نص القانون المصري ([69]) بأنه: “يجب تنفيذ العقد طبقاً لما اشتمل عليه، وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية”، وهو ذات الحكم الذي تقضي به المادة (107) من القانون المدني الجزائري.
ومع عدم النص القانوني على إعمال هذا المبدأ في المرحلة السابقة على التعاقد، اتجه الفقه والقضاء إلى التسليم بإعمال هذا المبدأ في مرحلة التفاوض؛ باعتباره أحد المبادئ العامة للقانون الوضعي؛ فهو لا يعدو كونه تطبيقاً لمبدأ قانوني عام يشمل كل مراحل العقد: بدايةً من النشأة والمفاوضات، مروراً بالإبرام والتنفيذ، وهذا ما نحا إليه أيضاً غالبية الفقه المصري المعاصر من عَدِّ مبدأ حسن النية مبدأً قانونياً يشمل كل مراحل العقد، ومنها مرحلة ما قبل التعاقد، ومن ثَمَّ تخضع مرحلة إبرام العقد وتنفيذه لمبدأ حسن النية، وقد تَقرَّر ذلك بمقتضى نص قانوني صريح؛ فالمادة 148/1 مدني مصري والمادة (107) من القانون المدني الجزائري تقضيان بضرورة تنفيذ العقد بطريقة تتفق مع ما يوجبه مبدأ حسن النية، والمُلحوظ أن النصين لم يتطرقا للمرحلة السابقة على التعاقد، والتي تتم فيها المفاوضات.
ومبدأ حسن النية من المبادئ الأخلاقية المستقرة في القواعد القانونية، ومن أجل ذلك ولأنه يعمل دائماً على تحقيق التوازن العقدي، فقد حرصت غالبية الأنظمة القانونية على تَقنينه والعمل به، ومع هذه الأهمية التي يحظى بها، نجد أنه من النادر أن يهتم المشرِّعون بوضع تعريف محدد وواضح له، وأن يتضمن بنص صريح في القوانين المدنية لإعماله في المرحلة السابقة للعقد ([70]).
حيث يرى الفقه المصري الحديث أن تقدير وجود الإرادة الدالة على انعقاد العقد، ومن ثَمَّ فدخول العلاقة دائرة القانون، أو الدالة على إبقاء العلاقة خارج نطاق القانون، مسألة تتوقف على النية الحقيقية للطرفين وفقاً للقواعد العامة للتفسير؛ حيث يؤكد هذا الاتجاه على أن مجرد حصول الدخول في المفاوضات، لا يكفي لترتيب التزام؛ لأن المفاوضات تنحصر في تبادل وجهات النظر حول مسألة أو موضوع معين بين طرفين أو أكثر بُغية التوصل إلى إبرام عقد اتفاق فيما بينهم، والمفاوضات لا تخضع كقاعدة عامة لشكل معين أو قالب قانوني محدد([71]).
لذلك ما زال الموقف المصري يعُد مرحلة التفاوض مجرد عمل مادي غير ملزِم، عكس الفقه الذي يعترف باتفاق التفاوض، خاصة إذا كان صريحاً أو ارتبط باتفاق صريح وثابت بأوراق مكتوبة؛ وذلك لمواكبة الاتجاه الحديث الذي تبنَّاه القانون المقارن.
ولم يتضمن القانون المصري نصاً يحكم المسؤولية قبل التعاقدية تاركاً الأمر للفقه والقضاء لإيجاد حلول مناسبة كمسلك القانون السوداني والجزائري.
وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض المصرية([72]) بأن المفاوضات لا تعدو إلا أن تكون مجرد أعمال مادية مَحْضَة لا يترتب عليها أية آثار قانونية تعاقدية في ذاتها؛ فكل متفاوض حر في قطع المفاوضة في الوقت الذي يريد دون أن يتعرض لأية مسؤولية أو يُطالَب ببيان المبرر لعُدوله، ولا يترتب على هذا العدول مسؤولية على مَن عدل إلا إذا اقترن بخطأ تتحقق معه المسؤولية التقصيرية إذا نتج عنه ضرر بالطرف الآخر المتفاوِض، وعبء إثبات الخطأ، وهذا الضرر يقع على عاتق ذلك الطرف، ومن ثَم فلا يجوز عدُّ مجرد العدول عن إتمام المفاوضة ذاتها هو المكوِّن لعنصر الخطأ أو الدليل على توافره، بل يجب أن يثبت هذا العدول به عنصر الخطأ اللازم لقيام المسؤولية التقصيرية([73]).
ومن ثَمَّ وفقاً للقراءات السابقة في هذا المبحث: نجد أن الفقه والقضاء الفرنسيين قد أرسيا أساساً للمسؤولية لمرحلة ما قبل التعاقد، وعمل القانون المدني الجديد على تنظيمها وتحديد المسؤولية القانونية قبل العقد، بما في ذلك المسؤولية عن قطْع المفاوضات، مُستعِينَين في ذلك بالقواعد العامة في المسؤولية المدنية.
أيضاً كَرَّس المُشرِّع الفرنسي لمبدأ حسن النية في المرحلة السابقة على العقد، وهي مرحلة التفاوض، وكذلك عند إبرام العقد، فضلاً عن تنفيذه([74])، وهو ما يعني أن التقيد بهذا المبدأ قد بات التزاماً قانونياً يشمل كل مراحل العقد: بدءاً من التمهيد له، إلى إبرامه، ثم تنفيذه، وربط هذا المبدأ بالنظام العام؛ ولهذا فقد رتب المُشرِّع جزاء البطلان على عدم مراعاة مبدأ حسن النية في أي من مراحل العقد، وبذلك يكون المُشرِّع قد عمم هذا الالتزام وقَنَّنه تشريعياً، بعد أن كان مقتصراً على مرحلة تنفيذ العقد، ومُتقدماً على التشريعات الأخرى مثل: القانون السوداني والمصري والجزائري، والتي لم تتضمن قوانينها نصاً صريحاً يحكم المسؤولية قبل التعاقدية، وإن أشارت لها ضمناً.
وأكد المُشرِّع الفرنسي على أن المفاوضات لا تقيِّد حرية الأطراف في العدول، إلا أنه ربط هذه الحرية بعدم مخالفة النظام العام([75])؛ حيث يظل كلٌّ منهما محتفظاً بالحرية في التعاقد أو عدم التعاقد، وأن قطع هذه المفاوضات يرتِّب مسؤولية تقصيرية على مَن قطعها إذا اقترن هذا العدول بخطأ، ويُجمَع على أن هذه المسؤولية التقصيرية يكون أساسها الخطأ نتيجة الإخلال بواجب عام يفرض مراعاة مبدأ حسن النية في المرحلة السابقة على إبرام العقد([76])، وهذا يتطابق ضمنياً مع ما أخذ به القانون السوداني والقانون الجزائري والقانون المصري.
خاتمة
بعد أن أنهينا دراسة موضوع الطبيعة القانونية للمفاوضات العقدية، توصلنا إلى النتائج والتوصيات الآتية: –
أولاً: النتائج:
-المفاوضات مرحلة تمهِّد لإبرام العقد، وتهدف إلى الإعداد والتحضير لإبرام العقد النهائي؛ ونجاح المفاوضات أو فشلها لا يُلزِم أطرافها بإبرام العقد؛ فالمفاوضات لا ترتِّب التزاماً بالتعاقد، وهي ذات نتيجة احتمالية قد تتحقق أو لا تتحقق؛ فالأطراف المنخرطون في المفاوضات ليسوا مُلزَمين بإبرام العقد.
-التفرقة بين الإيجاب ومقدماته من: (مساومة،أو مفاوضة، أو وساطة) لها أهميتها؛ لأن مقدمات الإيجاب لا تُلزِم صاحبها بالتعاقد حتى ولو صدر قبول ممن وُجِّهت إليه، في حين أنَّ الإيجاب يلزم صاحبه كقاعدة عامة إذا صدر قبول ممن وُجِّهت إليه، ومَن يعدل عن المساومة أو التفاوض أو الوساطة قبل صدور الإيجاب لا يُسأل عن عُدُوله كقاعدة عامة، أما الإيجاب: فقد يكون لازماً، فلا يجوز الرجوع عنه.
-أن موقف القانون السوداني من المفاوضات السابقة للعقد هو كموقف القانون الجزائري والقانون المصري؛ فهو من حيث المبدأ لا يرتِّب أثراً قانونياً على المفاوضات؛ فكل متفاوض حر في قطع المفاوضات في الوقت الذي يقرره، وليس هناك مسؤولية على مَن عدل، ولا يُكلف إثبات أسباب ودوافع العدول، ولم تتضمن كذلك هذه القوانين نصوصاً خاصة بتنظيم مرحلة التفاوض على العقد؛ فقد عَدَّت المفاوضات مجرد عمل مادي لا يترتب عليها بذاتها أي أثر.
-أن المسؤولية المترتبة على قطع المفاوضات، هي مسؤولية تقصيرية، وليست مسؤولية عقدية، ولكنه تم التأكيد على أنه إذا كان هناك اتفاقٌ صريحٌ في هذه المرحلة فيتعين الالتزام به طبقاً للقواعد العامة، وإذا ما أخلَّ أحد الطرفين بالتزامه بالتفاوض بحسن نية، فإنه يكون مسؤولاً مسؤولية عقدية.
-القانون الفرنسي -خلافاً للقانون السوداني والجزائري والمصري- نجده قد أوضح مرحلة التفاوض بصورة منظَّمة، وبيَّن طبيعة الالتزام من خلال القانون المدني الجديد لسنة 2016م، ورتَّب التزاماً قانونياً بمبدأ حسن النية في المرحلة السابقة على العقد، وهي مرحلة التفاوض، وكذلك عند إبرام العقد، فضلاً عن تنفيذه وربطه بالنظام العام، ومن هنا تكون هذه النصوص بمثابة ضمانة قوية تؤدي إلى الإعداد الجيد والسليم للعقد النهائي.
-ترتِّب مرحلة المفاوضات التزامات مهمة على عاتق الأطراف المتفاوضة، بالإضافة إلى الالتزام بحسن النية بموجب القانون الفرنسي، ومن أهم هذه الالتزامات الإعلام والالتزام بالسرية، وعدم إفشاء المعلومات، والجدية في إقامة التوازن بين مبدأ الحرية التعاقدية وبين توفير الحد الأدنى من الجدية من عملية التفاوض؛ وهي قواعد قائمة بذاتها ومستقلة تماماً عن تلك الناتجة عن إبرام العقد النهائي.
-وكما: توصَّلنا إلى أن طبيعة المسؤولية الناشئة في المرحلة السابقة على التعاقد، هي مسؤولية تقصيرية كقاعدة عامة تقوم بحكم القانون؛ حيث تم تأييد هذا الاتجاه من قِبَل الفقه والقضاء في العديد من الدول، بمعنى أن المسؤولية عن الخطأ في مرحلة التفاوض تقوم على أساس الفعل الضار طبقاً لمضمون النصوص القانونية التي تم استعراضها.
وفي حالات استثنائية قد تقوم مسؤولية عقدية، وهي تلك الحالات التي يقطع فيها الطرفان مراحل يتوصلان فيها إلى اتفاقات تمهيدية سابقة على إبرام العقد الأصلي تفرض التزامات معينة، ومن هنا فعدم الالتزام بما ورد في هذه الاتفاقات يرتِّب مسؤولية عقدية مستقلة عن المسؤولية التقصيرية التي تقوم بشأن عدم إبرام العقد والأضرار التي لحقت بالأطراف.
ثانياً: التوصيات:
1-أن القانون السوداني والقوانين المقارنة موضوع البحث، قد خلت من أي نص قانوني لتنظيم عملية المفاوضات، وفي ظل هذا الوضع فإنه يتم النظر إلى المفاوضات على اعتبار أنها مجرد أعمال مادية؛ ولذلك فعلى المُشرِّع السوداني أن يُورِد تنظيماً قانونياً واضحاً لمرحلة المفاوضات ينظِّم العلاقة بين المتفاوضين في هذه المرحلة.
2-إضـــافة بعض النصـــوص في قانون المعاملات المدنية السوداني وقانون الشراء والتعاقد السوداني لتنظيم المرحلة الســـابقة على التعاقد؛ لأن تنظيم المفاوضــات تشــريعياً يُغني القاضــي عن الاجتهاد، ويحسِم الإشكالات التي تبرز في هذه المرحلة الهامة من العقد.
3-إقرار مبدأ التفاوض بحسن نية بصفة عامة في التعاقد في جميع مراحل العقد، والنص عليه وصياغته صياغة قانونية واضحة في المرحلة السابقة على التعاقد في كل القوانين العربية أسوةً بالقانون الفرنسي الجديد.
4-إضفاء قيمة قانونية تعاقدية للمفاوضات العقدية، وإيجاد تعهدات يقدِّمها أطراف التعاقد كضمانات لتوفر الثقة بين الأطراف، وجعلها جزءاً لا يتجزأ من العقد ومرجعاً لتفسيره.
5-وأخيراً: نوصــــي أســــاتذة القانون في الجامعات السودانية وكل القانونيين في مصر والجزائر: بدراسة مرحلة المفاوضات ما قبل إبرام العقد، والاهتمام بها، وتسليط الضوء عليها، إلى أن يشملها القانون بنصوص واضحة.
المصادر والمراجع
أولاً: السنة النبوية.
ثانياً: كتب اللغة:
– ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم، لسان العرب، المجلد الأول، حرف التاء، (باب فوض)، لبنان، دار بيروت للطباعة، 1954م.
– الرازي، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر، مختار الصحاح، مكتبة لبنان، 1995م.
– علي السعدي، الوجيز في مجمع اللغة العربية (دار العلوم)، بيروت، دار العلوم العربية للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، مصر، 1986م.
ثالثاً: المراجع القانونية:
– أحمد إبراهيم الحيارى، تعديلات القانون المدني الفرنسي المتعلقة بالعقد “دراسة مقارنة بالقانون المدني البحريني”، المجلة القانونية، العدد الحادي عشر، البحرين، ٢٠٢٢م.
– أحمد السعيد الزقرد، أشرف عبد العظيم عبد القادر، الوجيز في نظام المعاملات المدنية السعودية، الجزء الثاني: المصادر غير الإرادية، الطبعة الأولى، مكتبة الرشد، ناشرون، ٢٠١٤- ١٤٣٥م.
– أشرف جابر، الإصلاح التشريعي الفرنسي لنظرية العقد: صنيعة قضائية وصياغة تشريعية- لمحات في بعض المُستحدَثات، ملحق خاص- العدد (2)- الجزء الثاني- صفر/ ربيع الأول 1439هـ- نوفمبر 2017م.
– أيت سليمان جعفر، التنظيم العقدي لمرحلة التفاوض، مذكرة ماجستير جامعة قاصدي، 2018م.
– بلحاح العربي، الإطار القانوني للمرحلة السابقة على إبرام العقد في ضوء القانون المدني الجزائري (دراسة مقارنة)، دار وائل للنشر الجزائر، ٢٠١٠م.
– تاج السر محمد حامد، أحكام العقود و(المسؤولية العقدية)، الطبعة الرابعة، دار النهضة.
– تاج السر محمد حامد، عقد البيع، منشورات جامعة السودان المفتوحة، الخرطوم، ط1، 2008م.
– حسام كامل الأهوائي، المفاوضات في الفترة ما قبل التعاقدية ومراحل إعداد العقد الدولي، ورقة بحث قُدِّمت أمام ندوة الأنظمة التعاقدية للقانون المدني، القاهرة، 1993م.
– حسين ميلود، النظام القانوني للمفاوضات السابقة على التعاقد “دراسة في القانون المدني الفرنسي رقم 2016-131″، مجلة الفكر القانوني السياسي، المجلد الأول، 2022م.
– حليس لخضر، مرحلة المفاوضات التعاقدية، بحث منشور، مجلة المنار للبحوث والدراسات القانونية والسياسية، العدد الأول، 2017م.
– حمدي محمود البارودي، الطبيعية القانونية للمسؤولية في حالة العدول عن مفاوضات العقد، مجلة (الجامعة الإسلامية للدراسات الاقتصادية والإدارية) المجلد العشرون، العدد الثاني، ٢٠١٢م.
– خالد عبد الشخانبة، جلال عايد الشورة، التفاوض في عقود نقل التكنولوجيا، بحث منشور، مجلة البحوث الفقهية والقانونية- العدد السابع والثلاثون- إصدار أبريل، ١٤٤٣هـ- ٢٠٢٢م.
– رجب كريم عبد اللاه، التفاوض على العقد، دراسة مقارنة، القاهرة، مكتبة الإمام البخاري للنشر والتوزيع، 2000م.
– سميحة القليوبي، عقد نقل التكنولوجيا، المجلة الدولية للفقه والقضاء والتشريع، المجلد الأول، العدد (۳)، ۲۰۲۲م.
– عبد المنعم البدراوي، النظرية العامة للالتزامات، مصادر الالتزام، دار الفكر العربي، القاهرة، ط1، 1971م.
– علاق لمنور، محاضرات في شرح القانون المدني الجزائري، النظرية العامة للالتزام، الجزء الأول، الجزائر، 2021م.
– علي خطار شنطاوي، موسوعة القضاء الإداري السعودي، الكتاب الثاني، مكتبة الرشد، 2013م.
– محمد الشريف أحمد، مصادر الالتزام في القانون المدني، عمان، دار الثقافة، ط1، .1999
– محمد حسن قاسم، ترجمة قانون العقود الفرنسي الجديد باللغة العربية، بيروت، منشورات الجلبي الحقوقية، 2018م.
– محمد حميداني، مبدأ حسن النية في مرحلة التفاوض وفقاً لأحكام الأمر 2016-131 المعدل للقانون المدني الفرنسي، حوليات جامعة قالمة للعلوم الاجتماعية والإنسانية، مجلد 13، العدد 1، 2019م.
– مصطفى العوجي، القانون المدني، العقد، بيروت، منشورات الحلبي، الجزء الأول، 2022م.
– مصطفى خضر نشمي، النظام القانوني للمفاوضات التمهيدية للتعاقد، رسالة ماجستير جامعة الشرق الأوسط، 2014م.
– هاني عبد العاطي عبد المعطي الغيتاوي، المفاوضات وأثرها على التوازن العقدي دراسة مقارنة، بحث منشور مجلة الشريعة القانون جامعة طنطا، 2019م.
رابعاً: الأنظمة:
– قانون المعاملات المدنية السوداني لسنة 1984م.
– القانون المدني المصري لسنة 1948م.
– القانون المدني الجزائري المعدل لسنة 2005م.
– القانون المدني الفرنسي الجديد 131 لسنة 2016م.
([1]) د. علي السعدي، الوجيز في مجمع اللغة العربية (دار العلوم)، بيروت، دار العلوم العربية للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، مصر، 1986م، ص 484.
([2]) انظر: محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، مختار الصحاح، مكتبة لبنان، 1995م، ص215.
([3]) أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور، لسان العرب، المجلد الأول، حرف التاء، (باب فوض)، لبنان، دار بيروت للطباعة، 1954م، ص273.
([4]) د. تاج السر محمد حامد، أحكام العقود و(المسؤولية العقدية)، الطبعة الرابعة، دار النهضة، ص34.
([5]) د. مصطفى العوجي، القانون المدني، العقد، بيروت،، منشورات الحلبي، الجزء الأول، 2022م، ص16.
([6]) د. هاني عبد العاطي عبد المعطي الغيتاوي، المفاوضات وأثرها على التوازن العقدي- دراسة مقارنة، بحث منشور مجلة الشريعة القانون جامعة طنطا، 2019م، ص112.
([7] ) انظر: د. حسام كامل الأهوائي، المفاوضات في الفترة ما قبل التعاقدية ومراحل إعداد العقد الدولي، ورقة بحث قُدمت أمام ندوة الأنظمة التعاقدية للقانون المدني، القاهرة، 1993م، ص 2.
([8] ) د. حمدي محمود البارودي، الطبيعية القانونية للمسؤولية في حالة العدول عن مفاوضات العقد، مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات الاقتصادية والإدارية، المجلد العشرون، العدد الثاني، ٢٠١٢م، ص٥٥١.
([9] ) د. هاني عبد العاطي عبد المعطي الغيتاوي، مرجع سابق، ص112.
([10] ) د.مصطفى خضر نشمي، النظام القانوني للمفاوضات التمهيدية للتعاقد، رسالة ماجستير جامعة الشرق الأوسط، 2014م.ص،34.
([11] ) د. تاج السر محمد حامد، عقد البيع، منشورات جامعة السودان المفتوحة، الخرطوم، 2008م، ط1، ص44.
([12] ) د. محمد الشريف أحمد، مصادر الالتزام في القانون المدني، دار الثقافة، عمان، ط1،1999م، ص51.
([13] ) د. عبد المنعم البدراوي، النظرية العامة للالتزامات، مصادر الالتزام، دار الفكر العربي، القاهرة، ط1، 1971م، ص192.
([14] ) المادة (١١١٦) من القانون المدني الفرنسي الجديد.
) [15] ) المادة: (١١١٥) من القانون المدني الفرنسي الجديد.
([16] ) المادة (۱۱۰۰) من القانون المدني الفرنسي الجديد.
([17]) المادة (1115) من القانون المدني الفرنسي الجديد 2016م.
([18]) انظر: رجب كريم عبد اللاه، التفاوض على العقد، دراسة مقارنة، القاهرة، مكتبة الإمام البخاري للنشر والتوزيع، 2000م، ص80 وما بعدها.
([19]) المواد (36 /37 / 38) من قانون المعاملات المدنية السوداني لسنة 1984م.
([20])المادة (61) من القانون المدني الجزائري.
([21]) المادة (59/60) من القانون المدني الجزائري.
([22]) المادة (1121) من القانون المدني الفرنسي الجديد 2016م
([23]) المادة (89) من القانون المدني المصري لسنة 1948م.
([24]) د. أحمد السعيد الزقرد، د. أشرف عبد العظيم عبد القادر، الوجيز في نظام المعاملات المدنية السعودية الجزء الثاني المصادر غير الإرادية، الطبعة الأولى، مكتبة الرشد، ناشرون، ١٤٣٥ه- ٢٠١٤م، ص90.
([25]) أخرجه ابن ماجه (2340)، والبيهقي (11999) مطولًا، كلاهما بلفظه، وأبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (1/ 404) بلفظه دون قوله: ((قضى)).
([26]) المادة (5) من قانون المعاملات المدنية السوداني.
([27]) د. حليس لخضر، مرحلة المفاوضات التعاقدية، بحث منشور مجلة المنار للبحوث والدراسات لقانونية والسياسية، العدد الأول، 2017م، ص162.
([28]) بلحاح العربي، الإطار القانوني للمرحلة السابقة على إبرام العقد في ضوء القانون المدني الجزائري (دراسة مقارنة)، دار وائل للنشر الجزائر، ٢٠١٠م، ص١٩٩.
([29]) أ. د. علي خطار شنطاوي، موسوعة القضاء الإداري السعودي، الكتاب الثاني، مكتبة الرشد، 2013م، ص70.
([30]) المادة (33) من قانون المعاملات المدنية السوداني لسنة 1984م.
([31]) د. السنهوري، مرجع سابق، ص51.
([32]) المادة (54) من القانون المدني الجزائري.
([33]) المادة (1102) من القانون المدني الفرنسي الجديد.
([34]) المادة (1103) من القانون المدني الفرنسي الجديد.
([35]) المادة (51) من القانون المدني الجزائري.
([36]) د. علاق لمنور، محاضرات في شرح القانون المدني الجزائري، النظرية العامة للالتزام، الجزء الأول، الجزائر، 2021م، ص39.
) [37]) المادة (46) من قانون المعاملات المدنية السوداني.
([38]) المادة (119) من قانون المعاملات المدنية السوداني.
([39]) المادة (120) من قانون المعاملات المدنية. السوداني.
([40]) المادة (41) من قانون المعاملات المدنية السوداني.
([41]) أ. د. محمد الشيخ عمر، العقد والإرادة المنفردة، المصادر الإرادية، ص25 ـ 27.
(3) د. تاج السر محمد حامد، مرجع سابق، ص35.
(4) المادة (5/1) من قانون المعاملات المدنية السوداني.
([44]) المادة (1142) من القانون المدني الفرنسي الجديد.
([45]) د. خالد عبد الشخانبة، د. جلال عايد الشورة، التفاوض في عقود نقل التكنولوجيا، بحث منشور، مجلة البحوث الفقهية والقانونية- العدد السابع والثلاثون- إصدار أبريل، ٢٠٢٢م- ١٤٤٣هـ، ص١٦٦١.
) [46] ) المادة 1111 من القانون المدني الفرنسي الجديد
([47]) المواد (۱۳۸۲ – ۱۳۸۳) من القانون المدني الفرنسي.
([48]) أيت سليمان جعفر، التنظيم العقدي لمرحلة التفاوض، مذكرة ماجستير جامعة قاصدي، 2018م، ص22.
([49]) د. محمد حسن قاسم، ترجمة قانون العقود الفرنسي الجديد باللغة العربية، بيروت، منشورات الجلبي الحقوقية، 2018م، ص9.
([50]) أ. د. أحمد إبراهيم الحيارى، تعديلات القانون المدني الفرنسي المتعلقة بالعقد “دراسة مقارنة بالقانون المدني البحريني”، المجلة القانونية، العدد الحادي عشر، البحرين، ٢٠٢٢م، ص٢١٦.
([51]) المادة (1104) من القانون المدني الفرنسي الجديد.
([52]). المادة (1102 ) من القانون المدني الفرنسي الجديد.
([53]) د. حسين ميلود، النظام القانوني للمفاوضات السابقة على التعاقد “دراسة في القانون المدني الفرنسي رقم 2016-131″، مجلة الفكر القانوني السياسي، مجلد 6، 2022م، ص509.
([54]) المادة (۱۱۱۲ / ۱) من القانون المدني الفرنسي الجديد.
([55]) أ. د. أحمد إبراهيم الحيارى، تعديلات القانون المدني الفرنسي المتعلقة بالعقد “دراسة مقارنة بالقانون المدني البحريني”، المجلة القانونية، العدد الحادي عشر، البحرين، ٢٠٢٢م، ص٢١٦.
([56]) المادة: ۱۱۱۲ – ۲ من القانون المدني الفرنسي الجديد.
([57]) المادة (53) من القانون المدني الجزائري.
([58]) المادة (54) من القانون المدني الجزائري عدلت بالقانون رقم 05-10 المؤرخ في 20 يونيو 2005م، ص(ج-ر44)، ص21.
([59]) المادة (55) من القانون المدني الجزائري.
([60]) المادة 107 من القانون المدني الجزائري.
([61]) المادة (124) من القانون المدني الجزائري المعدلة سنة 2005م.
([62]) أ. د. بلحاج العربي، مرجع سابق، ص،196.
([63]) المادة (103) من القانون المدني الجزائري المعدلة لسنة 2005م.
([64]) المادة (71) من القانون المدني الجزائري.
([65]) المادة (72) من القانون المدني الجزائري.
([66]) د. حليس لخضر، مرحلة المفاوضات التعاقدية، مجلة المنار للبحوث والدراسات القانونية والسياسية، العدد الأول، 2017م، ص172.
([67]) المادة (124) من القانون المدني الجزائري، عُدِّلت بالقانون رقم 05-10 المؤرخ في 20 يونيو 2005م، ص(ج-ر44) ص22.
([68]) المادة (215) من القانون المدني المصري.
([69]) المادة (148/1) من القانون المدني المصري.
([70]) د. هاني عبد العاطي عبد المعطي الغيتاوي، المفاوضات وأثرها على التوازن العقدي، القاهرة، 2019م، ص119.
([71]) د. سميحة القليوبي، عقد نقل التكنولوجيا، المجلة الدولية للفقه والقضاء والتشريع، المجلد الأول، العدد (۳)، ۲۰۲۲م، ص10.
([72]) انظر: نقض مدني جلسة ٢٩ فبراير ١٩٦٧م، مجموعة أحكام النقض، السنة ١٨ق. رقم 553.
([73]) د. خالد عبد الشخانبة، د. جلال عايد الشورة، مرجع سابق، ص1659.
) [74]) أ. د. أشرف جابر، الإصلاح التشريعي الفرنسي لنظرية العقد: صنيعة قضائية وصياغة تشريعية – لمحات في بعض المستحدثات، ملحق خاص- العدد (2)- الجزء الثاني- صفر/ ربيع الأول 1439هـ- نوفمبر 2017 م، ص285.
([75] ) المادة (1102) من القانون المدني الفرنسي الجديد.
([76] ) د. حمدي محمود بارود، مرجع سابق، ص552.






