في الواجهةمقالات قانونية

الجباية والتحول الاقتصادي في مشروع مالية 2026 د. يونس مليح

الجباية والتحول الاقتصادي في مشروع مالية 2026

د. يونس مليح

أستاذ باحث بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس

يأتي مشروع قانون المالية لسنة 2026 في ظرف اقتصادي يتميّز بتسارع التحولات العالمية واشتداد الضغوط على المالية العمومية، مما يجعل الإصلاح الجبائي إحدى الركائز الأساسية لضمان التوازنات الماكرو-اقتصادية وتعزيز جاذبية الاستثمار. ويكشف المشروع عن رؤية جديدة لإعادة هندسة السياسة الضريبية، من خلال مقاربة تقوم على دعم القطاعات الواعدة، وتبسيط المساطر، وتوسيع الوعاء الجبائي، وربط الجباية بالتحول الرقمي.
تسعى هذه الورقة إلى تقديم قراءة تحليلية للمقتضيات الجبائية التي جاء بها المشروع، مع طرح الإشكاليات التي يثيرها تنزيله العملي.

فإلى أي حد تمكنت المقتضيات الجبائية في مشروع قانون المالية لسنة 2026 من الاستجابة لرهانات العدالة الضريبية ودعم الاستثمار، وضمان انسجام النظام الجبائي مع متطلبات الرقمنة والإقلاع الاقتصادي؟

المحور الأول: التدابير الجبائية الموجّهة لدعم القطاعات الإستراتيجية وفي مقدمتها القطاع الرياضي

يكشف مشروع قانون المالية لسنة 2026 عن توجّه واضح نحو اعتبار القطاع الرياضي مجالًا استثماريًا واعدًا يستحق بنية جبائية محفزة ومشجعة. ويبرز ذلك من خلال رزمة من التدابير التي أعادت ضبط العلاقات المالية للفاعلين الرياضيين، سواء على مستوى الضريبة على الشركات أو الضريبة على الدخل أو الضريبة على القيمة المضافة.
ففي ما يتعلق بالضريبة على الشركات، حرص المشروع على توضيح الحدث المنشئ للإعفاء الخماسي لفائدة الشركات الرياضية، وهو توضيح يضع حدًّا للغموض الذي رافق هذا الامتياز خلال السنوات السابقة. كما فتح الباب أمام خصم التبرعات التي تتلقاها الشركات الرياضية، سواء كانت نقدية أو عينية، في خطوة تنسجم مع منطق دعم الاستثمار الرياضي وتشجيع التمويل الخاص. ويضاف إلى ذلك إعفاء مؤسسات التمويل الأصغر من الضريبة على الشركات، تأكيدا لأن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني جزء من الدورة الإنتاجية الوطنية.

أما على مستوى الضريبة على الدخل، فقد قدّم المشروع مقاربة جديدة تستهدف الرياضيين المحترفين من خلال إحداث نظام ضريبي تفاضلي يراعي خصوصية المهن الرياضية ومتطلبات تأهيلها، كما فتح نقاشًا جديدًا حول مراجعة الإعفاء المتعلق بالأرباح العقارية لضمان انسجامه مع أهداف محاربة المضاربة وتحقيق الانسجام الجبائي بين مختلف الأوعية.

وفي سياق التحفيز الاقتصادي ذاته، اتجه المشروع نحو مراجعة الضريبة على القيمة المضافة المطبّقة على عدد من السلع والخدمات المرتبطة بالبنيات الرياضية، إذ تم إعفاء المياه المعدنية والرياضية المستخدمة في العشب الطبيعي والصناعي، مع تمديد الإعفاءات المتعلقة بالشركات الرياضية وتوحيد مدد الإعفاء للسلع الموجهة للاستثمار. وهي تدابير تعكس انتقالا في التفكير الجبائي من منطق المعاملة التقليدية إلى منطق الاستثمار الموجه، خصوصا وأن المغرب مقبل على احتضان تظاهرات رياضية عالمية تتطلب بنية تحتية ومعايير مالية وجبائية محفزة.

بهذه الآليات، يصبح واضحًا أن المشروع لا ينظر إلى الرياضة بوصفها نشاطًا ترفيهيًا، بل باعتبارها قطاعا اقتصاديا كاملًا يتوفر على سلاسل إنتاج وفرص استثمار، وهو توجه ينسجم مع اختيارات المغرب الاستراتيجية في أفق 2030.

المحور الثاني: إصلاحات بنيوية في التسجيل والرقمنة والمساهمة الاجتماعية لضمان الشفافية وتحسين الموارد

إلى جانب التحفيزات القطاعية، جاء مشروع قانون المالية لسنة 2026 بإصلاحات بنيوية تمسّ العمق المؤسساتي للنظام الجبائي. فقد حاول المشروع إعادة ترتيب قواعد التسجيل من خلال إدراج زيادة بنسبة 2% على عمليات تحويل العقارات والأصول التجارية التي لا تتم عبر وسائل أداء إلكترونية، وهو إجراء يهدف إلى محاصرة الاقتصاد غير المهيكل وتعزيز الشفافية المالية، فضلًا عن دفع الملزمين نحو اعتماد الوسائط الحديثة في المعاملات. كما عمل المشروع على توحيد الوعاء الجبائي لعمليات الائتمان وإدراج توضيحات مهمة فيما يتعلق بتطبيق رسوم التسجيل على الصفقات العمومية، في خطوة تسعى لتفادي التأويلات المتضاربة والاختلالات التي تشهدها الممارسة اليومية.

وفي السياق نفسه، تم تعزيز المساهمة الاجتماعية للتضامن عبر تمديدها لثلاث سنوات إضافية وتوسيع نطاق الاقتطاع عند المصدر ليشمل عائدات الإيجار سواء بالنسبة للعقارات المبنية أو غير المبنية، مما يدل على رغبة الدولة في ضمان استدامة الموارد الاجتماعية المرتبطة بتمويل برامج الدعم والحماية. وقد حدد المشروع فاتح يوليوز 2026 كتاريخ للشروع في التطبيق، بما يوفر للملزمين فترة انتقالية للتكيف.

من جهة أخرى، يبرز البعد الرقمي في المشروع كأحد المحاور الجوهرية، حيث عملت الحكومة على تخفيف شروط التواصل الإلكتروني مع الإدارة الضريبية، وتوحيد المعايير المحاسبية للشركات الصغرى والمتوسطة، وملاءمة قواعد المحاسبة الإلكترونية مع متطلبات التحول الرقمي. هذا التحديث يُعتبر جزءًا من رؤية أشمل تهدف إلى جعل الإدارة الجبائية أكثر فعالية وشفافية، وتوفير بيئة رقمية تُسهّل التتبع والمراقبة وتحدّ من النزاعات الجبائية.

كما نص المشروع على إمكانية استرجاع الدولة للدعم السكني في حالة الإخلال بشروط الاستفادة، الأمر الذي يعكس حرصًا على ترشيد نفقات الدولة وتوجيهها نحو الفئات الجديرة بها، مع إرساء آليات قانونية تضمن حسن تدبير المال العام.

تؤشر هذه الإصلاحات مجتمعة على رغبة واضحة في إعادة هيكلة النظام الجبائي وفق أسس الحداثة والرقمنة والشفافية، بما يعزز الثقة بين الدولة والملزم ويُهيئ بيئة مناسبة للإقلاع الاقتصادي.

تكشف مستجدات مشروع قانون المالية لسنة 2026 عن رؤية إصلاحية متقدمة، تعيد ترتيب أولويات النظام الجبائي وتربطه بشكل أوضح بمسار التنمية الاقتصادية.
فبين دعم القطاعات الواعدة، وعلى رأسها القطاع الرياضي، وتعزيز الشفافية في المعاملات عبر إصلاحات في التسجيل والرقمنة، يسعى المشروع إلى تكريس نموذج جبائي أكثر عدلًا وفعالية.
ومع ذلك، تظل قابلية التنفيذ رهينة بمدى قدرة الفاعلين الاقتصاديين والإدارة الجبائية على التكيّف مع التغييرات، ومدى نجاح الإصلاح في تحقيق التوازن بين تحفيز الاستثمار وضمان موارد الدولة، وهما رهانان يحددان ملامح السياسة الجبائية للمغرب في السنوات القادمة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى