في الواجهةمقالات قانونية

الجريمة المنظمة عبر الوطنية ومبدأ إقليمية النصوص الجنائية  – الأستاذ الدكتور : رضا حمدي حمزة الملاح

 

الجريمة المنظمة عبر الوطنية ومبدأ إقليمية النصوص الجنائية

Transnational Organized Crime and the Principle of Territoriality of Criminal Provisions

الأستاذ الدكتور : رضا حمدي حمزة الملاح

أستاذ القانون الجنائي بكلية العدالة الجنائية بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية

رابط DOI

https://doi.org/10.63585/EUBS8229

 

الملخص

إن موضوع الجرائم المنظمة عبر الوطنية هو موضوع الساعة نظراً لما يثيره من مشاكل سيما فى مدى انطباق القانون أو النظام الوطنى على الجرائم المرتكبة فى الخارج اذا تحققت بعض عناصرها على اقليم الدولة وتحقق بعضها الآخر على إقليم دولة أخرى.

تمحورت إشكالية الدراسة في الوقوف على الخصوصيات الإجرائية للجريمة المنظمة فيما يتعلق باستثنائها من مبدا إقليمية القانون الجنائي وتبيان هذه الخصوصية وتجلياتها .

وقد خلصت الدراسة لى عدة نتائج تلخصت في عدم خضوع الجريمة المنظمة عبر الوطنية لمبدأ إقليمية النصوص الجنائية طبقاً لاتفاقية باليرمو بإيطاليا لعام 2000 والقانون السعودي وهو ما يساعد اكثر على التصدي للجريمة المنظمة قبل ان تختتم بجملة من التوصيات كان أهمها  دعوة المشرعين الوطنين أن يلتزموا بما جاء بالاتفاقية الدولية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية ، بعدم التقيد بالمفهوم التقليدي لإقليمية القانون الجنائي ، وذلك بجعل النصوص قابلة للتطبيق والملاحقة خارج الحيز الإقليمي الضيق لكل دولة .

 

 

Abstract

The topic of transnational organized crime is a current issue due to the problems it raises, especially regarding the applicability of national law or regulations to crimes committed abroad when some elements are realized on the territory of one state and others on the territory of another state.

The study’s problem focused on identifying the procedural specificities of organized crime in relation to its exception from the principle of territoriality of criminal law and demonstrating this specificity and its manifestations.

The study concluded with several results, summarized in the non-subjection of transnational organized crime to the principle of territoriality of criminal texts according to the Palermo Convention in Italy in 2000 and Saudi law, which helps more in addressing organized crime. It concluded with a set of recommendations, the most important of which was calling on national legislators to adhere to the provisions of the International Convention against Transnational Organized Crime, by not adhering to the traditional concept of territoriality of criminal law, and making the texts applicable and prosecutable outside the narrow territorial scope of each state

 

 

 

 الخطة المنهجية للبحث:

 2 – أهمية البحث:

تأتى أهمية البحث من أكثر من وجه :

فتطور شبكة الانترنت وانتشار الميكروكمبيوتر وتطور الجريمة المنظمة عبر الوطنية (Transnational Crime  ) كماً ونوعاً ، وتطور الإتصالات ونقل التكنولوجيا وعولمة الإقتصاد يزيد خطورة المشكلة موضوع البحث.

كما يزيد من تهديد الأمن القومى للدول عن طريق قيادة الجماعات الارهابية عن بعد سيما بإستخدام الإرهاب الإلكترونى ، والاحتيال ، والتجسس ، والنصب ، وغسل الأموال ، والدعارة ، والإتجار بالأشخاص ، والهجرة غير المشروعة ، والإتجار بالمخدرات ، والسلاح ، وغسل الأموال   …..إلخ

2 – المشكلة :

إن موضوع الجرائم المنظمة عبر الوطنية هو موضوع الساعة نظراً لما يثيره من مشاكل جديدة ، مثل المشكلة موضوع البحث ، والمتمثلة فى مدى انطباق القانون أو النظام الوطنى على الجرائم المرتكبة فى الخارج اذا تحققت بعض عناصرها على اقليم الدولة وذلك فيما يتعلق بالجريمة المنظمة عبر الوطنية .

3 – الأهداف :

هدف هذه الدراسة هو ايجاد كيان علمى تأصيلى قائم على المنهج العلمى التحليلى، فى واحدة من الجرائم المستحدثة الهامة والخطيرة على الاطلاق ، ألا وهى الجريمة المنظمة عبر الوطنية .

4 – التساؤلات :

سأحاول أن أجيب على أهم التساؤلات ، ومنها الآتي :

ما المقصود بالجريمة المنظمة عبر الوطنية وعلاقاتها بمشكلة البحث ؟

ما المقصود بإقليمية النصوص الجنائية ؟

ما موقف المنظم السعودى والقوانين المقارنة من هذه المشكلة ؟

5 – الحدود الموضوعية (البعد الموضوعي):                                                           

حدود هذه الدراسة من الناحية الموضوعية تتعلق بالجريمة المنظمة عبر الوطنية فى النظامين القانونين الدولى والسعودى .

6 – الحدود المكانية ( البعد المكانى ) :

سنتناول فى هذه الدراسة الجريمة المنظمة عبر الوطنية فى إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية لعام 2000 والنظام السعودى .

7 – الحدود الزمانية ( البعد الزمانى ) :

هذه الدراسة ليس لها زماناً قديماً أو متأخراً ، وذلك نظراً لحداثة الجرائم المنظمة عبر الوطنية، ولذلك فإنها تتناول الواقع المعاصر كما هو كائن ، وكما ينبغى أن يكون .

8 – الإطار المرجعى ( النظرى ) للمشروع :

فى الحقيقة توجد صعوبة فى البحث ، وذلك لعدم وجود مؤلفات متخصصة فى الجرائم المنظمة عبر الوطنية إلا القليل .

9 – الدراسات السابقة :

لا توجد دراسات سابقة تناولت الفكرة موضوع البحث ، ولكن توجد بعض الدراسات والمؤلفات التى لها صلة بموضوع البحث ، منها : الجريمة المنظمة وسبل مواجهتها وطنياً ودولياً للدكتور عبد العاطى عبد الخالق دار النضة العربية 2022 ، جريمة الإتجار بالبشر فى القانون الجنائى المصرى  للدكتور أحمد رأفت محمد حافظ دار النهضة العربية 2022 ، الجريمة المنظمة ماهيتها خصائصها – أركانها –بحث مقدم للندوة العلمية المعنونة العلاقة بين جرائم الإحتيال والإجرام المنظم ، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية فى الفترة من 18 – 20 / 6 / 2007  .

10 – المنهج :

سأتبع المنهج الوصفى والاسقرائى المقارن .

11 – تقسيمات البحث :

مبدئياً أقسم البحث إلى ما يلى :

مقدمة وتشمل الآتى :

1 – التعريف بالموضوع

2 – أسباب إختيار الموضوع

3 – مشكلة البحث

4 – تساؤلات البحث

5 – أهداف البحث

6 – الدراسات السابقة

7 – منهج البحث

8 – تقسيمات البحث ، وتتضمن الآتى:

المبحث الأول : ماهية الجريمة المنظمة عبر الوطنية

المطلب الأول : تعريف الجريمة المنظمة عبر الوطنية

الفرع الأول : تعريف الجريمة المنظمة بصفة عامة

الفرع الثانى : تعريف الجريمة المنظمة عبر الوطنية

المطلب الثانى : خصائص الجريمة المنظمة عبر الوطنية

الفرع الأول : سمات الجريمة المنظمة عبر الوطنية

الفرع الثانى : أنواع الجريمة المنظمة عبر الوطنية

المبحث الثانى : إستثناء الجريمة المنظمة عبر الوطنية من مبدأ الإقليمية

المطلب الأول : ماهية إقليمية النصوص الجنائية

الفرع الأول : التعريف بمبدأ الإقليمية

الفرع الثانى : قيود أو إستثناءات مبدأ إقليمية النصوص الجنائية

المطلب الثانى : عدم خضوع الجريمة المنظمة عبر الوطنية لمبدأ إقليمية النصوص الجنائية طبقاً لإتفاقية باليرمو بإيطاليا لعام 2000 والقانون السعودى

الفرع الأول : إستثناء الجريمة المنظمة عبر الوطنية من مبدأ الإقليمية طبقاً لأحكام المادة 15 من الإتفاقية

الفرع الثانى : موقف المنظم السعودى من إستثناء الجريمة المنظمة عبر الوطنية من مبدأ الإقليمية

الخاتمة

قائمة المراجع

الفهرس

 

 

المبحث الأول

ماهية الجريمة المنظمة عبر الوطنية

المطلب الأول

تعريف الجريمة المنظمة عبر الوطنية

الفرع الأول : تعريف الجريمة المنظمة بصف عامة

مع مطلع الألفية الثانية بدأت تطفو على السطح ظاهرة إجرامية أطلق عليها مصطلح الجريمة المنظمة ، وأصبحت هذه الظاهرة تمثل خطراً على العالم ، ورغم تعدد الدراسات التى تعرضت لهذه الجريمة ، إلا أنه لم يصل الفكر الجنائى بعد إلى تعريف موحد لهذه الجريمة على الرغم من أهميته البالغة بأعتباره أمر يفرضه على الأقل مبدأ الشرعية الجنائية ، وقد بذلت محاولات لتعريف الجريمة المنظمة سواء على المستوى الدولى أو التشريعى أو الفقهى أو حتى الأمنى .

إذ إنتهت الندوة الدولية الأولى التى عقدها الإنتربول حول الجريمة المنظمة عبر الوطنية فى ليون بفرنسا فى مايو عام 1988 وحضرها ممثلو 46 دولة إلى تعريف الجريمة المنظمة بأنها ” أية جماعة من الأشخاص ، تقوم بحكم تشكيلها بإرتكاب أفعال غير مشروعة بصفة مستمرة ، وتهدف أساساً إلى تحقيق الربح دون التقيد بالحدود الوطنية ” وقد اعترضت إيطاليا وأسبانيا وألمانيا وأمريكا وكندا على هذا التعريف ، وذلك لخلوة من الإشارة إلى البناء التنظيمى تارة وإستخدام العنف تارة أخرى .

وقد أعاد الإنتربول تعريف الجريمة المنظمة بأنها ” أية جماعة من الأشخاص ، لها بناء تنظيمى ، وتهدف إلى تحقيق الربح بطرق غير مشروعة ، وتستخدم عادة التخويف والفساد “([1])

وعرفت منظمة الأمم المتحدة الجريمة المنظمة بأنها ” الأنشطة الإجرامية الواسعة النطاق والمعقدة التى تضطلع بها جمعيات ذات تنظيم قد يكون محكماً ، وقد لا يكون ، وتستهدف إقامة أو تمويل أو إستغلال أسواق غير مشروعة على حساب المجتمع ، وتنفيذ هذه العمليات بإزدراء للقانون ، وبقلوب متحجرة . وتشمل – فى كثير من الأحيان – جرائم ضد الأشخاص بما فى ذلك التهديد والإكراه عن طريق التخويف والعنف الجسدى ، كما ترتبط بإفساد الشخصيات العامة والسياسية بواسطة الرشوة والتآمر ، وكثيراً ما تجاوز أنشطة الإجرام المنظم الحدود الوطنية من دولة إلى دولة أخرى ” ([2])

هذا وقد تعددت تعريفات الفقهاء للجريمة المنظمة ، حيث عرفها البعض بأنها ” ذلك الإصطلاح الذى توصف به الظاهرة الإجرامية حين يكون خلفها جماعات معينة تستخدم العنف أساساً لنشاطها الإجرامى ، وتهدف إلى الربح ، وقد تتخذ الإقليم الوطنى صعيداً لنشاطها الإجرامى أو عبر الوطنية ، أو يكون لها منظمات مماثلة فى دول أخرى ” ([3]).

كما عرفها العض بأنها ” مشروع إجرامى قائم على أشخاص يوحدون صفوفهم من أجل القيام بأنشطة إجرامية ، من خلال كيان أو تنظيم عصابى ، ذى بناء هرمى تحكمه نظم ولوائح داخلية صارمة تضبط العمل داخله ، ويستخدم العنف والتهديد والإبتزاز والرشوة وإفساد المسؤلين وأجهزة العدالة لتحقيق أغراضه  وفرض السيطرة ، سواء بوسائل مشروعة أو غير مشروعة ”

وعرفها البعض أيضاً بأنها ” مؤسسة إجرامية ، ذات تنظيم هيكلى متدرج ، يتسم بالثبات والإستقرار ، يمارس أنشطة غير مشروعة ، بهدف الحصول على المال ، مستخدمة العنف والتهديد والرشوة  لتحقيق هذا الهدف ، وذلك فى سرية تامة بين أعضائها ” .

الفرع الثانى : تعريف الجريمة المنظمة عبر الوطنية :

لقد عرفت المادة الثانية من إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية لعام 2000 الجريمة المنظمة  فقرة أ – يقصد بتعبير جماعة إجرامية منظمة جماعة ذات هيكل تنظيمى ، مؤلفة من ثلاثة أشخاص أو أكثر ، موجودة لفترة من الزمن وتعمل بصورة متضافرة بهدف إرتكاب واحدة أو أكثر من الجرائم الخطيرة أو الأفعال المجرمة وفقاً لهذه الإتفاقية ، من أجل الحصول ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، على منفعة مالية أو منفعة مادية أخرى.

وتنص المادة الثالثة فقرة 2 – على أنه فى الفقرة 1 – من هذه المادة ، يكون الجرم ذا طابع عبر وطنى إذا :

( أ ) أرتكب فى أكثر من دولة واحدة.

( ب ) أرتكب فى دولة واحدة ، ولكن جرى جانب كبير من الإعداد أو التخطيط له أو توجيهة أو الإشراف عليه فى دولة أخرى .

( ج ) أرتكب فى دولة واحدة ، ولكن ضلعت فى إرتكابه جماعة إجرامية منظمة تمارس أنشطة إجرامية فى أكثر من دولة واحدة .

( د ) أرتكب فى دولة واحدة ، ولكن كانت له آثار شديدة فى دولة أخرى .

يلاحظ أن المشرع المصرى قد عرف الجريمة المنظمة عبر الوطنية فى القانون رقم 82 لسنة 2016 بإصدار قانون مكافحة الهجرة غير الشرعية بأنها ” أية جريمة أرتكبت فى أكثر من دولة أو أرتكبت فى دولة واحدة وتم الإعداد أو التخطيط لها أو التوجية أو الإشراف عليها أو تمويلها فى دولة أخرى أو بواسطتها أو أرتكبت فى دولة واحدة عن طريق جماعة إجرامية منظمة تمارس أنشطة إجرامية فى أكثر من دولة أو أرتكبت فى دولة واحدة وكانت لها آثار فى دولة أخرى ”

المطلب الثانى خصائص الجريمة المنظمة عبر الوطنية

الفرع الأول  سمات الجريمة المنظمة عبر الوطنية

تتميز الجريمة المنظمة بعدة خصائص تتمثل فى :

إرتكابها عن طريق جماعة إجرامية منظمة ، والتنظيم ، والتخطيط

، والسرية ، والإستمرارية ، وإستخدام القوة أو العنف ، وتحقيق الربح ، وإمتداد النشاط الإجرامى لعدة دول .

أولاً : إرتكاب الجريمة عن طريق جماعة إجرامية منظمة

نظراً لأن الجريمة المنظمة تعتبر صورة من صور الجريمة الجماعية التى يتحد عدة أشخاص على إرتكابها ، ومن ثم يجب لتوافرها وجود جماعة إجرامية مشكلة من عدة أشخاص تتعاون فيما بينها على إرتكابها ، وتسمى هذه الجماعة بعدة تسميات متعددة ، منها عصابة إجرامية ، عصابة منظمة ، إتفاق إجرامى ، المافيا . وحتى يمكن وصف هذه الجماعة الإجرامية بوصف المنظمة ، يتعين أن تكون مشكلة من ثلاثة أشخاص على الأقل . وقد نصت على هذا الشرط بعض القوانين ، من ذلك قانون العقوبات الإيطالى ، وقانون عقوبات لوكسمبورج فى المادة 324 فقرة أولى ، والتى إستحدثها بالقانون الصادر فى أغسطس 1998 والتى تعاقب على جريمة الإنتماء إلى تنظيم إجرامى . وقد تتطلب القانون الكندى أن تتألف المنظمة الإجرامية من خمسة أشخاص أو أكثر ، سواء أكانت منظمة بصورة رسمية أو غير رسمية ، وأن أحد أنشطتها جريمة يعاقب عليها القانون الجنائى ، أو أى تشريع آخر صادر من البرلمان بالسجن لمدة خمس سنوات أو أكثر ، وأن الأعضاء المساهمين فيها من الأشخاص الذين إرتكبوا أو مارسوا سلسلة من تلك الجرائم .([4])

وقد تطلب هذا الشرط كثير من المنظمات الدولية والإقليمية ، من ذلك الإتحاد الأوروبى عند تعريفه للجريمة المنظمة ، وإتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية والمعروفة بإتفاقية باليرمو بإيطاليا لعام 2000 .

ويلاحظ أن هناك إتجاه على مستوى ما يكتفى بأن تتكون الجماعة المنظمة من شخصين فأكثر .([5])

كما أن بعض التشريعات لا تتطلب حداً أدنى لعدد الأعضاء الذين تتألف منهم هذه الجماعات ، كما هو الشأن فى قانون العقوبات الفرنسى ، الذى يعاقب على مجرد الإنتماء إلى جماعة الأشرار طبقاً للمادة 450 فقرة أولى .

وتجدر الإشارة إلى أن بعض التشريعات الوطنية قد جرمت الإجرام المنظم ، بإعتباره جريمة مستقلة قائمة بذاتها ، فى حين أن البعض الآخر اعتبره مجرد ظرف مشدد للعقاب . وفى هذا الصدد فقد قرر مؤتمر الجمعية الدولية لقانون العقوبات للجريمة المنظمة المنعقد فى بوادبست بالمجر عام 1999 ، أنه من الأفضل إنشاء تجريم مستقل للجريمة المنظمة ؛ لأن القانون الجنائى التقليدى عاجز عن مواجهة مشاكلها فى وضعه الحالى بوسائله التقليدية ، ذلك أن مسؤلية المساهم سواء أكان فاعلاً أم شريكاً – وفقاً للقواعد العامة للمساهمة الجنائية – غير كافية لمواجهة هذا النوع من الإجرام .

ثانياً : التخطيط

يعتبر العامل الأهم فى الجريمة المنظمة ، فهو يكفل لها النجاح والإستمرار، ويتطلب أفراداً مؤهلين وذوى خبرة عالية .( [6])

ثالثاً : التنظيم

يعد التنظيم الجيد أحد أهم سمات الجريمة المنظمة عبر الوطنية ، فلا بد من وجود نظام يبين آلية العمل داخل التنظيم الإجرامى ، يقوم بتوزيع الأدوار بين الأعضاء، محدداً لعلاقتهم ببعضهم البعض من ناحية ، وعلاقتهم بالتنظيم من ناحية أخرى.

ويعتمد التنظيم على البناء التنظيمى المتدرج والذى يفرض وجود مستويات وظيفية متدرجة فى تسلسل هرمى ، يوجد أعلاه زعيم ، تكون له الهيمنة والسلطة فى إتخاذ القرارات ، وله حتمية الطاعة ، ويلتزم أعضاء الجماعة أو التنظيم تجاهه بالإحترام وتنفيذ الأوامر ، وهو الذى يتولى التخطيط ، بينما يتولى باقى الأعضاء التنفيذ ، ويحترم أعضاء التنظيم أدوارهم ومهامهم طبقاً لمبدأ تقسيم العمل ، الذى يخطط له قائدها ، ويحدد وقت التنفيذ ، وكيفيته .

ويختلف هيكل تلك التنظيمات أو الجماعات بإختلاف طبيعتها والبيئة الثقافية التى تنبع عنها ، وفرصتها فى البقاء والنمو ، وتكيفها مع الظروف ؛ حيث توجد التنظيمات المؤلفة من عدد من العائلات ، والتى لها تسلسل هرمى أو غير ذلك من الهياكل بغرض تنسيق أنشطتها ، وهى تشبة النقابات . كما توجد التنظيمات التى تقوم على أساس عرقى ، والتى تعمل كشبكة ، على أساس هذا الإنتماء العرقى ، وأخيراً توجد التنظيمات التى تضم عصابات تجمعت لهدف مشترك ، هو السعى إلى تحقيق الربح عن طريق العنف ، سواء أكانت على أساس عرقى أم لم تكن ، كما تختلف هياكل وعلاقات تلك التنظيمات وفقاً لأنشطتها المختلفة ، وفرص السوق المتاحة ، وهو ما يؤكد حقيقة ما للمنطقة والبيئة والنشأة ، وغير ذلك من تأثير على شكل وهيكل ونمط هذه التنظيمات .

وفيما يتعلق بالبناء التنظيمى لمعظم التنظيمات الإجرامية نجد أنه طبقاً لمبدأ التشكيل المتدرج ، – مع تقسيم العمل – يقع فى قاع الهرم الجنود الذين تم تجنيدهم ، وفقاً لقواعد وضوابط وطقوس ؛ ثم رؤساء الفرق ، ثم مجموعة المستشارين ، وأخيراً وعلى قمة الهرم يأتى رئيس التنظيم أو الزعيم الذى يحتفظ بالسلطة المطلقة على جميع أعضاء التنظيم .

ويسهم هذا الهيكل المتدرج فى إخفاء شخصية رؤساء التنظيم ، الذى لا يمكن بسهولة ربطهم بالنشاطات الإجرامية التى قام بها الجنود ، كما أنه لا يمكن القبض عليهم متلبسين .

رابعاً : السرية

من أهم السمات التى تقوم عليها الجماعات الإحرامية المنظمة ، هو الإحتفاظ بسرية أنشطتها ، وتهدف السرية إلى ضمان تنفيذ خططها ، وعدم إجهاضها قبل التنفيذ من جانب ، ومن جانب آخر لحمايتها وحماية أعضائها والحفاظ على بقائها ، وتأمين تنفيذ عملياتها  دون مواجهة ، والإلتزام بالسرية وإحترام قانون الصمت ، يعد من أهم القواعد الداخلية الصارمة التى تحكم عمل الجماعات الإجرامية المنظمة ، إلى الحد الذى قيل معه ؛ إن من ينضم إلى التنظيم الإجرامى عليه أن يحترم تلك القواعد وينفذها بكل دقة ، لأنه ليس أمامه للخروج منها إلا أحد أمرين : إما الوفاة الطبيعية أو القتل . ( 1 )   [7]

وقانون السرية أو الصمت له مكانه قصوى داخل التنظيم ، فكل أعضائه يلتزمون بالسرية المطلقة ، سواء فيما يتعلق بتشكيل التنظيم أو فيما يتعلق بالأنشطة الإجرامية التى يقوم بها ، فى حين يلتزم أعضاء التنظيم فى مواجهة رؤسائهم مع إختلاف مستوياتهم بالحقيقة ؛ إلا أنهم فى مواجهة العالم الخارجى ، وبصفة خاصة الشرطة ، يلتزمون واجب الصمت لأقصى درجاته ، وإلا تعرضوا للعقاب القاصى ألا وهو القتل .

خامساً : الإستمرارية

يعد الثبات والإستمرار من أهم خصائص الجريمة المنظمة ، إذ أنها ممتدة زمنيا ، ولا تنتهى بمجرد نهاية حياة رئيسها ، أو إنتهاء عضوية فرد من أفرادها ، ولكنها تستمر وتنتقل الزعامة من شخص إلى آخر تكون لديه القدرة على القيادة والسيطرة والسطوة ، فضلاً عن أن أنشطتها لا تتوقف نتيجة كشف عملية من عملياتها أو مواجهة من جانب الدولة . وهنا تجدر الإشارة إلى أن هناك فرق بين الإنتماء تحت جماعة إجرامية منظمة وبين ما ترتكبه من جرائم مختلفة ، ذلك أن التنظيم نفسه والإنخراط فيه جريمة مستمرة ، ويبقى محتفظاً بهذا الوصف ما بقى التنظيم نفسه قائماً ؛ أما ما يرتكبه التنظيم من جرائم فلا يصدق علية هذا الوصف ، إلا إذا كانت الجريمة المرتكبة تحمل فى ذاتها صفة الإستمرار . ([8])

سادساً : القوة أو العنف

إن وسائل وأساليب وأنشطة جماعات الإجرام المنظم عديدة ومتنوعة، إلا أنها يغلب عليها طابع القوة أو العنف أو التهديد أو الرعب ، وذلك لترويع الآخرين ، وإرهابهم وممارسة الضغوط عليهم ، للسيطرة وتحقيق أغراض التنظيم .

سابعاً : الربح الوفير

من السمات الأساسية للجرائم المنظمة هى الربح الوفير فى زمن قياسى ، فتحصد ثروات طائلة فى مدى زمنى معقول ، حيث تقدر أرباح الإتجار بالمخدرات ثان أكبر مصدر للأموال غير المشروعة بعد الإتجار بالسلاح فى العالم، بما يتراوح ما بين 200 مليار إلى تريليون دولار فى العام الواحد . ([9])

ثامناً : القدرة على التوظيف والإبتزاز

الإجرام المنظم ذكى فى إختيار الأشخاص الذين يتعاملون معهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، وله قدرة على شراء ضمائر الأشخاص أو تخويفهم والضغط عليهم .

تاسعاً : إستخدام الأساليب غير المشروعة

من سمات الإجرام المنظم أيضاً إستخدام العنف والتهديد ، كأسلوب لضمان فرض سيطرتها ، وعدم قيام السلطات المختصة بإتخاذ الإجراءات الرسمية وخوف المجنى عليهم ، والمواطنين من الإبلاغ عن الجرائم .

ونرى مع جانب من الفقة أن ظاهرة الإجرام المنظم ، هى ظاهرة قديمة وليست من الظواهر الإجرامية الحديثة ، ولكن فى السنوات الأخيرة ومع نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة وما شهده العالم من تغيرات كثيرة إقتصادية وسياسية وإجتماعية وإنفتاح إقتصادى وحرية للتجارة وتلاشى الحدود بين الدول ، ( كالإتحاد الأوروبى ) وسهولة التنقل بين الأشخاص والبضائع ، ليصبح العالم قرية واحدة ، كل ذلك أدى إلى تطور الجريمة المنظمة وإنتشارها لتصبح عابرة للحدود الوطنية وخطر يهدد معطم دول العالم ، سيما الدول النامية ، كالدول العربية وذلك لقيامها بتقديم التسهيلات الإقتصادية كافة لجذب الإسثمارات ورؤس الأموال والمستثمرين ، وهو ما يكون على حساب رقابة مصدر هذه الأموال ، إضافة إلى إستغلالها لتطور وسائل الإتصال الحديثة ، كالإنترنت والأقمار الصناعية لصالح أنشطتها وجرائمها التى تسعى من وراء تحقيقها إلى جنى أرباح طائلة من الإتجار بالسلاح والمخدرات وغسل الأموال وتجارة الأعضاء البشرية والآثار وغيرها من الجرائم . ([10])

                الفرع الثانى : أنواع الجرائم المنظمة

لقد أضحى الإجرام المنظم اليوم يشكل أقوى عامل يهدد الأمن العالمى ، وذلك بإمتطائه ركب العصر الذى ميزته العولمة والتقدم العلمى التقنى ، وتكنولوجيا الإتصال المتسارعة والتغيرات الجيوسياسية ، التى نتج عنها الزوال التدريجى للحدود التقليدية ، مع توجه عالمى نحو الإقتصاد الليبرالى الحر .

ونظراً لما يوفره عالم اليوم من سهولة فى أساليب الإتصال وسرعة فى الإنتقال ، فقد سهل ذلك للخارجين على القانون إرتكاب جرائمهم فى دولة

ما ، ثم الهروب إلى دولة أخرى ، سعياً وراء التخلص من العقاب وملاحقة أجهزة الأمن لهم ، وقد ألقى ذلك بظلاله على الأعباء التى تواجهها أجهزة الأمن خلال سعيها لملاحقة هؤلاء المجرمين والخارجين على القانون  ، وتقديمهم إلى العدالة الجنائية للقصاص منهم .

ولئن كان التطور قد شمل كافة مناحى الحياة ، فقد إنعكس ذلك كذلك على أنماط الإجرام المعاصر بكافة صورة وأشكاله ، وإمتزجت – فى خضم هذا التغيير _ الصفات المميزة لكل من الجريمة المحلية والجريمة الدولية فى بوتقة واحدة جديدة من الأنماط الإجرامية ، التى تشابكت فيها العلاقات وتشعبت بين مجموعات الجريمة المنظمة ، سواء الوطنية أو عبر الوطنية ، حيث غلبت الصبغة الإقتصادية على جرائم تلك الجماعات ، والتى باتت تنظر إلى جرائمها بحسبانها سلعاً أوخدمات ، وليست مواد محظورة مثل المخدرات ، أو وسائل ممنوعة مثل التهريب ، كما أصبح مجال إرتكاب الجريمة بالنسبة لها عبارة عن أسواق لمباشرة النشاط .

كل هذه العوامل أدت إلى ظهور الإجرام العابر للقارات ، والذى أصبح أكبر وأهم هاجساً دولياً ، أعجز الدول والحكومات عن إحتوائه والقضاء عليه ،

وتأسيساً على ماتقدم ، يمكن القطع بعدم تعداد الجرائم المنظمة عبر الوطنية ، وإنما يتم الإشارة فقط لأكثرها إرتكاباً وإنتشاراً؛ حتى أن الإتفاقية الدولية لمكافحة الجريمة المنظمة لعام 2000 ، قد ذكرت ثلاث جرائم فقط وهى : جرائم الإتجار بالأشخاص، والإتجار بالمخدرات ، والإتجار بالسلاح .

وعلى ذلك فإن كل جريمة جماعية بالمفهوم السابق بيانه فى البحث ، مؤلفة من ثلاثة أشخاص فأكثر ، تتحد على التعدى أو الإيذاء أو التهديد وفق تخطيط وتنظيم وإستمرارية بإرتكاب الجرائم ، وبهدف جنى الربح ، وذات قانون صارم ،يخضع له الجميع، تعد جريمة منظمة فإذا تعدى نشاطها الإجرامى حدود أى دولة ،إعتبرت جريمة منظمة عبر الوطنية سواء أفردها المشرع الوطنى أو الدولى بالذكر والتسمية ، أم لم يسميها  ولم يتناولها بتنظيم خاص ، وحينئذ لا مندوحة من خضوعها للقواعد العامة للتجريم والعقاب ، وفقاً لمدونة قانون العقوبات .

المبحث الثانى : إستثناء الجريمة المنظمة عبر الوطنية من مبدأ الإقليمية

المطلب الأول : ماهية إقليمية النصوص الجنائية

الفرع الأول : التعريف بمبدأ الإقليمية

يعنى مبدأ الإقليمية أن تباشر الدولة ولايتها القضائية فى حدود إقليمها ، إذ انها لا تباشر سيادتها إلا فى حدود إقليمها ، ولا يجوز لها أن تباشر إختصاصاتها خارج الإقليم ، لأن مثل هذا التصرف يؤدى حتماً إلى إصطدامها بسيادة دولة أخرى . فإذا كان مبدأ إحتكار السلطة السياسية لإختصاصات السيادة يمنع أى سلطة أخرى من التدخل فى شؤن الدولة ، فإن هذا المبدأ يعنى منطقياً عدم جواز ممارسة الدولة لإختصاصاتها على إقليم دولة أخرى ، لما يؤدى إليه ذلك من إهدار لسيادتها ، طالما أن المجتمع الدولى المعاصر يقوم أساساً على مبدأ الإحترام المتبادل لسيادة الدول ، وعلى مبدأ المساواة بين الدول .([11])

وتختص المحاكم الجنائية ، تطبيقاً لمبدأ إقليمية القانون الجنائى ، بنظر كل الدعاوى الناشئة عن جريمة وقعت كلها أو بعضها فى الحدود الإقليمية للدولة ، بل وتختص أحياناً بالدعاوى الجنائية الناشئة عن جرائم وقعت نتيجتها على إقليم الدولة ، بأفعال ارتكبت كلها أو بعضها فى الخارج .

الفرع الثانى : قيود أو إستثناءات مبدأ إقليمية النصوص الجنائية

يترتب على الإحترام الدقيق لمبدأ إقليمية القانون الجنائى ،عدم الإحاطة التامة بالأمن القومى للدولة ، مما تحتم معه تكمله هذا المبدأ بمبادئ أخرى ، من أجل إحكام الرقابة على المجرمين وضمان عدم إفلات مجرم من العقاب . هذه المبادئ هى مبدأ عينية القانون الجنائى ، وشخصية القانون الجنائى ، وعالمية القانون الجنائى .

أولاً : مبدأ عينية القانون الجنائى :

يعنى مبدأ العينية أن تمد الدولة ولاية قانونها الجنائى ، إلى بعض الجرائم التى تقع خارج حدودها الإقليمية ، وذلك بإعتبار أن بعض المصالح المضارة بإرتكاب الجرائم ، ترتبط بسيادة الدولة أو أمنها القومى ، مما إقتضى إمتداداً لهذه الولاية أو الإقليمية إن ساغ هذا التعبير ،  وذلك بالنص عليها صراحة سواءً فى مدونة قانون العقوبات ، على نحو ما فعل القانون المصرى ، فى المادة 2 من قانون العقوبات المصرى ، أو بالنص علي ذلك فى قانون العقوبات التكميلى ، وذلك على نحو ما نص عليه نظامى مكافحة الإتجار بالمخدرات والمؤثرات العقلية ، ونظام مكافحة جرائم الإرهاب وتمويله السعوديين ، وكذا المادة 538 من القانون رقم 17 لسنة 1999 ، وذلك فيما يتعلق بجرائم الشيك فى قانون التجارة المصرى ، والمادة 2 من القانون رقم 80 لسنة 2002 بشأن مكافحة غسل الأموال المصرى .

 ثانياً : مبدأ شخصية القانون الجنائى :

يفترض مبدا الشخصية صورتان ، إحداهما إيجابية وتعنى تطبيق القانون الجنائى الوطنى على الجرائم التى يرتكبها المواطنون فى الخارج ، والأخري سلبية ، وتعنى تطبيق القانون الجنائى الوطنى على الجرائم التى تقع على المواطنين فى الخارج ، وتشترط كثير من القوانين شروطاً لتطبيق الشخصية الإيجابية مثل قانون العقوبات المصرى لعام 1937 فى المادة 3 ،

وقانون العقوبات الإيطالى لعام 1930 فى المادة 9.

ويلاحظ أن الصورة السلبية للشخصية الجنائية غير معمول بها إلا فى عدد محدود جداً من الدول مثل قانون العقوبات السويسرى لعام 1962 مواد  3 ، 5 ، 6  ، و قانون العقوبات اليونانى لعام 1957 المادة 7 ، قانون العقوبات الأثيوبى لعام 1957 المادتان 19 ، 20  .

ثالثاً : مبدأ عالمية القانون الجنائى :

ويعنى هذا المبدأ أن تمد كل دولة ولاية قانونها الجنائى إلى كل أنحاء العالم ، بحيث يخضع لسلتطها القضائية كل فعل مجرم طبقاً لقانونها العقابي بغض النظر عن مكان إرتكبها أو مرتكبها أو المجنى عليه ، وبغض النظر أيضاً عما إذا كان القانون الأجنبى يجرم ذات الفعل ويعاقب عليه ام لا  .

الأساس العلمى لهذا المبدأ هو تضامن العالم فى مواجهة الإجرام ، والتعبير نحو تأكيد عالمية الجزاء الجنائى ، وقد تحمس دندوى دى فابر فى الدفاع عن هذا المبدأ مقرراً أنه من مقتضيات المصالح المشتركة للدول ، والتى تحتم حمايتها والإتفاق على توحيد الإختصاص الجنائى والعقاب على جميع الجرائم المرتكبة ضدها .([12])

بيد أن هذا المبدأ يصطدم بالقانون الجنائى الدولى ، فضلاً عن عدم واقعيتة ؛ إذ لا توجد مصلحة عملية لأى دولة فى أن تمد سلطنها الجنائى إلى خارج حدودها ، ناهيك عن الصعوبات الإجرائية فى الضبط والتحقيق والمحاكمة . الأمر الذى حتم على الجنائين النظر إلى هذا المبدأ بإعتباره مجرد مبدأ مكمل لغيره من المبادئ التى تحكم نطاق تطبيق القانون الجنائى من حيث المكان ، والنظر إليه على أنه مجرد مبدأ تبعى أو ثانوى .([13])

المطلب الثانى : عدم خضوع الجريمة المنظمة عبر الوطنية لمبدأ إقليمية النصوص الجنائية  طبقاً لإتفاقية باليرمو لعام 2000 والقانون السعودى

الفرع الأول : إستثناء الجريمة المنظمة عبر الوطنية من مبدأ الإقليمية طبقاً لأحكام المادة 15 من الإتفاقية

تجدر الإشارة فى هذا المقام إلى  أن إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية ( باليرمو ) لعام 2000 قد مدت الولاية القضائية للدول الأعضاء والموقعة على الإتفاقية فى مد سلطان نصوصها الجنائية على الجريمة المنظمة عبر الوطنية ، وذلك طبقاً للمادة رقم 15 فى الفقرات الست الى تضمنتها هذه المادة ، حيث يجري نص هذه المادة على أنه

1- تعتمد كل دولة طرف ما قد يلزم من تدابير لتأكيد سريان ولايتها القضائية على الأفعال المجرمة بمقتضى المواد  5 ,  6 , 8 , 23 من هذه الإتفاقية فى الحالات الآتية :

أ – عندما ترتكب الجريمة فى إقليم تلك الدولة الطرف .

ب – أو عندما ترتكب الجريمة على متن سفينة ترفع علم تلك الدولة الطرف أو طائرة مسجلة بموجب قوانين تلك الدولة وقت إرتكاب الجريمة .

2 – رهناً بأحكام المادة 4 من هذه الإتفاقية ، يجوز للدولة الطرف أن تؤكد أيضاً سريان ولايتها القضائية على أى جريمة من هذا القبيل فى الأحوال الآتية :

أ – عندما ترتكب الجريمة ضد أحد مواطنى تلك الدولة الطرف .

ب –عندما يرتكب الجريمة أحد مواطنى تلك الدولة الطرف أو شخص عديم الجنسية يوجد مكان إقامته المعتاد فى إقليمها .

ج – أو عندما تكون الجريمة

1 – أحد الأفعال المجرمة وفقاً للفقرة 1 من هذه الإتفاقية ، ويرتكب خارج إقليمها بهدف إرتكاب جريمة خطيرة داخل إقليمها.

2 – أحد الأفعال المجرمة وفقاً للفقرة 1 ب ، 2 من المادة 6 من هذه الإتفاقية  ، ويرتكب خارج إقليمها بهدف إرتكاب فعل مجرم وفقاً للفقرة 1 أ ( 1 ) أو 2 أو( ب )1 من المادة 6 من هذه الإتفاقية داخل إقليمها .

3 – لأغراض الفقرة 10 من المادة 16 من هذه الإتفاقية ، تعتمد كل دولة طرف ما قد يلزم من تدابير لتأكيد سريان ولايتها القضائية على الجرائم المشمولة بهذه الإتفاقية ، عندما يكون الجانى المزعوم موجود فى إقليمها ولا تقوم بتسليم ذلك الشخص بحجة وحيدة هى كونه أحد رعاياها .

4 – تعتمد أيضاً كل دولة طرف ما قد يلزم من تدابير لتأكيد سريان ولايتها القضائية على الجرائم المشمولة بهذه الإتفاقية عندما يكون الجانى المزعوم موجوداً فى إقليمها ولا تقوم بتسليمه .

5 – إذا أُبلغت الدولة الطرف التى تمارس ولايتها القضائية بمقتضى الفقرة 1 أو 2 من هذه المادة ، أو علمت بطريقة أخرى ، أن دولة واحدة أو اكثر من الدول الأطراف الأخرى تجرى تحقيقاً أو تقوم بملاحقة قضائية أوتتخذ إجراء قضائياً بشأن السلوك ذاته ، تشاورت السلطات المختصة فى هذه الدول الأطراف فيما بينها ، حسب الإقتضاء بهدف تنسيق ما تتخذه من تدابير .

6 – دون المساس بقواعد القانون الدولى العام ، لا تحول هذه الإتفاقية دون ممارسة أى ولاية قضائية جنائية تؤكد الدولة الطرف سريانها وفقاً لقانونها الداخلى .

 

الفرع الثانى : إستثناء الجريمة المنظمة عبر الوطنية من مبدأ الإقليمية طبقاً للقانون السعودى

إعمالاً لنصوص إتفاقية باليرمو لعام 2000 آنفة الذكر وإلتزاماً بموجباتها ، وتفعيلاً لها جاءت نصوص نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية والصادر: بالمرسوم الملكى رقم م / 39 لسنه 1426 ه

ونظام مكافحة جرائم الإرهاب وتمويله والصادر بالمرسوم الملكى رقم م 21 لسنه 1439 ه ، مؤكدان سريان أحكامهما على جريمتى المخدرات بجميع أنواعها، والإرهاب بجميع أنواعه دون التقييد بمبدأ إقليمية النص الجنائى ، حيث نص النظام الأول فى المادة رقم 4 منه على أنه” للسلطات المختصة فى المملكة مراقبة مرتكبى الجرائم المنصوص عليها فى هذا النظام وملاحقتهم فى الأحوال الآتية :

  • إذا وقعت الجريمة داخل إقليم المملكة أو إمتدت نتيجة الجريمة أو آثارها إليها .
  • إذا وقعت الجريمة على متن سفينة ترفع علم المملكة .
  • إذا وقعت الجريمة على ظهر سفينة أجنبية أثناء مرورها بالبحر الإقليمى للمملكة أو إمتدت آثارها أو نتائجها إلى إقليمها.
  • إذا طلب ربان السفينة أو ممثل دبلوماسى أوموظف قنصلى لدولة علم السفينة مساعدة السلطات المحلية لإتخاذ التدابير اللازمة لمكافحة الإتجار غير المشروع فى المخدرات والمؤثرات العقلية وفق ما نصت عليه المادة ( السابعة والعشرون ) من إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار .
  • إذا وقعت الجريمة على متن طائرة ترفع علم المملكة .

ونصت المادة 3 من النظام الثانى ( نظام مكافحة جرائم الإرهاب وتمويله ) على أنه

” إستثناءً من مبدأ الإقليمية ، يسرى النظام على كل شخص سعودياً كان أم أجنبياً إرتكب – خارج المملكة – جريمة من الجرائم المنصوص عليها فى النظام ، أو ساعد على إرتكابها ، أو شرع فيها ، أو حرض عليها ، أوساهم فيها ، أو شارك فيها ، ولم يحاكم عليها ، إذا كانت تهدف إلى ما يأتى :

  • تغيير نظام الحكم فى المملكة .
  • تعطيل النظام الأساسى للحكم أو بعض أحكامه .
  • حمل الدولة على القيام بعمل أو الإمتناع عنه .
  • الإعتداء على السعوديين فى الخارج .
  • الإضرار بالأملاك العامة للدولة وممثلياتها فى الخارج بما فى ذلك السفارات وغيرها من الأماكن الدبلوماسية أو القنصلية التابعة لها .
  • القيام بعمل إرهابى على متن وسيلة مواصلات مسجلة لدى المملكة أو تحمل علمها .
  • المساس بمصالح المملكة ، أو إقتصادها ، أو أمنها الوطنى .

فلاشك أن الإلتزام بالطرق أو الوسائل التقليدية فى تحديد إختصاص القضاء الجنائى الوطنى بالجرائم ، والتقيد بمبدأ الإقليمية ، لايصلح البتة للتطبيق على الجرائم المستحدثة ، ومنها الجرائم المنظمة عبر الوطنية ، والتى يغلب عليها الطابع التقنى والفنى شديد الذكاء ، إذ تتجاوز الجريمة فى الغالب الحيز الجغرافى أو الإقليمى لأكثر من دولة ، وهو ماتنبه له المشرع السعودى فى النظامين آنفى الذكر ، وكنا نتمنى أن يسلك نفس المسلك فى  نظامى غسل الأموال ، و مكافحة الإتجار بالأشخاص ، إلا أنه لم يتعرض فيهما لهذه المسألة ، وإن كنا أيضاً نرى ضرورة مد ولاية القضائى الجنائى السعودى لهاتين الجريمتين ، حتى مع عدم النص لنفس الحكمة وهى خطورة مثل هذه الجرائم وغيرها على الأمن القومى السعودى .

وهكذا وحيث خلت كثير من القوانين المقارنة من نص يستثنى الجريمة المنظمة عبر الوطنية من الخضوع لمبدأ الإقليمية ، فإن ذلك يعد نقصاً تشريعياً ونظامياً ، يجب تلافيه بالنص على معالجة هذه المشكلة فى القوانين والأنظمة ، خاصة وأن الجريمة المنظمة عبر الوطنية تعد من الجرائم الخطيرة التى تهدد أمن الدول ومستقبلها السياسى والإقتصادى والأخلاقى ، لذلك فنهيب بالدول ومشرعيها وبرلماناتها خاصة بالتدخل السريع الناجع لهذه المشكلة ، والنص على إستثناء الجريمة المنظمة عبر الوطنية من مبدأ الإقليمية ، كما فعل المشرع السعودى فى نظامى مكافحة المخدرات وجرائم الإرهاب .

الخاتمة :

أولاً :  النتائج: وتتمثل فى النتائج الآتية :

1 – إتحهت غالبية دول العالم فى محاولة منها لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية إلى تجريم أغلب أشكال وصور هذه الجريمة .

2 – إن أهم ما تتسم به الجريمة المنظمة هى السرية وتجاوز حدود الدول بإعتبارها جريمة عابرة للقارات .

3 – الفئات الأكثر تأثراً بهذه الجريمة هى أغلبها من الفئات الفقيرة سواء كانوا أطفال أو نساء أو شباب سواء أكانوا جناة أو مجنى عليهم .

4 – تدهور الأوضاع الإقتصادية وتدنى مستوى الأخلاق وإنعدام القدوة وإشاعة ثقافة الفساد وضعف الوازع الدينى ، تعد من الأسباب الرئيسية للجريمة المنظمة عبر الوطنية .

5 –لا بد من تضافر الجهود على جميع المستويات للقضاء على الجريمة المنظمة عبر الوطنية ، أو على الأقل التقليل من حدتها.

ثانياً : التوصيات: وتتمثل فى الآتى :

1 – يجب حشد الهمم لمواجهة هذه الجريمة وبيان مخاطرها سواء بالنسبة للمجتمع أو الأفراد أو المؤسسات والسلطات .

2 – نهيب بالمشرعين الوطنين أن يلتزموا بما جاء بالإتفاقية الدولية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية ، بعدم التقيد بالمفهوم التقليدى لإقليمية القانون الجنائى ، وذلك بجعل النصوص قابلة للتطبيق والملاحقة خارج الحيز الإقليمى الضيق لكل دولة .

3 – نهيب بالمشرع السعودى أن يعدل نظام مكافحة الإتجار بالأشخاص ، وذلك بتضمينه النص على قابليته للتطبيق خارج حدود الإقليم السعودى ، على نحو يتفق مع سياسته فى نظامى مكافحة الإتجار بالمخدرات والمؤثرات العقلية ، ونظام مكافحة الإرهاب وتمويله .

 المراجع

باللغة العربية  :

1 – أ د / أحمد فتحى سرور – الوسيط فى قانون العقوبات – القسم العام – دار النهضة العربية – الطبعة السادسة – 1996 .

2– د / عبد الرحمن خلف وآخرون – التعاون الدولى لمواجهة الجريمة المنظمة عبر الوطنية – دراسة أعدها مركز بحوث الشرطة بالقاهرة – الإصدار الثانى – 2006 .

3 – د / عبد المعطى عبد الخالق – الجريمة المنظمة وسبل مواجهتها وطنياً ودولياً – دار النهضة العربية – 2022 .

4 – د / نظمى خالد حسنى – المكافحة القانونية للجريمة المنظمة العابرة للحدود – جامعة الشرق الأدنى – معهد الدراسات العليا – كلية الحقوق نيوقوسيا بالقبرص عام 2021 .

5 – المستشارة / سناء خليل – الجريمة المنظمة عبر الوطنية – الجهود الدولية ومشكلات الملاحقة القضائية – المجلة القضائية القومية  – القاهرة – المجلد رقم 39 – العدد الثانى – يوليو 1996

باللغة الفرنسية :

1 –          Donnedieu de Vebres : Le Systeme de la Repression Universale ,Rev.Critique de Droit internationale prive, 1922

2- Zlataric , Droit penale ,  international , Revue Al Quanoun Waliqtisad , 1968

[1] د / عبد المعطى عبد الخالق – الجريمة المنظمة وسبل مواجهتها وطنياً ودولياً – دار النهضة العربية 2022 ص 5

[2] د / عبد المعطى عبد الخالق – المرجع السابق – ص 8

[3] المستشارة / سناء خليل – الجريمة المنظمة عبر الوطنية الجهود الدولية ومشكلات الملاحقة القضائية – المجلة القضائية القومية – القاهرة – المجلد ( 39 ) العدد الثانى يوليو 1996 ص3

[4] د / نظمى خالد حسنى – المكافحة القانونية للجريمة المنظمة العابرة للحدود – جامعة الشرق الأدنى – معهد الدراسات العليا – كلية الحقوق نيوقوسيا عاصمة قبرص عام 2021

[5] د / عبد الرحمن خلف وآخرون – التعاون الدولى لمواجهة الجريمة المنظمة عبر الوطنية – دراسة أعدها مركز بحوث الشرطة بالقاهرة – الإصدار الثانى 2006 ص 44 ، 45

[6] د / أحمد رأفت محمد حافظ – المرجع السابق – ص 142

[7] د / عبد المعطى عبد الخالق – المرجع السابق – ص 35

[8]  – وهذا مفهوم لخاصة الخاصة دون العامة ، مع ملاحظة أننا لا نوافق ، إلا على إعتبار الإنخراط في التنظيم جريمة مستمرة ، دون ما يرتكب من جرائم ، والذى يتوقف تكييفه على طبيعة الجريمة المرتكبه .

[9] د / أحمد رأفت محمد حافظ – المرجع السابق – ص 142

[10] د / أحمد رأفت محمد حافظ – المرجع السابق – 143

[11] أ – د / أحمد فتحى سرور – الوسيط في قانون العقوبات – القسم العام – دار النهضة العربية – الطبعة السادسة – 1996 ص 94 فقرة 53

1 –          Donnedieu de Vebres : Le Systeme de la Repression Universale ,Rev.Critique de  Droit internationale prive, 1922

[13] Zlataric , Droit penale , international , Revue AL Quanoun Waliqtisad , 1968 , PP 220 et .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى