في الواجهةمقالات قانونية

الذكاء الاصطناعي وصناعة القرار السياسي في دورة الهجرة – محمد بديل

الذكاء الاصطناعي وصناعة القرار السياسي في دورة الهجرة

ARTIFICIAL INTELLIGENCE AND POLITICAL DECISION-MAKING IN THE MIGRATION CYCLE

الدكتور : محمد بديل

دكتور في القانون العام
هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 59 الخاص بشهر غشت / شتنبر 2025
رابط تسجيل الاصدار في DOI
https://doi.org/10.63585/KWIZ8576
للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

 

الذكاء الاصطناعي وصناعة القرار السياسي في دورة الهجرة

ARTIFICIAL INTELLIGENCE AND POLITICAL DECISION-MAKING IN THE MIGRATION CYCLE

الدكتور : محمد بديل

دكتور في القانون العام

 

ملخص

تستعرض هاته الدراسة دور الذكاء الاصطناعي في صناعة القرار السياسي المتعلق بالهجرة، من خلال الوقوف على صوره والتحديات المرتبطة باستخدامه وذلك بهدف الكشف عن الرهانات والتحديات التي تفرزها صناعة القرار السياسي المتعلق بالهجرة عند استثمارها لمختلف الإمكانات التي يفرزها تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ومستويات تطوره.

ففي الوقت الذي يؤشر فيه الاعتماد على الذكاء الاصطناعي على اختيارات الحكومات والمنظمات الدولية في اعتماد آليات حديثة لتدبير ملفات الهجرة، فإنه يؤشر في نفس الوقت على خطر ارتهان القرار السياسي في مجال الهجرة ببيانات وتحليلات (لخوارزميات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاتها)، بعيدا عن الأبعاد الإنسانية والإدراك الحسي لتفاعل الانسان مع إشكالات لقضايا ذات طبيعية اجتماعية وإنسانية، خصوصا في أوقات الأزمات. فكيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في صناعة القرارات السياسية في مجال الهجرة؟ وما هي حدود وإكراهات الاعتماد على الذكاء الاصطناعي التي من شأنها أن تقوض إرادة الانسان في صناعة قرارات سياسية ناجعة في مجال الهجرة؟

الكلمات المفاتيح: دورة الهجرة والنزوح، الذكاء الاصطناعي، خوارزميات وتحليل البيانات الرقمية، صناعة القرار السياسي المتعلق بالهجرة

ABSTRACT

This study explores the role of artificial intelligence (AI) in political decision-making related to migration. It examines how AI is used and the challenges it presents, aiming to highlight the key issues involved in integrating AI technologies into migration policy. While AI offers modern tools for managing migration, it also raises concerns about distancing decisions from human and social considerations. The study questions how AI can contribute to policymaking in this area, while also addressing the limitations and constraints that may undermine human agency in shaping effective migration policies..

So, how can artificial intelligence support political decision-making in migration ? while also examining the limitations and risks that may weaken human agency in shaping effective policies.

Keys words: Migration and displacement cycle, Artificial intelligence, Algorithms and digital data analysis, Politicl decision-making on migration.

.

مقدمة

تعتبر الهجرة وعمليات النزوح، إحدى الظواهر الكبرى التي عرفتها البشرية على مر العصور، تعددت أشكالها ومظاهرها ارتباطا بالسياقات الداخلية والخارجية للدول، كما ارتبطت أبعادها بجوانب سياسية اقتصادية واجتماعية، أفرزت ولاتزال مستويات من التفاعل الداخلي والخارجي للدول.

ففي الوقت الذي تتيح فيه الهجرة انتقال الأفراد بين البلدان والمجتمعات والثقافات، مع ما توفره من فرص متعددة للدول والمجتمعات والأفراد المهاجرين، فهي أضحت في العصر الحديث تحديا سياسيا حاسما، يطرح قضايا معقدة تتعلق بالاندماج، والنزوح، والهجرة الآمنة، وإدارة الحدود؛ وهو اهتمام متزايد بموضوع الهجرة.

كما تُظهر الهجرة في عصرنا الحديث، بكل تعقيداتها وتفاعلاتها المتعددة، أنها لا تقتصر على كونها مجرد حركة جغرافية، بل هي تشكل تحديا سياسيا يتعلق بتحقيق التوازن بين استفادة المجتمعات المضيفة وضمان حقوق وكرامة المهاجرين.

هاته الدينامية التي تشهدها الهجرة، أضحت تحديا عالميا، دفع السياسيين وصناع القرار داخل الدول وعلى المستوى الدولي إلى استثمار مختلف الإمكانات المتاحة من آليات وتكنولوجيات حديثة لمعالجة تفاعلاتها وتداعياتها، وذلك لضمان هجرة آمنة ومنظمة، يتم من خلالها التحكم في تدفقات المهاجرين بين الدول.

في هذا السياق تفتح تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، أمام الدول والمنظمات الدولية من صناع القرار في مجال الهجرة، أفقا واسعا لتحسين إدارة دورات الهجرة عبر مختلف المراحل. إذ توفر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي العديد من الفرص التي يمكن استغلالها لتعزيز كفاءة إدارة ملف الهجرة وتعزيز فهم حركة الهجرة والتنقل.

غير أن هذا الاختيار قد تواجهه بعض الإكراهات المرتبطة بالجانب الحقوقي والأخلاقي في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لدى صناع القرار في تدبير ملف الهجرة. ذلك أن التقييم الموضوعي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في شؤون الهجرة والتنقل، لازال يخضع لمؤشرات الكفاءة التكنولوجية التي تنبني على تصورات ثقافية واجتماعية جاهزة حول العرق واللون والجنس والدين وأوجه التمييز الأخرى السائدة في المجتمع، بشكل يؤسس لبرمجة خوارزميات الذكاء الاصطناعي من خلال وجهات نظر المبرمجين،[1] هاته البرمجة قد تعكس تمييزا وتحيزا ثقافيا واجتماعيا يحول دون استغلال أمثل لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، تراعى فيه الخصوصيات الثقافية والاجتماعية لمختلف شعوب العالم.

فإلى أي حد يمكن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في صناعة القرار السياسي لتدبير ملفات الهجرة التي يشهدها العالم المعاصر؟ وما هي التحديات التي يطرحها هذا الاختيار لضمان توازن سليم في استخدام التكنولوجيا في مجال الهجرة من جهة، والحرص من جهة ثانية على مراعاة الجوانب الأخلاقية والحقوقية لتدبير هذا الملف؟

أولا: دور الذكاء الاصطناعي في مجال الهجرة

ما من شك أن الثورة التكنولوجية التي يشهدها العالم المعاصر أسهمت في تطوير كبير لمختلف مظاهر الحياة المعاصرة، شملت مختلف المجالات. فعلى مر التاريخ لعب العلم والتكنولوجيا دورا مهمًا في تقدم الحضارة الإنسانية، وهو ما يعكس سعي الانسان والتزامه بالبحث عن المعرفة واستخدم العلم والتكنولوجيا كأدوات لتحقيق أهدافه المتنوعة.

ويعتبر الذكاء الاصطناعي أحدث صور هذا التطور التكنولوجي، وذلك من خلال الفرص التي تتيحها تطبيقاته في حل المشكلات من خلال التوظيف الأمثل للقدرات والموارد، ودورها أيضا غير المسبوق في البحث عن البدائل الممكنة والاختيارات الأنجع لصناعة الثروة من جهة، ولمواجهة الأزمات التي تواجهها البشرية من جهة ثانية.

كما يعتبر الذكاء الاصطناعي أحد علوم الحاسب الآلي الحديثة التي تبحث عن أساليب متطورة للقيام بأعمال واستنتاجات تشابه، ولو في حدود ضيقة، تلك الأسباب التي تنسب لذكاء الإنسان. والغرض منه هو إعادة البناء باستخدام الوسائل الاصطناعية -الحواسيب- للتفكير والإجراءات الذكية.[2]

ومن بين المجالات التي عرفت توظيفا واستثمارا لتقنيات الذكاء الاصطناعي، تلك المتعلقة بموضوع الهجرة، حيث شهدت السنوات الأخيرة زيادة مطردة في توظيف تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في إدارة الهجرة وحركة التنقل، فأضحت جزءًا أساسيا ضمن مراحل دورة الهجرة. هذا التوظيف جسد تحولا جوهريا في كيفيات تعامل الحكومات والهيئات الدولية مع قضايا الهجرة، وذلك من خلال دمج تطبيقات التدبير الآلي وتحليل البيانات الضخمة وأنظمة التعرف الذكي كحلول مبتكرة لمختلف جوانب إدارة الهجرة.[3]

ويتسم هذا التحول في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، بمجموعة من الجوانب التي مهدت إلى تدبير أكثر ضبطا لدورة الهجرة وذلك من خلال مجموعة من الخصائص التي يطلع بها الذكاء الاصطناعي:[4]

  • تحليل البيانات لمعالجة ملفات الهجرة

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تطوير نظم إدارة الملفات لتحسين كفاءة تنظيم ومعالجة المعلومات المتعلقة بالهجرة، مثل المستندات القانونية والطلبات والبيانات الشخصية لطالبي الهجرة استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الكبيرة المتعلقة بحركة الهجرة يساهم في تحديد الاتجاهات والأنماط الهجرية. كما يمكن للنظم الذكية التنبؤ بتطورات حركة التنقل والتحضير لاستيعاب المهاجرين بشكل أفضل، وذلك من خلال استثمار المعطيات الإحصائية المتعلقة بالتطور الديمغرافي، والتوزيع الجغرافي وعلاقتها بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية لعدد من مناطق العالم؛

  • تحليل المخاطر لضمان الأمن وإدارة الحدود:

يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل المخاطر المحتملة للأمن والاستقرار المتعلقة بالهجرة، وبالتالي المساعدة في تطوير استراتيجيات للحد من هذه المخاطر. فتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تلعب دورًا حيويًا في تعزيز أمان الحدود. كما أن نظم التعرف على الوجه والاستشعار الذكي تسهم في رصد الحدود وتحديد الأنشطة غير المشروعة، مما يعزز قدرة الدول على إدارة حركة التنقل بشكل فعّال.

  • تسهيل إجراءات المساعدة:

توظيف الذكاء الاصطناعي في مراحل مختلفة من معالجة طلبات الهجرة يساهم في تسريع العمليات الإدارية وتحسين الدقة. كما أن نظم التصنيف الآلي وتحليل الوثائق يقللان من أخطاء الإجراءات الإدارية والمحتملة، بالإضافة إلى تقديم النصائح والتوجيهات للمهاجرين حول الإجراءات والخدمات المتاحة في البلد المستهدف، بشكل يساعدهم على اتخاذ القرارات بشكل أفضل مستندة إلى معلومات دقيقة.

  • توجيه الهجرة والاستقبال:

يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة اللاجئين والمهاجرين في توجيههم إلى الموارد والخدمات المناسبة في بلدان الوجهة. إذ يوفر الذكاء الاصطناعي معلومات حول الدولة المستقبلة للهجرة، من قبيل محل الإقامة، التعليم، الرعاية الصحية، بالإضافة إلى مساعدة المهاجرين في العثور على فرص العمل المناسبة والتدريب المهني وفهم الثقافة والقوانين المحلية للاندماج بفعالية في المجتمع الجديد.

ثانيا: رهان الذكاء الاصطناعي في صناعة القرار السياسي في مجال الهجرة

يشير مدلول سياسات الهجرة إلى تلك الإجراءات والتوجيهات التي تحدد كيفية تنظيم وإدارة حركة الهجرة من وإلى دولة ما. وتعتبر سياسات الهجرة مكونا رئيسيا في السياسة العامة للدول، حيث تؤثر على الاقتصاد والمجتمع والأمن الوطني. كما تختلف هذه السياسات من دولة إلى أخرى وتتأثر بعوامل متعددة، بما في ذلك الاقتصاد، والديموغرافيا، والأمن، والعلاقات الدولية.

وتجسد سياسات الهجرة موضوع تقاطع بين الاختيارات السيادية لكل دولة من جهة، والسياسات الدولية للمنتظم الدولى من جهة ثانية، والتي تشرف عليها المنظمات الدولية وعلى رأسها المنظمة الدولية للهجرة.

ويعتبر الاتفاق العالمي للھجرة الآمنة والمنظمة والنظامیة لسنة (2018)[5] ، محطة رئيسية في تاريخ الحوار الدولي حول الهجرة. وھو حوار امتد على عقد كامل قبل أن تعتمد الجمعیة العامة للأمم المتحدة في 19 سبتمبر 2016 إعلان نیویورك بشأن اللاجئین. ويستند هذا الاتفاق العالمي إلى مجموعة من الأطر العالمیة، بما في ذلك المؤتمر الدولي للسكان والتنمیة لعام 1994 وخطة التنمیة المستدامة لعام 2030 والأھداف الإنمائیة للألفیة، التي تدعو الدول الأعضاء إلى تیسیر الھجرة وتنقل الأشخاص على نحو منظم وآمن ومنتظم ومتسم بالمسؤولیة، بما في ذلك من خلال تنفیذ سیاسات الھجرة المخطط لھا والتي تتسم بحسن الإدارة.

وتتعدد محددات القرار السياسي في مجال الهجرة وتتنوع ارتباطا بتعدد وتطور المتغيرات المؤثرة في صناعة القرار السياسي بشكل عام. ويعتبر التطور التكنولوجي في العصر الحديث، أحد أهم المتغيرات المحددة والموجهة لصنع القرار السياسي في مختلف المجالات. ويعتبر الذكاء الاصطناعي في هذا السياق أحد أهم مكونات صنع القرار السياسي في مجال الهجرة، جسد تحولا جوهريا في عمليات تشكيل سياسات الهجرة واتخاذ القرارات بشأنها في العصر الحالي، ويعتبر هذا التطور الهائل في مجال التكنولوجيا نافذة لتحسين فعالية صناع القرار.

ويوفر استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في هذا الإطار، فرصا عديدة لتحسين إدارة الهجرة وتعزيز فعالية استجابة الدول والمنظمات الدولية.[6] إذ يلعب التطور التكنولوجي من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي دورا حاسما في تشكيل الإطار اللازم والمناسب للتحليل التنبؤي، ولاتخاذ القرارات الأنسب في مختلف مراحل دورة الهجرة، حيث تتيح الفرص الوفيرة للتكنولوجيا الحديثة للدول والمنظمات الدولية وشركات التكنولوجيا إمكانية تعزيز كفاءة إدارة السجلات الشخصية، بالإضافة إلى تعزيز جمع البيانات بدقة أكبر حول حركة الهجرة والتنقل. كما يمكن تحسين القدرة على توقع موجات الهجرة والنزوح، بالإضافة إلى تحليل أنماط الاندماج وتعزيز التجهيز المسبق له.

في هذا السياق أضحت تقنيات الذكاء الاصطناعي أداة قوية، توسع من قدرة البشر على اتخاذ القرارات أو قد تحل محل الإنسان في اتخاذها، إذ تعمل هذه المنظومات على معالجة المعلومات بشكل البيانات المدخلة، باستخدام خوارزميات تولد مخرجات يمكن استثمارها في مختلف المجالات. ويمكن تصور الخوارزميات بشكلها البسيط بأنها مجموعة من التعليمات كما لو كانت وصفة يمكن تعلمها. وتتنوع البيانات التي تستخدمها الخوارزميات في التعلم الآلي وتصنف مسبقا بناء على المعايير التي يضعها المصمم. ويمكن استخدام تلك التقنيات بطرق متعددة في تدبير دورة الهجرة، إذ يمكن الاعتماد عليها في صناعة القرار السياسي في مجال الهجرة بعدة طرق. ففي الوقت الذي يظهر فيه النموذج الحديث للهجرة تعقيدات وتحديات كبرى، تتطلب استجابة سياسية متنوعة ومتوازنة لضمان اتخاذ قرارات سياسية تراعي مختلف الجوانب المرتبطة بدورة الهجرة، يقدم الذكاء الاصطناعي مجموعة من الحلول والاقتراحات المبنية على تحليل مختلف البيانات والمعلومات المرتبطة بدورة الهجرة في مختلف مراحلها.[7]

ولعل دور الذكاء الاصطناعي في تحليل حركية المهاجرين، على مستوى احتياجاتهم وتوجهاتهم الجديدة، يسهم في توجيه السياسات الحكومية والدولية لتسهيل عمليات التوطين والاندماج الاجتماعي والاقتصادي لهاته الفئة. كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في توجيه السياسات الحكومية والدولية من خلال التنبؤ بالاحتياجات المستقبلية للعمالة والمهارات، مما يساعد على توجيه سياسات الهجرة والعمالة والتعليم بشكل أفضل. فضلا عن مساهمة الذكاء الاصطناعي في الاستجابة السريعة للأزمات، وذلك من خلال التحليل السريع للبيانات وتحديد المناطق المعرضة لأزمات الهجرة، مما يسمح للفاعلين الحكوميين والدوليين الاستجابة بسرعة وفعالية لهذه الأزمات وتقديم الدعم والمساعدة للمهاجرين المتضررين.

إن ما شهدته دول الجنوب من العالم ودول شرق أوربا من عمليات الهجرة والنزوح، ارتباطا بالظروف الصعبة التي تشهدها هاته المناطق، بحثا عن مأوى وحماية في بلدان أخرى “خصوصا بدول الاتحاد الأوربي”، جعلت من التكنولوجيات الجديدة أداة ناجعة للبلدان المضيفة لإدارة كميات كبيرة من المعلومات، من أجل اتخاذ قرارات حيوية لأمنها وأمن الأشخاص الذين يعبرون حدودها. كما ساعدت المهاجرين بطرق عديدة، بما في ذلك تمكينهم من الحصول على فرص الاندماج داخل مجتمعات الدول المستضيفة.[8]

وبذلك يمكن القول أن صناعة القرار السياسي في مجال الهجرة أضحت تعتمد بشكل متفاوت بين الدول على تقنيات الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات الاستراتيجية والحيوية، حيث يساهم الذكاء الاصطناعي بدرجات متفاوتة بين الدول في توجيه السياسات الدولية والحكومية في مجال الهجرة، فقدرة الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الضخمة المتعلقة بالهجرة وبنمط التحركات السكانية ومحدداتها الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى معرفة معدلات النجاح والاندماج في بلدان الوجهة، يسهم في تطوير سياسات الهجرة، وذلك عبر ضبط وتنظيم دورة الهجرة في مختلف مراحلها.

ثالثا: تحديات الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في سياسات الهجرة

ما من شك أن هناك تباينا في الرؤى حول دور التقنيات المتقدمة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي لتطوير حياة المجتمعات، فمن جانب يُعتبر هذا النوع من التقنيات كوسيلة لدفع حركة التقدم البشري، حيث يتيح إمكانيات جديدة لحل المشكلات وتحقيق التقدم في مختلف المجالات. إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُعزز الإنتاجية، ويحسن جودة الحياة، ويدعم التقدم الاقتصادي والاجتماعي.

من ناحية أخرى، يثير استخدام الذكاء الاصطناعي مخاوف بشأن سيطرته على الوعي والإدراك البشري، وبالتالي تهديد بالتفوق على الإنسان. فالتقدم التكنولوجي السريع قد يؤدي إلى فقدان التوازن بين القدرات البشرية والتكنولوجية، مما يثير مخاوف بشأن فقدان الوظائف والاستبدال بالآلات، بالإضافة إلى الانحياز في استخدام التقنيات بما يعارض القيم الإنسانية والحقوق الأساسية للمجتمعات.[9]

هذا الانقسام يتجلى بوضوح في المنافسة المبكرة بين شركات التقنية الكبرى والقوى الكبرى، حيث يسعى كل منها لتحقيق السيطرة والتفوق في مجالات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، مما يعكس الوعي المتصاعد بأهمية هذا النوع من التكنولوجيا في إعادة هيكلة القوة وتوزيعها في النظام الدولي.

تتفق كلتا الرؤيتين على أهمية التطبيقات الحديثة للذكاء الاصطناعي في حل القضايا المعقدة التي تواجه المجتمعات، وفي تحقيق التوازن بين القدرات والموارد المتاحة. تلك التقنيات توفر أدوات قوية لتحليل البيانات الضخمة والتعامل مع التحديات الكبيرة التي قد تتعلق بالصحة العامة، والتغير المناخي، والفقر، والتعليم، وغيرها من المجالات.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تلك التطبيقات تسهم بشكل كبير في إنتاج الثروة وتعزيز القوة والنفوذ للفرد والمؤسسات التي تتبنى وتستخدم تلك التكنولوجيات بشكل فعال. إذ تمتلك الشركات التقنية الكبرى قدرات هائلة في تطوير وتنفيذ تلك التطبيقات، وهذا يعطيها ميزة تنافسية في سوق الابتكار والتطبيقات التقنية.

على مستوى سياسات الهجرة، يعتبر الذكاء الاصطناعي واحدا من التقنيات المتطورة التي يمكن أن تسهم في تعزيز قيمة ونجاعة الاختيارات عند اتخاذ القرارات المتعلقة بالهجرة، سواء على المستوى الوطني للدول أو على المستوى الدولي. غير أن الإكراهات والتحديات التي يطرحها استخدام التكنولوجيا الحديثة في مجالات الهجرة والتنقل يفتح الباب أمام العديد من القضايا الحقوقية والأخلاقية التي يجب مراعاتها بعناية. فمن الناحية الحقوقية، فإن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تحليل وتقييم بعض الحالات الخاصة المرتبطة بقضايا وإشكالات ذات صبغة معقدة ومتعددة الأوجه، والتي تفرض على متخذي القرار استثمار مختلف الإمكانات المتاحة لاتخاذ قرارات سياسة مهمة، يتطلب التحقق والضبط اللازم لاحترام الحقوق والحريات الفردية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالأزمات الطارئة التي لا يمكن التنبؤ بها ويطال تأثيرها فئات كبيرة من السكان.[10]

إن اعتماد الذكاء الاصطناعي على الخوارزميات، يؤسس لنوع من التحيز في برمجة تطبيقاته التي تنبني في الغالب على البعد التاريخي لتصورات ثقافية واجتماعية حول العرق واللون والجنس والدين وأوجه التمييز الأخرى السائدة في المجتمع، فضلا عن بعض الصعوبات المتعلقة بالتفسير الصعب والمعقد للبيانات التي تخلص إليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي في معالجة وتحليل البيانات المتعلقة بدورة الهجرة.[11]

كما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي فهم سياق وتفاصيل واقع عمليات الهجرة وتعدد صورها، وبالتالي لا ينبغي أن تكون له الكلمة الفصل في هذا الشأن.[12] كما يمكن أن يؤدي الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي إلى اعتماد مفرط على التكنولوجيا، مما يقلل من قدرة الانسان على اتخاذ القرارات بدون دعم تكنولوجي، وربما قد يضعف ذلك قدرة الانسان في اتخاذ القرار.

وتتركز تحديات الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في مجال سياسات الهجرة فيما يلي:

  • التحيز وعدم المساواة: يجسد ذلك إحدى الصور السلبية المرتبطة بالتمييز في استخدام البيانات وبرمجة الخوارزميات، والذي قد يؤدي إلى اتخاذ قرارات متحيزة وغير عادلة. فقد لا تعكس البيانات المستخدمة في الذكاء الاصطناعي التنوع الاجتماعي الكامل للمجتمعات واحتياجات مختلف الأجناس والثقافات، مما يؤدي إلى عدم المساواة في الاختيارات والقرارات المبنية على برمجة الخوارزميات ومعالجة البيانات الكبرى.
  • التجرد من الإنسانية:

الاعتماد المفرط على التكنولوجيا يمكن أن يقلل من الحكم البشري والتقييم النقدي، والذي هو ضروري في القضايا السياسية المعقدة والمتنوعة. فقد تفقد القرارات السياسية المتعلقة بالهجرة النظر في الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للمهاجرين.

  • التبعية التكنولوجية:

قد يؤدي الاعتماد المفرط على التكنولوجيا إلى تجاهل الحلول البديلة والتقليل من قيمة الخبرة البشرية والمعرفة المحلية. كما يمكن أن يؤدي أيضاً إلى فقدان المهارات الضرورية للتقييم النقدي والتفكير المستقل لدى صناع القرار.

  • الخصوصية والأمن المعلوماتي:

يثير استخدام التكنولوجيا في السياسة بشكل عام مخاوف متعلقة بالخصوصية وأمن البيانات، إذ يمكن أن يؤدي جمع وتحليل كميات كبيرة من البيانات الشخصية إلى إساءة استخدام البيانات وانتهاكات لخصوصية الأشخاص.

  • الغموض التكنولوجي:

النتائج التي تتوصل إليها الأنظمة التكنولوجية في معالجة وتحليل البيانات لاعتمادها في اتخاذ القرار، تجسد تحديا صعبا على الفهم والإدراك البشري، يطرح معه سؤال الشفافية والوضوح الذي من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض الثقة في المؤسسات وفي قراراتها السياسية.

بناء على ذلك يمكن القول أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في صناعة القرارات السياسية في مجال الهجرة، يطرح أسئلة ذات أبعاد قانونية وأخلاقية معقدة، مرتبطة بضمان العدالة والمساواة في اعتماد القرارات التي يوصي بها الذكاء الاصطناعي، ومرتبطة أيضا بكيفيات تنظيم استخدام البيانات الشخصية بطريقة تحترم الخصوصية والحقوق الأساسية. فهناك مخاوف بشأن درجة الاستقلالية التي ينبغي أن تُمنح للذكاء الاصطناعي في صناعة القرار، إذ يبقى الرهان في هذا الصدد، هو قدرة الانسان على السيطرة على الأنظمة الذكية وكيفيات التعامل مع التكنولوجيا الجديدة بقدر كبير من الحكمة، حتى تظل صناعة القرارات السياسي (خصوصا في مجال الهجرة) يطبعها بشكل كبير البعد الإنساني.

ختاما

إن اتخاذ القرار السياسي في موضوع الهجرة، تتجاذبه مستويات متعددة من التأثير والتفاعل بين البعد الإنساني والحقوقي، ثم البعد السيادي والسياسي وما يرتبط بذلك من استجابة للتحول التكنولوجي المتجدد من خلال ما يوفره من إمكانيات لاتخاذ القرارات المتعلقة بالهجرة. فإذا كان الذكاء الاصطناعي قد استطاع أن يقدم حلولا متجددة في مجال الهجرة، فإن تدبير ملف الهجرة بشكل سليم، خصوصا على مستوى اتخاذ القرارات السياسية والاستراتيجية الكبرى المتعلقة بدورة الهجرة، يقتضي تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن القومي والدولي، وحقوق الإنسان لدى المهاجرين.

ارتباطا بذلك، وجب على مختلف المتدخلين في دور الهجرة، (حكومات ومنظمات دولية..) البحث في سبل استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في مجال الهجرة بعناية كبيرة لتجنب التجاوزات وضمان فاعلية الاستخدام. كما وجب أن يسعى هذا البحث كذلك في شروط وضوابط واضحة تراعي حقوق الإنسان في جميع مراحل تطوير خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتطبيقها في دورة الهجرة. كما يتعين عند تكوين فرق تطوير الخوارزميات مراعاة التنوع من حيث الجنس، والطبقة الاجتماعية، والعرق، والأصل الوطني، على أن تشمل استراتيجيات المراجعة والمساءلة للذكاء الاصطناعي، تقييمًا دقيقًا للاستخدام السليم لهاته التكنولوجيا.

كما وجب التنويه في الأخير إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه أن يحل محل دور السياسيين كصناع قرار. فالذكاء الاصطناعي لا يمكنه الأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الأخلاقية، والقيم الانسانية، والمصالح السياسية التي تتطلب تفكيراً بشرياً. فالذكاء الاصطناعي يبقى أداة لدعم القرار، وليس حلًا مستقلا عن إرادة الانسان.

References

Volker, T. UN High Commissioner for Human Rights. (2023). Artificial intelligence must be grounded in human rights.

https://www.ohchr.org/en/statements/2023/07/artificial-intelligence-must-be-grounded-human-rights-says-high-commissioner

  1. Auernhammer, J. (2020) Human-centered AI: The role of Human-centered Design Research in the development of AI.

https://doi.org/10.21606/drs.2020.282

  1. Ana, B. et Marie, M. (2022) : ‘’intelligence artificielle, migration et mobilité : conclusions pour les politiques et la pratique’’ État de la migration dans le monde, Organisation internationale pour les migrations P 13.

https://publications.iom.int/system/files/pdf/WMR-2022-FR-CH-11_0.pdf

  1. “Amina, A. (2019): The Basic Concepts of Artificial Intelligence’ in the collective work Applications of Artificial Intelligence as a Modern Trend to Enhance the Competitiveness of Business Organizations, The Arab Democratic Center for Strategic, Political, and Economic Studies, Berlin, Germany, First Edition. p. 13.”
  2. “The Global Compact for Safe, Orderly, and Regular Migration 73/195: It is the first international intergovernmental agreement, prepared under the auspices of the United Nations, to cover all dimensions of international migration in a comprehensive and holistic manner. It was adopted at an intergovernmental conference on migration in Marrakech, Morocco, on December 10, 2018.”

https://docs.un.org/en/A/RES/73/195

  1. Sarah, B. (2023). Migration and Artificial Intelligence.

https://maroc-diplomatique.net/migration-et-intelligence-artificielle/

  1. Mirjana, S. Aminata, G. Nikola, N. (2021). International Telecommunication Union. Emerging technology trends: Artificial intelligence and big data for development 4.0. p. 17

Emerging technology trends: Artificial intelligence and big data for development 4.0

  1. Sondos, M. (2023) The Use of Artificial Intelligence Technology in Migration Issues. Opportunities and Challenges.

https://acpss.ahram.org.eg/News/18880.aspx

  1. Audrey, A. (2018). Towards an Ethics of Artificial Intelligence

https://www.un.org/en/chronicle/article/towards-ethics-artificial-intelligence

  1. Ana, B. mariev, M. (2021) : AI Technologies in the Field of Migration and Mobility: Key Issues, Opportunities, and Challenges. Publication of the International Organization for Migration. page 21

https://publications.iom.int/system/files/pdf/WMR-2022-FR-CH-11_0.pdf

  1. Sondos, M. (2023) The Use of Artificial Intelligence Technology in Migration Issues. Opportunities and Challenges. Previous reference

https://acpss.ahram.org.eg/News/18880.aspx

  1. Lutiana, V. & Fernandes, B. (2022) : Éthics & artificial intelligence: Migration, Model international mobility convention. Carnegie Council for éthiques and international affairs.

https://fr.carnegiecouncil.org/media/article/ethics-artificial-intelligence-migration

  1. Volker, T. UN High Commissioner for Human Rights. (2023). Artificial intelligence must be grounded in human rights.

    https://www.ohchr.org/en/statements/2023/07/artificial-intelligence-must-be-grounded-human-rights-says-high-commissioner

  2. Auernhammer, J. (2020) Human-centered AI: The role of Human-centered Design Research in the development of AI.

     https://doi.org/10.21606/drs.2020.282

  3. Ana, B. et Marie, M. (2022) : ‘’intelligence artificielle, migration et mobilité : conclusions pour les politiques et la pratique’’ État de la migration dans le monde, Organisation internationale pour les migrations P 13.

    https://publications.iom.int/system/files/pdf/WMR-2022-FR-CH-11_0.pdf

  4. “Amina, A. (2019): The Basic Concepts of Artificial Intelligence’ in the collective work Applications of Artificial Intelligence as a Modern Trend to Enhance the Competitiveness of Business Organizations, The Arab Democratic Center for Strategic, Political, and Economic Studies, Berlin, Germany, First Edition. p. 13.”
  5. “The Global Compact for Safe, Orderly, and Regular Migration 73/195: It is the first international intergovernmental agreement, prepared under the auspices of the United Nations, to cover all dimensions of international migration in a comprehensive and holistic manner. It was adopted at an intergovernmental conference on migration in Marrakech, Morocco, on December 10, 2018.”

    https://docs.un.org/en/A/RES/73/195

  6. Sarah, B. (2023). Migration and Artificial Intelligence.

    https://maroc-diplomatique.net/migration-et-intelligence-artificielle/

  7. Mirjana, S. Aminata, G. Nikola, N. (2021). International Telecommunication Union. Emerging technology trends: Artificial intelligence and big data for development 4.0. p. 17

    https://sitic.org/emerging-technology-trends-artificial-intelligence-and-big-data-for-development-4-0/

  8. Sondos, M. (2023) The Use of Artificial Intelligence Technology in Migration Issues. Opportunities and Challenges.

    https://acpss.ahram.org.eg/News/18880.aspx

  9. Audrey, A. (2018). Towards an Ethics of Artificial Intelligence

    https://www.un.org/en/chronicle/article/towards-ethics-artificial-intelligence

  10. Ana, B. mariev, M. (2021) : AI Technologies in the Field of Migration and Mobility: Key Issues, Opportunities, and Challenges. Publication of the International Organization for Migration. page 21

    https://publications.iom.int/system/files/pdf/WMR-2022-FR-CH-11_0.pdf

  11. Sondos, M. (2023) The Use of Artificial Intelligence Technology in Migration Issues. Opportunities and Challenges. Previous reference

    https://acpss.ahram.org.eg/News/18880.aspx

  12. Lutiana, V. & Fernandes, B. (2022) : Éthics & artificial intelligence: Migration, Model international mobility convention. Carnegie Council for éthiques and international affairs.

    https://fr.carnegiecouncil.org/media/article/ethics-artificial-intelligence-migration

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى