“العمل عن بُعد بين غياب التأطير القانوني وحماية المعطيات الشخصية: دراسة في ضوء التشريع المغربي والمقارن” الباحث : محمد الزعارة
“العمل عن بُعد بين غياب التأطير القانوني وحماية المعطيات الشخصية: دراسة في ضوء التشريع المغربي والمقارن”
“Remote Work Between the Absence of Legal Framework and the Protection of Personal Data: A Study in Light of Moroccan and Comparative Legislation
الباحث : محمد الزعارة
طالب باحث بسلك الدكتوراه كلية العلوم القانونية والسياسية جامعة ابن طفيل القنيطرة
هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 60 الخاص بشهر أكتوبر/ نونبر 2025
رابط تسجيل الاصدار في DOI
https://doi.org/10.63585/EJTM3163
للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

“العمل عن بُعد بين غياب التأطير القانوني وحماية المعطيات الشخصية: دراسة في ضوء التشريع المغربي والمقارن”
“Remote Work Between the Absence of Legal Framework and the Protection of Personal Data: A Study in Light of Moroccan and Comparative Legislation
الباحث : محمد الزعارة
طالب باحث بسلك الدكتوراه كلية العلوم القانونية والسياسية جامعة ابن طفيل القنيطرة
ملخص:
يتناول المقال أهمية حماية المعطيات الشخصية في سياق العمل عن بُعد الذي شهد انتشارًا كبيرًا مع التطورات التكنولوجية والثورة الرقمية، علاوة على ذلك يستعرض المقال تعريف العمل عن بُعد ومزاياه التي تشمل خفض التكاليف، تحسين الإنتاجية، وإتاحة فرص العمل لفئات معينة مثل النساء وذوي الإعاقة. كما يناقش التحديات المرتبطة به، مثل ضعف التشريعات التي تنظم هذا النوع من العمل، وصعوبة تحقيق التوازن بين الحياة الشخصية والمهنية، وضرورة حماية البيانات الشخصية للأجراء في ظل توسع استخدام تقنيات الرقابة الإلكترونية. يسلط المقال الضوء على الإطار القانوني للعمل عن بُعد في المغرب مقارنةً بتجارب دولية مثل فرنسا، مع تقديم توصيات لتحسين حماية المعطيات الشخصية وضمان حقوق الأجراء. تشمل التوصيات تعزيز الإطار التشريعي، وتطوير منظومات الرقابة، وضمان التوازن بين الرقابة والحفاظ على الخصوصية، بما يضمن تحقيق بيئة عمل آمنة ومنصفة للأجراء والمشغلين.
الكلمات المفتاحية: العمل عن بعد، عقد الشغل عن بعد، حماية المعطيات الخاصة، التحول الرقمي، التحديات المقارنة…
Summary:
The article explores the importance of protecting personal data in the context of remote work, which has seen significant growth due to technological advancements and the digital revolution. It examines the definition of remote work and its benefits, including cost reduction, improved productivity, and increased employment opportunities for specific groups such as women and people with disabilities. The article also discusses challenges like weak legislative frameworks governing remote work, difficulties balancing personal and professional life, and the need to safeguard employees’ personal data amidst the growing use of electronic monitoring technologies. The study highlights the legal framework for remote work in Morocco compared to international experiences, such as in France, while offering recommendations to enhance personal data protection and ensure employees’ rights. These recommendations include strengthening legislative frameworks, developing monitoring systems, and balancing oversight with privacy protection to create a safe and equitable working environment for employees and employers alike.
Keywords: Remote work, Remote Work Employment Contract, Personal data protection, Digital transformation, Comparative challenges
مقدمة:
عرف العالم في الآونة الأخيرة تطورا ملحوظا في مجال ابتكار واستعمال وسائل التكنولوجيا الحديثة في جميع المجالات، ولعل أهمها قطاع الخدمات الذي يعتبر المجال الخصب لاعتماد هذه التكنولوجيا خاصة في وسائل الإنتاج، والتي امتدت أثارها إلى جميع القطاعات.
نتيجة لهذه التطورات، تغيرت وسائل الإنتاج داخل المقاولة نظرا لعدم قدرة الوسائل التقليدية للشغل على مواكبتها، مما أدى إلى بروز نمط جديد من الشغل، سواء فيما يتعلق بالوسائل المعتمدة في إنجازه أو فيما يتعلق بالأجراء الذين يشرفون على تنفيذه أو فيما يخص ظروف تنفيذه التي أصبحت تختلف بشكل كبير على تنفيذ عقود الشغل التقليدية.
كل هذا أفرز لنا ظهور أساليب جديدة أهمها تنفيذ الشغل عن بعد، وهو ترجمة للكلمة الإنجليزية Tele Work وهي مكونة من مقطعين المقطع الأول “Tele” وهي تعني “عن بعد والمقطع الثاني Work” أي “الشغل” وعند اقترانهما يصبح المعنى الشغل عن بعد ويعرف هذا التعبير في اللغة الفرنسية بـ Télétravail” حيث انتشر مصطلح الشغل عن بعد بهذا المعنى في أوربا وبـ ” Télécommunication في الولايات المتحدة الأمريكية.
ولم تكن بلادنا في منآى عن إكراهات ثورة الإعلام والاتصال، إذ جاء في الرسالة الملكية السامية للملك الحسن الثاني رحمه الله الموجهة للمشاركين في الأيام الوطنية الثانية للاتصالات المنعقدة بالرباط خلال يومي 16 و 17 ماي 1994 حول العمل عن بعد “أن العمل البعدي كأسلوب جديد لتنظيم العمل يعكس بحق التطورات الذي أفرزته التكنولوجيا الحديثة للإعلام والتواصل”.
ومما لا شك فيه، أننا أصبحنا نعيش في ظل ثورة معلوماتية بديلة للثورة الصناعية، التي يسرت الطريق نحو بزوغ انماط جديدة للشغل، تراجع معها التواجد المادي للأجير داخل المؤسسة.
وقد ازداد الإقبال على الشغل عن بعد، في ظل تنامي استخدام الانترنت التي سهلت وبشكل كبير سبل التواصل بين الراغب في الشغل والمقاولات المشغلة في كل أنحاء العالم، مما فتح لهم فرص الشغل لم تتأت لهم عن طريق الوسائل التقليدية، وبذلك أضحت مكاتب افتراضية بدل مكاتب العمل التقليدية.
هكذا، فالشغل تغير في مضمونه وشكله على ضوء الطفرة التكنولوجيا الكبرى التي ميزت قطاع الإعلام والاتصال، كما تغيرت طرائق العمل نفسها، فتعمقت بذلك ظاهرة التخصص المتفتح العمل الوسائطي في عالم الشغل.
مما أدى إلى ظهور الشغل عن بعد، الذي أحدث تحولات عميقة في المفاهيم المرتبطة بعلاقات الشغل، إذ تلاشت مجموعة من المفاهيم التي شكلت إلى وقت قريب ركيزة تشريعات الشغل التي لم تتناسب ومتطلبات عصر التكنولوجيا، الأمر الذي يفرض توفير حماية للأجراء عن بعد، في ظل تطورات وسائل الإعلام والاتصال.
وأمام تزايد الاهتمام بالشغل عن بعد، وتزايد الإقبال عليه، كان من الطبيعي التساؤل عن حدود الحماية القانونية التي يحظى بها الأجراء الذين يمارسون هذا النمط الجديد من الشغل خصوصا على مستوى المس بمعطياتهم الشخصية وحقوقهم الخاصة وكذا المخاطر المهنية التي قد تحدق بهذا النمط من العمل.
وإذا كان موضوع أي دراسة يستدعي أن تكون له أهمية علمية تعطي قيمة علمية مضافة للبحث العلمي، فإن موضوع حماية المعطيات الخاصة في عقد الشغل عن بعد له أهمية كبيرة تتخذ عهدة تمظهرات قانونية واقتصادية وحتى اجتماعية.
على المستوى القانوني: تتجلى الأهمية القانونية لهذا الموضوع في عدم تنظيم المشرع المغربي له بشكل مفصل على غرار التشريع الفرنسي مثلا مما دفعني إلى البحث في خصوصياته ومميزاته عن عقد الشغل التقليدي، وفيما إذا كانت مدونة الشغل المغربية تضمنت مقتضيات قانونية يمكن تطبيقها على عقد الشغل عن بعد، بالإضافة إلى البحث في مظاهر الحماية التي يستفيد منها الأجراء في عقد الشغل التقليدية ومدى إمكانية استفادة أجراء عقود الشغل عن بعد منها، في انتظار تنظيم هذا الموضوع من الناحية القانونية بشكل يحدد حقوقهم والتزاماتهم.
وعلى ضوء هذه الأهمية تبرز إشكالية الموضوع ممثلة في حدود الضمانات القانونية المقدمة للأجير في عقد العمل عن بعد؟
هذه الإشكالية تتفرع عنها مجموعة من الأسئلة من قبيل:
- مفهوم العمل عن بعد؟
- وهل هناك تنظيم قانوني للعمل عن بعد؟
- هل يخضع العمل عن بعد لنفس المقتضيات القانونية للشغل بمفهومه التقليدي؟
- ما هي الضمانات المخولة لحماية المعطيات الخاصة لأجير في عقد الشغل عن بعد؟
- ثم ما هي تجليات الرقابة التي يخضع لها الأجير في عقد العمل عن بعد وهل يحق للمشغل المس بالمعطيات الخاصة للأجير كنوع من الرقابة؟
الأكيد أنه ليس من اليسير الإجابة بشكل قاطع على كل هذه التساؤلات، نظرا للطبيعة الخاصة لعقد العمل عن بعد، والتي تفرض نفسها لجدة هذا العقد من جهة، ولسرعة الحاجة لتبنيه اضطراريا بسبب التطورات التي أصبح يعرفها العالم، ولاحتوائه على الطبيعة المزدوجة التي قد تجمع بين عقد العمل التقليدي وعقد العمل عن بعد في آن واحد، مما يصعب توحيد الأحكام القانونية عليهما بشكل جازم، إضافة إلى تنوع المدارس القانونية التي تبنى كل منها اتجاهاً مختلفاً بحسب تكييفها لهذا العقد.
تبعا لما سبق سوف يتم معالجة هذا الموضوع من خلال فرعين، بحيث ستم الحديث عن ماهية عقد العمل عن بعد في الفرع الأول، والضمانات الحمائية للأجير في عقد العمل عن بعد في الفرع الثاني.
الفرع الأول: ماهية العمل عن بعد
جاء مفهوم العمل عن بعد نتيجة لتأثير تكنولوجيا الإعلام والاتصال، على عالم الشغل، خاصة في مجال تنفيذ وتنظيم العمل، إذ بفعل صوره المتعددة، وارتباطه بتطور المفاهيم التقنية، يصعب ضبطه وإيجاد تعريف جامع ومانع لكل حيثياته.
كما أن فكرة العمل عن بعد، أثارت اهتمام العديد من الباحثين والفقهاء، كل تناوله من زاوية معينة، خاصة علماء الاجتماع، الذين رأوا أن هذا الوضع الجديد، له ارتباط مباشر بعالم الشغل، من حيث العلاقة التي تربط الأجير والمؤسسة، وهذا ما دفع للتساؤل حول تعريف العمل عن بعد وصوره، (الفقرة الأولى)، ثم أهميته ومدى توافر عنصر التبعية على مستواه، (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: مفهوم العمل عن بعد وصوره
أولا: مفهوم العمل عن بعد:
العمل عن بعد، هو مرادف للكلمة الإنجليزية telework، والتي حظت بالعديد من المسميات باللغة العربية، من أبرزها: العمل المرن، التنقل الإلكتروني، العمل من مسافات بعيدة وغيرها[1]. وعلى غرار اللغة العربية، فقد تعددت مرادفاته في اللغة الفرنسية [2]، والتي نجد أكثرها استعمالا مصطلح télétravail، وذلك لكونه الأكثر شمولية واتساعا، رغم عدم دقته، لاشتماله على أنماط أخرى، يؤدى فيها العمل بعيدا عن المقرات التقليدية، لاسيما العمل بالمنزل، والذي يختلف عن مفهوم العمل عن بعد المدروس.
وتجدر الإشارة، إلى أن الاتفاق الأوربي، المؤرخ في 16 يوليو 2002[3] كان أول من وضع تعريفا وتنظيما قانونيا واضحا للتقنية، وأكد على أن العمل عن بعد هو: “كل شكل من أشكال تنظيم و/أو تنفيذ العمل، باستخدام تكنولوجيا المعلومات، في إطار عقد، أو علاقة عمل، حيث يتم تنفيذ العمل، الذي كان يمكن تنفيذه في مقر صاحب العمل، خارج هذه المباني بشكل منتظم”[4] .
أما دوليا، فقد عرفته منظمة العمل الدولية (OIT)، بأنه :”نظام قائم في مكان بعيد عن المكتب الرئيسي، أو مواقع الإنتاج. حيث يكون العامل منفصلا عن الاتصال الشخصي مع العاملين الآخرين، وتقوم التكنولوجيا الحديثة من خلاله، بتسهيل عملية الاتصال.”[5]
وعلى المستوى التشريعي، فخلافا لكل من المشرع الفرنسي، الذي حدد تعريفا للعمل عن بعد، في المادة L1222-9، من مدونة الشغل الفرنسية، على أنه :”كل شكل من أشكال تنظيم العمل، من خلاله يتم تنفيذ كل عمل ممكن التنفيذ في المؤسسة، خارج أسوار هذه الأخيرة، من طرف الأجير بشكل إرادي، مستعملا تكنولوجيا الإعلام والاتصال.”[6] .[7]
وكذا المشرع السعودي، الذي عرفه في الدليل الإجرائي المنظم للعمل عن بعد، بأنه: “أداء العامل لواجباته الوظيفية، في غير مكان العمل المعتاد، وذلك باستخدام أي من وسائل الاتصال وتقنية المعلومات”[8].
أما المشرع المغربي، فلم يشر لمفهوم العمل عن بعد، لا من قريب ولا من بعيد. سواء في القانون 65.99 بمثابة مدونة الشغل [9]، أو في نصوصه التنظيمية، رغم إشارته للأجراء، المشتغلين بمنازلهم في المادة الثانية من مدونة الشغل [10]، إلا أن هذا النوع من العمل، بعيد كل البعد عن أسلوب العمل عن بعد، وخاصة بمفهومه الحديث.
لكن، إذا كان المشرع المغربي، في القطاع الخاص، لم يصغ أي نص يتعلق بالعمل عن بعد. ففي القطاع العام، نشر وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، في 15 أبريل 2020، أي خلال جائحة كورونا ، منشورا يؤكد فيه على إصدار دليل للعمل عن بعد، بالإدارات العامة[11].والذي عرف العمل عن بعد، في إطاره، بما يلي: “يتأسس مفهوم نظام العمل عن بعد، على منح الموظف، أو المستخدم، إمكانية تأدية واجباته الوظيفية، سواء بشكل جزئي أو بشكل كامل، من مواقع مختلفة، وبعيدة عن مقرات عملهم المعتادة. وهو بذلك، يعتبر أحد خيارات العمل البديلة، التي تضمن استمرارية المرفق العام، من خلال تأدية الأعمال، والمهام المرتبطة بتقديم الخدمات العمومية. ويمكن اعتماده من طرف الإدارة، في الحالات التي تتطلب تأدية الأعمال، وإنجاز المهام من خارج مقر العمل، عوضا عن التواجد كليا أو جزئيا في مقرات العمل، دون أن يعتبر ذلك نوع من أنواع الإجازات.”
أما على المستوى الفقهي، فلم يتم تعريف مصطلح العمل عن بعد، بشكل واضح، إلا سنة 1994 ، على يد الفرنسي Théry breton، في قراره المعنون:
Le télétravail en France [12]، والذي أكد فيه على أن العمل عن بعد، يقوم على ثلاث خصائص:
1ـ البعد الذي يفرق مكان إنجاز العمل ومكان تنفيذه، (أي مكان مزاولة الأجير لعمله، ومكان تواجد مقر المقاولة المشغلة.)
2ـ المراقبة غير المباشرة للمشغل.
3ـ اعتماد أداء العمل على تكنولوجيا الاعلام والاتصال (NICT).
هذه الخصائص ، استغلها فقهاء آخرون، في محاولة لتحديد تعريف أدق للعمل عن بعد. فعرف بأنه :”ذلك العمل الذي يتم إنجازه، بواسطة استغلال تقنيات المعلوميات والاتصالات، من طرف أجير أو مجموعة من الأجراء، بعيدا عن مشغله”[13] .
أما على مستوى الفقه العربي، فلم يبخل فقهاء المادة الاجتماعية، عن تقديم تعاريف متعددة لأسلوب العمل عن بعد، وكان أبرزها تعريفه على أنه :”إدارة للعمل الوهمي، أي ذلك العمل الذي لا يجتمع فيه الأجراء في مكان واحد للعمل.”[14]
وعموما، بعد التمعن في كل التعاريف المذكورة، أقترح التعريف الآتي: “العمل عن بعد، هو ذلك الشغل المنجز من طرف الأجير، تحت الرقابة الغير المباشرة للمشغل، وباستعمال تكنولوجيا الإعلام والاتصال، هدفه تسهيل أداء العمل، وملائمته مع التطور العلمي والتكنولوجي.”
ورغم إمكانية الاتفاق على تعاريف موحدة للعمل عن بعد، إلا أن هذا لا يمنع من إمكانية اتخاذ هذا الأسلوب لصور عديدة.
ثانيا: صور العمل عن بعد
رغم أن العمل عن بعد، عبارة عن تقنية واحدة، تهم العمل خارج المؤسسة الشغلية، إلا أن صورها متعددة، تختلف باختلاف طريقة تطبيقها، وتشترك في الخصائص الثلاثة السابقة الذكر، ويمكن حصرها في أربع صور:
- العمل عن بعد من المنزل le travail à domicile :
يعتبر العمل عن بعد من المنزل، أكثر صور العمل عن بعد انتشارا، والتي زادت شعبيتها بفعل جائحة كورونا، إذ نقلته من اعتماده رغبة واختيارا، الى اعتماده الزاما وضرورة. لأنه كان الطريقة المثلى لتجنب التزاحم والاختلاط، وتجنب انتقال الفيروس.
وتهم هذه الصورة من العمل عن بعد، أداء الأجير لعمله بمنزله، تحت الرقابة الغير المباشرة لمشغله، وباعتماد تكنولوجيا الإعلام والاتصال، والتي تميزه عن العمل بالمنزل التقليدي[15]، الذي لا يتطلب إنجازه هذه الوسائل، وقد أقر ديوان الخدمة المدنية البحريني، اعتماد هذه الصورة من العمل عن بعد، على مستوى اتفاقية سياسة العمل الحكومي من المنزل.[16]
وعموما، فإن هذا النوع من العمل يخص صنفا من الأجراء، الذين يتوفرون على كفاءات مهنية خاصة، (مهندسين وأطر تقنية مختصة)[17]، ويتطلب توفرهم على جهاز حاسوب متطور ومرتبط بشبكة أنترنيت عالية الدقة والجودة، مع الحرص على الاتصال الدائم مع شبكة المقاولة، إذ أن الأجير ملزم بربط الاتصال المباشر، بمقر الشغل، وفق شروط العمل[18]، وتخصيص مكان منعزل في منزله لمزاولة العمل، تجنبا لأي ضياع أو تسرب للمعلومات. فضلا عن تخصيص أوقات للعمل، حتى لا تتداخل مع الأنشطة الشخصية والعائلية.[19]
كما أن هذا النوع من العمل، لا يقتصر على الأجراء الذين يزاولونه بصفة كلية فقط ، بل يشمل كذلك الأجراء الذين ينجزون العمل بالمنزل، وبمقر المقاولة بشكل منتظم، إذ يستكملون جزءا من أعمالهم في المنزل، مع احتفاظهم بأداء الجزء الآخر في رحاب المؤسسة الشغلية.
لكن ما يطرح إشكالا في هذا النوع من العمل، هو صعوبة التمييز بين الأجراء الذين يعملون في إطار علاقة التبعية مع مشغلهم،(يدخلون ضمن العمل التابع المأجور)، والآخرون الذين يزاولونه باستقلالية (ينجزون العمل لحسابهم الخاص)، وتزيد هذه الصعوبة بالنسبة لبعض الأجراء الذين يمارسون مهام منتشرة في حقل المهن الحرة، (كالمحاسبين والمؤلفين والمستشارين الماليين)[20].
2- الشغل عن بعد من خلال شبكة المقاولة:
هو الصورة الثانية من العمل عن بعد، يهم إحداث المقاولات لوحدات أو مراكز تابعة لها، ومجهزة بوسائل الإعلام والاتصال اللازمة، وتتخذ صورتين:
– وحدات منفصلة داخل المقاولة: وهي عبارة عن وحدات داخل المؤسسة، تكون تابعة للمقاولة، لكنها منفصلة عن المكان التقليدي، الذي يتم إنجاز العمل على مستواه، بصفة اعتيادية.
وتتميز بما تمنحه للمقاولة، من إمكانية إعادة تنظيم العمل، دون الحاجة إلى تغيير أو فصل الأجراء، كما أنها تستجيب لرغبات التوطين، بالنسبة لبعض الأجراء، الذين يرغبون من التخلص من رتابة العمل، عبر إنجازه بعيدا عن المقرات التقليدية داخل المقاولة[21].
– وحدات تابعة للمقاولة وبعيدة جغرافيا: هي عبارة عن وحدات بعيدة عن مقرات العمل التقليدية، مخصصة لتنفيذ العمل عن بعد، تشيد غالبا في أماكن قريبة من سكنى الأجراء، وتسمى، بمراكز القرب centres de proximités.
وتتميز هذه المراكز، بقدرتها على تخفيض تكاليف العمل، وعقلنة الاستثمارات العقارية، ويكون للأقمار الصناعية دور هام في فعالية الاتصال، بين المقر الرئيس للشركة وفروعها.[22]
3- العمل في مراكز الاتصال les centres satellites
يتمثل هذا النمط من العمل، في إحداث مقاولة أو أكثر لمراكز شغل، مجهزة بوسائل الاتصال والاعلام الحديثة، يشتغل على مستواها الأجراء، بعيدا عن مقرات المقاولة. وما يميزها عن الصنف السابق، هو إمكانية ضمها لأجراء يشتغلون لحساب مقاولات مختلفة، حيث يكون كل أجير في اتصال مع مشغله.[23]
وتشيد هذه المراكز كسابقتها، بالقرب من مساكن الأجراء، وتسمى مراكز الأحياء Les centres de quartier، وذلك لتفادي التنقلات اليومية المتعبة والمكلفة، وضياع الوقت، كما تساهم في التنمية المحلية المتوازنة، والتقليل من الهجرة للمدن، خصوصا عند إحداثها في المناطق النائية .
وقد اتخذت العديد من الأشكال: كمراكز العمل الريفية في أوربا، وأكواخ العمل عن بعد في بريطانيا، والفنادق الافتراضية، التي تتكون من العديد من المكاتب، ينجز في إطارها الأجراء عملهم لحساب مقاولات مختلفة.
4- العمل عن بعد المتنقل travail mobile
يسمى كذلك بالعمل عن بعد المرتحل télétravail nomade، ويفيد عمل الأجير من خارج المؤسسة، وفي أي مكان اختاره، باعتماد تقنية التليماتكية[24]، إذ يكون في اتصال دائم ومباشر بمقر شركته أو عبر البريد الإلكتروني[25].
إذ تمكن التقنية الأجراء، من الانتقال بحرية، حيث يمكن أن يكون الأجير في رحلة سياحية، أو راكب للقطار، أو السفينة، دون التقيد بمقر عمل محدد، وينجز عمله بأريحية، مع الحفاظ على الاتصال المستمر بالمقاولة، وأسرته على حد سواء، بفضل تكنولوجيا الإعلام والاتصال[26].
ويتطلب هذا النوع من العمل، التوفر على حاسوب يدوي، مجهز بوسائل الاتصال الحديثة، وهاتف محمول، وجهاز فاكس، وغيرها من الأجهزة التي ترفق بالحاسوب، واللازمة لضمان نجاعة إنجاز العمل.
وهناك العديد من الصور للعمل المتنقل، من أبرزها:
ـ العاملين في السيارات :عندما تكون هذه الأخيرة، هي مقر عملهم، كمهندسي الصيانة، وخدمات التوصيل، ومندوبي المبيعات المتنقلين.
– العاملين بالفنادق :وتهم من ينتقل لساعات طويلة، برا وبحرا وجوا، كمراسلي الأخبار، والباحثين الماليين [27].
وقد أضاف بعض الباحثين[28]، أنواعا أخرى للعمل عن بعد، كالعمل عن بعد من خلال الاتصالات الهاتفية، لكن رغم ذلك، تبقى الصور المذكورة، هي الأساسية في هذا النوع من العمل، والتي يمكن أن يدرج ضمنها أي شكل أو وسيلة أخرى للعمل عن بعد.
إن تعدد صور العمل عن بعد، ساهم بشكل كبير في تعدد مجالات تطبيقه، واتساع نطاقه. ورغم التعدد المذكور، إلا أن صور العمل عن بعد تتقاسم في نهاية المطاف نفس الأهمية.
الفقرة الثانية: أهمية العمل عن بعد ومدى توافر رابطة التبعية في إطاره
أولا: أهمية العمل عن بعد
إن تزامن الثورة الرقمية، مع تزايد ضغوط المنافسة، ساهم في بروز الحاجة لأسلوب جديد للعمل، يمكن من تحقيق الإنتاجية والجودة للمقاولة، وتحسين مستويات التشغيل بالنسبة للأجراء، وهنا ظهر العمل عن بعد، كطريقة ناجعة لتحقيق الغايات المذكورة، وتلبية مختلف الحاجيات، الاقتصادية والاجتماعية، للمشغل والأجير على حد سواء.
إذ باطلاعنا على الجانب الاقتصادي، تظهر جليا مساهمة العمل عن بعد، في تطوير وتحسين هذا المجال، سواء من خلال تخفيض تكاليف الإنتاج، إذ بالرغم مما يتطلبه من مصاريف، لتوفير الأجهزة الإلكترونية وصيانتها، إلا أنه يعفي المقاولات، من العديد من المصاريف، المرتبطة أساسا باقتناء العقارات -الذي يشكل بالنسبة لبعض المقاولات حوالي 31٪ من مصاريف الاستغلال، والذي ازداد مؤخرا، مع الغلاء الفاحش في أثمان المتر المربع، خاصة في المدن الكبرى، كطوكيو ولندن- إذ على مستوى هذا العمل عن بعد بالمنزل، أو العمل المتنقل، تتخلص المقاولة تماما من تكاليف إقامة المكاتب، ومقرات العمل للأجراء، وحتى وإن تعلق الأمر بالعمل عن بعد في مراكز الاتصال، فإن تكاليف العقار على مستواها تكاد لا تذكر، إذ تقام هذه الوحدات غالبا، في مناطق بعيدة عن الازدحام وغلاء العقار.
كما يساهم العمل عن بعد اقتصاديا، في تخفيض مدة التنقل، بالنسبة للأجراء – والتي تشير الإحصائيات، إلى أنها قد تصل في المتوسط في الدول المتقدمة، إلى حوالي ساعة كاملة يوميا[29].-
وتبعا لذلك، فهو يساهم في التخلص، من كل التكاليف الناجمة عن هذا التنقل، كمصاريف الأكل والشرب التي تكون دائما أقل تكلفة داخل المنزل.[30]
وكذا، حل مختلف المشاكل الجانبية المرتبطة بهذا التنقل، كإنقاص الازدحام في الطرقات، وتحسين نقاء الجو، الشيء الذي دفع كل من لوس أنجلوس بالولايات المتحدة الأمريكية واليابان إلى اعتماد العمل عن بعد كحل لإشكاليات التلوث[31].
دون الإغفال عن دوره، في خفض إجازات الأجراء، وتغيباتهم عن مكان العمل، بسبب تخلصهم، من الإرهاق النفسي والجسدي، وصعوبة الموازنة، بين الحياة المهنية والعملية، المتواجدة على مستوى العمل التقليدي، خاصة مع ما يوفره الأسلوب الجديد، من مرونة في الشغل، التي تساهم في جعله بديلا ناجعا، لإعادة الهيكلة الضرورية، لكل مقاولة، دون ما يترتب عن هذه الأخيرة، من إشكالات اقتصادية واجتماعية، سواء بالنسبة للأجير أو المقاولة، إذا تم تطبيقها على مستوى العمل التقليدي.
ومن أبرز مظاهر هذه المرونة، نجد أنه منح للأجير الحرية والاستقلالية، لتنظيم زمان وإيقاع العمل، وكذا، تكييفه مع التغييرات الطارئة داخل المقاولة، هذه المرونة، تساهم تبعا لذلك في الحفاظ على اليد العاملة المتخصصة، التي تسرح في العمل التقليدي عند إعادة الهيكلة.
كما يمكن هذا الأسلوب، من الاستفادة من خبرات أشخاص في أماكن بعيدة، ومن خدمات بعض الأجراء، الذين تحول ظروفهم الصحية، دون الالتحاق بمقرات عملهم الأصلية، خاصة إذا كانت إجازاتهم المرضية طويلة، كما هو الشأن بالنسبة للمرأة الأجيرة، خلال فترات الحمل.
كما يساهم العمل عن بعد، في تحقيق توازن الوظائف، بين المناطق الجغرافية المختلفة، مما يساهم في المزيد من اللامركزية، وتخفيف الضغط على العواصم المختلفة، وهو ما يعرف بالعمل خارج الحدود «off-shoring».[32]
أما على المستوى الاجتماعي، فقد مكن العمل عن بعد، من إدماج بعض الفئات الخاصة، التي تعاني صعوبات في الولوج لسوق الشغل، كفئة المعاقين[33]، التي أثبتت الإحصائيات، أنه في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، نجد 82 بالمائة من الأشخاص الذين لا يعانون من إعاقة، يتوفرون على مناصب شغل، مقارنة مع نسبة 26 بالمائة فقط، من الأشخاص الذين يعانون إعاقة، ويرى الخبراء، أن العمل عن بعد، هو الحل الأمثل لإدماج هذه الفئة، إذ بفضل تكنولوجيا الإعلام والاتصال، المتوافرة على مستواه، لا يتم توفير مناصب الشغل فقط، بل تمكن أيضا، من توفير وسائل، تتناسب مع طبيعة كل إعاقة على حدة، لما تحويه من تقنيات سمعية وبصرية، قادرة على الاستجابة لحاجيات مختلف الاحتياجات الخاصة، كترجمة النصوص بالصوت، بالنسبة للمكفوفين[34]، إلى جانب تمكينه من اختيار زمان و مكان العمل، بما يتلاءم مع قدراته الذهنية والجسدية، لكي لا يشكل العمل عناء وإرهاق لصحته.[35]
كما ساهم العمل عن بعد، في توفير العمل للمرأة، إذ كثيرا ما تعاني النساء، وخاصة في المجتمعات المحافظة، من صعوبات الاندماج بسوق الشغل، بسبب العادات والتقاليد السائدة، وكذا كثرة الالتزامات العائلية، وبالتالي، يشكل العمل عن بعد، فرصة سانحة لزيادة حظوظ المرأة في مجال التشغيل، إذ يمكنها من تحقيق التوازن، بين حياتها الأسرية والعملية، من خلال ميزات الحرية والاستقلالية التي يوفرها، خاصة في زمان ومكان الشغل، الذي يساهم في الحد من الإشكاليات، المرتبطة بتواجد الزوج بمكان، والزوجة بمكان آخر.[36]
لكن تجدر الإشارة، الى أن تحقيق هذا الإدماج، في ظل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، التي تعيشها المرأة المغربية، من جهل وأمية، ليس بالأمر السهل، لما يتطلبه العمل عن بعد، من مؤهلات معرفية وتقنية عالية. وبالتالي، يجب الاهتمام بداية بتكوين المرأة، والرفع من مؤهلاتها، قبل ادماجها في هذا الأسلوب من العمل.
لكن، وبالرغم مما يحققه العمل عن بعد، من مزايا اقتصادية واجتماعية، على حد سواء، إلا أنه لم يخل من مجموعة من العيوب، المتجسدة أساسا، في التأثير على الاندماج الاجتماعي للأجير، إذ أن العمل عن بعد، يلقي الأجير في عزلة، بعيدة عن أي تواصل مادي مع زملائه، الشيء الذي ينمي الشعور بالوحدة، وفقدان الحس الاجتماعي، فالبيت في العمل عن بعد بالمنزل مثلا، يتحول لقفص حديدي، بالنسبة للأجير، “cage de fer “[37]، خاصة، وما يحققه العمل داخل المقاولة، من ارتياحا ورضا، بالعلاقات داخل وسط العمل، إذ أن معظم الأجراء، غير راضين، عن ما يحصلونه كمقابل لعملهم، لكنهم راضون عن العلاقة التي تسود داخل العمل، لما توفره من اندماج وتواصل اجتماعي، الشيء الذي ينعدم في العمل عن بعد، هذا الانعزال، قد يحول المجتمع، إلى مجتمع الفردانية أو الوحدانية، أو ما يطلق عليه في أدبيات علم الاجتماع، “بمجتمع الأفعى “.
لكن، لتكسير إشكالية العزلة بالعمل عن بعد، عملت مختلف المقاولات، على اعتماد وسائل التواصل الحديثة، كتقنية المؤتمرات عن بعد، التي تمكن من عقد اجتماعات افتراضية، بين مجموعات العمل، وذلك بهدف التخلص من رتابة الشغل، والزيادة من حجم الرضا. كما عملت شركة “Fanx xerrox”، على تنظيم برامج للتواصل بأقسامها، والمشاركة في الحياة الشغلية لكل أجير، عن طريق التواصل الإلكتروني.[38]
كما يؤثر العمل عن بعد، على حرية الأجير وحياته الخاصة، إذ بانعدام إمكانية المراقبة المباشرة للمشغل على أعمال الأجير، يلجئ إلى وسائل أخرى، تحقق هذه الرقابة بطريقة غير مباشرة، لضمان السير المناسب للعمل.
ومن أبرز هذه التقنيات، نجد: المراقبة عن طريق شبكة الأنترنيت cyber surveillance، أو عن طريق النظام الشامل لتحديد المواقع positioning système أو ما يعرف ب GPS، وغيرها من الوسائل، والتي رغم نجاعتها في تحقيق الرقابة، إلا أنها تؤثر على احترام الحق في الخصوصية، الذي يجب أن يتمتع به الأجير، خاصة إذا تم استعمال التقنيات المذكورة من قبل المشغل، في أغراض تجسسية، لا تمد للرقابة بصلة، وهو ما يعتبر خطأ من جانبه، سأتطرق له بتفصيل، في المطلب القادم.
كما أن العمل عن بعد، يؤدي إلى اندماج غير محمود، بين الحياة الشخصية والمهنية للأجير، والتي يصعب الفصل بينها على مستواه، وبالتالي، تنتهك حياته الشخصية، هذا ما حاول المشرع الفرنسي معالجته، عن طريق قانون قطع الاتصال بفرنسا[39]، إذ ألزم القانون الشركات، التي يزيد عدد موظفيها عن 50 شخص، بإعداد “ميثاق سلوك الشركة”، يوضح الساعات التي يمكن للموظفين خلالها، التوقف عن إرسال أو الرد على رسائل البريد الإلكتروني، الخاصة بالعمل[40].
أما على المستوى التشريعي، فأبرز ما تعاني منه هذه التقنية، هو افتقار أغلب التشريعات إلى قوانين تنظمها، الشيء الذي يخلق تخوفا لدى الأجير، من عدم الحصول على حقوقه، ولدى المشغل، من ضعف الإنتاجية وصعوبة المراقبة.
خلاصة القول، فإن وسيلة العمل تقليدية كانت أم حديثة، فلها إيجابياتها وسلبياتها، وفي نظري، فإن تقنية العمل عن بعد، تبقى في نهاية المطاف، إيجابياتها أكثر من سلبياتها، إذا تمت عملية الاختيار والتوظيف، بشكل صحيح، وتحقق مستوى كاف من التواصل، بين المشغل والأجير، يسمح بإمكانية تحقيق عنصر التبعية، الذي يميز العلاقة الشغلية، وهو ما سنتطرق له بتفصيل بعد قليل.
ثانيا: مدى توافر رابطة التبعية في العمل عن بعد
تعتبر التبعية، العنصر المميز لعقد الشغل، عن باقي العقود، وبالتالي، فالتكييف القانوني لعقد العمل عن بعد، ومدى اعتباره عقد شغل، وبالتالي خضوعه للقانون الاجتماعي، متوقف على مدى توافرها على مستواه، خاصة، وأن علاقة الأجير والمشغل في العمل عن بعد، تتمتع بنوع من الازدواجية، التي يصعب معها، تأكيد وجود عنصر التبعية، إذ يكون الأجير مستقلا فيه، لأن العمل المنجز، يتم خارج المقاولة، لكن مقابل ذلك، فالأجير عن بعد يكون تابعا، من حيث خضوعه لأوامر المشغل، وسلطته، في ما يخص الإنتاجية كما وكيفا.
ومحاولة لحل هذه الإشكالية، يجب التأكد بداية، من مدى إمكانية إخضاع علاقة الشغل عن بعد، للمفاهيم التقليدية للتبعية.
تجدر الإشارة، أن التبعية في العمل عموما، تأخذ شكلين أساسيين: التبعية القانونية، والتي عرفها الفقه[41] بأنها: ” خضوع العامل، أثناء وبمناسبة أدائه لعمله، لإدارة، وإشراف، وسلطة من يمارس العمل لحسابه. ويقابل ذلك من جهة أخرى، تمتع هذا الأخير، بحق توجيه العامل فيما يقوم به من عمل، وإصدار الأوامر بشأنه، ومراقبة حالة تنفيذه، بل وتوقيع عقوبات عليه، عند مخالفته للأوامر الموجهة إليه.”
وهي أصل التبعية في التشريع المغربي، وهذا ما يظهر جليا، في المادة السادسة من المدونة، التي تنص على أنه: “يعد أجيرا، كل شخص، التزم ببذل نشاطه المهني، تحت تبعية مشغل واحد أو عدة مشغلين، لقاء أجر أيا كان نوعه وطريقة أدائه.”
ومن خلال التعاريف المذكورة، تظهر صعوبة تخيل تبعية قانونية، على مستوى العمل عن بعد، وذلك لأن هذه التبعية، تتطلب الخضوع لسلطة المراقبة والإشراف المباشرين للمشغل على عمل الأجير، مما تتطلب التواجد حتما، داخل المقاولة.
أما الشكل الثاني للتبعية، فقد ظهر بعد الحرب العالمية الأولى، إذ فرضه التطور الحديث لوسائل الإعلام والاتصال، الذي أحدث طرق عمل جديدة، أصبحت التبعية القانونية عاجزة عن استيعابها، فظهرت التبعية الاقتصادية، كمعيار لتكييف العمل التابع، وتمييزه عن العمل المستقل، والذي نادى بها لأول مرة الفقه الفرنسي، سنة 1913، وحدد شرطي قيامها[42]. ويقصد بالتبعية الاقتصادية، أن الأجير لا يخضع أثناء قيامه بعمله، إلى توجيه وإشراف وإدارة المشغل، وإنما يكفي القول بوجود عقد الشغل، رغم غياب مظاهر الخضوع والانصياع، بمجرد قيام حاجة الأجير للأجر، الذي يحصل عليه من طرف مشغله، واعتماده كمورد رزقه الرئيسي والوحيد [43].
وهو المفهوم الذي تم الأخذ به، بصفة استثنائية، من قبل المشرع المغربي، استدراكا للنقص الذي يعتري الاعتماد الكبير، على التبعية القانونية، وذلك بإدخال فئات لا تتوفر فيها شروط التبعية القانونية، في نطاق قانون الشغل، كعمال المنازل، والصحفيين المحترفين، والممثلين، والوسطاء التجاريين. ولكن ظلت هذه الحالات على سبيل الاستثناء، وفي غير هذه الحالات، لا يمكن تطبيق مقتضيات قانون الشغل، إلا إذا كان الشغل المؤدى قد أنجز في إطار التبعية القانونية، مع استثناء خدم المنازل، وأجراء الصناعة التقليدية.
والواقع، أن التبعية الاقتصادية التي يعتبر فيها الأجر الذي يتقاضاه العامل نظير عمله هو المصدر الوحيد أو الأساسي له، لا يمكن الاستناد إليها أيضا، لتكييف العمل عن بعد، نظرا لما يوجه إليها من مثالب، تتمثل بشكل أساسي، في توسيع نطاق قانون العمل، ليشمل العاملين التابعين، والمستقلين، الذين يعتمدون في معيشتهم على أجورهم.
وارتباطا بموضوعي، المقرون بعقد الشغل عن بعد، وملائمته مع التشريعات الاجتماعية، ونظرا لعدم وجود تأطير واضح له، على مستوى التشريع الوطني، وعدم قدرة كل من التبعية الاقتصادية أو القانونية على استيعابه، كلها أسباب، دفعتني إلى النظر في بعض المقتضيات التشريعية المشابهة له، كما هو الشأن بالنسبة للأجير المستقل، أو المنزلي، لمقاربة حدود ضوابطها، قصد الوقوف على مدى إمكانية تطبيق نظامهما على الأجراء عن بعد.
وفي هذا الإطار، وكما أشرت سابقا، فقد اكتفى المشرع المغربي، على تحقق التبعية الاقتصادية فقط، عندما يتعلق الأمر بأجراء المنازل، إذ من خلال المادة الثامنة من مدونة الشغل، نجد أن المشرع تطرق لتحديد صفة الأجير المنزلي[44]، وأكد على أنه بتوفر الشرطين المذكورين في المادة، يعد الشخص أجيرا مشتغلا بمنزله، ومستفيدا من مدونة الشغل، سواء بوجود أو انتفاء علاقة التبعية القانونية، بعدما كان الاتجاه السائد، أن الأجير المنزلي يعتبر أجيرا مستقلا، وهنا يظهر لنا التشابه، بين العمل المنزلي والعمل عن بعد، وبالتالي إمكانية تطبيق المقتضيات المنظمة للأسلوب الأول على الثاني.
لكن رغم ذلك، فإن أغلب التشريعات المقارنة، استبعدت خضوع الأجراء عن بعد لنظام العمل المنزلي، وذلك راجع بالأساس، إلى أن نظام العمل المنزلي، محصور فقط على الأجراء اليدويين travailleur mannuels ، وهذا ما نص عليه المشرع المغربي، في تعريفه لهذه الفئات، في ظهير 6 فبراير 1963 ، المتعلق بحوادث الشغل والأمراض المهنية.
وبالتالي، ومن خلال ما سبق، يمكن استنتاج أن المعايير التقليدية لقانون الشغل، عاجزة عن تكييف العلاقة التي تربط الأجير عن بعد بمشغله، خاصة وعجز إسقاط قواعد أساليب مشابهة له عليه.
كل هذه الأسباب، دفعت بالفقهاء، لتبني معايير حديثة، تتلاءم وتطور هذه الطريقة من العمل، وظهر ما يعرف بالتبعية عن بعد «télé-subordination».
إذ بفضل تطور الوسائل الحديثة للإعلام والاتصال، ساهمت في تعويض استحالة المراقبة المادية للأجير عن بعد، بمراقبة من نوع آخر، وذلك عن طريق بعض البرامج المدمجة، التي تستطيع مراقبة إنتاجية الأجير، وأوقات عمله بدقة متناهية، مما يساعد على حماية المصالح الاقتصادية للمشغل، وبالتالي، ظهرت تبعية قانونية بمفهوم حديث، والتي تصلح حتما كمعيار يمكن الاستناد عليه، لتكييف العلاقة الشغلية عن بعد، خاصة وأن مراقبة المشغل لنشاط الأجير، أصبحت ممكنة مع تطور الوسائل التقنية من جهة، وكذا التوسع في مفهوم التبعية من جهة أخرى، وجعل تحقق رقابة الأجير من قبل من هم أعلى درجة منه في العمل “الرؤساء”، والتي تعد ضرورية لتحقق التبعية التقليدية، ممكنة التحقق في إطار العمل عن بعد.
ومن أبرز الوسائل المعتمدة لتحقيق هذه الرقابة، نجد تقنية المراقبة عبر شبكة الأنترنيت «cyber surveillance»، التي تتم كذلك عن طريق برامج مدمجة في الحاسوب المركزي للمقاولة، ومرتبطة بالحاسوب الشخصي للأجير، وتفرعت عنها تقنيات عديدة، كتقنية للمراقبة عن طريق الفيديو« vidéo Surveillance ».
وعموما، فبعد التأكد من إمكانية تطبيق المقتضيات الاجتماعية على عقد الشغل عن بعد، بحكم توفر ركن التبعية على مستواه، يتنامى فضول عند الباحث، حول الخصوصيات المتعلقة بهذا العقد، والتي تميزه عن عقد الشغل التقليدي.
الفرع الثاني: خصوصيات إبرام وإنهاء عقد الشغل عن بعد
يعتبر عقد الشغل، من العقود الرضائية، والتي لا يستلزم لقيامه، أي شكل معين، اللهم في بعض الحالات، التي نص فيها المشرع على ضرورة الكتابة، كتشغيل الأجراء الأجانب.
وعقد الشغل كغيره من العقود، ولكي ينهض صحيحا، لا بد من توافره على جميع أركان العقد، المنصوص عليها في القواعد العامة، غير أن عقد العمل عن بعد، يعرف بعض الخصوصيات، سواء من حيث إبرامه أو إنهائه.
الفقرة الأولى: إبرام عقد الشغل عن بعد
إن بروز عصر السرعة، جعل الوقت يصبح العملة الأهم، التي يسعى الإنسان للحفاظ عليها، وبالتالي، يحاول دائما، البحث عن أساليب لتقليص المدد اللازمة لممارسة أي إجراء، خاصة في المجال الشغلي، الذي يتطلب إبرام عقود لجعل العلاقة الشغلية قانونية.
وقد ساهم التطور الرقمي السريع، الذي شهدته مختلف المجالات، والتي لم يكن عالم الشغل في منأى عنه، في تحقيق هذه الغاية، إذ أنتج بدائل جديدة، لإنشاء وتبادل المعطيات عبر شبكة الإنترنيت، ومكن من إبرام عقود إلكترونية، بدل العقود التقليدية، التي تستهلك الوقت والجهد، خاصة على مستوى أسلوب العمل عن بعد، إذ رغم إمكانية إبرام هذا العقد بطريقة تقليدية، إلا أن المعيقات العديد للإبرام التقليدي وضياع الوقت والجهد، الذي يحصل على مستواه، شجع اللجوء لإبرام هذا العقد، بطريقة إلكترونية، وانتشر اعتماده كعقد إلكتروني.
وقد سارعت مختلف التشريعات، لملائمة قوانينها مع هذا التطور، والمشرع المغربي لم يكن استثناء، إذ أصدر القانون رقم 53.05 [45]، المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، المتمم والمعدل لقانون الالتزامات والعقود، والذي تضمن مجموعة من المحاور، تخص مجال التجارة الإلكترونية، تجلت أساسا في كيفية إبرام العقود الإلكترونية، وتشفير المعطيات، والتوقيع الإلكتروني، والمصادقة الإلكترونية.
وبالتالي، أصبح ممكنا إبرام عقد العمل عموما، وعقد العمل عن بعد خصوصا، بطريقة إلكترونية، دون حاجة للتواصل المادي بين أطرافه. لأنه بالرجوع لهذا القانون، نجد أنه استثنى من نطاق تطبيقه فقط، التصرفات المتعلقة بمدونة الأسرة، والمحررات المعرفية المتعلقة بالضمانات الشخصية أو العينية، سواء كانت ذات طبيعة، مدنية أو تجارية، ما عدا المحررات المنجزة من لدن شخص لأغراض مهنته[46].
وتجدر الإشارة، أن المشرع المغربي، لم يعرف على غرار كثير من التشريعات الأخرى، العقد الإلكتروني، وإنما اكتفى فقط، بالإشارة إلى الوسيلة المستخدمة في إبرامه.
وخلافا له ،عرفته المادة الثالثة من قانون المبادلات والتجارة الإلكترونية التونسية: “بالمبادلات التي تتم باستعمال الوثائق الإلكترونية.” لكن هذا التعريف، هو تعريف قاصر، بحكم ارتكازه فقط على الوسيلة المستخدمة في إبرام العقد الإلكتروني، دون الاهتمام، إلى ما ينبغي أن يرد فيه من مكونات، تأكد تميزه عن العقد التقليدي[47].
ولتجاوز هذا القصور، فقد عرف كالتالي: “كل عقد يحرر على دعامة إلكترونية، يتم بتلاقي العرض والقبول، أو ينفذ كليا أو جزئيا، على شبكة دولية للاتصال عن بعد، عن طريق استعمال وسائل إلكترونية.”[48]
ولما يتوفر عليه هذا التعريف من خصوصيات، تميز العقد الإلكتروني عن العقد العادي، يمكن اعتماده، لاستنتاج خصوصيات إبرام عقد الشغل عن بعد، ما دام أنه الوسيلة الأنجع لإبرامه، الشيء الذي يبرر، اعتباره عقدا إلكترونيا كقاعدة.
إضافة إلى أنه لانعقاد عقد الشغل عن بعد، لا مناص من توافر أركان ابرام العقود، المنصوص عليها وفق القواعد العامة، وأي تساؤل حول مدى إمكانية إبرام عقد الشغل عن بعد، لا يعدو أن يكون سوى حديث عن مدى تحقق شرطي الرضا والأهلية، دون السبب والمحل، نظرا للإشكالات التي يطرحها هذين الشرطين في هذا الأسلوب.
الرضا: عقد الشغل هو عقد رضائي في الأصل، وهذا ما أكدته الفقرة الأولى من المادة 15 من مدونة الشغل، حيث نصت على أنه :”تتوقف صحة الشغل، على الشروط المتعلقة بتراضي الطرفين، وبأهليتهما للتعاقد، وبمحل العقد، وبسببه كما حددها قانون الالتزامات والعقود…”
وكما هو معلوم، فالرضا لا يتحقق، إلا باقتران الإيجاب والقبول، بغض النظر عن الشغل الذي يمكن أن يصب فيه.
والثابت في العقود التقليدية، أن التعبير عن الإرادة، يتم وفق أشكال مختلفة، تتمثل في الكتابة والإشارة والقول والخطاب، لكن مع التطور التكنولوجي، ظهرت وسائل أخرى للتعبير عن الإرادة، والتي عمل المشرع المغربي، سيرا على نهج العديد من التشريعات، على استحداث خصائص ومميزات جديدة، أضافها إلى الإيجاب التقليدي، تماشيا مع الوسائل الحديثة للتعبير عن الإرادة، وأطلق عليها الإيجاب الإلكتروني.
والإيجاب في إطار عقد الشغل عن بعد، أو ما يعرف بالإيجاب الإلكتروني، قد يتخذ أشكالا متعددة من أبرزها:
-الإيجاب عبر البريد الإلكتروني: وهو يشبه الحالة التي أتى بها المشرع في الفصل 24 من قانون الالتزامات والعقود، المتعلقة بحالة التعاقد بالرسائل[49]، لاسيما إذا كان الإيجاب، تفصله فترة زمنية مع القبول الذي سيقترن به.
ويمكن أن يكون هذا الإيجاب موجها لشخص محدد، وهنا نكون أقرب للإيجاب الصادر عن طريق الفاكس والبريد العادي، إذ يحتاج المشغل إلى فترة زمنية فاصلة، لاستلام الإجابة من القابل.
ويكون الإيجاب غير ملزم، إلا إذا تضمن ما يلزم الموجب بالبقاء على إيجابه، لفترة محددة، وعموما، إذا كان غير ملزم، فيمكن أن يتم به العقد متى كان باتا. كما يمكن أن يسقط في حالة رفضه، عن طريق البريد الإلكتروني، أو التعديل فيه، أو انقضاء مدته. كما يمكن الرجوع عنه، بنفس الوسيلة، أو عن طريق اتصال هاتفي[50].
أما إذا كان هذا الإيجاب موجها لعدة أشخاص، قصد اختيار بعضهم، فالمؤجر يبقى ملتزما بإيجابه خلال المدة المحددة في هذا الإيجاب. وفي حالة عدم تحديدها، يبقى ملتزما بإيجابه، ما دام بالإمكان الولوج إلى هذا الإيجاب، بطريقة إلكترونية[51].
وفي الحالتين معا، إذا أقفل الأجير الموجب إليه حاسوبه، أو أعطى إشارة بانتقاله إلى موقع آخر، فإن ذلك يفيد رفض إيجاب المشغل[52] .
-الإيجاب عبر المحادثة أو المشاهدة عبر الأنترنيت: وتكون الحالة هنا، مشابهة لحالة الإيجاب بالهاتف، بل أنه في حالة تصدير الإيجاب عبر المحادثة المسموعة، نكون أمام مجلس عقد افتراضي، يقترب جدا من المجلس الحقيقي. إذ يمكن تحقق إيجاب وقبول، وتوافق بينهما، فنكون أمام قواعد تعاقد بين حاضرين، مادام العقد يقصد به الفترة الزمنية، الفاصلة بين صدور الإيجاب واقترانه بالقبول.
-الإيجاب عبر شبكة المواقع ـwebـ :ويكون الإيجاب هنا في الغالب، موجها للعموم، على شكل دعوة لإبرام عقد الشغل، ويحتفظ من صدر عنه التعبير لنفسه، بحق الموافقة على من يتقدم إليه، بناء على الدعوة التي وجهها[53].
وعموما، فرغم تعدد صور الإيجاب الإلكتروني، فيلاحظ تشابهها نوعا ما، مع الطرق التقليدية للتعبير عن الإيجاب، وبالتالي فلا مناص من تطبيق المقتضيات المتعلقة بالإيجاب التقليدي عليه، خاصة مع تطابق الأحكام العامة في الإيجابين، مع بقاء الاختلاف بينهما قائما، بسبب تمام التعبير عن الإيجاب الإلكتروني بطريقة شبكية.
وإلى جانب الإيجاب، يعد القبول، العنصر الثاني من التراضي، فهو موافقة الموجب إليه على الإيجاب، دون تعديل. وفي مجال التعاقد عن بعد، يخضع هذا العنصر للقواعد والأحكام العامة، على اعتبار أنه لا يختلف عن القبول التقليدي، سوى من حيث الوسائط المستعملة للتعبير عنه[54].
لكن على خلاف القبول التقليدي، الذي يمكن توجيهه صراحة أو بشكل ضمني، فإنه من الصعب تصور القبول الضمني، في العقد الإلكتروني، لأن هذا القبول، يتم عن طريق الحاسوب، ومن خلال برامج إلكترونية، لا يمكن استخلاص إرادة المتعاقدة منها.
أما على مستوى الوقت، الذي يعتد به في إبرام عقد الشغل عن بعد، فقد تجاذبه اتجاهين: الأول، يقول بالاعتداد بلحظة تصدير القبول من قبل الأجير، حيث يتم الضغط على الأيقونة المخصصة للإعلان عن الموافقة، أو إرسال رسالة تتضمن القبول، لكن هذا الحل، سيواجه صعوبات، خاصة على مستوى الإثبات، لأن القبول، يكون له وجود فقط، على جهاز الحاسوب الخاص بالقابل.
أما الاتجاه الثاني، فقد اعتبر لحظة إعلان القبول، هي التي ينبغي الاعتداد بها، للقول بإنتاج هذا العنصر لأثره، والتي تتحقق، بمجرد البداية في تحرير الرسالة الإلكترونية، أو وضع اليد أو سهم الشاشة الحاسوبية في الإطار الخاص بالقبول، دون انتظار لحظة إرسال الرسالة، أو الضغط النهائي على الإطار المذكور.
لكن المنطق القانوني السليم، لا يستسيغ معه الاعتداد بما ذكر، ليفيد قبول التعاقد، إذ أن الأمر سيكون بمثابة الاعتداد بنية القبول، دون الاعتداد بحقيقة إرادة القابل، وبالتالي، فالأسلم كما أكد على ذلك أحد الباحثين[55]، هو الأخذ بالوقت الذي يتسلم الموجب إليه فيه الرد، سواء على موقعه أو بريده الإلكتروني.
لكن وبحكم أن المشرع المغربي على مستوى القواعد العامة، يعتد بلحظة التعاقد عن بعد في قالبه التقليدي ـ عن طريق المراسلة أو الرسول ـ ، وهو الشيء الذي لا يساير تطور وسائل هذا النوع من التعاقد، التي أصبحت معه هذه اللحظة غير مجدية، خاصة أمام تطوير إمكانية اختراق المواقع ،على الشبكة الإلكترونية، تدخل القانون المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، وذلك بإقراره ضمانات، تفوق الضمانات المتوفرة في الاعتداد بلحظة إطلاع الموجب على القبول، أو ما يعرف بنظرية استلام القبول. إذ أصبح من اللازم تسلم القابل للإشعار بالتوصل من قبل الموجب، الشيء الذي يتحقق، بدخول الرسالة أو البيان إلى النظام المعلوماتي للمرسل إليه[56]. كما أكد على وجوب توفر شرطين آخرين، وهما التحقق من تفاصيل الطلب، وفي حق المراجعة، قبل التأكد أو الإرسال النهائي[57].
أما بخصوص مكان إبرام العقد، في العمل عن بعد، فأمام سكوت المشرع عن هذا الأمر، يبقى للمتعاقدين، الحرية في اختيار القانون الواجب التطبيق، وكذا للجوء إلى الواسطة أو التحكيم.
الأهلية: نص الفصل الثاني من قانون الالتزامات والعقود، على أن أهلية الالتزام، ركن أساسي، لصحة الالتزامات، الناشئة عن التعبير عن الإرادة، ووضع قاعدة في الفصل الثالث مضمونها، أن “…كل شخص أهل للالتزام، ما لم يصرح قانون أحواله الشخصية بغير ذلك”. وبالتالي، فوجود العقد، مشروط بتوفر أهلية الأداء عند المتعاقد، وإلا بطل الالتزام الناشئ عن العقد.
وإذا كان من السهل التثبت من أهلية المتعاقد، وهويته في العقود التقليدية، حيث يكون مجلس العقد الجامع بين المتعاقدين حقيقيا، فإن الأمر يستعصي في إطار العقود الإلكترونية، مثل عقد الشغل عن بعد، إذ يصعب على المشغل عبر شبكة دولية مفتوحة للاتصال عن بعد، التحقق من أهلية الأجير لعقد العمل معه، الشيء الذي يهدد بضياع حقوق المتعاملين، وبالتالي تقل الثقة في التعاقد عن بعد، وتبعا في أسلوب العمل عن بعد.
إلا أن لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي، وضعت مقتضيات أطلق عليها اسم قانون الأونسيترال النموذجي، بشأن التوقيعات الإلكترونية، لسنة 2001[58]. تحث من خلالها دول العالم، على تنظيم مهنة مقدم خدمات التصديق، التي تسهل على المتعاقد التأكد من هوية وأهلية الطرف الآخر، وبالتالي أصبح من الممكن التأكد من هوية الأجير، وكذا المشغل، عند إبرام عقد الشغل عن بعد.
وقد استجابت الدول لذلك، بطرق مختلفة، فإذا كان المشرع التونسي، قد أحدث لهذا الغرض وكالات وطنية للمصادقة الإلكترونية، تتمتع بشخصيتها المعنوية، واستقلالها المالي[59]، فالمشرع المغربي، فرض وجود طرف ثالث محايد في العلاقة التعاقدية، لضمان سلامة المعاملات الإلكترونية، وأسماه بمقدم خدمات المصادقة الإلكترونية، ونظم هذه المهنة، بمقتضى الفصول، 20و21و23و24 من القانون 53.05، حيث فرض عليه العديد من الالتزامات: أولها، التحقق من أهلية وصفة متسلم الشهادة الإلكترونية[60]، عن طريق تقديم وثائق تثبت ذلك، مع ضرورة حفظ مميزاتها ومراجعها. وثانيا، التأكد من صحة معلومات الشهادة، ومطابقة معطيات إنشاء التوقيع، ومعطيات التحقق منه التي تتضمنها وقت التسليم[61].
وكما سبقت الإشارة، فإن عقد الشغل لا يكون صحيحا، إلا إذا كان عاقديه متمتعين بأهلية الالتزام، وهذا ما أكدت عليه المادة 15 من مدونة الشغل، لكن أمام مقتضيات المادة 143 من مدونة الشغل، التي تسمح للقاصر بالاشتغال، عند بلوغه خمسة عشر سنة، طرح تساؤل، حول مدى إمكانية إبرام القاصر لعقد الشغل عن بعد.
وهنا، يمكن التمييز بين حالتين: حالة عدم وصول القاصر لسن 15 سنة، والتي يعد العقد الذي يبرمه هذا القاصر عن بعد باطلا بطلانا مطلقا، حتى ولو كان الإبرام بمساعدة النائب القانوني، طالما أن القانون، يمنع عليه الاشتغال وبالتالي العمل عن بعد. وحالة بلوغ القاصر لسن الخامسة عشر، دون وصول 18 سنة، والتي استثناها المشرع المغربي، من قاعدة وجوب توفر أهلية الالتزام، إذ اعتبر العقد المبرم من قبل هذا القاصر صحيحا، شريطة مساعدة نائبه القانوني في الإبرام، لأن القاصر يكون هنا، أهلا من الناحية القانونية، لممارسة الشغل التابع الخاضع لمدونة الشغل. كما تنص على ذلك الفقرة الثانية من الفصل 725 من قانون الالتزامات والعقود. أما إذا أبرم عقد الشغل دون مساعدة نائبه القانوني، فيبقى هذا التصرف تصرفا دائرا بين النفع والضرر، وبالتالي قابلا للإبطال، إعمالا بمقتضيات الفقرة الأولى من الفصل الرابع من قانون الالتزامات والعقود، مع إمكانية تصحيحه إذا وافق النائب القانوني عليه، تطبيقا لمقتضيات الفقرة الثانية من الفصل الرابع من قانون الالتزامات والعقود، سواء كانت هذه الموافقة صريحة أو ضمنية. وبالتالي يكون العقد والعمل عن بعد المنجز من قبل هذا القاصر في هذه الحالة صحيحا شريطة مساعدة نائبه القانوني طبعا.
ورغم انتقاد هذا الرأي من قبل بعض الباحثين[62] بالتأكيد على أنه لا مجال لإبرام القاصر لعقد الشغل عن بعد، في إطار التنظيمات العالمية الحالية، ما دام التعامل مع جهات التصديق مشروط بتوافر الأهلية، وبالتالي يستوجب استبعاد أي إبرام لهذا العقد في حالة الأجير القاصر، إلا أن هذا الرأي، يظل محل نظر لاعتبارات عديدة: أولها، أن المادة 143 لم تمنع القاصر البالغ 15 سنة من الشغل، فيمكنه إبرام كل أنواع عقود الشغل، وبالتالي فلا منطق من استبعاد عقد الشغل عن بعد من هذا التعميم، يكفي في ذلك احترامه لاستشارة وموافقة نائبه القانوني، وإدلاء هذا الأخير بما يفيد النيابة، أمام السلطة الوطنية، المكلفة باعتماد ومراقبة المصادقة الالكترونية. كما يجب مراعاة خصوصيات عقد الشغل عن بعد، في هذا الإطار، وما يتميز به من مرونة في التنفيذ، الشيء الذي يجب أن ينعكس على إبرامه كذلك. إضافة إلى أنه، وفي ظل غياب نص صريح، ينظم مسألة إبرام القاصر الأجير لعقد الشغل عن بعد، فليس هناك ما يمنع من استفادة هؤلاء الأجراء، من مقتضيات مدونة الشغل.
رغم تعدد المميزات التي تطبع إبرام عقد العمل عن بعد، إلا أنها لا تقارن بالخصوصيات التي يشملها انتهائه.
الفقرة الثانية: إنهاء عقد الشغل عن بعد
يمكن إنهاء عقد الشغل لأسباب متعددة، إذ ينتهي بانتهاء المدة المتفق عليها، أو بانتهاء الشغل الذي أبرم العقد لأجله، كما يمكن إنهاؤه بإرادة منفردة مع احترام أجل الإخطار.
ورغم إمكانية إنهاء عقد الشغل عن بعد عند تحقق إحدى الأسباب المذكورة أعلاه، إلا أن إبرام عقد الشغل بطريقة إلكترونية، أظهر مجموعة من الأسباب الأخرى، التي يمكن على مستواها إنهاء هذا العقد، إما بطريقة مبررة أو غير مبررة.
أولا: الإنهاء المبرر لعقد الشغل عن بعد:
أدى التطور التكنولوجي، إلى ظهور أخطاء جديدة، يمكن أن يرتكبها الأجير عند مزاولته للعمل عن بعد، والتي يمكن على إثرها إنهاء عقد الشغل بطريقة مبررة، كإجراء تأديبي، عند تكييف هذه الأخطاء على أنها جسيمة.
ودون الخوض في هذه الأخطاء، تفاديا للتكرار، إذ سأعمل على التطرق لها بتفصيل في المطلب القادم، سأكتفي بالتأكيد هنا، على أن الفصل الذي يترتب عنه إنهاء عقد الشغل في هذه الحالة، قد أشمله المشرع المغربي بالضمانات المنصوص عليها في المواد 61 إلى 65 من مدونة الشغل. ومن أبرزها، منح الأجير فرصة قصد الدفاع عن نفسه، بالاستماع له من طرف المشغل، وتحرير محضر، من قبل إدارة المقاولة في الموضوع، مع التوقيع عليه من قبل الطرفين، وكذا تبليغ قرار الفصل للأجير، وضرورة توجيه نسخة منه إلى مفتش الشغل.
لكن هذه الضمانات، تصدم بمجموعة من الإشكالات، التي تمنع الأجير عن بعد، من الاستفادة منها في جميع الصور، التي يمكن أن يتخذها هذا الأسلوب، خاصة إذا كان الأجير يمارس العمل عن بعد من منزله، فلا يمكنه مثلا الانتقال من الدولة التي يقطنها، إلى دولة المشغل، ليستفيد من ضمانة تبرير موقفه أمام هذا الأخير، إذ في أغلب الأحيان، تكون مصاريف التنقل، أكبر مما سيتحصل عليه في حالة إثبات أن الفصل كان تعسفيا.
زيادة على أن صعوبة الإثبات، التي تعتري هذا النوع من العمل عموما، والتي سأتطرق لها كذلك بتفصيل في المبحث الثاني، تجعل إثبات المشغل ارتكاب الأجير لخطأ جسيم أمرا شاقا، وفي بعض الأحيان شبه مستحيل.
كما أن مفتش الشغل في العمل عن بعد، يصطدم بدوره، في كثير من الأحيان، بعرقلة عمله، بسبب العديد من الإكراهات، من أبرزها: حرمة منزل الأجير، التي تمنعه من ولوج هذا الأخير، وبالتالي يصعب التثبت من المخالفات التي ارتكبت.
كما يمكن أن ينتهي عقد الشغل عن بعد لأسباب مبررة اقتصادية، والتي تعتبر السبب الثاني لإنهائه بشكل مبرر، وتعد النقطة الوحيدة التي أشار فيها المشرع المغربي إلى التطورات التكنولوجية، كسبب من أسباب الفصل، والتي عرفها بعض الفقه[63] على أنها: “كل ما قد تعرفه أدوات وآليات العمل، بل وأساليبه، من تطور، نتيجة الطفرة العلمية التي يعرفها العالم، والتي يصعب على بعض الأجراء، استيعابها أو مجاراتها، مما قد يقتضي الاستغناء عنهم، طالما أنه ثبت عجزهم عن مواكبة التطور التكنولوجي، الذي قد تعرفه المؤسسة أو المقاولة المشغلة، سواء على مستوى أدواتها، أو معداتها، أو على مستوى أساليب وتقنيات عملها.”
وبحكم أن العمل عن بعد، يقوم أساسا كما سبق الذكر، على وسائل الإعلام والاتصال الحديثة، فيمكن إنهاء عقد الشغل على مستواه، في حالة عدم قدرة الأجير، على استيعاب هذه الوسائل، أو عدم توفره على الكفاءة، لمجاراة سرعة تطورها.
لكن رغم ذلك فقد أكدت مختلف التشريعات، على بعض الضوابط التي يجب مراعاتها، قبل اللجوء للفصل لهذه الأسباب، فنصت المادة L432-2، من مدونة الشغل الفرنسية، على أن المشغل، ملزم بإعادة تكييف أجرائه، مع المستجدات التكنولوجية[64]، كما أكد المشرع المغربي، على ضرورة استشارة ممثلي الأجراء، قبل اللجوء إلى مسطرة الفصل، وتدارس الأسباب التي يمكن أن تحول دون تطبيقها، أو يمكن أن تقلل من آثارها السلبية، وفي حالة تعذر ذلك، تطبق مقتضيات المادة 71 ،التي تعطي الأجراء المفصولين، حق الأولوية في إعادة التشغيل، وفق ما هو منصوص عليه في المادة 508[65]، مع مراعاة مجموعة من الضمانات الأخرى، كحق التكييف[66]، وحق الترتيب[67] ،وحق التعويض .
ورغم تأكيد مجموعة من الباحثين[68]، على ضرورة تمديد هذه الضمانات للأجير عن بعد، متى تم إنهاء عقد العمل عن بعد لدواعي اقتصادية، وذلك مثلا، بإرجاع الأجير إلى المقاولة، وتوفير عمل له من نفس القيمة، ودرجة العمل السابق الذي اشتغله، أو أقل منه، في حالة عدم وجود ذلك العمل، لتحقيق إعادة الترتيب، معللين ذلك، بأن العمل عن بعد، لا يجب اعتباره استثناء من القاعدة، والتي تأكد على ضرورة الرجوع إلى القواعد العامة، في كل مسألة لا نجد لها حلا في المقتضيات الخاصة، كما هو الشأن بالنسبة للاتفاق الأوربي، الذي أقر حق الأجير في العدول عن العمل عن بعد[69]، وطلب الرجوع إلى العمل داخل المقاولة، لكن دون التطرق إلى الحالة التي يتعذر فيها هذا الرجوع، فالقواعد العامة، هي التي يمكن أن تسعفنا في هذا الإطار. إلا أن هذه الضمانات، يصعب أحيانا منحها للأجير عن بعد، بسبب الخصوصيات التي يتميز بها هذا الأسلوب من العمل، والذي لا يكفي على مستواها، إسقاط القواعد العامة على وضعياته، خاصة في حالة الأجير عن بعد، المتواجد في دولة غير دولة المشغل، الذي لا يمكن تصور تمتعه بحق الترتيب، اللهم إذا استفاد من التعويض عن فقدان الشغل، دون إعادة الترتيب أو التكييف، الأمر الذي يتطلب من المشرع، ضرورة التنصيص على قواعد قانونية صريحة، لتحقيق ضمانات الفصل على مستوى هذا الأسلوب من العمل.
ثانيا: الإنهاء غير المبرر لعقد الشغل عن بعد:
يمكن أن ينتهي عقد الشغل عن بعد بطريقة غير مبررة، فبالإضافة إلى الحالات المنصوص عليها في المادة 36 من مدونة الشغل[70]، والتي لا تعد مبررات مقبولة لاتخاذ العقوبات التأديبية، أو الفصل من الشغل، فإن التقنيات الحديثة للإعلام والاتصال، التي أصبحت بنية تحتية مهمة في الشغل، فتحت الباب أمام ظهور بعض الأخطاء الجسيمة، المرتكبة من قبل المشغل، على غرار المنصوص عليها في المادة 40 من مدونة الشغل. وكلما أتى المشغل بعضها، وعلى إثرها غادر الأجير شغله، يعتبر فصله غير مبرر، يوجب التعويض، على اعتبار أن المادة 40 من المدونة، لم تأت على سبيل الحصر، وسأتطرق لهذه الأخطاء بتفصيل في المطلب القادم.
وعموما، فإن أسلوب العمل عن بعد، لم يحدث تغييرا فقط في طريقة إبرام أو إنهاء هذا العقد، إنما غير حتى فلسفة حماية الأجراء على مستواه، وذلك تماشيا مع التهديدات الجديدة، التي تعترضهم في أسلوب كهذا.
خاتمة:
ختامًا، من خلال ما سبق يُظهر أن العمل عن بُعد يمثل نموذجًا حديثًا يواكب التطورات التكنولوجية ويعزز من كفاءة العمل وتوسع فرص التوظيف. إلا أنه ومع ذلك، يظل نجاح هذا النموذج متوقفا بشكل كبير على ضرورة توافر إطار قانوني وتنظيمي مرن وقوي يضمن حماية المعطيات الشخصية ويوازن بين حقوق الأجراء واحتياجات المشغلين.
ولتحقيق ذلك، نقترح ما يلي:
- وضع إطار قانوني خاص ينظم العمل عن بعد ويضمن التوازن بين حقوق الأجراء في العمل وحماية معطياتهم الخاصة وأيضا حماية حقوق المشغلين في الرقابة على عمل الأجير.
- ضرورة تكثيف الجهود لتطوير التشريعات الوطنية وملائمتها في النصوص المتعلقة بالعمل عن بعد
- تعزيز الوعي بأهمية حماية الخصوصية ووضع جزاءات صارمة في حق المنتهكين.
تأمين بيئة عمل مرنة ومستدامة قادرة على مواجهة تحديات العصر الرقمي.
- cet accord cadre a été signé par les partenaires sociaux européens : CES(confédération européenne des syndicats de salariés) =
-UNICE/UEAPME(union des confédération de l’industrie et des employeurs d’Europe) ;
-CEEP (centre Européen des entreprises à participation publique des Entreprises d’internet Économique générale ↑
- Article 2 « le télétravail est une forme d’organisation et/ou de réalisation du travail utilisant les technologies de l’information dans le cadre d’un contrat ou d’une relation d’emploi dans laquelle un travail qui aurait également pu être réalise dans les locaux de l’employeur est effectué hors de ces locaux de façon régulière » ↑
- « tout travail effectue en un lieu ou loin des bureaux ou des ateliers centraux le travailleur n’a pas de contact personnel avec ses collègues mais peut communiquer avec eux en faisant usage des nouvelles technologies »voir Bernard E.GBEZO, travailler autrement ,la révolution de télétravail ,Revenue internationale du travail N°14 ,1995 ,p5 ↑
- Article 46 de la loi n°2012-387 , relative à la simplification du droit et à l’allégement des démarches administratives. Cette loi a complété́ le code de travail français et a créé́ notamment les articles L.1222-9 à –11 du Code du travail qui énonce :« Le télétravail désigne toute forme d’organisation du travail dans laquelle un travail qui aurait également pu être exécuté́ dans les locaux de l’employeur est effectué́ par un salarié hors de ces locaux de façon volontaire en utilisant les technologies de l’information et de la communication» ↑
- ↑
- الدليل الإجرائي للعمل عن بعد الصادر من طرف وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية تبعا لأهداف القرار الوزاري رقم (792) بتاريخ (12/02/1436هـ) والقرار الوزاري رقم (120453) بتاريخ (28/12/1438هـ) والقرار الوزاري رقم (101329) بتاريخ (01/06/1442هـ) ↑
- ظهير شريف رقم 1.03.194 ، المؤرخ في 14 من رجب 1424 (11 ديسمبر 2003 )، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5167، بتاريخ 8 ديسمبر 2003 ،ص 3969. ↑
- المادة 2 من القسم الأول من القانون 65.99 تنص على التالي: «تسري أحكام هذا القانون أيضا على:
1.الأشخاص الذين يضعون أنفسهم في مقاولة ما، رهن إشارة الزبناء لكي يقدموا إليهم مختلف الخدمات، سواء كان ذلك بتكليف من رئيس المقاولة أو برضاه؛
2.الأشخاص الذين عهدت إليهم مقاولة واحدة بمباشرة مختلف البيوعات وبتلقي مختلف الطلبات، إذا كان هؤلاء الأشخاص يمارسون مهنتهم في محل سلمته لهم المقاولة، ويتقيدون بالشروط والأثمنة التي تفرضها تلك المقاولة؛
3.الأجراء المشتغلين بمنازلهم. ↑
- منشور رقم 3/2020 ، صادر عن وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة محمد بنشعبون. بالرباط، في 15 أبريل 2020، موضوعه العمل عن بعد بإدارات الدولة. ↑
- Thierry Breton, Le télétravail en France situation actuelle, perspectives de développement et aspects juridiques, Paris, la Documentation française, (Collection des rapports officiels), 1994. ↑
- Bernard.E.Gbezo, travailler autrement la révolution du télétravail, op.cit. p5 ↑
- محمد عواد، خلدون موسى ومحمد إسماعيل، تأملات في إدارة الموارد البشرية، الناشر محمد يحيي عواد الأردن، 2009 ، ص47 . ↑
- أقصد هنا بالشغل التقليدي، هو الشغل الذي لا يتطلب مهارات مرتبطة بالإعلام والاتصال، كما هو الحال في الشغل عن بعد. وتجدر الإشارة إلى أن مشروع قانون رقم 34.06 القاضي بتحديد شروط الشغل والتشغيل المتعلقة بالعمال المنزليين، حدد مجموعة من الأشغال بمقتضى المادة الثانية،
كالتنظيف
الطبخ
تربية الأطفال أو العناية بفرد من أفراد البيت بسبب سنه أو عجزه أو مرضه أو كونه من ذوي الاحتياجات الخاصة
سياقة السيارة لأغراض البيت
إنجاز أعمال البستنة
حراسة البيت
حراسة البيت
فكل هذه الأشغال لا علاقة لها بما نحن بصدد دراسته. ↑
- قرار رقم (3) متعلق بإصدار تعليمات الخدمة المدنية بشأن نظام عمل الموظفين عن بُعد، صدر بتاريخ: 20 جمادى الأولى 1444هـ الموافق، 14 ديسمبر 2022م. ↑
- Vittorio Di Martino et Linda wirth, le Télétravail, un nouveau mode de travail et de vie, Revue internationale du travail, Vol 129, N°5, 1990 ,p586. ↑
- Fréderic robert ,le travail à domicile ,Edition Larcier, 2005 ,p64 ↑
- أسامة بن صادق طيب، العمل عن بعد، مركز الإنتاج الإعلامي، جدة ، سنة2000، ص 7 و8. ↑
- مايك جرى، نوبل هدرسون، جيل جردن، دليل العمل عن بعد، مرجع السابق، ص52 ↑
- Falque-pierrotin Isabelle , le télétravail en France , édition le forum des droits sur l’internet, 15 décembre 2004 ,p7 ↑
- حمدي أحمد سعد، العمل عن بعد (ذاتيته -تنفيذه)، دراسة تأصيلية تحليلية مقارنة في ضوء القواعد العامة لقانون العمل، دار الكتب القانونية، سنة 2010، ص21 ↑
- Falque-pierrotin Isabelle, le travail en France ,op.cit. ,p7 ↑
- Définition « La télématique est un concept qui recouvre les applications associant les télécommunications et l’informatique. Elle couvre aujourd’hui des applications dans différents domaines dont les transports. » https://fr.wikipedia.org/wiki/Informatique01/03/2024 à 18h30. ↑
- Vittorio Di Martino et Linda wirth :le Télétravail un nouveau mode de travail et de travail et de vie, op.cit. , P586 ↑
- مايك جارى، نويل هندرسون، جيل جوردن، المرجع السابق،ص60 ↑
- مايك جاري، نويل هندرسون، جيل جوردن المرجع السابق،ص59 ↑
- باسم محمد فاضل المدبولي، مقال حول “الحماية القانونية للعاملين عن بعد في ظل جائحة كورونا “،ص23 منشور على الموقع الالكتروني:
https://www.lloc.gov.bh/QTopics/Q11T01.PDF تاريخ الاطلاع 2024/03/01، على الساعة 3 مساء. ↑
- محمد عواد وخلدون موسى ومحمد إسماعيل، تأملات في إدارة الموارد البشرية، سلسلة ميس نحو ثقافة وظيفة، الناشر محمد يحيي عواد الأردن، سنة 2009، ص 47 ↑
- محمد عواد، تأملات في إدارة الموارد البشرية، الكتاب الثاني، الطبعة الأولى، سنة 2007 ، ص 47 ↑
- VITTRIO DI MARTINO et Linda wirth op.cit p 589 ↑
- التقرير الخامس لمؤتمر العمل الدولي ،الدورة 82 سنة 1990. ↑
- عرف المشرع المغربي المعاق في المادة الثانية من ظهير 10 شتنبر المتعلق بالرعاية الاجتماعية وللأشخاص المعاقين سنة 1993 ، على أنه “يعتبر بمثابة معاق بمفهوم هذا القانون كل شخص يوجد في حالة عجز أو عرقلة دائمة أو عارضة ناتجة عن نقص أو عدم قدرة تمنعه من أداء وظائفه الحياتية لا فرق بين من ولد معاقا ومن عرضت له إعاقة بعد ذلك” ↑
- طارق أحمد نوير، دراسة حول العمل عن بعد ومتطلبات التطبيق في مصر، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار مجلس الوزراء، القاهرة، سنة 2003 ، ص26 ↑
- طارق أحمد نوير، دراسة حول العمل عن بعد ومتطلبات التطبيق في مصر، المرجع السابق، ص30 ↑
- Pierre Morel A L’huissier, du télétravail au travail mobile, Edition la documentation française, paris ,2007, p120 ↑
- Bernard fusilier , pierre Lannoy, les techniques de la distance l’harmattan, paris, 1999, p57 ↑
- Bénarde E .GBEZO, travailler autrement la révolution du travail, p6 ↑
- إنشاء الحق في قطع الاتصال بواسطة القانون رقم 1088- 2016، الصادر بتاريخ 8 غشت 2016، الصادر تحت عنوان “الحق في قطع الاتصال”، الذي دخل حيز التنفيذ في الأول من يناير 2017. ↑
- ويبلغ عدد ساعات العمل، وفقا للقانون الفرنسي، 35 ساعة أسبوعيا منذ عام 2000. ↑
- محمد كشبور، عناصر عقد الشغل في التشريع الاجتماعي المغربي أداء العمل ، أداء الأجير، علاقة التبعية ، ،مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء،1995 ،ص144 ↑
- نادى الفقيه كوش « Cuche» بالتبعية الاقتصادية لأول مرة سنة 1913 وحدد شرطي تحقق التبعية الاقتصادية فيها كالتالي:
أ اعتماد الأجير على عمله من أجل العيش أي يكون عمله هو مورد رزقه الوحيد
ب أن يقضي في سبيل الحصول على هذا الأجر جميع وقته بحيث لا تكون لديه فرصة للعمل في مجال آخر ↑
- الحاج الكوري، القانون الاجتماعي المغربي ،مطبعة الحرف المعتدل ،سلا، الطبعة الأولى، سنة 1996، ص52 ↑
- نصت المادة على أنه: يعتبر أجراء مشتغلين بمنازلهم، في مدلول هذا القانون، من توفر فيهم الشرطان أدناه، دون داع إلى البحث عن وجود أو انتفاء علاقة تبعية قانونية تربطهم بمشغلهم، ولا عن كونهم يشتغلون أو لا يشتغلون مباشرة واعتياديا تحت إشراف مشغلهم، ولا عن كون المحل الذي يعملون فيه والمعدات التي يستعملونها ملكا لهم أو لا، ولا عن كونهم يقدمون، إلى جانب شغلهم، كلا أو بعضا من المواد الأولية التي يشتغلون بها، إذا كانوا يشترون تلك المواد من مستنجز شغل ثم يبيعونه الشيء المصنوع، أو يتسلمونها من مورد يعينه لهم مستنجز الشغل ويفرض عليهم التزود منه، ولا عن كونهم يحصلون بأنفسهم على المواد الإضافية أو لا يحصلون :
1.أن يعهد إليهم بصفة مباشرة أو بواسطة الغير بأن يؤذوا، لقاء أجر، شغلا لحساب مقاولة واحدة أو عدة مقاولات من المقاولات المبينة في المادة الأولى؛
2.أن يشتغلوا إما فرادى وإما بمعية مساعد واحد أو أزواجهم أو أبنائهم غير المأجورين. ↑
- أضيف بموجب ظهير رقم 1.07.129 صادر في 19 ذي القعدة 1428 (30 نوفمبر 2007 )، بتنفيذ القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية ،الجريدة الرسمية عدد 5584 بتاريخ 6 دجنبر 2007 ص 3880.
كما تم تعديله بالقانون رقم 43.20 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.100 بتاريخ 16 من جمادى الأولى 1442 (31 ديسمبر 2020) الجريدة الرسمية عدد 6951 بتاريخ 27 جمادى الأولى 1442 (11 يناير 2021). ↑
- الفقرة الثالثة من الفصل 1ـ2 من القانون رقم 53.05 ↑
- الأستاذ مصطفى مالك إبرام العقد بشكل إلكتروني، مؤتمر المغاربي الأول حول المعلوماتية والقانون الذي احتضنته العاصمة الليبية طرابلس يومي 27 و 28 أكتوبر 2009 ↑
- مصطفى مالك ،إبرام العقد بشكل إلكتروني، المرجع السابق ↑
- قانون الالتزامات والعقود صدر بظهير 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) الفصل 24 من قانون الالتزامات والعقود “يكون العقد الحاصل بالمراسلة تاما في الوقت والمكان اللذان يرد فيهما من تلقى الإيجاب وقبوله” ↑
- فايز عبد الله الكندري، التعاقد عبر شبكة لأنترنيت في القانون الكويتي ، مؤتمر الأعمال المصرفية بين الشريعة والقانون، منشورات جامعة العربية المتحدة ،سنة 2003 ،ص 600 ،وما يليها. ↑
- عبد الحميد أضريف، عقود الاستهلاك، البيع في المواصف ،التعاقد عن بعد ،مطبعة أميمة ،فاس 2006، ص 25 ↑
- أحمد خالد العجلوني ، التعاقد عن طريق الانترنيت ،دراسة مقارنة ،الدار العلمية للنشر والتوزيع ،دار الثقافة للنشر والتوزيع ،عمان 2002، ص 71 ↑
- أحمد خالد العجلوني، التعاقد عن طريق الانترنيت ،ص 73 ↑
- ↑
- رامي محمد علوان، التعبير عن الإرادة عن طريق الأنترنيت إثبات التعاقد الإلكتروني، مجلة الحقوق، العدد الرابع، الكويت ديسمبر 2002 ص 259 . ↑
- المادة 5-65 من القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية ↑
- ينص الفصل 5ـ65 من قانون الالتزامات والعقود المعدل والمتمم بمقتضى القانون 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية على أنه “يشترط لصحة إبرام العقد أن يكون من أرسل العرض إليه قد تمكن من التحقق من تفاصيل الإذن الصادر عنه ومن السعر الإجمالي ومن تصحيح الأخطاء المحتملة، وذلك قبل تأكيد الإذن المذكور من أجل التعبير عن قبوله يجب على صاحب العرض الإشعار بطريقة إلكترونية ودون تأخير غير مبرر وبتسلمه قبول العرض الموجه إليه” ↑
- أنظر الموقع الإلكتروني : https://uncitral.un.org/ar/texts/ecommerce/modellaw/ تاريخ الاطلاع: 2024\04\17على الساعة 5 صباحا. ↑
- المادة الثامنة من قانون المبادلات والتجارة الإلكترونية بتونس عدد 83 مؤرخ في 9 غشت 2000 يتعلق بالمبادلات والتجارة الإلكترونية ↑
- الشهادة الإلكترونية : بطاقة هوية على شبكة الأنترنيت تسمح بسيادة الثقة بين شخصين يجمع بينهما مجلس افتراضي ↑
- مصطفى مالك، إبرام العقد بشكل إلكتروني، المرجع السابق، ص12 ↑
- نبيل بوحميدي، التأصيل لإيرام عقد العمل عن بعد وإمكانية إثباته، ص 11 ، أشار إليه مراد الهيبي، في رسالة لنيل دبلوم الماستر في قانون العقود والعقار تحت عنوان: حماية الأجير في عقد الشغل عن بعد ـ دراسة مقارنةـ ، ص44 ↑
- محمد الشرقاني، محاضرات في مدونة الشغل المرتقبة، مشروع 99ـ67، مكناس ،السنة الجامعية 2000ـ2001، ص 159 ↑
- « lorsque l’employeur envisage de mettre en œuvre des mutations technologiques importantes et rapide, il doit établir un plan d’adaptation ». ↑
- تنص المادة 508 من مدونة الشغل، على أنه :”يجب على المشغل أن يعطي لقدماء الأجراء الدائمين أو المؤقتين عند عدم وجود الدائمين أسبقية في تشغيلهم في تخصص معين سواء منهم الذين فصلوا من شغلهم منذ أقل من سنة بسبب تخفيض عدد المناصب التي يشملها ذلك التخصص أو لتوقف مؤقت في نشاط المقاولة كلها أو بعضها أو الذين دعت الضرورة إلى تعويضهم بسبب مرضهم ” ↑
- حق التكييف: توفير تكوين ملائم لقدرات الأجير مع المستجدات التي قد تطرأ على منصبه ↑
- حق الترتيب: أو إعادة الترتيب فيقصد بها أنه في حالة حذف الوظيفة أو تغييرها نتيجة التحولات التكنولوجيا يجب اقتراح على الأجراء المعنيين منصب من نفس درجة منصب من نفس الدرجة وذلك عن طريق تعديل بنود الأساسية للعقد ↑
- مراد الهيبي، حماية الأجير في عقد الشغل عن بعد ـ دراسة مقارنةـ،، المرجع السابق، ص52 . ↑
- Accord-cadre du 3 juillet 2023 concernant le déploiement du télétravail dans les établissements du ministère de l’enseignement supérieur et de la recherche. article 2 « …L’agent ou l’autorité administrative compétente peuvent décider de mettre fin au télétravail à tout moment, par un écrit, moyennant le respect d’un délai de prévenance de deux mois (ce délai pourra être réduit ou supprimé en cas d’accord exprès des deux parties). » ↑
- نصت المادة 36 من مدونة الشغل على أنه:
لا تعد الأمور التالية من المبررات المقبولة لاتخاذ العقوبات التأديبية أو للفصل من الشغل :
– الانتماء النقابي أو ممارسة مهمة الممثل النقابي؛
– المساهمة في أنشطة نقابية خارج أوقات الشغل، أو أثناء تلك الأوقات، برضى المشغل أو عملا بمقتضيات اتفاقية الشغل الجماعية أو النظام الداخلي – طلب الترشيح لممارسة مهمة مندوب الأجراء، أو ممارسة هذه المهمة، أو ممارستها سابقا؛
– تقديم شكوى ضد المشغل، أو المشاركة في دعاوى ضده، في نطاق تطبيق مقتضيات هذا القانون؛
– العرق، أو اللون، أو الجنس، أو الحالة الزوجية، أو المسؤوليات العائلية، أو العقيدة، أو الرأي السياسي، أو الأصل الوطني، أو الأصل الاجتماعي؛
– الإعاقة، إذا لم يكن من شأنها أن تحول دون أداء الأجير المعاق لشغل يناسبه داخل المقاولة. ↑
- World Health Organization & International Labour Organization. (2022). Mental health at work: Policy brief. Geneva: WHO and ILO. Retrieved from: https://www.who.int/publications/i/item/9789240053052. visited 01-08-2024 at 13h35. ↑
- Mental Health Foundation. (2023, March 28). Ten workplace mental health statistics for 2023. Mental Health First Aid England. Retrieved from:
https://mhfaengland.org/mhfa-centre/blog/ten-workplace-mental-health-statistics-for-2023/. visited 01-07-2024 at 17h57. ↑






