القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري في ضوء أحكام نظام المنافسات والمشتريات الحكومية السعودي دراسة تحليلية من وجهة نظر الفقه والقضاء الدكتور : محمد ضياء محمد رفاعي
القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري في ضوء أحكام نظام المنافسات والمشتريات الحكومية السعودي دراسة تحليلية من وجهة نظر الفقه والقضاء
“Administrative Decisions Separatable from Administrative Contracts Under the Provisions of the Saudi Government Tenders and Procurement Law: An Analytical Study from the Perspective of Jurisprudence and Judiciary”
الدكتور : محمد ضياء محمد رفاعي
Dr : Mohamed diaa Mohamed
استاذ القانون الإداري المشارك بقسم القانون بكلية الشريعة والقانون – جامعة تبوك بالمملكة العربية السعودية
رابط DOI
https://doi.org/10.63585/DBJR3325
الملخص:
يتناول هذا البحث موضوع “القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري في ضوء أحكام نظام المنافسات والمشتريات الحكومية السعودي”، بوصفه أحد الموضوعات المتعمقة في مجال القانون الإداري، لما له من تأثير مباشر على إدارة العقود الإدارية وتحقيق التوازن بين مصلحة الإدارة وحقوق الأطراف المتعاقدة. وقد انصب التحليل على بيان ماهية هذه القرارات، حيث أوضح البحث استقلاليتها القانونية عن العملية التعاقدية التي تصدر في سياقها، مما يُتيح إخضاعها لرقابة القضاء الإداري كضمانة أساسية لحماية الحقوق. كما ناقش البحث المعايير المستخدمة لتمييز هذه القرارات، بما يشمل المعيار الذاتي والموضوعي والغائي، موضحاً كيف يمكن لهذه المعايير أن تسهم في تحديد نطاق استقلالية القرار الإداري. واستعرض البحث دور هذه القرارات في إدارة العقود الإدارية، من حيث تعزيز مرونة الإدارة العامة وقدرتها على التكيف مع الظروف المستجدة دون الإخلال بمبادئ الشفافية أو التوازن العقدي، مع إبراز تأثيرها المباشر على حقوق والتزامات الأطراف المتعاقدة. كما عالج البحث الطعن بالإلغاء كأحد الوسائل القانونية الأساسية لمواجهة القرارات غير المشروعة، موضحاً الشروط الواجب توافرها لقبول الطعن وآثار الحكم بالإلغاء، بما يضمن استقرار العلاقة التعاقدية وحماية مراكز المتعاقدين القانونية. وقد خلص البحث إلى أن القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري تمثل أداة قانونية فعّالة تُسهم في تحقيق المصلحة العامة، مع ضرورة تطوير الأطر التشريعية والقضائية المنظمة لها بما يرسخ مبادئ العدالة وسيادة القانون، ويعزز من كفاءة الإدارة العامة في تحقيق أهدافها التعاقدية.
الكلمات الافتتاحية:
القرارات القابلة للانفصال، العقود الإدارية، الرقابة القضائية.
Abstract:
This research addresses the topic of “Administrative Decisions Separatable from Administrative Contracts Under the Provisions of the Saudi Government Tenders and Procurement Law”, as one of the in-depth issues in the field of administrative law, given its direct impact on the management of administrative contracts and the balance between the interests of the administration and the rights of contracting parties. The analysis focused on clarifying the nature of these decisions, demonstrating their legal independence from the contractual process in which they arise, thereby subjecting them to administrative judicial review as a fundamental guarantee for protecting rights. The research also examined the criteria used to distinguish these decisions, including the subjective, objective, and purposive standards, illustrating how these criteria contribute to defining the scope of administrative decision independence. Furthermore, it explored the role of these decisions in managing administrative contracts, highlighting their ability to enhance administrative flexibility and adaptability to changing circumstances without compromising principles of transparency or contractual balance, while emphasizing their direct impact on the rights and obligations of contracting parties. The research also addressed annulment claims as a key legal mechanism for contesting unlawful decisions, outlining the conditions required for the acceptance of such claims and the effects of annulment judgments, ensuring contractual stability and protecting the legal positions of the contracting parties. The research concludes that separable administrative decisions represent an effective legal tool contributing to the achievement of public interest, with a strong recommendation to develop legislative and judicial frameworks governing such decisions to solidify the principles of justice and the rule of law and to enhance the efficiency of public administration in achieving its contractual objectives.
Keywords:
Separable Administrative Decisions, Administrative Contracts, Judicial Review.
المقدمة:
تُعد القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري من أبرز الموضوعات التي حظيت باهتمام بالغ في الفقه والقضاء الإداري، لما تمثله من حجر زاوية في تنظيم العلاقة بين جهة الإدارة والأطراف المتعاقدة. فهي تُجسد مفهومًا قانونيًا يعكس التوازن الدقيق بين حاجة الإدارة العامة إلى ممارسة سلطاتها التنظيمية والإشرافية بحرية، وبين ضمان احترام حقوق الأطراف المتعاقدة وصيانة التزاماتهم التعاقدية. وتكتسب هذه القرارات أهميتها من استقلاليتها عن العقد الإداري الأساسي الذي صدرت في سياقه، بما يتيح إخضاعها للرقابة القضائية كقرارات إدارية قائمة بذاتها، دون المساس بالعقد الأساسي أو تعطيله، مما يُرسخ مبادئ سيادة القانون ويُعزز العدالة الإدارية.
وفي المملكة العربية السعودية، يُعد نظام المنافسات والمشتريات الحكومية الإطار التشريعي الرئيسي الذي ينظم العقود الإدارية، حيث يمنح الجهات الإدارية صلاحيات واسعة لإصدار قرارات إدارية مستقلة تُسهم في إدارة العقود بكفاءة. ومع ذلك، فإن التطبيق العملي لهذه الصلاحيات يثير العديد من الإشكاليات القانونية والإجرائية، خاصة فيما يتعلق بتمييز هذه القرارات عن القرارات التعاقدية الأخرى، ومعايير تحديد استقلاليتها، ومدى مشروعيتها. فضلاً عن ذلك، فإن الرقابة القضائية على هذه القرارات تُعد ضمانة أساسية لتحقيق العدالة وحماية الحقوق، إلا أنها تُثير تساؤلات حول اختصاص قاضي الإلغاء وقاضي العقد في الفصل في النزاعات المتعلقة بها، وآثار الأحكام القضائية على استمرارية العقود الإدارية واستقرارها.
لذا، تأتي هذه الدراسة لتُقدم معالجة علمية شاملة لمفهوم القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري، من خلال تسليط الضوء على طبيعتها القانونية، ومعايير تمييزها، ودورها في إدارة العقود الإدارية بكفاءة. كما تُبرز الدراسة أهمية الطعن بالإلغاء كأحد الوسائل القانونية الرئيسية لحماية حقوق الأطراف المتعاقدة من القرارات غير المشروعة. ويُركز التحليل على استعراض موقف الفقه والقضاء من هذه القرارات، مع التركيز على التطبيق العملي في النظام السعودي، بهدف تقديم رؤية متكاملة تُسهم في تطوير الأطر التشريعية والإجرائية، بما يُعزز من كفاءة الإدارة العامة ويُرسخ مبادئ العدالة وسيادة القانون.
مشكلة الدراسة:
تُثار العديد من الإشكاليات القانونية والإجرائية حول القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري، سواء على مستوى طبيعتها القانونية أو آثارها العملية. فمن ناحية، يُشكل تحديد معايير تمييز هذه القرارات عن غيرها من التصرفات الإدارية أو التعاقدية تحديًا كبيرًا، إذ يجب التفرقة بين القرارات الإدارية المستقلة التي تصدر في سياق العقود الإدارية ويمكن الطعن عليها أمام القضاء الإداري، وبين تلك التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالالتزامات التعاقدية ولا يُمكن فصلها عن العقد. ومن ناحية أخرى، يثار التساؤل حول مدى مشروعية هذه القرارات وآليات الطعن عليها، خاصةً في ظل غياب تعريف تشريعي دقيق يحدد نطاقها وشروطها في النظام القانوني السعودي.
وفي هذا السياق، يُضاف إلى المشكلة مدى تأثير هذه القرارات على استقرار العلاقة التعاقدية بين جهة الإدارة والأطراف المتعاقدة معها، إذ قد يؤدي استخدامها غير المنضبط إلى إخلال التوازن العقدي أو تعريض حقوق المتعاقدين للخطر. كما تُثار إشكالية أخرى تتعلق بالاختصاص القضائي، حيث يبرز التساؤل حول دور قاضي الإلغاء وقاضي العقد في الفصل في النزاعات الناشئة عن هذه القرارات، والآثار المترتبة على الأحكام الصادرة بإلغائها على العقد الإداري الأساسي.
ومن هنا، تتحدد مشكلة الدراسة في تسليط الضوء على ماهية القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري، وبيان معايير تمييزها، ودورها في إدارة العقود الإدارية، مع دراسة آليات الطعن عليها ومدى مشروعية استخدامها في ضوء أحكام نظام المنافسات والمشتريات الحكومية السعودي، وما يرتبط بذلك من تحديات فقهية وقضائية تستوجب إيجاد حلول قانونية تُحقق التوازن بين مصالح الإدارة العامة وحقوق الأطراف المتعاقدة، بما يضمن استقرار العقود الإدارية وحماية مراكز المتعاقدين القانونية.
أهداف الدراسة:
تَهدف هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف العلمية والقانونية التي تُسهم في فهم وتحليل مفهوم القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري، وتسليط الضوء على الإشكاليات المرتبطة بها في ضوء أحكام نظام المنافسات والمشتريات الحكومية السعودي، وذلك على النحو التالي:
- تحديد ماهية القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري.
- تحليل معايير تمييز القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري.
- استكشاف دور القرارات الإدارية القابلة للانفصال في إدارة العقود الإدارية.
- تسليط الضوء على آليات الطعن بالإلغاء على القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري.
- دراسة موقف النظام القانوني السعودي من القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري.
- اقتراح حلول وتوصيات لتطوير الأطر القانونية المنظمة للقرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري.
أهمية الدراسة:
تتجلى أهمية هذه الدراسة في تناولها لموضوع القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري باعتباره من القضايا الحيوية في مجال القانون الإداري، لما له من تأثير مباشر على تنظيم العلاقة بين جهة الإدارة والأطراف المتعاقدة، وضمان تحقيق التوازن بين متطلبات الإدارة العامة في ممارسة صلاحياتها التنظيمية والإشرافية من جهة، وصيانة حقوق المتعاقدين وضمان استقرار العلاقة التعاقدية من جهة أخرى. ويمكن بيان أهمية الدراسة في النقاط التالية:
- أهمية المفهوم في تعزيز سيادة القانون:
- يُعد تسليط الضوء على مفهوم القرارات الإدارية القابلة للانفصال خطوة أساسية لفهم آليات الرقابة القضائية على أعمال الإدارة العامة، حيث تُتيح هذه القرارات للقضاء الإداري بسط رقابته على تصرفات الإدارة، مما يعزز من مبدأ سيادة القانون ويحمي حقوق الأفراد والمؤسسات المتعاقدة مع جهة الإدارة.
- تطوير الفهم القانوني للنظام السعودي:
- تكتسب الدراسة أهميتها من تسليط الضوء على الأحكام الواردة في نظام المنافسات والمشتريات الحكومية السعودي، وتفسير تطبيقاتها العملية فيما يتعلق بالقرارات الإدارية القابلة للانفصال، وهو ما يُسهم في تعزيز الإطار التشريعي للنظام القانوني في المملكة، ودعمه بالأدوات اللازمة لتحقيق العدالة الإدارية.
- معالجة إشكاليات تطبيقية وقضائية:
- تُعالج الدراسة الإشكاليات التي تواجه الجهات الإدارية والمتعاقدين معها في فهم طبيعة هذه القرارات، ومعايير تمييزها عن القرارات التعاقدية الأخرى، وآليات الطعن عليها. كما تسهم في تقديم حلول علمية وعملية لتجنب التعسف الإداري أو الإخلال بالتوازن العقدي.
- إبراز دور القضاء الإداري في حماية الحقوق:
- تُبرز الدراسة أهمية القضاء الإداري في المملكة في الفصل بين طبيعة القرارات الإدارية المستقلة والقرارات التعاقدية، مع توضيح مدى تأثير الأحكام الصادرة بإلغاء هذه القرارات على استقرار العقود الإدارية واستمرار تنفيذها.
- إثراء الفقه القانوني والإداري:
- تساهم الدراسة في إغناء المكتبة القانونية بإضافة تحليل علمي معمق حول مفهوم القرارات الإدارية القابلة للانفصال، مع توضيح أبعادها القانونية والإجرائية، مما يوفر مرجعاً مهماً للباحثين والمهتمين بمجال القانون الإداري.
منهج الدراسة :
اعتمدت الدراسة على المنهج التحليلي بوصفه الأداة الرئيسية لدراسة النصوص القانونية الواردة في نظام المنافسات والمشتريات الحكومية السعودي، مع تحليل الآراء الفقهية وأحكام القضاء الإداري ذات الصلة لفهم طبيعة القرارات الإدارية القابلة للانفصال ومعايير تمييزها وشروطها وآثارها. كما استُخدم المنهج النقدي لتقييم النصوص التشريعية والتطبيقات القضائية، بهدف تسليط الضوء على أوجه القصور وإبراز الجوانب التي تستدعي التطوير أو التعديل، مع تقديم رؤية فقهية قانونية تسهم في تحسين الأطر التشريعية والإجرائية المتعلقة بهذا الموضوع.
المبحث الأول: ماهية القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد
تعد نظرية القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد من النظريات الحديثة التي أُثيرت في الفقه القانوني، والتي تناولتها الدراسات القانونية بشكل معمق، لما لها من أهمية بالغة في تنظيم العلاقات التعاقدية بين جهة الإدارة والأطراف المتعاقدة. وتستهدف هذه النظرية فصل القرارات الإدارية التي تتخذها جهة الإدارة بمناسبة تعاقداتها استناداً إلى صلاحياتها التنظيمية والإشرافية بمعزل عن العقد نفسه، مما يتيح إمكانية الطعن عليها بشكل مستقل عن العقد. وتعود جذور هذه النظرية إلى الاجتهاد القضائي الفرنسي، حيث بدأ مجلس الدولة الفرنسي في مطلع القرن العشرين بتطبيق هذه النظرية نتيجة لاحتياج القضاء لبسط رقابته على القرارات التي تسبق عملية إبرام العقود الإدارية. إذ لم يكن القضاء الفرنسي في البداية يميز بين العمليات القانونية المركبة التي يتكون منها العقد الإداري، والقرارات الإدارية المرتبطة بهذه العمليات، إلا أنه مع مرور الوقت واستجابة للانتقادات الفقهية، بدأ في اعتماد منهجية جديدة تتيح الطعن على هذه القرارات الإدارية بشكل مستقل عن العقد الإداري، حتى لا تبقى هذه القرارات محصنة ضد الرقابة القضائية ([1]). ويمكن القول أن نظرية القرارات الإدارية القابلة للانفصال قد تطورت عبر الاجتهادات القضائية والتطورات الفقهية في مختلف الأنظمة القانونية. وأن تبني هذه النظرية يعزز من مبدأ سيادة القانون، ويضمن عدم تحصين القرارات الإدارية من الرقابة القضائية، مما يسهم في تحقيق العدالة وضمان حقوق الأطراف المتعاقدة. لذا، فإن هذه النظرية تشكل إضافة قيمة لفقه القانون الإداري.
وعلى صعيد النظام القانوني السعودي يُلاحظ أن هذا النظام يمتاز بتطورات فريدة في التعامل مع القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد، مما يبرز أهمية تحليل مفاهيمها المختلفة ضمن السياقات التشريعية، والفقهية، والقضائية، وتحليل خصائصها الجوهرية، والعناصر التي تميزها عن غيرها من القرارات الإدارية .وفي هذا المبحث، سنتناول التعريفات المختلفة للقرارات الإدارية القابلة للانفصال، ومن ثم سنتطرق إلى الخصائص الأساسية التي تميزها، والعناصر اللازم توافرها في هذا النوع من القرارات، وذلك على النحو التالي.
المطلب الأول: تعريف القرارات الإدارية القابلة للانفصال
تباينت الاتجاهات بشأن تعريف القرارات الإدارية القابلة للانفصال من الناحية التشريعية والفقهية والقضائية، نظراً لغياب تعريف تشريعي جامع في المنظومة القانونية السعودية، الأمر الذي استدعى تناول هذا الموضوع من خلال تسليط الضوء على التعريفات التشريعية والفقهية والقضائية للقرارات الإدارية القابلة للانفصال، بهدف بيان مفهومها القانوني، وتوضيح معايير تمييزها عن القرارات الإدارية الأخرى، وصولاً إلى فهم أعمق للطبيعة القانونية لهذا النوع من القرارات وحدود سلطة جهة الإدارة بشأنها، وهو ما سيتم استعراضه تفصيلاً في هذا المطلب، وذلك على النحو التالي:
الفرع الأول: التعريف التشريعي
تعتمد الأطر التشريعية المنظمة للعقود الإدارية في النظام السعودي على مزيج من الأنظمة، واللوائح، والمبادئ العامة للقانون، إضافة إلى أحكام الشريعة الإسلامية، ومن خلال استعراض النصوص التشريعية ذات الصلة في النظام السعودي، يمكن القول بخلو جميع هذه النصوص من وجود تعريف تشريعي للمقصود بالقرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد، إلا أنه توجد إشارات صريحة لهذا النوع من القرارات في نظام المنافسات والمشتريات الحكومية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/128) وتاريخ 13/11/1440هـ، حيث تُجيز أحكام النظام لجهة الإدارة صلاحية اتخاذ مجموعة من القرارات في سياق تعاقداتها الإدارية تتميز بطبيعتها الإدارية المستقلة عن العقد الذي صدرت في سياقه، وتتعلق بممارسة جهة الإدارة لسلطتها التنظيمية والاشرافية، مثال قرارات استبعاد العطاءات، والترسية على عطاء معين، وزيادة أو إنقاص أعباء المتعاقد، وإيقاع غرامات التأخير أو التقصير على المقاولين المتأخرين أو المقصرين في تنفيذ الأعمال، والسحب الجزئي للأعمال والتنفيذ على حساب المتعاقد في حال عدم الالتزام بالشروط التعاقدية، وغيرها من القرارات الإدارية الأخرى القابلة للانفصال عن العقد.([2])
الفرع الثاني: التعريف الفقهي
يُعرف بعض الفقهاء القرارات الإدارية القابلة للانفصال بصفة عامة بأنها ” تلك التصرفات التي تقوم بها جهة الإدارة منفردةً في إطار عملية قانونية مركبة، والتي تكون لها كيان مستقل، ويمكن فصلها عن الإجراءات الأخرى المكونة للعملية القانونية” ([3]) ويُلاحظ على هذا التعريف أنه يُميز بين القرارات الإدارية القابلة للانفصال وغيرها من القرارات الإدارية الأخرى من خلال تركيزه على الطبيعة المستقلة للقرارات القابلة للانفصال، إذ يُبرز أهمية الكيان المستقل لهذه القرارات بحيث يمكن فصلها عن الإجراءات الإدارية الأخرى. ويعزز هذا التمييز فهمنا لكيفية تنظيم السلطة الإدارية لعملياتها القانونية المركبة، حيث يسمح بفصل القرارات الإدارية ذات الطابع الفردي أو التنظيمي عن تلك التي تشكل جزءًا من عملية تعاقدية أكبر.
ويعرفها جانب أخر من الفقه بأنها “القرارات التي تصدرها الإدارة ضمن إطار تنفيذ العقد الإداري، ولكنها تحتفظ بطابعها الإداري المستقل عن العقد ذاته، ويمكن الطعن فيها أمام القضاء الإداري بشكل منفصل عن العقد الإداري“([4]). ويُلاحظ على هذا التعريف أنه يستند إلى الطبيعة المزدوجة للقرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد، حيث تكون الإدارة طرفاً في علاقة تعاقدية إلا أنها تملك صلاحية إصدار قرارات إدارية ملزمة للمتعاقد، بإرادتها المنفردة، لتحقيق أهداف محددة تتعلق بتنفيذ العقد.
ويعرفها فريق أخر بأنها ” القرارات التي تساهم في تكوين العقود الإدارية وتخرج عن ماهية العقد بحيث تستقل عن ذاتيته، وتعتبر قرارات إدارية صادرة عن الإدارة بناءً على سلطتها العامة“([5]). ويُلاحظ على هذا التعريف أنه يُبرز دور هذه القرارات الإدارية القابلة للانفصال في تكوين العقود الإدارية ويصفها بأنها تتجاوز مجرد كونها جزءًا من العقد لتصبح قرارات إدارية قائمة بذاتها. ويضيف هذا التعريف بعدًا آخر لفهمنا للقرارات الإدارية القابلة للانفصال، حيث يؤكد على سلطة جهة الإدارة في إصدار قرارات تؤثر بشكل مباشر على تكوين العقود الإدارية، وذلك استناداً إلى سلطتها العامة ولكنها تظل مستقلة قانونيًا عن العقد نفسه.
وأخيراً يعرفها فريق أخر بأنها ” تلك القرارات التي تصدرها الإدارة في مراحل تكوين العقود الإدارية بهدف تحقيق المصلحة العامة، وتكون لها عناصر وأركان تميزها عن القرارات الأخرى“([6]). ويُلاحظ على هذا التعريف أنه يركز على المصلحة العامة كهدف رئيسي لهذه القرارات، موضحًا أن هذه القرارات تُتخذ في إطار تكوين العقود الإدارية وتتميز بعناصر وأركان تجعلها مستقلة عن القرارات الأخرى. ويعزز هذا التعريف فكرة أن القرارات القابلة للانفصال لها دور جوهري في تحقيق المصلحة العامة، وهي جزء أساسي من العمليات الإدارية التي تهدف إلى تنظيم العقود الإدارية.
وبناءً على ما سبق يتضح لنا من خلال تحليل التعريفات الفقهية المختلفة أن هناك اتفاقاً عاماً بين الفقهاء على أن القرارات الإدارية القابلة للانفصال تتميز باستقلاليتها عن العقد الإداري، مع إمكانية الطعن فيها أمام القضاء الإداري بشكل مستقل عن العقد الصادرة في سياقه، وفي المقابل اختلف الفقهاء في تحديد الطبيعة القانونية الدقيقة لهذه القرارات، ومدى ارتباطها بالسلطة التنظيمية والاشرافية للإدارة.
ويمكن تعريف القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد بأنها ” قرارات إدارية تصدر بمناسبة عملية تعاقدية مركبة استناداً إلى السلطة الإشراقية المخولة للجهة الإدارة وتهدف لإتمام هذه العملية وفق الهدف المحدد لها، ويترتب عليها أثار قانونية يمكن فصلها عن العقد، وتخضع لرقابة المشروعية من قبل القضاء” ويرتكز هذا التعريف على جانبين الأول السلطة الإشرافية للجهة الإدارية والتي تعد حجز الأساس في إصدار هذا النوع من القرارات إضافة إلى الأثار القانونية المترتبة على هذا النوع من القرارات والتي يمكن فصلها عن العقد، وذلك بالنظر إلى أن آثار القرار التي يجوز فصلها عن العقد هي المرجع في إخضاع هذا النوع من القرارات لرقابة المشروعية من قبل القضاء.
الفرع الثالث: التعريف القضائي
يُعد تحليل التعريفات القضائية للمقصود بالقرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري من الأهمية بمكان، إذ يُسهم في فهم كيفية تطبيقها على أرض الواقع من قبل محاكم القضاء الإداري. وبالنظر إلى أن مجلس الدولة الفرنسي كان له السبق في إقرار نظرية القرارات الإدارية القابلة للانفصال بحسب ما سبق وأن أوضحناه في مقدمة هذا المبحث، فكان لزاماً علينا التطرق إلى مفهوم هذا النوع من القرارات في ضوء الأحكام القضائية الصادرة عن المجلس، والذي عرّف القرار الإداري القابل للانفصال بأنه “القرار الذي يرتبط بعملية قانونية مركبة، ويمكن فصله عن العقد، والطعن فيه بشكل مستقل عن العقد الذي يرتبط به دون التأثير على باقي مكونات العقد”. وذلك بمناسبة الحكم الصادر في قضية “Société Tropic Travaux Signalisation” في عام 2007م. والتي أكّد فيها المجلس على أن القرارات التي تسبق إبرام العقد أو تتعلق بإجراءات إبرامه يمكن أن تكون قابلة للانفصال والطعن عليها قضائياً بشكل مستقل عن العقد الأساسي ([7]) .
وعلى صعيد القضاء الإداري السعودي، جدير بالذكر في هذا المقام أن ديوان المظالم لم يُقر مبدأ قضائي موحد يتضمن تعريف جامع مانع للمقصود بالقرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد، وبالوقوف على العديد من الأحكام القضائية الصادرة عن محاكم الديوان في شأن القرارات الإدارية الصادرة عن جهة الإدارة بمناسبة تعاقداتها الإدارية، يمكن القول أن محاكم الديوان تتمتع بسلطة واسعة في تفسير وتطبيق القرارات الإدارية القابلة للانفصال. حيث اعتبر الديوان قرارات رفض العروض المقدمة والاستبعاد من المنافسة قرارات إدارية منفصلة يجوز الطعن عليها بالإلغاء وقرر في أحد أحكامه ” باختصاصه بنظر الطعون في القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري والتي تصدرها الجهات الحكومية أثناء تنفيذ العقد الإداري وتتعلق بتسيير الأعمال الإدارية وتنظيم الإجراءات التنفيذية للعقد، دون أن يؤدي ذلك بالمساس بالناحية الموضوعية لأصل النزاع” ([8]) كما أكد الديوان في حكم أخر على أن ” القرارات التي يكون مستند تطبيقها العقد هي قرارات متصلة به وليست منفصلة عنه وتأخذ حكم العقد”([9]). كما يلاحظ أن الديوان في شأن النظر في منازعات القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد يتبنى منهجاً يرتكز في الأساس على حماية المصلحة العامة، مع ضمان تحقيق العدالة بين الأطراف المتعاقدة.” حيث أكد في العديد من أحكامه على ” حق الجهة الإدارية في إصدار قرارات في سياق ممارسة سلطاتها التنظيمية والاشرافية، وليست جزءاً من الالتزامات التعاقدية المباشرة طالما أنها تستهدف المصلحة العامة، وأن هذه القرارات تخضع للرقابة القضائية “([10]). كما أكد على أن “سلطة جهة الإدارة في تعديل العقد ليست مطلقة بل ترد عليها قيود تقتضيها ضرورة التوفيق بين المصلحة العامة والمصالح الفردية للمتعاقدين”.([11])
ومن خلال تحليل الأحكام القضائية أعلاه يلاحظ أن قضاء ديوان المظالم اعتبر أن القرارات التي تتخذها جهة الإدارة لتحقيق أهداف تنظيمية أو إدارية بمناسبة تعاقداتها، وتستند لممارسة سلطاتها التنظيمية والاشرافية، تُعتبر قرارات إدارية قابلة للانفصال، وأنها تتمتع بطابع إداري مستقل، مما يتيح إمكانية الطعن فيها أمام القضاء الإداري، وأن أساس الطعن في هذه القرارات هو رقابة مشروعية القرار، وفي المقابل اعتبر أن القرارات التي تتخذها جهة الإدارة استناداً إلى التزاماتها التعاقدية المنصوص عليها في العقد المبرم بينها وبين المتعاقد هي قرارات متصلة بالعقد.
المطلب الثاني: الخصائص المميزة للقرارات الإدارية القابلة للانفصال
تُعد القرارات الإدارية القابلة للانفصال أحد أهم الأدوات القانونية التي تعتمد عليها جهة الإدارة في تنظيم العلاقات التعاقدية بينها وبين الأطراف المتعاقدة. وتتميز هذه القرارات بمجموعة من الخصائص القانونية والإجرائية التي تضمن تحقيق التوازن بين مصلحة الإدارة وحقوق المتعاقدين، إضافة إلى ضمان تحقيق الشفافية والمساءلة. ومن هذا المنطلق، فإن تحليل الخصائص المميزة لهذه القرارات يمثل أهمية كبيرة لفهم آليات إصدارها وتنفيذها وضمان توافقها مع القوانين واللوائح المنظمة لها. وفي هذا المطلب، سنستعرض الخصائص القانونية والإجرائية لهذه القرارات، مسلطين الضوء على جوانبها المختلفة وتأثيرها على العملية التعاقدية، وذلك على النحو التالي .
الفرع الأول: الخصائص القانونية للقرارات الإدارية القابلة للانفصال
أولاً: الطابع الإداري المستقل:
تتميز القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد باستقلاليتها عن العقد الصادرة في سياقه، وتعكس هذه الاستقلالية الطبيعة السلطوية لهذه القرارات، حيث تصدرها جهة الإدارة بموجب صلاحياتها التنظيمية والاشرافية، وليس بناءً على التزاماتها التعاقدية. ([12]) كما تؤكد أحكام نظام المنافسات والمشتريات الحكومية، ولائحته التنفيذية، على الطابع الإداري المستقل للقرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد، حيث أقر النظام ولائحته التنفيذية لجهة الإدارة صلاحيات كبيرة في مواجهة المتعاقد غير متعارف عليها في العقود المدنية المماثلة، ومنح الجهة الإدارية سلطة تنظيمية واشرافية واسعة في مواجهة المتعاقد، وأجاز لها صلاحية إصدار قرارات إدارية تتعلق بعملية تنفيذ وتيسير تعاقداتها الإدارية والتي قد تتضمن إجـــراء تعديـــل أو تغيير في الأعمال المتعاقد على تنفيذهـــا، أو فرض غرامات تأخير أو تقصير على المتعاقد، أو ايقـــاف المتعاقد عن كامل الأعمال أو جزء منها لمدة معينة، أو تمديد مدة التعاقد، أو السحب الجزئي للأعمال المتعاقد عليها وتنفيذها على حساب المتعاقد. ([13]) وقد استقرت أحكام محاكم ديوان المظالم على أن ” للجهة الإدارية الحق في بناء قراراتها المتصلة بالعقد على الأسباب التي تراها”.([14]) وأن ” حصول التغيير في جداول الكميات الخاص بالمشروع محل التعاقد، وتكليف المقاول بإعداد مواصفات المشروع والتنفيذ في ضوئها يجعل تلك المواصفات هي المعتبرة في العقد.”([15]) الأمر الذي يؤكد على استقلالية قرارات الجهة الإدارية عن العقد الصادرة في سياقه.
ثانياً: التأثير على الحقوق والمراكز القانونية:
تتميز القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري بتأثيرها العميق على الحقوق والمراكز القانونية للأطراف المتعاقدة مع جهة الإدارة، وذلك بالنظر إلى ما قد يترتب عليها من تعديل للالتزامات التعاقدية، أو تغيير الشروط الزمنية، أو المالية، أو الفنية للعقد. ولذا يؤكد الفقهاء على أنه برغم استقلالية هذه القرارات عن العقد الأصلي الصادرة في سياقه واستنادها إلى السلطة التنظيمية والإشرافية المقررة للجهة الإدارية، إلا أنه يجب أن تكون هذه القرارات مبررة وشفافة، وتخضع لمبادئ التناسبية، وأن تستهدف تحقيق المصلحة العامة، وأن تصدر وفق أطر تشريعية وتنظيمية واضحة، وذلك لضمان حماية حقوق المتعاقدين.([16])
وعلى صعيد نظام المنافسات والمشتريات الحكومية السعودي يلاحظ أن المشرع السعودي منح جهة الإدارة صلاحية إصدار قرارات إدارية منفصلة عن العقد يترتب عليها تعديل في الالتزامات التعاقدية مثال إصدار أوامر التغيير، وإيقاف واستئناف الأعمال، وتعديل خطط وآليات تنفيذ الأعمال، وغيرها من القرارات الأخرى، إلا أنه في المقابل لم يطلق لجهة الإدارة صلاحية إصدار القرارات الإدارية المنفصلة عن العقد، إذ نظم عملية إصدار هذه القرارات من خلال إقرار مجموعة من الأطر التنظيمية الإجرائية الواضحة التي يلزم على الجهة الإدارية التقييد بها في عملية إصدار القرار، كما يلاحظ أن جميع الصلاحيات المقررة لجهة الإدارة تجاه المتعاقد والتي تُمكنها من إصدار قرارات إدارية ملزمة في مواجهة المتعاقد معها تم تقييدها بمجموعة من الضمانات الإجرائية، وذلك بهدف تحقيق الشفافية في عملية إصدار القرار، وضمان حقوق المتعاقد في العقد الإداري، كما كفل للمتعاقد مع جهة الإدارة حق التظلم من بعض أنواع هذه القرارات أمام لجان أو مجالس حيادية، وأكد على حق المتعاقد في الطعن أمام القضاء ضد هذه القرارات ([17]). وقد استقر ديوان المظالم على أنه ” إذا كان التعديل على العقد والتكليف بالأعمال الإضافية سلطة للجهة الإدارية فإنه يجب أن يكون وفق الإجراءات النظامية والقواعد الملزمة لطرفي العقد” ([18]) وأن “حق جهة الإدارة في تعديل العقد بإرادتها المنفردة مقيد بأن لا يكون التغيير منصباً على مكان تنفيذ العقد ومحله” ([19])،وأن “ممارسة جهة الإدارة حقها في تعديل التزامات المتعاقد لا يخل بحق المتعاقد في جبر الضرر الذي أصابه من ذلك التعديل” ([20])
ثالثاً: تحقيق التوازن بين المصلحة العامة وحقوق المتعاقدين:
تتميز القرارات الإدارية القابلة للانفصال باستهدافها تحقيق التوازن بين مصلحة جهة الإدارة المتمثلة في تحقيق الأهداف المرجوة من وراء تعاقداتها بكفاءة وجودة، وحقوق الأطراف المتعاقدة في حماية مصالحهم المالية المشروعة الناشئة عن العقد، وتؤكد جميع القوانين المعنية بتنظيم التعاقدات الحكومية على مبدأ “عدم جواز الإخلال بالتوازن العقدي”. ([21])وعلى صعيد نظام المنافسات والمشتريات الحكومية يمكن القول أن أحكام النظام ولائحته التنفيذية تُشكل في مجملها إطاراً قانونياً متكاملاً يضمن تحقيق التوازن بين مصلحة جهة الإدارة وحقوق المتعاقدين، حيث تضمنت هذه الأحكام تحديد واضح لصلاحيات الجهة الإدارية، وآليات ممارستها لهذه الصلاحيات، كما أقرت للمتعاقد ضمانات إجرائية، وآليات للتظلم أو الاعتراض على قرارات الجهة الإدارية، وقد أكدت العديد من أحكام النظام ولائحته التنفيذية صراحةً على استهداف تحقيق المصلحة العامة في شأن ما تتخذه الجهة الإدارية من قرارات في مواجهة المتعاقد، وكذا التأكيد على إعمال مبدأ التناسبية في القرارات الإدارية المتخذة، الأمر الذي يحول دون تعسف الإدارة في استخدام سلطاتها الإشرافية والتنظيمية، ويعزز في ذات الوقت من كفاءة تنفيذ المشاريع العامة، ويحقق العدالة والشفافية في التعاقدات الحكومية) .[22]) وقد أستقر ديوان المظالم على أن ” القاعدة الأساسية في تفسير العقود الإدارية تقوم على فكرة المصلحة العامة وضمان حسن سير المرافق العامة بانتظام واضطراد”([23]) وأن “سلطة جهة الإدارة في تعديل العقد ليست مطلقة بل ترد عليها قيود تقتضيها ضرورة التوفيق بين المصلحة العامة والمصالح الفردية للمتعاقدين” ([24]).
رابعاً: الشفافية والمساءلة:
تُعد الشفافية من الخصائص الأساسية اللازم توافرها في القرارات الإدارية القابلة للانفصال، والتي تستهدف وضوح الإجراءات التي تتبعها جهة الإدارة في شأن إصدار تلك القرارات، وضمان توافقها مع القوانين واللوائح ذات الصلة، وأن تكون معلومة للغير ومفهوم اسبابها وسندها القانوني لكافة الأطراف المعنية، إضافة إلى إتاحتها للمراجعة والرقابة عليها، الأمر الذي يعزز الثقة بين الإدارة والمتعاقدين، ويحمي حقوقهم ويحقق مصلحة الإدارة بطرق نزيهة وعادلة([25]). وعلى صعيد نظام المنافسات والمشتريات الحكومية فقد أكد النظام على مبدأ “الشفافية” صراحة في المادة (الثانية) منه حيث أقر بأن أحد أهداف هذا النظام هو ضمان تحقيق الشفافية في جميع إجراءات تنفذ الأعمال وتأمين المشتريات، كما أكدت المادة (الخامسة) من النظام على ذات الحكم حيث نصت على أن تخضع المنافسة العامة لمبادئ العلانية والشفافية وتكافؤ الفرص. كما تضمن النظام النص على مجموعة من الإجراءات التي يجب على جهة الإدارة التقيد بها في شأن تسيير تعاقداتها الإدارية، وما يصدر عنها من قرارات في مواجهة المتعاقد تضمن هذه الإجراءات توافر عنصر الشفافية الإدارية المطلوب. إضافة إلى ذلك، أقر النظام بعض الصلاحيات الرقابية لهيئات إدارية مستقلة لمراقبة عملية تنفيذ العقود الإدارية، لضمان مساءلة الإدارة عن قراراتها المخالفة، مثال الصلاحيات الرقابية المقررة للديوان العام للمحاسبة، ووزارة المالية، على عملية التعاقدات الإدارية، وقد أستقر ديوان المظالم على ضرورة التزام جهة الإدارة في جميع قراراتها المنفصلة عن العقد بالشفافية والمُسألة حيث انتهى إلى أنه “إذا كان التعديل على العقد والتكليف بالأعمال الإضافية سلطة للجهة الإدارية فإنه يجب أن يكون وفق الإجراءات النظامية والقواعد الملزمة لطرفي العقد”. ([26])
الفرع الثاني: الخصائص الإجرائية للقرارات الإدارية القابلة للانفصال
أولاً: التقييد بالإجراءات الشكلية اللازمة لإصدار القرار:
يلعب ركن الشكلية دوراً محورياً في عملية صناعة القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد، فإذا كان الأصل عدم تقييد جهة الإدارة بشكل معين أو إجراءات محددة في إصدار قراراتها الإدارية، إلا أن هذا النوع من القرارات يُعد استثناءً من هذه القاعدة إذ يتميز بلزوم تقييد جهة الإدارة بمجموعة من الإجراءات الشكلية المحددة بنص القانون لإصدار القرار، والتي قد تهدف إلى ضمان تحقيق المصلحة العامة، أو حماية حقوق المتعاقدين. مثال لزوم توجيه إنذار أو إخطار للمتعاقد في حالات محددة، أو الحصول على توصية من لجان فنية معينة قبل إصدار القرار الإداري المنفصل عن العقد، أو التقييد بمواعيد زمنية محددة لإصدار القرار. وفي حال عدم التزام جهة الإدارة باستيفاء هذه الإجراءات الشكلية، فإن قرارها يكون معرض للإلغاء من قبل القضاء([27]).
وقد تضمن نظام المنافسات والمشتريات الحكومية ولائحته التنفيذية النص على مجموعة من الإجراءات الشكلية الملزمة للجهة الإدارية في شأن إصدار القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري، والتي يترتب على عدم الالتزام بها أن يصبح القرار معيباً ويجوز للمتعاقد الطعن عليه بالإلغاء، مثال الإخطار المسبق للأطراف المتعاقدة في حالات محددة قبل إصدار القرار، وإعلام المتعاقدين بأي قرارات تتعلق بتنفيذ العقد قد تؤثر على حقوقهم أو التزاماتهم، واستيفاء إجراءات تشاورية مع الأطراف المتعاقدة في حالات محددة بهدف ضمان تماشي هذه القرارات مع الشروط التعاقدية، وتهدف جميع هذه الإجراءات الشكلية إلى ضمان شفافية العمليات الإدارية، وحماية حقوق المتعاقدين.([28]) وقد استقرت أحكام محاكم ديوان المظالم على وجوب احترام جهة الإدارة لركن الشكلية في إصدار القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد حيت قضى ” بعدم جواز سحب الأعمال من المتعاقد قبل انتهاء المهلة المحددة في الإنذار.([29]) و”بطلان قرار سحب الأعمال حال عدم إنذار المتعاقد قبل صدوره”. ([30])
ثانياً: التنفيذ المباشر للقرار:
تتسم إجراءات تنفيذ القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري بقابليتها للتنفيذ المباشر بواسطة جهة الإدارة، وعدم تعليق تنفيذها على موافقة المتعاقد، كما تتلازم مع عملية التنفيذ المباشر مجموعة من الإجراءات الإدارية الرقابية والاشرافية التي تتم بمعرفة جهة الإدارة بهدف ضمان تنفيذ هذه القرارات بشكل صحيح وفعّال، ويعتبر التنفيذ المباشر للقرارات الإدارية القابلة للانفصال أداة فعالة لتحقيق المصلحة العامة، إذ يتيح لجهة الإدارة التصرف بسرعة وحسم في الحالات التي تتطلب ذلك. ويؤكد كثير من الفقهاء على أن صلاحيات التنفيذ المباشرة المكفولة لجهة الإدارة يجب أن تكون مشروطة بتوفير الضمانات القانونية الكافية لحماية حقوق الأطراف المتعاقد.([31]) وعلى صعيد نظام المنافسات والمشتريات الحكومية يُلاحظ أن المُشرع السعودي قد ضمن النظام نصوصًا صريحة تتيح للجهة الإدارية سلطة إصدار قرارات ملزمة للأطراف المتعاقدة، سواء كانت هذه القرارات تتعلق بإجراءات التعاقد أو بتنفيذ بنود العقد. كما تتيح هذه النصوص للجهة الإدارية التدخل المباشر لضمان تحقيق المصلحة العامة وحماية المال العام. ([32]) وقد أستقر أحكام محاكم ديوان المظالم على أنه ” في حال قررت الجهة الإدارية تنفيذ العمل على حساب المتعاقد يكون العقد مستمراً، ولا يفرج عن الضمان النهائي إلا بتسليم مقاول الاستكمال وتصفية حساب المشروع.”([33]) وأن “قرار تعميد مقاول لاستكمال الأعمال على حساب مقاول المشروع الأصلي هو في حقيقته عقد بين الجهة الإدارية والمقاول المعمد بالتنفيذ، وأما المقاول المنفذ على حسابه ليس طرفاً فيه، ولا صفة له في الادعاء ببطلانه، والمنازعة في انعقاده” ([34]) الأمر الذي يؤكد على تمييز القرارات الإدارية المنفصلة عن العقد بقابلية التنفيذ المباشر من قبل الجهة الإدارية.
المطلب الثالث: الشروط اللازم توافرها في القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد
من خلال دراسة أراء الفقهاء وتحليل أحكام القضاء الإداري السعودي في شأن القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد، يمكن القول بأن هذا النوع من القرارات يلزم لقيامه توافر مجموعة من الشروط تُشكل ركائزه الأساسية، وتهدف إلى ضمان استقرار الأوضاع القانونية وحماية حقوق الأطراف المتعاقدة مع جهة الإدارة، ويمكن من خلال تحليل هذه الشروط فهم الأسس التي يستند إليها القضاء في إعمال صلاحياته الرقابية على هذا النوع من القرارات، وذلك على النحو التالي:
الفرع الأول: أن يكون قرار إدارياً نهائيًا وملزمًا:
وإن كان القرار الإداري القابل للانفصال يصدر ضمن عملية قانونية مركبة، ويهدف إلى اتمام هذه العملية المتمثلة في التعاقد الإداري، إلا أنه يجب أن تتوافر فيه جميع خصائص وعناصر القرار الإداري بصفة عامة، بحيث يصدر عن جهة إدارية مختصة، وبإرادتها المنفردة، وأن لا يحتاج إلى تصديق أو موافقة من جهة أخرى، وأن يكون نهائيًا ومعبراً عن الإرادة الأخيرة للجهة الإدارية مُصدرة القرار، وملزمًا، بحيث يترتب عليه آثار قانونية محددة تؤثر في مراكز المتعاقدين أو الغير، وأن يخضع لرقابة المشروعية من قبل القضاء للتأكد من التزامه بالقوانين واللوائح المنظمة للعملية التعاقدية.([35]). وقد أستقر ديوان المظالم على أن القرار الإداري هو عبارة عن “إفصاح جهة الإدارة عن إرادتها المنفردة بقصد إحداث أثر قانوني طبقاً للأنظمة واللوائح متى كان ذلك جائزاً قانوناً وبقصد تحقيق مصلحة عامة”([36]) وبناءً عليه تُعد الأعمال التمهيدية التي تسبق إبرام التعاقد مثال وضع شروط ومواصفات المنافسة، والإعلان عنها، وفتح باب تلقي العروض ، وتوصية لجنة فحص العروض بالترسية على أحد العروض، لا يمكن اعتبارها قرارات إدارية مستقلة عن العقد الإداري وإنما هي مجرد أعمال إجرائية تمهيدية سابقة لإبرام التعاقد، وقد استقرت أحكام محاكم الديوان على أن “توصية لجنة فحص العروض بالترسية المنشئة للعلاقة العقدية ليست قراراً إدارياً يتوجه إليه الطعن بدعوى الإلغاء من طرفي العقد “([37]).
الفرع الثاني: أن يكون القرار صادراً في إطار عملية قانونية مركبة
تُعرَّف العملية القانونية المركبة بأنها مجموعة متسلسلة من الإجراءات التي تهدف إلى تحقيق غاية إدارية معينة، مثل إبرام العقد الإداري أو تنفيذه أو إنهائه، وتتألف من مراحل متعددة تتخذ خلالها جهة الإدارة قرارات إدارية ذات طبيعة اشرافية وتنظيمية وليست جزءًا من الالتزامات التعاقدية التنفيذية. ويُعد شرط صدور القرار الإداري في إطار هذه العملية من الأسس التي يستند إليها الفقه في تحديد قابلية القرار للانفصال عن العقد الإداري. وتتيح هذه الطبيعة المستقلة للقرارات الإدارية المنفصلة إمكانية الطعن فيها أمام القضاء الإداري دون أن يؤثر ذلك على سلامة العقد ذاته أو على استمرار تنفيذه. هذا الفصل بين القرارات الإدارية والعقد يضمن حماية المتعاقدين من تعسف الإدارة ويعزز مبدأ المشروعية، حيث يمكن للمتضرر من هذه القرارات أن يلجأ إلى القضاء للطعن فيها واستصدار حكم بإلغائها إن تبين مخالفتها للقانون، دون أن يمتد أثر هذا الإلغاء إلى العقد الإداري.([38]) وتُمثل رقابة القضاء الإداري في هذا السياق ضمانة لتحقيق التوازن بين سلطة الإدارة في تنظيم علاقاتها التعاقدية وحماية حقوق المتعاقدين معها، مما يسهم في تعزيز الاستقرار في العلاقة التعاقدية ويحول دون الإضرار بمصالح المتعاقدين. ([39]) وبذلك، تشكل العمليات القانونية المركبة، بما تتضمنه من قرارات إدارية قابلة للانفصال، جزءًا أساسيًا من النظام القانوني الذي يهدف إلى تحقيق العدالة والشفافية في التعاملات الإدارية، مع ضمان عدم إساءة استخدام السلطة الإدارية.
الفرع الثالث: أن يكون القرار قابلاً للانفصال عن العقد:
يُعد شرط قابلية القرار الإداري للانفصال عن العقد أحد الشروط الجوهرية التي يتطلبها الفقه لتمييز القرارات الإدارية التي يمكن الطعن فيها أمام القضاء الإداري بشكل مستقل عن العقد الإداري. فالقرارات الإدارية التي تصدر في سياق العقود الإدارية قد تتخذ طبيعة مزدوجة؛ بعضها يرتبط مباشرة بالتزامات العقد نفسه، والبعض الآخر يتعلق بتنظيم أو ضبط العلاقة الإدارية، مما يضفي عليها طابعًا إداريًا خالصًا يجعلها قابلة للانفصال. وعلى هذا الأساس، يُشترط أن يكون القرار غير مرتبط جوهريًا بالالتزامات التعاقدية التنفيذية الناشئة عن العقد، بل يكون موجهًا لتنظيم المراحل السابقة على إبرام العقد أو المرافقة لتنفيذه، وقد استقرت أحكام محاكم ديوان المظالم على أن ” القرارات التي يكون مستند تطبيقها العقد هي قرارات متصلة به وليست منفصلة عنه وتأخذ حكم العقد” (([40] ويتضح من ذلك أن القرار الإداري القابل للانفصال هو قرار يُمكن فصله عن العقد لأنه لا يدخل في صلب الالتزامات المتبادلة بين الإدارة والمتعاقد، وإنما يصدر عن الإدارة باعتبارها سلطة عامة تمارس صلاحياتها التنظيمية والإشرافية. ويمارس القضاء الإداري رقابته على مشروعية هذه القرارات دون أن يمتد أثر أحكامه إلى العقد ذاته، مما يعزز من مبدأ المشروعية في تصرفات الإدارة ويحمي حقوق المتعاقدين معها. ويضمن هذا الشرط كذلك عدم تأثر العقد الإداري بالإلغاء أو التعديل الذي قد يصيب القرار الإداري المنفصل، مما يحفظ توازن العلاقة التعاقدية ويحمي مصالح الأطراف المتعاقدة في آنٍ واحد. ([41])
المبحث الثاني: معايير تمييز القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد
إنَّ عملية تمييز القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد يُعَدُّ من الموضوعات الجوهرية في الفقه الإداري وذلك بالنظر إلى ما تتطلبه من فهم دقيق ومعمق للمعايير المختلفة التي تسهم في هذا التمييز، والتي تنوعت بين المعيار الذاتي، والموضوعي، والغائي، وكلٍ منها يقدم زاوية فريدة لفهم مدى استقلالية القرار الإداري عن العقد الصادر في سياقه. وعلى صعيد النظام القانوني السعودي، يعكس القضاء الإداري تطوراً كبيراً في تبني معايير محددة لتحديد مدى انفصال القرارات الإدارية عن العقود، بما يضمن تحقيق المصلحة العامة و في ذات الوقت حماية حقوق الأطراف المتعاقدة. وفي هذا المبحث، سنستعرض ونحلل هذه المعايير بمختلف أبعادها النقدية والتطبيقية، وذلك على النحو التالي:
المطلب الأول: المعيار الذاتي كأساس لتمييز القرارات الإدارية القابلة للانفصال
الفرع الأول: ماهية المعيار الذاتي :
يُعَدُّ المعيار الذاتي من أولى المعايير التي استند إليها الفقه والقضاء في تمييز القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري. ويقوم المعيار الذاتي على تحليل طبيعة القرار الإداري من حيث ذاتيته، دون النظر إلى تأثيره أو غايته. إذ يركز هذا المعيار على الصفات الداخلية للقرار، مثل الجهة التي أصدرته، والإجراءات المتبعة لإصداره، ومدى استقلاليته عن العقد الصادر في سياقه. ووفقًا لهذا المعيار، يجب أن يكون للقرار الإداري القابل للانفصال كيان قانوني مستقل بحيث يمكن فصله عن العملية القانونية المركبة دون التأثير على باقي مكوناتها أو تعطيلها .كما أنه لا تُقبَل دعوى الإلغاء ضد القرارات الإدارية القابلة للانفصال ما دام للطاعن سُبُل قضائية أخرى مثل دعاوى التعويض، أو أي وسيلة قضائية أخرى تُحقِّق الهدف ذاته. وبناء على هذا المعيار تُعَدُّ القرارات الإدارية الصادرة قبل إبرام العقد ، مثل قرارات التأهيل المسبق للمتعاقد، أو رفض العروض المقدمة، أمثلة واضحة على القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد ويمكن الطعن عليها قضائياً. وفي المقابل إذا كان القرار الإداري يتعلق بتنفيذ العقد ويؤثر جوهريًا على العملية التعاقدية، فلا يُعَدُّ قابلاً للانفصال.([42])
الفرع الثاني: نقد المعيار الذاتي :
يرى فريق من الفقهاء أن أهمية هذا المعيار تكمن في ضمان حماية حقوق الأفراد وضمان رقابة فعالة على أعمال الإدارة، إذ يُساعِد في تحديد مدى استقلالية القرار الإداري عن العملية القانونية المركبة الصادر في سياقها، مما يسمح لأصحاب المصلحة بالطعن في القرارات الإدارية التي تؤثر على مصالحهم القانونية بشكل مستقل دون تعطيل العملية التعاقدية. كما أنه يُعَدُّ أداة حيوية لتحقيق التوازن بين الحفاظ على سلامة العمليات التعاقدية وحماية حقوق المتعاقدين.
ومع ذلك، وُجِّهت للمعيار الذاتي انتقادات عديدة تتعلق بمدى فعاليته في تمييز القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري. وأحد أبرز الانتقادات هو أن هذا المعيار يقوم على فكرة انعدام الدعوى الموازية، والتي كانت سائدة في قضاء مجلس الدولة الفرنسي في مرحلة ما وأصبحت غير صالحة في الوقت الحاضر لاندثار مفهوم الدعوى الموازية، حيث تم الاستعاضة عنها بالقواعد المُحدِدة لاختصاص القضاء الإداري. فضلاً عن صعوبة تطبيق المعيار الذاتي في بعض الحالات العملية، حيث يمكن أن يكون القرار الإداري معقدًا ومتداخلاً مع العملية التعاقدية بحيث يصعب فصله دون التأثير على سلامة العملية برمتها. وأخيراً، قد يؤدي هذا المعيار إلى تباين في تطبيقه من قبل القضاء، حيث قد تختلف المحاكم في تفسيرها وتطبيقها لهذا المعيار، مما يؤدي إلى قرارات قضائية غير متسقة وربما متناقضة، وهو ما يعكس تحديًا في تحقيق العدالة والمشروعية بصورة موحدة. ناهيك عن أنه قد يغفل أحياناً التأثير الفعلي للقرار على الأطراف المتعاقدة، مما قد يؤدي إلى نتائج غير عادلة.([43])
المطلب الثاني: المعيار الموضوعي كأساس لتمييز القرارات الإدارية القابلة للانفصال.
الفرع الأول: ماهية المعيار الموضوعي:
يعتبر المعيار الموضوعي من أهم المعايير المستخدمة في الفقه والقضاء لتمييز القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد. ويرتكز هذا المعيار على طبيعة القرار ووظيفته، بغض النظر عن الجهة التي أصدرته أو المرحلة التي صدر فيها. ويتطلب هذا المعيار تحليل القرار بعمق لتحديد ما إذا كان يتعلق بأمور تنظيمية بحتة، يمكن فصلها عن العقد الأساسي، أو إذا كان جزءاً لا يتجزأ من العمليات التعاقدية. وتتضمن تطبيقات المعيار الموضوعي العديد من الأمثلة التي تُسهم في توضيح معالمه. على سبيل المثال، القرارات المتعلقة بإجراءات الترسية في المنافسات، وتحديد العطاءات الفائزة، تعتبر قرارات إدارية بحتة، والتي تصدر في مرحلة تمهيدية قبل إبرام العقد، ويمكن الطعن فيها بشكل مستقل أمام القضاء الإداري. بالمقابل، القرارات التي تتعلق بتنفيذ العقد، مثل تحديد كيفية تنفيذ موضوع العقد أو تعديل بعض شروط التنفيذ، لا يمكن فصلها عن العقد ذاته وتعتبر جزءاً من العملية التعاقدية. ومن ثَم لا يمكن الطعن عليها. ([44])
الفرع الثاني: نقد المعيار الموضوعي:
تكمن أهمية المعيار الموضوعي في كونه يوفر وسيلة دقيقة وموضوعية لتحليل القرارات الإدارية وتحديد مدى استقلاليتها عن العمليات القانونية المركبة. ويساعد هذا المعيار في حماية مبدأ المشروعية وضمان رقابة قضائية فعالة على أعمال الإدارة، من خلال التأكد من أن القرارات الإدارية تصدر من جهات مختصة وتتمتع بالطابع المستقل الذي يسمح بفصلها عند الحاجة دون الإضرار بالعملية القانونية.
وبالرغم من الأهمية الكبيرة للمعيار الموضوعي، إلا أنه يواجه بعض النقد من قبل الفقهاء والممارسين. ومن أبرز نقاط النقد هو التعقيد والصعوبة في تحديد الطبيعة الدقيقة لبعض القرارات، بالنظر إلى إمكانية تتداخل الجوانب الإدارية مع الجوانب التعاقدية بشكل يصعب الفصل بينهما. كما أن الاعتماد الكلي على طبيعة القرار قد يؤدي إلى إغفال بعض الجوانب الإجرائية والشكلية التي قد تكون ذات أهمية في تحديد قابلية القرار للانفصال. كما يرى بعض الفقهاء أن المعيار الموضوعي يفتقر إلى مراعاة الأثر الفعلي الذي يحدثه القرار على العملية القانونية المركبة، حيث قد يكون للقرار الذي يبدو مستقلًا تأثير كبير على مجمل العملية إذا ما تم فصله عنها. فضلاً عن أن المعيار الموضوعي قد يقيّد حقوق الأطراف المتعاقدة في ممارسة حقهم في الطعن على القرار أمام القضاء الإداري في حال تم اعتبار القرار غير قابل للانفصال مما قد يؤثر بشكل مباشر على حقوقهم والتزاماتهم التعاقدية.وهناك انتقاد آخر يتعلق بعدم الاتساق في تطبيقات المعيار الموضوعي من قبل القضاء، فقد تختلف المحاكم في تفسيرها وتطبيقها لهذا المعيار مما يؤدي إلى قرارات قضائية غير متسقة وربما متناقضة في بعض الحالات، وهو ما يعكس تحديًا في تحقيق العدالة والمشروعية بصورة موحدة. إضافة إلى وجوب مراعاة الأثر الكلي للقرار على العملية المركبة، وتجنب تقييد حقوق الأطراف في التقاضي، وضمان الاتساق في التطبيقات القضائية لتحقيق الأهداف المنشودة من الرقابة القضائية الفعالة على القرارات الإدارية. ([45])
ونرى أن برغم كل هذه الانتقادات يظل المعيار الموضوعي أحد الأعمدة الأساسية في تمييز القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد. وإن تطبيقه يساهم بشكل كبير في تعزيز مبدأ سيادة القانون وحماية حقوق الأطراف المتعاقدة. وأن غاية الأمر هو الاستمرار في تطوير هذا المعيار وتكييفه مع الواقع المتغير لعمليات التعاقد الإدارية لضمان تحقيق التوازن بين المصلحة العامة للإدارة وحماية حقوق الأفراد.
المطلب الثالث: المعيار الغائي كأساس لتمييز القرارات الإدارية القابلة للانفصال.
الفرع الأول: ماهية المعيار الغائي:
يقوم المعيار الغائي على تحليل الغاية أو الهدف من القرار الإداري ومدى ارتباطها بالعملية القانونية المركبة لتحديد ما إذا كان القرار قابلاً للانفصال عن العقد من عدمه، إذ يركز هذا المعيار على النتيجة التي يسعى القرار إلى تحقيقها، ومدى ارتباط هذه النتيجة بالعملية التعاقدية، بحيث إذا كان الهدف من القرار يرتبط بتحقيق مصلحة عامة أو تنظيم إجراء إداري مستقل عن تنفيذ العقد، فإنه يُعتبر قابلاً للانفصال ويجوز الطعن عليه أمام القضاء.([46]) ومن الأمثلة على تطبيقات المعيار الغائي القرارات المتعلقة بتصنيف المقاولين، والتي تهدف إلى ضمان كفاءة المتعاقدين وتأهيلهم للقيام بالمشاريع الحكومية وفق ما يتناسب مع قدراتهم، تُعتبر ذات طابع إداري مستقل عن العقد النهائي ويمكن الطعن عليها. وفي المقابل، فإن القرارات التي تهدف إلى تعديل مدد العقد أو التزامات المتعاقد تُعتبر جزءاً لا يتجزأ من العملية التعاقدية ولا يمكن فصلها عن هذه العلميات.
الفرع الثاني: نقد المعيار الغائي:
تكمن أهمية المعيار الغائي في كونه يوفر إطاراً قانونياً واضحاً يساعد على تمييز القرارات الإدارية القابلة للانفصال، مما يتيح للأفراد الطعن فيها دون التأثير على سلامة واستمرارية العملية التعاقدية. كما يسهم هذا المعيار في تحقيق العدالة من خلال ضمان أن القرارات الإدارية المنفصلة عن العقد تصدر لتحقيق أهداف واضحة ومحددة، وبالتالي يعزز من قدرة القضاء في الرقابة على القرارات التي تتجاوز هذه الأهداف. فضلاً عن أن تحليل القرارات الإدارية من زاوية الهدف الغائي يساعد في فصل القرارات التي تخدم أهدافًا متميزة ومستقلة عن العملية التعاقدية، مما يعزز الشفافية والمساءلة في العملية الإدارية. ويقدم هذا المعيار إطارًا لفهم كيفية تعامل الجهات المختصة مع القرارات المتعلقة بالتعاقدات الإدارية وضمان أنها تخدم غايات محددة ومشروعة، بعيدًا عن التداخل غير المبرر مع الأهداف التعاقدية الأخرى.
وعلى الرغم من أهمية المعيار الغائي في تحديد مدى قابلية القرارات الإدارية للانفصال عن العقد من عدمه، إلا أنه يواجه بعض النقد. ومن أبرز هذه الانتقادات هو الطبيعة التقديرية التي ينطوي عليها تحليل الهدف أو الغاية من القرار، مما قد يؤدي إلى تباين بين القضاة في تفسير تلك القرارات. كما أن التركيز على الغاية قد يتجاهل بعض الجوانب الشكلية والإجرائية التي تلعب دوراً مهماً في تحديد قانونية القرارات الإدارية. ([47])
ونرى أن المعيار الغائي وسيلة قانونية دقيقة لضمان تمييز القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد، ويساهم بشكل فعال في تعزيز رقابة الإلغاء على هذا النوع من القرارات، وضمان حقوق الأفراد في الطعن عند الضرورة، دون الإخلال بسلامة العمليات التعاقدية واستمراريتها، ولا يخل بذلك الانتقادات الموجه لهذا المعيار بشأن أنه معيار تحكمه السلطة التقديرية للقاضي، وذلك لأن إعمال الدور التقديري في موضوع الدعوى من قبل قاضي الموضوع هو عنصر أساسي في عملية نظر الدعاوى القضائية، وأحد أهم أدوات القضاة للفصل في الدعاوى الإدارية.
المطلب الرابع: تحليل منهج القضاء الإداري السعودي في تمييز القرارات الإدارية القابلة للانفصال.
تُشكل مسألة تمييز القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري إحدى الإشكاليات الجوهرية التي حظيت باهتمام بالغ في أحكام ديوان المظالم السعودي، ومن خلال تحليل العديد من الأحكام القضائية ذات الصلة الصادرة عن ديوان المظالم، يمكن القول بأن القضاء الإداري السعودي يتبع منهجية متكاملة تجمع بين مجموعة من المعايير على رأسها المعيارين الموضعي والذاتي لتمييز القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد، إضافة إلى المبادئ الفقهية الشرعية التي ترتكز على العدل وتحقيق المصلحة العامة، وتفسير النصوص القانونية بما يحقق المقاصد الشرعية ويضمن حقوق المتعاقدين. حيث أفرزت أحكام محاكم القضاء الإداري بديوان المظالم منهجية متفردة تعتمد على أصول فقهية وقانونية مترابطة تستند إلى معايير محددة تهدف إلى الموازنة بين سيادة القانون وضمان المصلحة العامة من جهة، وحماية حقوق الأفراد من جهة أخرى ([48]).
وينطلق القضاء الإداري السعودي من قاعدة فقهية مفادها أن الأصل في الأعمال الإدارية هو الارتباط بالمشروعية العامة، بحيث تكتسب القرارات الإدارية استقلاليتها إذا كانت تصدر عن الإدارة بصفتها سلطة عامة، مستندةً إلى نصوص نظامية أو لائحية ذات طبيعة عامة ومجردة. ويرى القضاء أن القرار الإداري القابل للانفصال يتميز بـ”المشروعية الذاتية“، أي تلك التي تستمد وجودها وأثرها من قواعد القانون العام بعيدًا عن مضمون العقد الإداري وأطرافه، أما القرارات التي تُتخذ كجزء لا يتجزأ من تنفيذ العقد الإداري، سواء في إطار الالتزام ببنوده أو التفسير التعاقدي، فإنها تخرج عن نطاق القرارات الإدارية المستقلة، وتعد من الأعمال التعاقدية التي تخضع لأحكام العقد ذاته حيث قضى بأن “سلطة جهة الإدارة في إصدار قراراتها الإدارية تستمد مباشرة من النظم واللوائح أما إذا كانت تستمدها من خلال علاقة تعاقدية تربطها بمقاول أو متعهد فإن ما يصدر عنها من قرارات إدارية لا يمكن وصفه بأنه قرار منفصل عن العقد”([49]). وقد أظهر ديوان المظالم في تطبيقاته القضائية التزامًا دقيقًا وواضحًا بتحديد طبيعة القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري فقد أكد على الأساس النظامي للقرار باعتباره معيارًا جوهريًا، حيث يشترط أن يستند القرار إلى نصوص نظامية أو لوائح صادرة عن جهة مختصة ذات طابع تشريعي أو تنظيمي، بعيدًا عن أي ارتباط مباشر أو تبعية للعقد الإداري ذاته.
كما اعتمد القضاء على طبيعة القرار وأثره القانوني في تحليل ماهيته، إذ يُنظر إلى توقيت صدور القرار والغاية من اتخاذه؛ فالقرارات التي تصدرها الإدارة قبل إبرام العقد أو تلك التي تُتخذ بناءً على سلطتها التنظيمية تُعد قرارات إدارية مستقلة وقابلة للانفصال، وإلى جانب ذلك، حرص ديوان المظالم على ترسيخ مبدأ التوازن بين السلطات من خلال ضمان التوفيق بين حماية السلطة التقديرية للإدارة في تنفيذ العقود الإدارية من جهة، وبين صيانة حقوق الأفراد في مواجهة أي تعسف أو انحراف بالسلطة من جهة أخرى، بما يعكس التزام القضاء الإداري السعودي بتطبيق مبدأ المشروعية والرقابة القضائية الفعّالة وفقًا لمبادئ العدالة والمصلحة العامة.
وقد انعكست هذه المعايير بشكل واضح في العديد من الأحكام الصادرة عن ديوان المظالم، والتي أرسَت مبادئ قضائية متينة، يمكن إيجازها في النقاط التالية:
- استقلالية القرار عن العقد: قرر القضاء أن القرارات التي تصدر استنادًا إلى لوائح تنظيمية، مثل القرارات المتعلقة بالإلغاء أو سحب العقود قبل إبرامها، تعد قرارات إدارية قابلة للانفصال.
- ارتباط القرار بالعقد: رفض القضاء الطعون على القرارات التي تصدر كجزء من تنفيذ الالتزامات التعاقدية، نظرًا لعدم استقلالها([50]) .
- الرقابة على القرارات المنحرفة: أتاح القضاء الطعن على القرارات الإدارية التي تنطوي على تعسف أو إساءة استخدام السلطة، مؤكدًا أهمية الالتزام بمبادئ العدالة.
ويرى بعض الفقهاء أنّ تمييز القرارات الإدارية القابلة للانفصال ينطلق من قاعدة فقهية معروفة تتمثل في “الأعمال بالأوصاف لا بالمظاهر“. بمعنى أن العبرة في تكييف القرار ليست بصيغته الشكلية، وإنما بأثره ومصدره. فالإدارة قد تصدر قرارًا يبدو في ظاهره مرتبطًا بالعقد، إلا أن جوهره يكشف عن استقلاليته، إذا كان يستند إلى سلطات عامة تخوّلها الأنظمة القانونية ([51]).
ويمكننا القول بان النهج الذي يتبناه القضاء الإداري السعودي في تمييز القرارات الإدارية القابلة للانفصال يمثل مزيجًا من الدقة القانونية والرؤية الشرعية، حيث يسعى ديوان المظالم إلى حماية مبدأ المشروعية وضمان عدم تجاوز الإدارة لحدود سلطتها. والتوازن بين السلطة التقديرية للإدارة وحقوق الأفراد، في إطار من الرقابة القضائية الفاعلة التي تُرسخ العدالة وتحقيق المصلحة العامة.
المبحث الثالث: تأثير القرارات الإدارية القابلة للانفصال على عملية إدارة العقود الإدارية
تلعب القرارات الإدارية القابلة للانفصال دوراً محورياً في نظام إدارة العقود الإدارية، حيث تُسهم بشكل فعّال في تحقيق التوازن بين مرونة الإدارة العامة في تسيير العقود، وحماية حقوق الأطراف المتعاقدة. وتكتسب هذه القرارات أهميتها من قدرتها على التكيف مع الظروف المتغيرة والمستجدات التي قد تطرأ أثناء تنفيذ العقود، مما يتيح للإدارة سلطة اتخاذ الإجراءات الضرورية لضمان تنفيذ المشاريع بكفاءة وتحقيق المصلحة العامة. وفي هذا المبحث سوف نتناول تأثير القرارات الإدارية القابلة للانفصال على عملية إدارة العقود الإدارية، من خلال تحليل دورها، وتأثيرها على حقوق والتزامات الأطراف المتعاقدة، وآليات تحقيق التوازن العقدي في مواجهة هذا النوع من القرارات، وذلك على النحو التالي:
المطلب الأول: دور القرارات الإدارية القابلة للانفصال في إدارة العقود الإدارية
تُبرز القرارات الإدارية القابلة للانفصال أهمية كبرى في إدارة العقود الإدارية، حيث توفر للإدارة العامة مرونة في تسيير تعاقداتها، وتضمن حماية المصلحة العامة، وتُحسن من الكفاءة الإدارية. مما يعزز من قدرة الإدارة العامة على تحقيق أهدافها بكفاءة وعدالة، ويضمن استدامة المشاريع، وفيما يلي تحليل لدور القرارات القابلة للانفصال في إدارة العقود الإدارية:
الفرع الأول: دور القرارات الإدارية القابلة للانفصال في الحفاظ على مرونة تنفيذ العقود الإدارية
يتمحور مفهوم القرارات الإدارية القابلة للانفصال على مبدأ تحقيق توازن القوى بين جهة الإدارة والمتعاقدين في العقد الإداري، حيث تمثل هذه القرارات آلية لجهة الإدارة لممارسة سلطاتها التنظيمية والاشرافية دون التأثير المباشر على الحقوق والالتزامات التعاقدية، وتسهم بشكل جوهري في الحفاظ على مرونة وسلاسة تنفيذ هذه العقود بما تخوله لجهة الإدارة من سلطة تعديل بعض شروط التعاقد وفقاً للظروف المستجدة دون الحاجة إلى إعادة التفاوض على العقد بأكمله، وهو الأمر الذي يترتب عليه تجنب التعقيدات الإدارية وتوفير الوقت والموارد، ويُعتبر هذا المبدأ جزءاً من فقه التعاقدات الإدارية الذي يسعى لتحقيق توازن بين المرونة الإدارية وحماية حقوق الأطراف المتعاقدة. ([52]) كما تتجلى أهمية هذه القرارات في قدرتها على تزويد الإدارة بأدوات فعالة للتعامل مع التحديات غير المتوقعة التي قد تطرأ أثناء تنفيذ المشاريع. فعلى سبيل المثال، يمكن للإدارة اتخاذ إجراءات سريعة لتعديل جداول التنفيذ، وفرض غرامات على التأخير، أو تغيير بعض المواصفات الفنية للمشروع لضمان تحقيق الأهداف المتفق عليها. كما تتيح هذه المرونة لجهة الإدارة التعامل مع الظروف الاقتصادية المتغيرة، مما يضمن استمرارية تنفيذ المشاريع الحكومية بكفاءة ودون انقطاع.([53])
الفرع الثاني: دور القرارات الإدارية القابلة للانفصال في ضمان تحقيق المصلحة العامة
تُعد القرارات الإدارية القابلة للانفصال عنصراً حاسماً في تحقيق المصلحة العامة، حيث تتيح لجهة الإدارة سلطة اتخاذ قرارات سريعة وفعّالة دون الحاجة إلى موافقة المتعاقدين. هذا النوع من القرارات يمكّن الجهات الإدارية من التعامل مع المستجدات والتحديات بسرعة وكفاءة، مما يضمن استمرارية تنفيذ المشاريع الحكومية وتحقيق أهدافها المطلوبة. كما تساهم القرارات الإدارية القابلة للانفصال في تعزيز الشفافية والمساءلة داخل الهيئات الإدارية، إذ يتم اتخاذها وفق إجراءات قانونية واضحة ومستقلة عن المصالح الخاصة. مما يعزز من ثقة الجمهور في الإدارة العامة. إضافة إلى أنه من خلال القرارات الإدارية القابلة للانفصال، تستطيع جهة الإدارة تحقيق توازن دقيق بين المصلحة العامة وحقوق الأفراد والشركات المتعاقدة معها. هذا التوازن يضمن عدم تجاوز الإدارة لسلطاتها أو التعسف في استخدام صلاحياتها، مما يرسخ مبدأ سيادة القانون ويضمن العدالة للجميع. كما تلعب الرقابة القضائية على هذا النوع من القرارات دوراً مهماً في ضمان تحقيق المصلحة العامة، حيث يمكن للأطراف المتضررة اللجوء إلى القضاء للطعن بالإلغاء في القرارات غير المشروعة. وتُساهم رقابة الإلغاء من قبل القضاء الإداري في ضمان توافقها مع القوانين واللوائح المعمول بها. ([54] )
ويمكن القول بأن القرارات الإدارية القابلة للانفصال تُعزز من كفاءة الإدارة العامة من خلال توفير مرونة أكبر في إدارة العقود والمشاريع. بحيث يُمكن لجهة الإدارة تعديل أو تصحيح مسار القرارات دون الحاجة إلى إعادة النظر في العقد بأكمله، مما يوفر الوقت والموارد ويعزز من فعالية العمليات الإدارية. فهي أداة أساسية لضمان تحقيق المصلحة العامة، و تعزيز مبادئ الشفافية، والمساءلة، والتوازن بين المصالح، والكفاءة الإدارية. ويعكس هذا الدور الأهمية البالغة لهذه القرارات في النظام الإداري، ويؤكد على ضرورة تطويرها المستمر لتلبية احتياجات جهة الإدارة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
المطلب الثاني: تأثير القرارات الإدارية القابلة للانفصال على حقوق والتزامات الأطراف المتعاقدة
تلعب القرارات الإدارية القابلة للانفصال دوراً حيوياً في تنظيم العلاقات التعاقدية بين الإدارة والأطراف المتعاقدة معها. هذه القرارات، التي تصدر من جهة الإدارة بصفة مستقلة عن العقد ولا يستلزم لصدروها موافقة المتعاقد، لها تأثيرات مباشرة على حقوق والتزامات الأطراف المتعاقدة وذلك من خلال قدرتها على تعديل بعض الشروط التعاقدية والإجراءات التنفيذية المصاحبة للعقد أو الالتزامات التعاقدية. إذ قد تتضمن هذه القرارات فرض غرامات تأخير على المتعاقد، أو تعديل الجداول الزمنية للتنفيذ، أو تغيير بعض المواصفات الفنية للمشروع.
ومن الناحية الفقهية، تثير هذه التعديلات الناشئة عن القرارات الإدارية المنفصلة عن العقد تساؤلات حول مدى توافقها مع المبادئ العامة للعدالة والإنصاف في العقود. وقد أجاب الفقهاء عن هذه التساؤلات بأنه للإدارة سلطة إجراء تعديلات على العقد طالما أنها تستهدف تحقيق المصلحة العامة أو التكيف مع الظروف المتغيرة المصاحبة لتنفيذ العقد. شريطة أن تكون هذه التعديلات محددة بوضوح ومبررة بشكل كافٍ لضمان عدم الإضرار بحقوق المتعاقدين بحيث تحترم مبدأ “عدم تجاوز السلطة”، الذي يمنع الإدارة من اتخاذ قرارات تعسفية أو غير مبررة تمس جوهر العقد. إضافة إلى ذلك يجب على القرارات الإدارية القابلة للانفصال أن تحترم مبدأ “عدم جواز الإخلال بالتوازن العقدي” بين مصلحة الإدارة في تنفيذ المشاريع بكفاءة، وحقوق المتعاقدين في حماية مصالحهم القانونية. كما يؤكد الفقهاء إلى أن أي تعديل يتم بموجب قرار إداري منفصل عن العقد يجب أن يراعي مبدأ الإنصاف في العقود، بحيث لا يتم تحميل الطرف المتعاقد أعباءً غير متوقعة أو غير عادلة. وفي المقابل أن يتاح للمتعاقدين فرصة الطعن على هذه القرارات أمام القضاء الإداري. (.([55]
من ناحية أخرى، تؤثر القرارات الإدارية القابلة للانفصال على التزامات الأطراف المتعاقدة لما قد يترتب عليها من احتمال إعادة تحديد مسؤوليات المتعاقد بهدف التكييف مع الظروف الطارئة أو المتغيرات الاقتصادية المصاحبة للعقد والتي تتطلب تعديلات على الالتزامات التعاقدية لضمان استمرارية المشروع محل التعاقد. وعلى الرغم من أن هذه التأثيرات تعد جزءاً من الدور التنظيمي والإشرافي للإدارة، وتضمن لها تحقيق مستوى عالٍ من الالتزام والجودة في تنفيذ مشروعاتها. إلا أنه يجب أن تكون القرارات الصادرة بشأنها مقيدة بمبدأ “التناسبية” بحيث تضمن الحفاظ على حقوق المتعاقدين([56]).
وقد استقرت أحكام محاكم القضاء الإداري بديوان المظالم على أن ” سلطة جهة الإدارة في تعديل العقد ليست مطلقة بل ترد عليها قيود تقتضيها ضرورة التوفيق بين المصلحة العامة والمصالح الفردية للمتعاقدين” وهو ما يؤكد على أن صلاحية جهة الإدارة في إصدار القرارات المنفصلة عن العقد الإداري مقيدة بشرطين ألا وهما استهداف القرار تحقيق المصلحة العامة وعدم المساس بحقوق المتعاقدين أو الإخلال بالتوازن العقدي.([57])
ويمكننا القول بأن هناك مجموعة من المبادئ القانونية التي تؤطر تأثير القرارات الإدارية القابلة للانفصال على حقوق والتزامات الأطراف المتعاقدة، , وذلك على النحو التالي:
- أولاً: مبدأ التناسبية: حيث يُعتبر مبدأ التناسبية ضمانة أساسية ضد التعسف في استخدام السلطة الإدارية إذ يوجب أن تكون القرارات الإدارية متناسبة مع الأهداف المرجوة منها. مما يعني أن أي قرار قد يتضمن تعديل على العقد يجب أن يأتي متناسباً مع الأهداف المطلوب تحقيقها.
- ثانياً: مبدأ الشفافية: حيث يجب أن تكون قرارات الإدارة الصادرة في مواجهة المتعاقد مدعومة بمبررات واضحة، وأن تصدر وفق الأطر الإجرائية المنصوص عليها قانوناً، وذلك بهدف تعزيز الثقة بين الإدارة والمتعاقدين.
- ثالثاً: مبدأ الاستقرار التعاقدي: حيث يفرض مبدأ الاستقرار في العلاقات التعاقدية على الإدارة ألا يترتب على التعديلات الناتجة عن القرارات الإدارية التي تتخذها في مواجهة المتعاقد عدم استقرار العلاقة التعاقدية، أو إخلال التوزان العقدي بين الجهة الإدارية والمتعاقد، بشكل يعوق تحقيق الأهداف التعاقدية.
- رابعاً: مبدأ كفالة حق الطعن على القرار: حيث يلعب القضاء دوراً محوريا في ضمان مشروعية هذه القرارات من خلال تمكين المتعاقدين من الطعن على القرارات الإدارية القابلة للانفصال الغير مشروعة وإخضاعها لرقابة الإلغاء من قبل محاكم القضاء الإداري.
المطلب الثالث: آليات تحقيق التوازن العقدي في مواجهة القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد.
إن عملية تحقيق التوازن العقدي في مواجهة القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد تتطلب توافر آليات قانونية محددة تسهم في تحقيق التوازن بين مصلحة الإدارة وحقوق المتعاقدين. وتكمن أهمية هذه الآليات في ضمان استقرار العلاقات التعاقدية، وتعزيز الشفافية والمساءلة في الإجراءات الإدارية. وهو الأمر الذي يتطلب إقرار أطر قانونية شاملة تنظم التعاقدات الإدارية، واعتماد العمل بالعقود النموذجية التي تحدد بوضوح حقوق والتزامات الأطراف. وتقيد جهة الإدارة بمبدأ الشفافية في جميع الإجراءات التعاقدية، وكفالة حق الاعتراض للأطراف المتعاقدة، فضلاً عن إتاحة حق اللجوء إلى اللجان التحكيمية ولجان المنازعات كوسيلة بديلة لحل النزاعات. من خلال هذه الآليات مجتمعه، يمكن ضمان الوصول إلى التوازن المطلوب بين تحقيق المصلحة العامة، وحقوق حقوق المتعاقدين، مما يعزز الثقة في النظام الإداري ويضمن استمرارية وفعالية تنفيذ العقود، ([58]) وفيما يلي تحليل لآليات تحقيق توازن المصالح والحقوق في العقود الإدارية في مواجهة القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد بالتطبيق على نظام المنافسات والمشتريات الحكومية السعودي:
الفرع الأول: وجود أطر قانونية شاملة تنظم التعاقدات الإدارية:
تعتمد آليات تحقيق التوازن بين مصلحة الإدارة وحقوق المتعاقدين على وجود مجموعة من الأطر القانونية الشاملة والمتكاملة التي تنظم التعاقدات الإدارية، وتحدد حقوق وواجبات كل من الإدارة والمتعاقدين، بما فيها حق جهة الإدارة في إصدار قرارات إدارية منفصلة عن العقد. إذ توفر هذه الأطر القانونية للمتعاقد الحماية من التعسف الإداري، وتضمن التزام الإدارة بالمعايير القانونية ([59]). وبتطبيق ذلك على نظام المنافسات والمشتريات الحكومية السعودي، يمكننا القول أن هذا النظام يُعد من الأنظمة القانونية الرائدة التي استطاعت تحقيق توازن دقيق بين مصلحة الإدارة وحقوق المتعاقدين. إذ أقر النظام ولائحته التنفيذية إطار قانوني شامل ومتكامل ينظم العلاقة بين جهة الإدارة والمتعاقدين معها، إضافة إلى النص على مجموعة من المبادئ القانونية المستقر عليها في شأن العقود، وإقرار مجموعة من القواعد الإجرائية الملزمة لجهة الإدارة والتي تسعى جمعيها لضمان تحقيق العدالة، والشفافية، في تنفيذ العقود الإدارية. ومن بين هذه المبادئ مبدأ التناسبية، ومبدأ الشفافية، ومبدأ الاستقرار التعاقدي، والتي يهدف جميعها إلى تحقيق التوازن بين مصلحة الإدارة في تنفيذ مشاريعها بكفاءة، وحماية المصالح القانونية للأطراف المتعاقدة. بما يُعزز من ثقة الأطراف المتعاقدة في النظام الإداري، ويضمن التزام الجميع بالقواعد المحددة ويحافظ على استقرار وفعالية العلاقات التعاقدية.
الفرع الثاني: اعتماد العمل بالعقود النموذجية: تعتبر العقود النموذجية أداة فعالة في تحقيق التوازن بين مصلحة الإدارة وحقوق المتعاقدين، حيث تحتوي هذه العقود على شروط موحدة تضمن حقوق الأطراف المتعاقدة وتحدد التزاماتهم العقدية بوضوح، وتكمن أهمية هذه العقود النموذجية في كونها بمثابة مرجع ثابت وواضح يمكن للإدارة والمتعاقدين الاعتماد عليه في حصر ومعرفة كافة الشروط والضوابط الخاصة بتنفيذ العقد، الأمر الذي يساهم في تقليل فرص النزاعات، وتعزز من الشفافية والوضوح في التعاملات التعاقدية، مما يضمن حقوق الأطراف ويحميهم من التعسف([60]).
ويُعد اعتماد العمل بالعقود النموذجية من الأساليب الإدارية الرائدة التي أقرها نظام المنافسات والمشتريات الحكومية السعودي، حيث تنص المادة (91) من النظام على أن “تلتزم الجهة الحكومية باستخدام النماذج المعتمدة للعقود، ووثائق المنافسة، ووثائق التأهيل المسبق، ونماذج تقييم أداء المتعاقدين، وأي وثيقة أخرى تتطلبها طبيعة الأعمال أو المشتريات“، مما يضمن تحقيق الشفافية والعدالة في التعاملات التعاقدية. وتحتوي نماذج هذه العقود على شروط وأحكام موحدة ومحددة مسبقاً، تُستخدم كأساس في جميع التعاقدات الإدارية، بهدف تبسيط وتوحيد إجراءات تنفيذ العقد، مما يسهل على الأطراف المتعاقدة فهم والتزام بالشروط المتفق عليها. وتسهم هذه النماذج في تحقيق أعلى مستويات الشفافية والكفاءة في العقود الإدارية، كما تقلل من فرص النزاعات وتحسن جودة التنفيذ، مع ضمان حماية حقوق الأطراف المتعاقدة.
الفرع الثالث: التقيد بمبدأ الشفافية الإدارية في جميع الإجراءات التعاقدية: تُعد الشفافية الإدارية من الآليات الأساسية الضامنة لتحقيق التوازن في عملية إدارة العقود الإدارية، حيث توجب القوانين واللوائح المنظمة للتعاقدات الإدارية في العديد من الأنظمة القانونية من جهة الإدارة اعتماد إجراءات شفافة في جميع مراحل تنفيذ العقود، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى النص الصريح في صلب القانون على بطلان الإجراء الإداري الذي صدر بالمخالفة لموجبات الشفافية الإدارية. ويستلزم مبدأ الشفافية في إدارة العقود الإدارية إبلاغ المتعاقدين بأي تغييرات أو تعديلات تطرأ على العقود. وكذلك تعتبر المشاورة مع المتعاقدين قبل اتخاذ بعض القرارات الإدارية المتعلقة بالعقود من الآليات الأساسية لتحقيق التوازن. وتعكس هذه الإجراءات احترام الإدارة لحقوق المتعاقدين ويعزز من الثقة المتبادلة، ويساهم في حماية حقوق المتعاقدين، ويقلل من فرص النزاعات القضائية. ([61])
وقد أكد نظام المنافسات والمشتريات الحكومية السعودي صراحة على مبدأ “الشفافية” في المادة (الثانية) منه، مؤكداً على أن أحد أهدافه هو ضمان الشفافية في جميع إجراءات الأعمال والمشتريات. كما شددت المادة (الخامسة) على هذا المبدأ، مؤكدة على أن المنافسة العامة تخضع لمبادئ العلانية والشفافية وتكافؤ الفرص. كما تضمن النظام أيضًا مجموعة من الإجراءات الإدارية التي يجب على جهة الإدارة التقيد بها في عملية تسيير تعاقداتها الإدارية والتي تهدف إلى تعزيز الشفافية في عملية التعاقد. إضافة إلى ذلك، أقر النظام صلاحيات رقابية لهيئات مستقلة مثل الديوان العام للمحاسبة ووزارة المالية، لمراقبة تنفيذ العقود الإدارية وضمان مساءلة الإدارة عن قراراتها المخالفة.
الفرع الرابع: كفالة حق الاعتراض: يُعد حق التظلم الإداري ضد القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد، وحق الطعن عليها قضائياً أمام محاكم القضاء الإداري من أهم الآليات القانونية اللازمة لتحقيق التوازن بين مصلحة الإدارة وحقوق المتعاقدين. ويوفر هذا الحق للأطراف المتعاقدة وسيلة قانونية للرقابة على قرارات جهة الإدارة التي يرون أنها غير مشروعة، أو تتعارض مع مصالحهم العقدية، مما يضمن حماية حقوقهم. وتساهم الرقابة الإدارية وكذا الرقابة القضائية على القرارات الإدارية القابلة للانفصال في تعزيز الشفافية والمساءلة، وتوفر ضمانات قانونية لحماية حقوق المتعاقدين من التعسف أو تجاوز السلطات. كما تعزز من ثقة الأطراف في النظام القانوني والإداري([62] ).
ويتيح نظام المنافسات والمشتريات الحكومية في المادة (86) منه للمتنافسين والمتعاقدين حق التظلم من القرارات الإدارية القابلة للانفصال الصادرة عن جهة الإدارة بمناسبة إجراءات اتمام التعاقد، أو تنفيذ موضوع العقد، وذلك أمام لجنة مستقلة معنية بالنظر في الشكاوى والمخالفات والتظلمات، مشكلة بقرار وزير المالية، كما يؤكد النظام على حق المتعاقدين في اللجوء إلى القضاء ضد تصرفات جهة الإدارة الغير مشروعة حيث ينص في المادة (92) منه على أن ” على الجهة الحكومية تنفيذ التزاماتها في العقد وفقاً لشروطه، وإذا أخلت بتنفيذ التزاماتها جاز للمتعاقد معها التقدم إلى المحكمة الإدارية للمطالبة بالتعويض” وتتيح هذه الإجراءات للمتعاقدين الحصول على رقابة إدارية وقضائية عادلة وشفافة للقرارات الإدارية المنفصلة عن العقد الإداري. بما يضمن حقوق المتعاقدين ويعزز من الشفافية والمساءلة في عملية اتخاذ القرارات.
كما تعد اللجان التحكيمية ولجان المنازعات من الآليات البديلة لحل النزاعات والتي تتيح للأطراف المتعاقدة فرصة لحل نزاعاتهم بطريقة أسرع وأقل تكلفة مقارنة بالقضاء التقليدي. وتساهم هذه اللجان في تحقيق العدالة من خلال تقديم حلول تناسب جميع الأطراف. وتعزز من مرونة النظام القانوني وتوفر فرصاً لحل النزاعات بشكل ودي وفعال، مما يقلل من التكاليف والوقت اللازم لحل النزاعات ويحافظ على العلاقات التعاقدية. ([63])
وتُجيز المادة (92/2) من نظام المنافسات والمشتريات الحكومية لجهة الإدارة الاتفاق مع المتعاقد على اللجوء إلى التحكيم لحل النزاعات الناشئة عن تنفيذ العقود الإدارية وذلك بعد موافقة وزير المالية. كما تنص المادة (155) من اللائحة التنفيذية للنظام على أنه ” في حال وجود نزاع فني بين الجهة الحكومية والمتعاقد، وكان من شـــأنه أن يفضي إلى تعثر المشـــروع أو إلحاق الضرر بصاحب العمل أو بالمتعاقد أو بأي من مرافق الدولة، فإن على الجهة الحكومية حل النزاع بالطرق الودية فـــإن لـــم تتمكـــن مـــن ذلـــك، يتـــم حـــل النـــزاع مـــن خـــال مجلـــس لحـــل النـــزاع…” وبذلك فإن نظام المنافسات والمشتريات الحكومية قد وفر للمتعاقدين حلاً بديلاً فعالاً لحل النزاعات التعاقدية بسرعة وفعالية، وعزز من مرونة النظام القانوني للتعاقدات الإدارية ووفر فرصاً لحل النزاعات بشكل ودي وفعال، مما يحافظ على العلاقات التعاقدية ويضمن تحقيق العدالة لجميع الأطراف.
المبحث الرابع: الطعن بالإلغاء على القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد
المطلب الأول: الطبيعة القانونية للطعن بالإلغاء على القرارات القابلة للانفصال عن العقد الإداري
الفرع الأول: مفهوم الطعن بالإلغاء على القرارات القابلة للانفصال عن العقد الإداري وأساسه القانوني
يُعد الطعن بالإلغاء على القرارات المنفصلة عن العقد الإداري أحد أهم الوسائل القانونية التي تكفل حماية مبدأ المشروعية في النظام الإداري، حيث يُتيح للمتعاقد ولكل ذي مصلحة الطعن على هذا النوع من القرارات الإدارية غير المشروعة أمام القضاء الإداري بقصد إلغائها وإعدام آثارها القانونية. ومن هذا المنطلق، فإن الطعن بالإلغاء لا يستهدف فقط تحقيق مصالح فردية للطاعن، بل يُكرس أيضًا الرقابة على تصرفات الإدارة لضمان احترامها للقانون، مما يمنحه طابعًا عينيًا يجعله مختلفًا عن الدعاوى الأخرى ذات الطبيعة الشخصية.
ويستند هذا الطعن إلى أسس دستورية وقانونية متعددة تؤطره في النظام السعودي وتستند إلى أحكام النظام الأساسي للحكم ونظام ديوان المظالم ونظام المنافسات والمشتريات الحكومية حيث يعكس التزام الدولة بمبدأ المشروعية، وسيادة القانون، واستقلال القضاء. كما أنه يتميز بحدوده القانونية التي تميزه عن الطعن التعاقدي. ([64]).
ويتميز الطعن بالإلغاء على القرارات المنفصلة عن العقد الإداري بأنه دعوى عينية، أي أن الهدف الأساسي منها هو التحقق من مدى مشروعية القرار الإداري ذاته بغض النظر عن المصلحة الشخصية للطاعن. وهذا يختلف عن الدعاوى العادية التي تقوم على حماية حقوق شخصية للطاعن. وبناءً على ذلك، فإن الأحكام الصادرة بإلغاء القرارات المنفصلة عن العقد الإداري لا يقتصر أثرها على الطاعن فقط، بل تمتد إلى جميع الأشخاص الذين يتأثرون بالقرار الملغى، مما يمنحه قوة تنفيذية عامة.غير أن هذه الطبيعة تثير بعض الإشكاليات العملية، حيث إن الاقتصار على إلغاء القرار الإداري دون تصحيح الوضع القانوني للطاعن قد يُضعف من الحماية القضائية في بعض الحالات، لا سيما إذا كانت هناك تداعيات مادية للقرار الملغى لم يتم علاجها بحكم الإلغاء وحده.([65])
وتُمارس محاكم القضاء الإداري بديوان المظالم رقابة المشروعية على القرارات الإدارية المنفصلة عن العقد الإداري من خلال الطعن بالإلغاء، حيث تقوم بفحص مدى التزام القرار الإداري بالاختصاص القانوني، والشكل والإجراءات، ومدى التوافق مع القوانين واللوائح، والتحقق من عدم الانحراف بالسلطة. ولكن يلاحظ أن نطاق هذه الرقابة يقتصر على فحص مشروعية القرار الإداري فقط دون النظر في مدى ملاءمته، مما يعني أن القضاء الإداري لا يتدخل في تقدير الإدارة لملاءمة القرار، وإنما يقتصر دوره على التحقق مما إذا كان القرار قد صدر وفقًا للقانون أو بالمخالفة له. وهذا يطرح تساؤلًا حول مدى كفاية هذه الرقابة في معالجة بعض الانحرافات الإدارية المتعلقة بالعقد الإداري والتي قد لا تكون صريحة ولكنها تؤثر على الحقوق والمصالح بشكل غير عادل. (.([66]
ويكمن الفرق الأساسي بين الطعن بالإلغاء والطعن التعاقدي في طبيعة القرار المطعون فيه. فالطعن بالإلغاء يستهدف القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري، أي تلك القرارات التي تصدرها الإدارة بوصفها سلطة عامة، مثل قرارات الترسية والاستبعاد من المنافسة وإلغاء المناقصات.أما الطعن التعاقدي فينصب على التصرفات الصادرة عن الإدارة أثناء تنفيذ العقد الإداري، حيث يكون المتعاقد في مركز قانوني مختلف، مما يجعله ملزمًا بتقديم دعوى تعاقدية أمام المحكمة الإدارية المختصة بدلًا من الطعن بالإلغاء.
وفي الطعن بالإلغاء، يقتصر دور القاضي الإداري على التحقق من مشروعية القرار وإلغائه عند الاقتضاء، دون أن يمتد تدخله إلى تعديله أو استبداله. أما في الطعن التعاقدي، فإن القاضي الإداري يمتلك صلاحيات أوسع، حيث يمكنه إلزام الإدارة بتنفيذ التزاماتها العقدية، أو الحكم بتعويض المتضرر، أو حتى تعديل بعض شروط العقد وفقًا لمبدأ التوازن العقدي. ([67])
وبناءً على ما سبق، يُشكل الطعن بالإلغاء على القرارات المنفصلة عن العقد الإداري إحدى الركائز الأساسية لتحقيق المشروعية في تصرفات الإدارة، حيث يمنح المتعاقد وكل ذي مصلحة وسيلة قانونية فعالة لمساءلة القرارات الإدارية غير المشروعة.غير أن الفعالية الكاملة لهذا الطعن تستدعي تطوير بعض الجوانب الإجرائية، مثل توسيع نطاق الرقابة القضائية ليشمل بعض القرارات التقديرية التي قد تؤثر على المتعاقد بشكل غير عادل، وعلى الرغم من أن النظام السعودي يتماشى مع أفضل الممارسات القضائية، إلا أن الممارسة العملية قد تكشف عن الحاجة إلى المزيد من التطوير التشريعي لضمان تحقيق التوازن الأمثل بين السلطة الإدارية والحقوق الفردية
الفرع الثاني: نطاق شروط قبول الطعن بالإلغاء على القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد
لقبول الطعن بالإلغاء، لا بد أن تتوافر شروط شكلية وأخرى موضوعية. تتعلق الشروط الشكلية بالإطار الإجرائي للطعن، مثل اختصاص القضاء الإداري، المهل القانونية، وشرط التظلم الإداري المسبق، في حين تتناول الشروط الموضوعية مدى أحقية الطاعن، والمشروعية القانونية للقرار، ونطاق الطعن في مواجهة القرارات التقديرية. هذه الشروط تثير العديد من الإشكالات القانونية التي تستدعي تحليلاً معمقًا ومدى فاعلية القضاء الإداري في فرض رقابته على هذا النوع من القرارات.
أولًا: الشروط الشكلية للطعن بالإلغاء على القرارات القابلة للانفصال عن العقد الإداري
وفقًا للمادة (13/أ) من نظام ديوان المظالم الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/78 لعام 1428هـ، تختص المحاكم الإدارية بالنظر في الدعاوى المتعلقة بإلغاء القرارات الإدارية النهائية متى كان مرجع الطعن فيها وجود عيب في الشكل، أو عيب في السبب، أو مخالفة النظم واللوائح، أو الخطأ في تطبيقها أو تأويلها، أو إساءة استعمال السلطة. لكن الإشكالية التي تطرح نفسها هنا هي التمييز بين القرارات الإدارية القابلة للانفصال والقرارات التعاقدية البحتة، حيث لا تخضع جميع القرارات الصادرة عن الإدارة للطعن بالإلغاء. فإذا كان القرار الإداري متصلاً بالعلاقة التعاقدية ومستنداً إلى نص تعاقدي ولا يتمتع بالاستقلال القانوني عن العقد الإداري، فإن ديوان المظالم يرفض نظر الدعوى بحجة أن النزاع تعاقدي ويجب النظر فيه كدعوى تعويض أو تنفيذ عقد. (.([68]
ويُعد التقيد بالمهل القانونية للطعن أحد المبادئ الأساسية لضمان قبوله. فقد أوجبت المادة (8/4) من نظام المرافعات أمام ديوان المظالم عدم قبول الدعاوى المتعلقة بإلغاء القرارات الإدارية بعد مضي ستين يومًا من تاريخ العلم بالقرار، وتتمثل أهمية هذه المهلة في أنها تهدف إلى حماية استقرار المعاملات الإدارية ومنع تعطيل سير المرافق العامة بسبب الطعون المتأخرة. إلا أن هذا الشرط يثير بعض الإشكالات القانونية، ومنها إشكالية وجب تقديم تظلم إداري إلى الجهة الإدارية المتعاقدة قبل اللجوء إلى الطعن بالإلغاء بحسب حكم المادة (8/4) من نظام المرافعات أمام ديوان المظالم ، حيث تُمنح الإدارة الفرصة لمراجعة قرارها وتصحيحه دون الحاجة إلى تدخل القضاء. ([69]) لكن هذا الشرط الشكلي تم تقييده بالنسبة للقرارات التي تصدر عن الجهة الإدارية قبل مرحلة التعاقد حيث تنص المادة (87) من نظام المنافسات والمشتريات الحكومية على أنه” لكل متنافس الحق في التظلم أمام الجهة الحكومية من أي قرار اتخذته، قبل قرار الترسية، وذلك خلال (خمسة) أيام عمل من تاريخ صدور القرار، وله كذلك التظلم أمام الجهة الحكومية على قرار الترسية، وذلك خلال فترة التوقف المشار إليها في المادة (الثالثة والخمسين) من النظام. ويجب على الجهة الحكومية البتّ في التظلم خلال (خمسة عشر) يوم عمل من تاريخ ورود التظلم، فإن مضت تلك المدة دون البت في التظلم عد رفضاً” وبناءً عليه يجب على الطاعن أن يتقيد في مواعيد تقديم التظلم من القرار المنفصل عن العقد الإداري الذي يسبق مرحلة إبرام العقد وكذا مواعيد رفع دعوى الإلغاء بالمدد الزمنية المنصوص عليها في المادة النظامية أعلاه حتى تقبل دعوى الإلغاء المقامة منه من حيث الشكل.
ثانيًا: الشروط الموضوعية بالإلغاء على القرارات القابلة للانفصال عن العقد الإداري
وفقًا للمادة (5) من نظام المرافعات أمام ديوان المظالم، لا تُقبل دعوى إلغاء القرار المنفصل عن العقد الإداري إلا إذا توافرت للطاعن صفة ومصلحة قانونية مباشرة في الطعن على القرار الإداري. ويُقصد بالمصلحة أن يكون القرار المطعون فيه قد أثر فعليًا على المركز القانوني للطاعن، سواء كان التأثير ماديًا أو قانونيًا.ولكن، يطرح هذا الشرط إشكالية تتعلق بمدى إمكانية قبول الطعون المقدمة من جهات ليست متضررة بشكل مباشر، ولكنها تهدف إلى حماية المشروعية العامة، مثل الجمعيات الحقوقية أو منظمات المجتمع المدني، وهو أمر يستلزم توسيع نطاق مفهوم المصلحة القانونية وجدير بالذكر أن نظام المنافسات والمشتريات الحكومية ولائحته التنفيذية لم يتطرقا إلى هذه الإشكالية، وقد حسم ديوان المظالم هذه الإشكالية حيث أقر بأحقية كل ذي مصلحة حتى وإن لم يكن طرفاً في العقد أن يطعن بالإلغاء على القرارات المنفصلة عن العقد الإداري طالما أن تنفيذها قد يترتب عليه ضرراً. ([70])
ولا يكفي أن يكون القرار الإداري قد ألحق ضررًا بالطاعن، بل يجب أن يكون الطعن مبنيًا على أحد العيوب القانونية المقررة في النظام، وهي:
- عدم الاختصاص: عندما تصدر الجهة الإدارية قرارًا خارج صلاحياتها القانونية.
- عيب الشكل: إذا لم تراعِ الإدارة الإجراءات الشكلية المطلوبة.
- مخالفة القانون: عندما يكون القرار الإداري غير متوافق مع القوانين النافذة.
- إساءة استعمال السلطة: إذا تبين أن الإدارة قد استخدمت سلطتها لتحقيق أغراض غير مشروعة.
ويتضح من خلال هذا التحليل أن الطعن بالإلغاء على القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري في النظام السعودي يخضع لعدة شروط دقيقة تتعلق بالاختصاص، المهل القانونية، شرط التظلم، والمصلحة القانونية للطاعن، وهو ما يُعزز من مبدأ المشروعية، لكنه يستدعي أيضًا تطوير بعض الجوانب مثل توسيع مفهوم المصلحة، وإعادة النظر في بعض القيود المتعلقة بالقرارات التقديرية، وتحسين آليات الرقابة على استجابة الإدارة للتظلمات([71])
المطلب الثاني: آثار الحكم بإلغاء القرار القابل للانفصال عن العقد الإداري
تعد مسألة آثار الحكم بإلغاء القرار القابل للانفصال عن العقد الإداري من المسائل القانونية ذات الأهمية البالغة، نظراً لما تثيره من إشكاليات تتعلق بمبدأ المشروعية، واستقرار المعاملات الإدارية، وحماية المراكز القانونية للأطراف المتعاقدة. ومن ثم، فإن تحليل هذه الآثار يقتضي الوقوف عند مبدأ الأثر الرجعي للإلغاء، وتأثيره على استمرارية العقد الإداري، إضافة إلى استعراض الضمانات القانونية المتاحة لحماية المتعاقدين في حالة الإلغاء.
الفرع الأول: الأثر الرجعي للحكم بإلغاء القرار القابل للانفصال عن العقد الإداري
يرتبط الأثر الرجعي للحكم بالإلغاء بالمبدأ العام الذي يقضي بأن القرار الإداري غير المشروع لا ينتج أثراً قانونياً، ومن ثم فإن الحكم القضائي الصادر بإلغائه يؤدي إلى اعتباره كأن لم يكن منذ صدوره. وهذا ما يندرج تحت تطبيقات مبدأ المشروعية، الذي يعد حجر الأساس في القانون الإداري، حيث يجب أن تكون جميع القرارات الصادرة عن الإدارة مطابقة للقانون، وأي خروج عن ذلك يعرضها للإلغاء بأثر رجعي. ([72])
غير أن هذا التطبيق النظري على القرارات القابلة للانفصال عن العقد الإداري يصطدم بإشكاليات عملية، أبرزها مدى جواز إبطال كافة الآثار القانونية المترتبة على القرار الملغى، لا سيما إذا كان القرار قد أفرز حقوقاً مكتسبة للغير. وهنا تتدخل الاعتبارات العملية والواقعية التي قد تفرض بعض القيود على الأثر الرجعي للحكم بالإلغاء، بما يضمن تحقيق التوازن بين مبدأ المشروعية ومبدأ استقرار المعاملات التعاقدية، (([73] ويمتد الأثر الرجعي للحكم بالإلغاء إلى المراكز القانونية للأطراف المتعاقدة، حيث يترتب على إلغاء القرار الإداري القابل للانفصال زوال الأساس القانوني الذي استند إليه العقد، مما قد يؤثر على صحة العقد ذاته أو على بعض بنوده الجوهرية. وفي هذا الإطار، تتباين الآراء الفقهية والقضائية حول ما إذا كان الإلغاء يؤدي إلى انعدام العقد كلياً، أم يقتصر أثره على تعديل بعض شروطه. ويمكننا القول من واقع استقراء العديد من الأحكام القضائية الصادرة عن ديوان المظالم أن القضاء الإداري السعودي، يظهر الاتجاه المحافظ الذي يميل إلى عدم إبطال العقود المبرمة استنادًا إلى قرارات إدارية قابلة للانفصال، إلا إذا كان القرار الملغى يمثل ركنًا جوهريًا في العقد، بحيث لا يمكن تنفيذه في غيابه. ([74])
الفرع الثاني: تأثير الحكم بإلغاء القرار القابل للانفصال على استمرارية العقد الإداري
يجب التمييز بين إلغاء القرار الإداري القابل للانفصال وإلغاء العقد الإداري ذاته. فالقرار الإداري القابل للانفصال هو ذلك القرار الذي يصدر عن الإدارة منفردًا بما لها من سلطة تنظيمية ويؤثر في تكوين العقد أو تنفيذه أما العقد الإداري فينشأ بإرادتين، ويتطلب إجراءات أكثر تعقيدًا لإلغائه. وبالتالي، فإن الحكم بإلغاء القرار الإداري القابل للانفصال لا يؤدي بالضرورة إلى بطلان العقد، بل قد يقتصر أثره على تعديل بعض أحكامه أو تكييفه وفقًا للوضع القانوني الجديد الناتج عن الإلغاء. وهو ما يعرف بمبدأ “الوقوف عند حد الإلغاء” والذي يعد أحد المبادئ التي تطبقها المحاكم الإدارية بديوان المظالم، ويقصد به أن القضاء الإداري يقتصر على إلغاء القرار الإداري محل الطعن دون المساس بالعقد الإداري ذاته. وهو مبدأ يهدف إلى تحقيق الاستقرار في التعاملات الإدارية وتقليل الاضطرابات الناتجة عن إلغاء القرارات الإدارية. ويظهر هذا المبدأ بوضوح في الأحكام الصادرة عن ديوان المظالم، حيث تميل المحاكم إلى تجنب إبطال العقود ما لم يكن القرار الإداري الملغى يؤثر جوهريًا على العقد. ([75])
ويؤثر الحكم بالإلغاء على تنفيذ العقد الإداري في عدة حالات، أبرزها إذا كان القرار الملغى يمثل شرطًا أساسياً في العقد، كما في حالات إلغاء قرارات الترسية، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة إجراءات التعاقد من البداية. وحالة إذا كان القرار يتعلق بمسائل إجرائية أو تنفيذية، فإن الإلغاء قد يؤدي إلى تعديل بعض بنود العقد دون المساس بصحته. وحالة إذا استند العقد إلى قرار إداري غير مشروع، فقد يكون الإلغاء سببًا في فسخ العقد، إلا إذا اقتضت المصلحة العامة غير ذلك. ويتجلى تطبيق المبدأ في القضاء الإداري السعودي من خلال حرص ديوان المظالم على عدم المساس بالعقود الإدارية عند إلغاء القرارات القابلة للانفصال، مع استثناء الحالات التي يكون فيها العقد متأثرًا جوهريًا بالإلغاء. ويؤدي إلغاء القرار الإداري القابل للانفصال إلى إعادة النظر في بعض شروط العقد، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى فسخه، حيث تسعى المحاكم إلى تحقيق التوازن بين مقتضيات المشروعية واستقرار العقود.
المطلب الثالث: تعزيز الضمانات الإجرائية للطعن بالإلغاء على القرارات الإدارية القابلة للانفصال في النظام السعودي
يُعَدُّ الطعن بالإلغاء على القرارات الإدارية القابلة للانفصال من الضمانات الأساسية لحماية مبدأ المشروعية وضمان حقوق الأفراد والجهات المتعاقدة مع الإدارة، وهو ما يستلزم تعزيز الضمانات الإجرائية التي تكفل فاعلية هذا الطعن، سواء من خلال تطوير آلياته، أو تعديل النصوص التشريعية المنظمة له، أو تحقيق التوازن بين الرقابة القضائية واستقرار العقود الإدارية، إضافةً إلى وضع معايير واضحة لرقابة القضاء الإداري على تنفيذ الأحكام الصادرة بالإلغاء. وفيما يلي تفصيل لأبرز المحاور التي يمكن من خلالها تحقيق هذا الهدف:
أولاً: تطوير آليات الطعن العاجل على القرارات الإدارية القابلة للانفصال
يقتضي تحقيق الحماية الفعالة للحقوق المتأثرة بالقرارات الإدارية القابلة للانفصال توفير آليات طعن عاجلة تضمن الفصل السريع في المنازعات، دون الإضرار بمصلحة الإدارة أو عرقلة تنفيذ العقود الإدارية. وفي هذا السياق، يمكن اقتراح بعض الإجراءات التي تسهم في تطوير هذه الآليات، ومنها:
- إقرار نظام للتدابير الوقتية والمستعجلة
ينبغي تعزيز الدور القضائي في إصدار أوامر وقتية ومستعجلة لوقف تنفيذ القرارات الإدارية القابلة للانفصال، بحيث يتمكن المتعاقد من الحصول على حماية فورية دون الحاجة إلى الانتظار لحين الفصل في موضوع الدعوى. ويمكن استحداث قضاء إداري مستعجل ضمن ديوان المظالم يتخصص في هذا النوع من الدعاوى.
- تحديد آجال مختصرة للبت في دعاوى الإلغاء المتعلقة بالقرارات القابلة للانفصال
يفضل وضع سقف زمني للفصل في الطعون المتعلقة بالقرارات الإدارية القابلة للانفصال، بحيث لا تتجاوز مدة الفصل فيها (مثلاً) 60 يومًا من تاريخ رفع الدعوى، على أن تكون هناك أولوية لهذه الدعاوى نظرًا لما يترتب عليها من آثار على المتعاقدين والإدارة العامة.
- توسيع نطاق وقف تنفيذ القرارات الإدارية القابلة للانفصال
يجب أن يكون وقف التنفيذ قاعدة عامة في الطعون بالإلغاء على القرارات القابلة للانفصال، إلا إذا اقتضت المصلحة العامة استمرار تنفيذ القرار. وينبغي تطوير معايير واضحة لاستجابة القضاء الإداري لطلبات وقف التنفيذ بحيث يكون مناطها التأكد من جدية الدعوى، ووجود ضرر يصعب تداركه إذا استمر تنفيذ القرار المطعون فيه.
ثانيًا: اقتراح تعديلات تشريعية على نظام المنافسات والمشتريات الحكومية
يشكل نظام المنافسات والمشتريات الحكومية الإطار القانوني الأساسي للعقود الإدارية في المملكة العربية السعودية، ومن ثم فإن تطويره بما يتلاءم مع الضمانات الإجرائية للطعن بالإلغاء على القرارات الإدارية القابلة للانفصال يعد ضرورة لضمان فاعلية الرقابة القضائية وحماية حقوق المتعاقدين. وفي هذا الإطار، يمكن اقتراح بعض التعديلات التشريعية، ومنها:
- إدراج نصوص صريحة تكفل إمكانية الطعن بالإلغاء على القرارات القابلة للانفصال
على الرغم من أن القضاء الإداري السعودي قد اعترف بالطعن على القرارات الإدارية القابلة للانفصال، إلا أن تضمين نصوص صريحة في نظام المنافسات والمشتريات الحكومية سيعزز من وضوح القواعد القانونية المنظمة لهذه المسألة، مما يحد من النزاعات التفسيرية ويضمن تحقيق العدالة بين الأطراف.
- تحديد معايير دقيقة للطعن على قرارات الترسية والاستبعاد والتأهيل المسبق
ينبغي أن يتضمن النظام معايير واضحة للطعن على قرارات الترسية والاستبعاد والتأهيل المسبق، بحيث يكون هناك إطار قانوني محدد يبين الحالات التي يجوز فيها الطعن بالإلغاء، والآليات المتاحة للطعن، والفترات الزمنية المحددة لذلك.
- إلزام الجهات الإدارية بتقديم مبررات قانونية واضحة عند إصدار قراراتها القابلة للانفصال
يتطلب تعزيز الشفافية والمساءلة إلزام الجهات الإدارية بتقديم مبررات تفصيلية عند اتخاذ قرارات الترسية، أو الإلغاء، أو سحب العمل، أو الفسخ، بحيث يتمكن القضاء من إجراء رقابة فعالة عليها عند الطعن فيها.
- إنشاء لجنة مراجعة أولية للطعون قبل اللجوء إلى القضاء الإداري
يمكن استحداث لجنة إدارية متخصصة في مراجعة الطعون المتعلقة بالقرارات القابلة للانفصال قبل إحالتها إلى ديوان المظالم، بحيث يتم البت في الطعون المستعجلة سريعًا دون الحاجة إلى إقامة دعاوى قضائية، مما يسهم في تقليل الأعباء القضائية وتسريع إجراءات الفصل في النزاعات.
ثالثًا: تعزيز دور ديوان المظالم في التوازن بين الرقابة القضائية واستقرار العقود الإدارية
يتطلب تحقيق التوازن بين الرقابة القضائية واستقرار العقود الإدارية وضع سياسات قضائية تحافظ على حقوق الأفراد دون الإضرار بالمصلحة العامة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال:
- تبني معايير واضحة للتدخل القضائي في القرارات القابلة للانفصال
يجب أن يكون تدخل ديوان المظالم في الطعون على القرارات القابلة للانفصال مبنيًا على معايير دقيقة تراعي مدى تعسف الإدارة، وتأثير القرار المطعون فيه على حقوق المتعاملين، وضرورة الحفاظ على استقرار التعاقدات الإدارية.
- تحديد الحالات التي يجوز فيها الطعن بالإلغاء دون التأثير على استمرارية العقد
يمكن لديوان المظالم أن يضع معايير تحدد متى يكون من المناسب إلغاء قرار إداري قابل للانفصال دون أن يؤدي ذلك إلى إلغاء العقد ذاته، وذلك لضمان استقرار التعاملات التعاقدية ومنع حدوث اضطرابات في تنفيذ المشاريع الحكومية.
- إحداث دوائر قضائية إدارية متخصصة في منازعات القرارات القابلة للانفصال
استحداث دائرة قضائية متخصصة ضمن ديوان المظالم تعنى حصريًا بالطعون المقدمة ضد القرارات الإدارية القابلة للانفصال سيسهم في تعزيز التخصص القضائي ورفع جودة الأحكام الصادرة في هذا الشأن.
إن تعزيز الضمانات الإجرائية للطعن بالإلغاء على القرارات الإدارية القابلة للانفصال يعد ركيزة أساسية لحماية مبدأ المشروعية وتحقيق العدالة بين الأطراف المتعاملة مع الإدارة. ومن خلال تطوير آليات الطعن العاجل، وتعديل التشريعات ذات الصلة، وتعزيز دور ديوان المظالم في تحقيق التوازن بين الرقابة القضائية واستقرار العقود الإدارية، يمكن تحقيق نظام قضائي أكثر فاعلية وكفاءة في الرقابة على القرارات الإدارية القابلة للانفصال، بما يحقق العدالة الإدارية ويعزز الثقة في الأداء الحكومي.
الخاتمة:
ختاماً، يتضح أن القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري تمثل إحدى الركائز الأساسية في تنظيم العلاقات التعاقدية بين الجهات الإدارية والأطراف المتعاقدة، لما توفره من مرونة في إدارة العقود وتحقيق المصلحة العامة، مع ضمان حماية حقوق المتعاقدين. وقد أظهر التحليل أن هذه القرارات تتميز بطابعها الإداري المستقل الذي يسمح بإخضاعها لرقابة المشروعية من قبل القضاء الإداري، وهو ما يُعزز مبدأ سيادة القانون ويضمن العدالة في التعاقدات الإدارية.
كما أوضحت الدراسة أهمية المعايير المعتمدة في تمييز هذه القرارات وآثارها على عملية إدارة العقود، فضلاً عن الضمانات القانونية التي يُكفلها الطعن بالإلغاء في مواجهة القرارات غير المشروعة. وقد لعب القضاء الإداري السعودي دوراً محورياً في تطوير آليات الطعن على هذه القرارات، من خلال تبني منهجية متوازنة تجمع بين حماية المصلحة العامة وضمان حقوق الأطراف المتعاقدة.
وفي ظل التحولات الكبيرة التي تشهدها المملكة العربية السعودية في مجال التنمية وتوسيع نطاق المشروعات الحكومية، تبرز الحاجة إلى تعزيز الأطر القانونية المنظمة للقرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد. وذلك من خلال تطوير التشريعات، وتبني نماذج عقود موحدة تضمن الشفافية والعدالة، وتفعيل الرقابة القضائية بما يُحقق التوازن بين المرونة الإدارية واستقرار العلاقة التعاقدية.
إن إعمال القواعد القانونية السليمة في التعامل مع القرارات الإدارية القابلة للانفصال، وضمان حقوق الطعن عليها، يُمثل ضمانة أساسية لتعزيز ثقة المتعاقدين في النظام القانوني والإداري، ويُسهم في تحقيق كفاءة أعلى في إدارة المشاريع الحكومية، مما يدعم الأهداف الاستراتيجية لرؤية المملكة 2030 في بناء قطاع حكومي شفاف ومتطور يقوم على مبادئ الحوكمة والعدالة.
النتائج :
- أن النظام القانوني السعودي، رغم التطور الملحوظ الذي شهده في مجال تنظيم العقود الإدارية، يفتقر إلى وضع تعريف تشريعي دقيق لمفهوم القرارات الإدارية القابلة للانفصال، إذ لم تتضمن النصوص القانونية في نظام المنافسات والمشتريات الحكومية الصادر عام 1440هـ تعريفًا واضحًا لهذا النوع من القرارات، الأمر الذي يُبرز الحاجة إلى صياغة إطار قانوني محدد يعالج هذا القصور ويُسهِم في تحقيق الاتساق التشريعي.
- تتمتع القرارات الإدارية القابلة للانفصال بطبيعة إدارية مستقلة عن العقد الإداري الذي صدرت بمناسبته، حيث تُصدرها جهة الإدارة بناءً على صلاحياتها التنظيمية والإشرافية، وليس في سياق الالتزامات التعاقدية المتبادلة. هذه الطبيعة المستقلة تُضفي على تلك القرارات خصوصية قانونية تجعلها خاضعة لرقابة المشروعية أمام القضاء الإداري، وهو ما يُعزز من إمكانية الطعن عليها من قبل الأطراف المتضررة، بما يضمن حماية حقوقهم وتحقيق العدالة في العلاقة التعاقدية.
- تتسم القرارات الإدارية القابلة للانفصال بطابعها الإجرائي المركب، حيث تصدر ضمن إطار عمليات قانونية مركبة تهدف إلى تحقيق غايات إدارية محددة تتعلق بتنظيم أو تنفيذ العقد الإداري. هذه الطبيعة المركبة تُتيح إمكانية الفصل بين القرارات الإدارية والالتزامات التعاقدية، مما يُمكن الأطراف المتعاقدة من الطعن عليها دون التأثير على العقد ذاته، وهو ما يُعزز من استقرار المعاملات القانونية ويحد من تعسف الإدارة.
- تأكّيد المنظم السعودي على أهمية تحقيق التوازن بين المصلحة العامة وحقوق الأطراف المتعاقدة في إطار القرارات الإدارية القابلة للانفصال، حيث وضع مجموعة من الضمانات التنظيمية والإجرائية التي تضمن احترام حقوق الأطراف المتعاقدة، مع التأكيد على التزام جهة الإدارة بعدم الإخلال بالتوازن العقدي الذي يُعد أحد الركائز الأساسية للعقود الإدارية.
- أولى المنظم السعودي أهمية بالغة لمبادئ الشفافية والمساءلة في عملية إصدار القرارات الإدارية القابلة للانفصال، حيث وضع إطارًا تشريعيًا يُلزم جهة الإدارة بالتزام معايير العلانية والشفافية عند إصدار هذه القرارات، بما يضمن حماية الحقوق المتعاقدة وتحقيق النزاهة في التعاملات الإدارية.
- تُعد الرقابة القضائية على القرارات الإدارية القابلة للانفصال من أبرز الضمانات التي أقرها النظام القانوني السعودي، إذ خوّل القضاء الإداري صلاحية إخضاع هذه القرارات لرقابة المشروعية بشرط أن تكون صادرة عن جهة الإدارة بموجب سلطتها التنظيمية أو الإشرافية، وليس استنادًا إلى التزامات تعاقدية بحتة، مما يعزز من مبدأ سيادة القانون ويحمي حقوق الأطراف المتعاقدة.
- أظهر القضاء الإداري السعودي، منهجية متكاملة في تمييز القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري، حيث يعتمد على مجموعة من المعايير، مثل المعيارين الذاتي والموضوعي، إضافةً إلى استلهام المبادئ الشرعية التي تركز على تحقيق العدل والمصلحة العامة. وقد أثبتت الأحكام القضائية الصادرة عن الديوان قدرة القضاء على تفسير النصوص القانونية بشكل يوازن بين حماية الحقوق وضمان استمرارية العمليات التعاقدية.
- يعكس منهج القضاء الإداري السعودي حرصاً كبيراً على ضمان حق الطعن في القرارات الإدارية القابلة للانفصال، شريطة أن تستند هذه القرارات إلى صلاحيات تنظيمية أو إشرافية للإدارة، وأن تكون مستقلة عن الالتزامات التعاقدية المباشرة. ويظهر هذا النهج التزام القضاء السعودي بمبادئ العدالة والمشروعية، من خلال توفير ضمانات قانونية تحمي حقوق الأطراف المتعاقدة دون المساس بسلامة واستمرارية العمليات التعاقدية.
- تُبرز القرارات الإدارية القابلة للانفصال دورًا محوريًا في إدارة العقود الإدارية، حيث تُسهم في تحقيق مرونة عالية لجهة الإدارة في تعديل أو تكييف الشروط التعاقدية وفقًا للظروف المستجدة، دون الحاجة إلى إعادة التفاوض على العقد ككل. وتعد هذه المرونة إحدى الركائز الأساسية لضمان استمرارية تنفيذ المشاريع بكفاءة، مع تحقيق التوازن بين متطلبات الإدارة وحماية حقوق المتعاقدين، بما يُجسد الفهم العملي لمبادئ فقه العقود الإدارية>
- تُعد القرارات الإدارية القابلة للانفصال أداة فعّالة لتحقيق المصلحة العامة، إذ تمنح جهة الإدارة القدرة على اتخاذ قرارات سريعة وفعّالة تضمن تنفيذ المشاريع الحكومية بكفاءة وجودة عالية. وتعزز هذه القرارات من قدرة الإدارة على التفاعل مع التحديات غير المتوقعة أثناء التنفيذ، مما يرسخ مبادئ الشفافية والمساءلة في الإجراءات الإدارية، ويعكس التزام الإدارة بمبادئ العدالة وسيادة القانون.
- تعتمد عملية تحقيق التوازن العقدي في مواجهة القرارات الإدارية القابلة للانفصال على وجود أطر قانونية شاملة، تُحدد بوضوح حقوق الأطراف وواجباتهم. كما تعزز هذه الأطر من كفاءة إدارة العقود من خلال تقليل النزاعات وتوفير ضمانات قانونية لتسوية المنازعات بالطرق القضائية أو البديلة، بما يُحقق العدالة والشفافية في العلاقات التعاقدية.
- يُظهر نظام المنافسات والمشتريات الحكومية السعودي حرصاً كبيراً على تحقيق التوازن بين مصلحة الإدارة وحقوق المتعاقدين، حيث أقرّ مجموعة من الآليات القانونية، مثل كفالة حق التظلم والطعن، واعتماد الشفافية في جميع الإجراءات التعاقدية. هذه الآليات تعزز من الثقة في النظام القانوني والإداري، وتُعد ضمانة لتحقيق العدالة في القرارات الإدارية المنفصلة عن العقود الإدارية.
- يُعد الطعن بالإلغاء على القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد من أهم الضمانات القانونية التي تُتيح للأطراف المتضررة حق اللجوء إلى القضاء الإداري للطعن في هذه القرارات، باعتبارها قرارات إدارية مستقلة عن العقد الأساسي، ومشوبة بأحد أوجه عدم المشروعية. وقد استقر القضاء الإداري السعودي، على هذا النهج لضمان حماية حقوق الأفراد وتحقيق العدالة في العلاقات التعاقدية.
- يُبرز تحليل الأحكام القضائية لديوان المظالم السعودي التزام القضاء الإداري بمبدأ الوقوف عند حد الإلغاء عند نظر الطعون المقدمة على القرارات الإدارية القابلة للانفصال، حيث يقتصر أثر الحكم على إلغاء القرار المطعون فيه دون المساس بصحة العقد الأساسي، وهو ما يعزز من استقرار العلاقات التعاقدية ويحافظ على استمرارية تنفيذ المشاريع.
- يبرز التمييز الفقهي بين اختصاص قاضي الإلغاء وقاضي العقد في نظر الطعون المتعلقة بالقرارات الإدارية القابلة للانفصال. ففي حين ينعقد الاختصاص لقاضي الإلغاء في الحالات التي ترتبط بمشروعية القرار الإداري كتصرف قانوني مستقل، فإن الطعون المرتبطة بتنفيذ الالتزامات التعاقدية تظل من اختصاص قاضي العقد ضمن دعاوى القضاء الكامل، وهو ما يُبرز أهمية الفصل بين الطبيعة الإدارية والتعاقدية للقرارات في تحديد اختصاص القضاء.
التوصيات :
- إصدار تعريف تشريعي دقيق للقرارات الإدارية القابلة للانفصال:
- توصي الدراسة بضرورة قيام المشرّع السعودي بإدراج تعريف قانوني محدد وواضح للقرارات الإدارية القابلة للانفصال ضمن نصوص نظام المنافسات والمشتريات الحكومية أو في الأنظمة ذات الصلة. ويجب أن يُحدد هذا التعريف طبيعة هذه القرارات وشروطها وآثارها القانونية، مما يُسهم في إزالة أي غموض تشريعي، ويُعزز من استقرار التعاملات القانونية والإدارية.
- وضع إطار قانوني شامل لتنظيم القرارات القابلة للانفصال:
- يُوصى بإعداد إطار قانوني متكامل يتضمن آليات واضحة لتمييز القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري، ويحدد بجلاء المعايير الذاتية والموضوعية والغائية لاستقلالية هذه القرارات. ويجب أن يشمل الإطار تنظيم الجوانب الإجرائية والرقابية المرتبطة بإصدار هذه القرارات، بما يُسهم في حماية حقوق الأطراف المتعاقدة وضمان المصلحة العامة.
- تعزيز مبدأ التوازن العقدي في مواجهة القرارات القابلة للانفصال:
- تدعو الدراسة إلى التوسع في تطبيق مبدأ التوازن العقدي عند إصدار القرارات الإدارية القابلة للانفصال. ويجب أن تلتزم جهة الإدارة بمبادئ التناسبية والشفافية والاستقرار التعاقدي لضمان عدم الإخلال بمصالح الأطراف المتعاقدة أو تحميلهم أعباء غير مبررة.
- تعزيز كفاءة الرقابة القضائية على القرارات الإدارية القابلة للانفصال:
- تُوصي الدراسة بتطوير الآليات القضائية المرتبطة برقابة الإلغاء على القرارات الإدارية القابلة للانفصال، بما في ذلك تدريب القضاة المتخصصين في القضاء الإداري وتوفير أدوات قانونية تساعدهم على الفصل بين الطبيعة الإدارية والتعاقدية للقرارات. كما يجب تعزيز الوعي لدى الأطراف المتعاقدة حول حقهم في الطعن على القرارات غير المشروعة.
- تحديد آثار الحكم بإلغاء القرارات الإدارية القابلة للانفصال:
- يُوصى بوضع نصوص قانونية تُحدد بشكل واضح آثار الحكم بإلغاء القرارات الإدارية القابلة للانفصال، بما في ذلك بطلان الإجراءات المترتبة عليها وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل صدور القرار. ويجب أن تتضمن هذه النصوص ضمانات لاستمرارية العقود الأساسية، وحماية المصالح القانونية للأطراف المتعاقدة.
- إعادة النظر في قواعد الاختصاص القضائي:
- توصي الدراسة بمراجعة قواعد الاختصاص القضائي المتعلقة بالطعن على القرارات الإدارية القابلة للانفصال، بحيث يتم تحديد دور قاضي الإلغاء وقاضي العقد بشكل دقيق.
- تشجيع الدراسات الأكاديمية المتخصصة:
- تدعو الدراسة إلى تشجيع البحوث الأكاديمية المتعمقة في مجال القرارات الإدارية القابلة للانفصال، لتحليل الجوانب التشريعية والقضائية المرتبطة بها، وطرح حلول علمية تُسهم في تطوير الفقه الإداري والقضائي في المملكة العربية السعودية.
قائمة أهم المراجع العلمية التي تم الاستناد إليها في إعداد البحث :
الكتب:
- الطماوي، سليمان محمد.
“النظرية العامة للقرارات الإدارية”، دار الفكر العربي، القاهرة، 2017. - الصديق، عمر أبو بكر.
“الرقابة القضائية على سلطة الإدارة في إبرام العقود الإدارية بطريق المناقصات”، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى، 2013. - المسلماني، محمد أحمد.
“القرارات الإدارية القابلة للانفصال في العمليات القانونية المركبة”، الإسكندرية، دار الجامعة الجديدة، 2014. - الحاطي، سليمان.
“دعوى الإلغاء وفقا لأحكام القضاء الإداري الاتحادي في دولة الإمارات العربية المتحدة”، دار الفكر والقانون، 2019. - عبدالله، عبدالغني بسيوني.
“القضاء الإداري”، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2006. - عبدالوهاب، محمد رفعت.
“القضاء الإداري: قضاء الإلغاء وقضاء التعويض”، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، الطبعة الأولى، 2005. - الدليمي، حبيب إبراهيم حمادة.
“القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري”، عمان: دار الأيام للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2016. - خليل، أشرف محمد.
“نظرية القرارات الإدارية القابلة للانفصال في مجال العقود الإدارية”، دار الفكر العربي، الإسكندرية، 2010. - عبد الناصر أبو سمهدانة.
“القرار الإداري: النظرية والتطبيق”، المركز القومي للإصدارات القانونية، القاهرة، 2010. - عبد الحميد كمال حشيش.
“مرجع سابق”، صـ 58. - الحربي، منصور فارع.
“القرارات الإدارية القابلة للانفصال: دراسة نظرية تطبيقية في ضوء أحكام ديوان المظالم”، جامعة القصيم، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، الطبعة الأولى، 2020. - المياحي، ليث عبد الله خليل إبراهيم.
“الرقابة القضائية على القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقود الإدارية: دراسة مقارنة”، جامعة عمان العربية، عمادة البحث العلمي والدراسات العليا، عمان، الطبعة الأولى، 2019. - الحنيطي، مارينا هاشم شعبان.
“القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقود الإدارية: دراسة مقارنة بين القانونين الفرنسي والأردني”، جامعة عمان العربية، كلية الدراسات القانونية العليا، عمان، الطبعة الأولى، 2007.
الأحكام القضائية:
- ديوان المظالم السعودي.
مجموعة الأحكام والمبادئ الإدارية الصادرة عن ديوان المظالم، قضايا متنوعة. - مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة الإدارية العليا بديوان المظالم لعام 1442هـ.
المجلدات المتعددة، الأحكام والمبادئ القضائية.
النصوص التشريعية:
- نظام المنافسات والمشتريات الحكومية ولائحته التنفيذية.
المواد ذات الصلة بالقرارات الإدارية القابلة للانفصال، مواد: 69، 72، 73، 75.
رسائل علمية:
- الشهاوي، عاطف محمد شوقي سيد أحمد.
“القرارات الإدارية القابلة للانفصال في قضاء مجلس الدولة الفرنسي والمصري”، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة عين شمس، 2007. - جمعة، محمد سمير محمد.
“إلغاء القرارات الإدارية القابلة للانفصال: دراسة تحليلية تطبيقية مقارنة”، رسالة دكتوراه، جامعة المنصورة، 2011.
المقالات:
- إيمان، بعلي.
“القرارات الإدارية المنفصلة عن الصفقة العمومية في التشريع الجزائري”. مجلة الأستاذ الباحث للدراسات القانونية والسياسية، السنة السادسة، العدد الأول، 2021. - حشيش، عبدالحميد كمال.
“القرارات القابلة للانفصال وعقود الإدارة”، مجلة مصر المعاصرة، العدد 66، 1975. - البوريني، عمر عبد الرحمن.
“القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري ورقابة القضاء عليها”، مجلة الحقوق، جامعة الكويت، مجلس النشر العلمي، المجلد 37، العدد 1، 2013. - الحنيطي، مارينا هاشم شعبان.
مرجع سابق، صـ. 74. - عبد الرؤوف مصطفى البسام.
“تحليل القرارات الإدارية القابلة للانفصال في العقود الإدارية”، مجلة القضاء الإداري، جامعة بغداد، المجلد 10، العدد 3، 2019.
المصادر الأجنبية:
- Conseil d’État, Ass., 16 juillet 2007, Société Tropic Travaux Signalisation, n° 291545, Rec.
[1]) د. سليمان محمد الطماوي، “النظرية العامة للقرارات الإدارية”، دار الفكر العربي، القاهرة، 2017، صـ 435.
[2]) راجع المواد أرقام (69، 72، 73، 75) من نظام المنافسات والمشتريات الحكومية بشأن صلاحيات جهة الإدارة في إصدار قرارات زيادة أو إنقاص أعباء المتعاقد، وإيقاع غرامات التأخير أو التقصير على المقاولين المتأخرين أو المقصرين في تنفيذ الأعمال، والسحب الجزئي للأعمال والتنفيذ على حساب المتعاقد في حال عدم الالتزام بالشروط التعاقدية.
[3]) د. سليمان محمد الطماوي، مرجع سابق، صـ 437.
[4]) د. محمد أحمد المسلماني، “القرارات الإدارية القابلة للانفصال في العمليات القانونية المركبة”، الاسكندرية، دار الجامعة الجديد (2014) صـ 188.
[5]) د. جورجي شفيق سار، مرجع سابق، صـ 46
[6]) د. عمر أبو بكر الصديق، “الرقابة القضائية على سلطة الإدارة في إبرام العقود الإدارية بطريق المناقصات”، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى، 2013، صـ 22.
[7] ) Conseil d’État, Ass., 16 juillet 2007, Société Tropic Travaux Signalisation, n° 291545, Rec. Lebon
[8]) راجع الحكم الصادر من المحكمة الإدارية في القضية رقم 1797/2/ ق لعام 1438هـ المؤيد من محكمة الاستئناف الإدارية برقم 1513/2/ س لعام 1438هـ، مجموعة الأحكام والمبادئ الإدارية الصادرة عن ديوان المظالم، صـ 530،
[9]) راجع الحكم الصادر من المحكمة الإدارية في القضية رقم 6138/2/ ق لعام 1438هـ المؤيد من محكمة الاستئناف الإدارية برقم 1157/2/ س لعام 1439هـ، دليل السوابق القضائية الصادر عن ديوان المظالم المجلد 5 صـ 2115.
10) راجع والحكم رقم 97/د/أ/5 لعام 1426هـ في القضية رقم 2895/أ/ق لعام 1426 المؤيد من هيئة التدقيق بالحكم رقم 306/ت/6 لعام 1427هـ بجلسة 14/5/1427هـ موسوعة الأحكام والمبادئ الإدارية لعام 1427هـ ديوان المظالم المجلد الأول صـ 232.مجموعة الأحكام والمبادئ الإدارية الصادرة عن ديوان المظالم، صـ 409.
[11]) راجع الحكم رقم 155/2/7 لعام 1435 في القضية رقم 1811/7/ق لعام 1433 /أ/ق لعام 1426 المؤيد من محكمة الاستئناف في القضية رقم 13/ق لعام 1436 بجلسة 19/2/1436هـ موسوعة الأحكام والمبادئ الإدارية لعام 1436هـ ديوان المظالم المجلد الخامس صـ 232.راجع دليل السوابق صـ .2267.
[12]) د. سليمان الحاطي، “دعوى الإلغاء وفقا لأحكام القضاء الإداري الاتحادي في دولة الإمارات العربية المتحدة”، دار الفكر والقانون، 2019، صـ 28 د. جورجي شفيق ساري، مرجع سابق، صـ 152.
[13]) راجع المواد أرقام (69، 72، 73، 75) من نظام المنافسات والمشتريات الحكومية بشأن صلاحيات جهة الإدارة في إصدار قرارات زيادة أو إنقاص أعباء المتعاقد، وإيقاع غرامات التأخير أو التقصير على المقاولين المتأخرين أو المقصرين في تنفيذ الأعمال، والسحب الجزئي للأعمال والتنفيذ على حساب المتعاقد في حال عدم الالتزام بالشروط التعاقدية.
[14]) راجع مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة الإدارية العليا لعام 1442هـ، المبدأ رقم (ج/903/1441)، صـ 694.
[15]) راجع مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة الإدارية العليا لعام 1442هـ، المبدأ رقم (ب/561/1439) ، صـ 822.
[16]) د. عبدالحميد كمال حشيش، القرارات القابلة للانفصال وعقود الإدارة، مجلة مصر المعاصرة، العدد 66، 1975، صـ 57د. محمد أحمد المسلماني، مرجع سابق، صـ 29. د. محمد رفعت عبدالوهاب، القضاء الإداري: قضاء الإلغاء وقضاء التعويض، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، الطبعة الأولى، 2005، صـ 22-23.
[17]) جدير بالذكر أن المشرع أكد على جهة الإدارة ضرورة تنفيذ التزاماتها التعاقدية وكفل للمتعاقد معها حق اللجوء للقضاء في حال مخالفة جهة الإدارة تنفيذ هذه الالتزامات، حيث نص في المادة (92/1) من النظام على أن ” على الجهة الحكومية تنفيذ التزاماتها في العقد وفقاً لشروطه، وإذا أخلت بتنفيذ التزاماتها جاز للمتعاقد معها التقدم إلى المحكمة الإدارية للمطالبة بالتعويض”
[18]) راجع مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة الإدارية العليا لعام 1442هـ، المبدأ رقم (ز/ 3941/ 1441)، صـ 747.
[19]) راجع دليل السوابق القضائية الصادر عن ديوان المظالم المجلد رقم 16 صـ 119
[20]) راجع دليل السوابق القضائية الصادر عن ديوان المظالم المجلد رقم 4 صـ 1187.
21) د. عبدالغني بسيوني عبدالله، “القضاء الإداري”، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2006، صـ 69. د. أشرف محمد خليل حماد، نظرية القرارات الإدارية القابلة للانفصال في مجال العقود الإدارية، دار الفكر العربي، الإسكندرية، 2010.، صـ 51 .
[22]) على سبيل المثال لا الحصر تنص المادة (98/3) من اللائحة التنفيذية لنظام المنافسات والمشتريات الحكومية على أنه ” يجـــب علـــى المتعاقديـــن والجهـــة الحكومية تنفيذ عقودهم وفقا لشـــروطها وبحســـن نية وبما يقتضيه حســـن سير المرفق الـــعام ومصلحته” كما تنص المادة (114/2) من ذات اللائحة بخصوص قرارات جهة الإدارة المتضمنة زيادة أو تخفيـــض التزامـــات المتعاقـــد أو إجـــراء أي تعديـــل أو تغيير في الأعمال المتعاقد على تنفيذهـــا أن تراعي هذه القرارات ما يخدم مصلحة المرفق، وألا تؤدي هذه القرارات إلى الإخلال بطبيعة العقـــد أو توازنه المالي.
[23]) راجع مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة الإدارية العليا لعام 1442هـ، المبدأ رقم ( ب/452/1439)، صـ 21
[24]) راجع دليل السوابق القضائية الصادر عن ديوان المظالم المجلد رقم 5 صـ 2298
[25]) د. سليمان الحاطي، “ مرجع سابق، صـ 28. د. حبيب إبراهيم حمادة الدليمي: “القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري”. عمان: دار الأيام للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2016، صـ. 45.
[26]) راجع مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة الإدارية العليا لعام 1442هـ، المبدأ رقم (ز/ 3941/ 1441)، صـ 747
[27]) د. أشرف محمد خليل حماد، مرجع سابق، صـ 57.
[28]) راجع المواد أرقام (75، 76، 136) من نظام المنافسات والمشتريات الحكومية بخصوص وجوب إنذار المتعاقد قبل إصدار قرار سحب الأعمال، وإنذاره في حال ارتكابه مخالفات لشروط التعاقد لتصحيح وضعه، والمواد أرقام (124، 140) من اللائحة التنفيذية للنظام بخصوص إبلاغ المتعاقد بقرار تمديد العقد، وإبلاغه كتابة بنتيجة تقييم الأداء.
[29] ) راجع دليل السوابق القضائية الصادر عن ديوان المظالم المجلد رقم 4 صـ 1102.
[30] ) راجع دليل السوابق القضائية الصادر عن ديوان المظالم المجلد 17 صـ 265، 270 .
[31] ) د. حبيب إبراهيم حمادة الدليمي، مرجع سابق، صـ. 48.
[32] ) على سبيل المثال لا الحصر تنص المادة (69) من نظام المنافسات والمشتريات الحكومية على أن ” للجهة الحكومية -في حدود احتياجاتها الفعلية- إصدار أوامر تغيير بالزيادة في العقد بما لا يتجاوز (10%) من قيمته، ولها إصدار أوامر تغيير بالتخفيض بما لا يتجاوز (20%) من قيمته، وفقاً لما توضحه اللائحة” كما تنص المادة (72) من ذات النظام على أن ” إذا تأخر المتعاقد في تنفيذ العقد عن الموعد المحدد؛ تفرض عليه غرامة تأخير لا تتجاوز (6%) من قيمة عقد التوريد، ولا تتجاوز (20%) من قيمة العقود الأخرى، ويجوز زيادة تلك النسب بموافقة مسبقة من الوزير”
[33] ) راجع مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة الإدارية العليا لعام 1442هـ، المبدأ رقم ( د/2879/ 1441) صـ 626
[34] ) راجع مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة الإدارية العليا لعام 1442هـ، المبدأ رقم(أ/2831/ 1441) صـ 1229.
[35] ) د. عبد الناصر أبو سمهدانة، “القرار الإداري: النظرية والتطبيق”، المركز القومي للإصدارات القانونية، القاهرة، 2010، صـ 221. د/غازي كرم علي، “القانون الإداري”، الآفاق المشرقة ناشرون، عمان، 2012، صـ 75، د.جورجي شفيق سار، مرجع سابق، صـ 46
[36] ) راجع مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة الإدارية العليا لعام 1442هـ، المبدأ رقم ( ب/ س 11/ 1438) صـ 290.
[37] ) راجع مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة الإدارية العليا لعام 1442هـ، المبدأ رقم ( ب/717/1441) صـ 899.
[38]) راجع دليل مجموعة الأحكام والمبادئ القضائية الصادرة عن ديوان المظالم صـ 2420 حكم محكمة الاستئناف الإدارية رقم 279/4 لعام 1434هـ الصا\ر في القضية رقم 5743/1/ق لعام 1427 هـ والذي قضى باستمرار تنفيذ العقد بعد إلغاء قرار سحب الأعمال.
[39]) د. خالد أحمد حسن إبراهيم، “الرقابة القضائية على الإجراءات السابقة على العقد الإداري: داسة مقارنة”، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة، مصر، 2012، صـ 317. د. محمد أحمد إبراهيم المسلماني، مرجع سابق، صـ. 23. د. أشرف محمد خليل حماد، مرجع سابق، صـ 15.
[40]) راجع الحكم الصادر من المحكمة الإدارية في القضية رقم 6138/2/ ق لعام 1438هـ المؤيد من محكمة الاستئناف الإدارية برقم 1157/2/ س لعام 1439هـ، دليل السوابق القضائية الصادر عن ديوان المظالم المجلد 5 صـ 2115.
[41]) د. عبد الحميد كمال حشيش، مرجع سابق، صـ. 58.د. عمر أبوبكر الصديق ، مرجع سابق، صـ 26.
[42]) د. حبيب إبراهيم حمادة الدليمي، مرجع سابق، صـ 46. د.مارينا هاشم شعبان الحنيطي، القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقود الإدارية: دراسة مقارنة بين القانونين الفرنسي والأردني، جامعة عمان العربية، كلية الدراسات القانونية العليا، عمان، الطبعة الأولى، 2007، صـ. 125. د. منى رمضان محمد بطيخ، إجراءات وطرق الطعن في القرارات الإدارية القابلة للانفصال في مجال العقود الإدارية في ضوء القرار بقانون رقم 32 لسنة 2014، مجلة كلية الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، جامعة الإسكندرية، الطبعة الأولى، 2018، صـ. 1700.د.عبد الواحد سليمان عبيد، القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقود الإدارية: دراسة مقارنة، جامعة الشرق الأوسط، كلية الحقوق، عمان، الطبعة الأولى، 2015، صـ. 87.
[43]) د. محمد سمير محمد جمعة “إلغاء القرارات الإدارية القابلة للانفصال: دراسة تحليلية تطبيقية مقارنة”. رسالة دكتوراه، جامعة المنصورة، 2011، صـ. 64-65. د. ليث عبد الله خليل إبراهيم المياحي، الرقابة القضائية على القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقود الإدارية: دراسة مقارنة، جامعة عمان العربية، عمادة البحث العلمي والدراسات العليا، عمان، الطبعة الأولى، 2019، صـ. 43.د. هانا قاسم محمد، الطعن بالإلغاء في القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقود الإدارية: دراسة مقارنة، جامعة عمان الأهلية، عمادة الدراسات العليا والبحث العلمي، السلط، الطبعة الأولى، 2012، صـ. 59
[44]) بعلي إيمان“القرارات الإدارية المنفصلة عن الصفقة العمومية في التشريع الجزائري”. مجلة الأستاذ الباحث للدراسات القانونية والسياسية، السنة السادسة، العدد الأول، 2021، صـ 1632. د. حيدر عدنان صادق ورقية محمد عبيد، طبيعة القرارات الإدارية القابلة للانفصال، مجلة الجامعة العراقية، الجامعة العراقية، العدد 57، الجزء الأول، 2022، صـ. 629. د. عمر عبد الرحمن البوريني، القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري ورقابة القضاء عليها، مجلة الحقوق، جامعة الكويت، مجلس النشر العلمي، المجلد 37، العدد 1، 2013، صـ. 503.
[45]) د. طالب بن دياب إكرام“القرارات الإدارية المنفصلة وتطبيقاتها على الصفقات العمومية: دراسة مقارنة”. رسالة ماجستير، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة أبوبكر بلقايد تلمسان، 2016/2017، صـ. 50. د. محمد أحمد إبراهيم المسلماني، مرجع سابق، صـ. 53. .د. منصور فارع الحربي، القرارات الإدارية القابلة للانفصال: دراسة نظرية تطبيقية في ضوء أحكام ديوان المظالم، جامعة القصيم، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، الطبعة الأولى، 2020، صـ. 45. د. منى رمضان محمد بطيخ، مرجع سابق صـ. 1651 . د. حسين ثاير سامي التميمي، مرجع سابق، صـ. 39.
[46]) د. جورجي شفيق ساري، مرجع سابق، صـ 51. د. أشرف محمد خليل حماد، مرجع سابق، صـ 25. عبد الحميد كمال حشيش، مرجع سابق، صـ. 92. د. حسين ثاير سامي التميمي، مرجع سابق، صـ. 45 . د. منصور فارع الحربي، مرجع سابق، صـ 50.
[47]) د. أشرف محمد خليل حماد:، مرجع سابق، صـ 69. د. هانا قاسم محمد، مرجع سابق، صـ. 62 د. منى رمضان محمد بطيخ، مرجع سابق صـ. 1662. د. حيدر عدنان صادق، مرجع سابق، صـ 630. د. عبد الرؤوف مصطفى البسام، تحليل القرارات الإدارية القابلة للانفصال في العقود الإدارية، مجلة القضاء الإداري، جامعة بغداد، المجلد 10، العدد 3، 2019، صـ. 77. د. يوسف حسن سعيد، التطبيقات القضائية للمعيار الغائي في القرارات الإدارية، مجلة القانون والاقتصاد، جامعة القاهرة، العدد 85، 2020، صـ. 120.د. علي فوزي حمد، مدى استقلال القرارات الإدارية عن العقود: دراسة مقارنة، مجلة الشريعة والقانون، جامعة الإمارات، العدد 70، 2018، صـ. 145.د. محمد كمال أحمد، أثر المعيار الغائي على النزاعات الإدارية المتعلقة بالعقود، المركز القومي للبحوث القانونية، القاهرة، الطبعة الثانية، 2017، صـ. 88. د. خالد عبد العزيز الطائي، الطبيعة القانونية للقرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد الإداري، مجلة الحقوق، جامعة الكويت، المجلد 42، العدد 1، 2021، صـ. 93.
[48] ) راجع مجموعة المبادئ التي قررتها المحكمة الإدارية العليا لعام 1442هـ، المبدأ رقم ( ب/452/1439)، صـ 21
[49] ) حكم ديوان المظالم الصادر في القضية رقم 156/د/أ/ه لعام 1439هـ الصادر في القضية الابتدائية رقم 2543/1/ق لعام 1439هـ المؤيد بحكم الاستئناف رقم 452/4/1441هـ
[50] (راجع دليل السوابق القضائية الصادر عن ديوان المظالم المجلد 5 صـ 2115
[51]) د. حسين ثاير سامي التميمي، مرجع سابق، صـ. 51 د. خالد عبد العزيز الطائي، مرجع سابق، صـ 93. د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، أثر الشريعة الإسلامية على القرارات الإدارية في العقود، مجلة العلوم الشرعية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، العدد 75، 2018، صـ. 122. د. علي فوزي حمد، مرجع سابق صـ 145. د. يوسف حسن سعيد، مرجع سابق، صـ 120
[52]) د. مارينا هاشم شعبان الحنيطي، مرجع سابق ، صـ. 74. د. منصور فارع الحربي، مرجع سابق ، صـ. 51. د. منى رمضان محمد بطيخ، مرجع سابق ، صـ. 1653. د.عبد الواحد سليمان عبيد، مرجع سابق، صـ. 88. د. ليث عبد الله خليل إبراهيم المياحي، مرجع سابق ، صـ 46. د. طالب بن دياب إكرام، مرجع سابق، صـ 49-50.
[53]) د. محمد سمير محمد جمعة، مرجع سابق، صـ. 64. د. خالد عبد العزيز الطائي، مرجع سابق، صـ. 97. د. عبد الرؤوف مصطفى البسام، مرجع سابق، صـ 77.
د. يوسف حسن سعيد، مرجع سابق، صـ 122. د. حسين ثاير سامي التميمي، مرجع سابق، صـ.51. د. علي فوزي حمد، مرجع سابق صـ 148
51) د. بعلي إيمان، مرجع سابق، صـ 1633. د. مارينا هاشم شعبان الحنيطي، مرجع سابق، صـ. 74. د. عبد الرؤوف مصطفى البسام، مرجع سابق، صـ 77. د. سيف صالح الحربي، إلغاء القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن عقود الإدارة: دراسة مقارنة، جامعة الإمارات العربية المتحدة، كلية القانون، الطبعة الأولى، 2012، صـ. 58. د. حيدر عدنان صادق، مرجع سابق، صـ 632. د. منى رمضان محمد بطيخ، مرجع سابق ، صـ.1651
[55]) د. منصور فارع الحربي، مرجع سابق، صـ. 50 د.عبد الواحد سليمان عبيد، مرجع سابق، صـ. 88 د د. حسين ثاير سامي التميمي، مرجع سابق، صـ.51. د. يوسف حسن سعيد، مرجع سابق، صـ 122.
53) د. علي فوزي حمد، مرجع سابق صـ 148. د. سيف صالح الحربي، مرجع سابق، صـ 58. د. عبد الرؤوف مصطفى البسام، مرجع سابق، صـ 82. د. منى رمضان محمد بطيخ، مرجع سابق ، صـ.1662. د. محمد كمال أحمد، مرجع سابق، صـ. 88.
[57] ) راجع دليل السوابق القضائية الصادر عن ديوان المظالم المجلد 5 صـ 2298.
[58]) د. محمد أحمد إبراهيم المسلماني مرجع سابق، صـ. 64-65. د. منى رمضان محمد بطيخ، مرجع سابق، ص. 1681-1682
[59]) د. طالب بن دياب إكرام، مرجع سابق، صـ 55-56. د. خالد عبد العزيز الطائي، مرجع سابق، صـ 97. د. سيف صالح الحربي، مرجع سابق، صـ 58. د. علي فوزي حمد، مرجع سابق صـ 148. د. عبد الرؤوف مصطفى البسام، مرجع سابق، صـ 2019، صـ. 82. د. يوسف حسن سعيد، مرجع سابق، صـ 122
[60]) د. محمد أحمد إبراهيم المسلماني، مرجع سابق، صـ. 66. د. ليث عبد الله خليل إبراهيم المياحي، مرجع سابق ، صـ 62 . د. منصور فارع الحربي، مرجع سابق، صـ 51 د. سيف صالح الحربي، مرجع سابق، صـ 58. د.عبد الواحد سليمان عبيد، مرجع سابق، صـ.. 88 د. حيدر عدنان صادق، مرجع سابق، صـ 630.
[61]) د. حبيب إبراهيم حمادة الدليمي، مرجع سابق، صـ 60. د. حسين ثاير سامي التميمي، مرجع سابق، صـ.51 د.عبد الواحد سليمان عبيد، مرجع سابق، صـ. 88.
58) د. طالب بن دياب إكرام، مرجع سابق، صـ. 53.
[63] ) د. منى رمضان محمد بطيخ، مرجع سابق ، صـ.1682-1683.
[64]) جديد بالذكر أن مجلس الدولة الفرنسي في بادئ الأمر كان يرفض فكرة الطعن بالإلغاء على القرارات الإدارية القابلة للانفصال وكان السبيل الوحيد للطعن على هذا النوع من القرارات هو من خلال دعوى القضاء الكامل، واسس المجلس نهجه هذا على اعتبار وجود دعوى موازية يمكن من خلالها الطعن على هذا القرار، وأيضاً احتراما للحقوق والمركز القانونية المكتسبة نتيجة هذا القرار، إلا أنه عدل عن هذا النهج ليتيح للمتعاقدين وللغير إمكانية الطعن على القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد من خلال دعوى الإلغاء. للمزيد حول ذلك راجع د. جورجي شفيق سار، مرجع سابق، صـ 83.
[65] ) د. رشا عبد الرزاق جاسم، “الطعن بالإلغاء في القرارات الإدارية المنفصلة عن العقد الإداري”، مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية، الجامعة المستنصرية – كلية القانون، المجلد 11، العدد 13-14، 2012، الصفحات 1-14.
[66] ) د. حمدي محمد العجمي، “أحكام منازعات القرارات المنفصلة عن العقد الإداري في ضوء نظام المنافسات والمشتريات السعودي الجديد: دراسة تحليلية مقارنة”، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، جامعة بني سويف – كلية الحقوق، المجلد 32، العدد 1، يناير 2020، الصفحات 1-33
[67]) د. حبيب إبراهيم حمادة الدليمي، مرجع سابق، صـ. 51-52.
[68]) د. عاطف محمد شوقي سيد أحمد الشهاوي، القرارات الإدارية القابلة للانفصال في قضاء مجلس الدولة الفرنسي والمصري، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة عين شمس، 2007، ص 61.
[69]) د. أشرف محمد خليل حماد، مرجع سابق، صـ 34-35. د. عبدالغني بسيوني عبدالله، مرجع سابق، صـ 69
[70]) د. عبد الفتاح حسن، قضاء الإلغاء، مكتبة الجلاء الجديدة، المنصورة، 1982، ص 82 . د. منى رمضان محمد بطيخ، مرجع سابق ، صـ. 1689-1690
[71]) د. محمد أحمد إبراهيم المسلماني، “ مرجع سابق، صـ 46-47 . د. محمود محمد حافظ، مرجع سابق، صـ 88 . د. محمد رفعت عبدالوهاب، مرجع سابق، صـ 22-23. د. أشرف محمد خليل حماد، مرجع سابق، صـ 55 .
[72]) حكم المحكمة الإدارية بجدة في الدعوى رقم (1390 لعام 1443هـ) الصادر بجلسة 8/6/1443هـ: قررت المحكمة إلغاء القرار الإداري بسحب مشروع من شركة المقاولات المدعية لثبوت عدم قيامه على سبب صحيح من القانون والواقع، مؤكدةً بشكلٍ صريح مبدأ الوقوف عند حد الإلغاء دون امتداد الاختصاص إلى أبعد من ذلك. راجع الحكم الصادر رقم القضية /2/161ق لعام 1441هـ رقم الحكم الابتدائي /13د/إ9/ لعام 1442هـ رقم حكم الاستئناف /694ت1/ لعام 1442هـ تاريخ الجلسة 1442/6/12هـ حكم المحكمة الإدارية بالدمام في الدعوى رقم (2134 لعام 1444هـ) الصادر بجلسة 17/2/1444هـ: انتهى إلى إلغاء القرار الإداري المتضمن إنهاء عقد توريد معدات لإحدى الجهات الحكومية، وأشارت المحكمة في حكمها بوضوح إلى أنها تتقيد في اختصاصها القضائي بحدود إلغاء القرار المخالف دون أن يكون لها أن تحل محل الجهة الإدارية في اتخاذ قرارات جديدة، مما يؤكد حرص القضاء الإداري السعودي على ترسيخ مبدأ الفصل الواضح بين الاختصاص القضائي وسلطة الإدارة التقديرية حكم المحكمة الإدارية بجدة في الدعوى رقم (1390 لعام 1443هـ) الصادر بجلسة 8/6/1443هـ: قررت المحكمة إلغاء القرار الإداري بسحب مشروع من شركة المقاولات المدعية لثبوت عدم قيامه على سبب صحيح من القانون والواقع، مؤكدةً بشكلٍ صريح مبدأ الوقوف عند حد الإلغاء دون امتداد الاختصاص إلى أبعد من ذلك.
[73]) د. محمد أحمد إبراهيم المسلماني، مرجع سابق، صـ 46-47. د. محمود محمد حافظ، مرجع سابق، صـ 88 . د. محمد رفعت عبدالوهاب، مرجع سابق، صـ 22-23 . د. أشرف محمد خليل حماد، مرجع سابق، صـ 55.
[74]) د. محمد أحمد إبراهيم المسلماني، مرجع سابق، صـ 46-47 . د. محمود محمد حافظ، “القرار الإداري”، دار النهضة العربية، القاهرة، 1993، صـ 88 . د. محمد رفعت عبدالوهاب، مرجع سابق، صـ 22-23. د. أشرف محمد خليل حماد، مرجع سابق، صـ 55
[75] ) حكم المحكمة الإدارية بالرياض في الدعوى رقم (2542 لعام 1442هـ) الصادر بجلسة 12/ 4/ 1442هـ، والذي قررت فيه المحكمة إلغاء قرار الجهة الإدارية القاضي بفسخ العقد الإداري مع إحدى الشركات المتعاقدة، مؤكدةً على أن اختصاصها القضائي يقتصر على إلغاء القرار المخالف دون التدخل في تعديله أو استبداله؛ وحكم المحكمة الإدارية بجدة في الدعوى رقم (1390 لعام 1443هـ) الصادر بجلسة 8/ 6/ 1443هـ، والذي قررت فيه المحكمة إلغاء القرار الإداري بسحب مشروع من شركة المقاولات المدعية لثبوت عدم قيامه على سبب صحيح من القانون والواقع، مؤكدةً بشكلٍ صريح مبدأ الوقوف عند حد الإلغاء دون امتداد الاختصاص إلى أبعد من ذلك؛ وكذلك حكم المحكمة الإدارية بالدمام في الدعوى رقم (2134 لعام 1444هـ) الصادر بجلسة 17/ 2/ 1444هـ، والذي انتهى إلى إلغاء القرار الإداري المتضمن إنهاء عقد توريد معدات لإحدى الجهات الحكومية، وأشارت المحكمة في حكمها بوضوح إلى أنها تتقيد في اختصاصها القضائي بحدود إلغاء القرار المخالف دون أن يكون لها أن تحل محل الجهة الإدارية في اتخاذ قرارات جديدة، مما يؤكد حرص القضاء الإداري السعودي على ترسيخ مبدأ الفصل الواضح بين الاختصاص القضائي وسلطة الإدارة التقديرية.






