في الواجهةمقالات قانونية

أنظمة الذكاء الاصطناعي والحق في النسيان في البيئة الرقمية -علاقة تناغم ام تنافر؟ – الباحث: عادل حيمدي إشراف الدكتور: هشام زمزم

أنظمة الذكاء الاصطناعي والحق في النسيان في البيئة الرقمية -علاقة تناغم ام تنافر؟ –
Artificial Intelligence Systems and the Right to be Forgotten in the Digital Environment
– A Relationship of Harmony or Dissonance-

الباحث: عادل حيمدي
طالب باحث في سلك الدكتوراه السنة الثانية الكلية متعددة التخصصات بتازة/جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس
مختبر الأبحاث القانونية والسياسية والاقتصادية
إشرافالدكتور: هشام زمزم
Prepared by: Adil HIMDI
Supervision: Dr. Hicham ZEMZEM

الملخص :
يشهد العالم الرقمي اليوم تطورًا سريعًا في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التي تعتمد على تحليل ومعالجة كميات هائلة من البيانات الشخصية لتطوير قدراتها وتحسين خدماتها،غير أن هذا التقدم يرافقه قلق متزايد بشأن الخصوصية وحقوق الأفراد في التحكم ببياناتهم الشخصية،أحد الحقوق الناشئة في هذا السياق هو “حق النسيان”، الذي يعبر عن رغبة الأفراد في حذف بياناتهم من الإنترنت ووسائل الإعلام الرقمية لمنع استغلالها بشكل غير مشروع أو غير مرغوب فيه.
يُعتبر الحق في النسيان على نطاق واسع مبدأً أساسياً من مبادئ الإنسان،فلقد أصبح موضوعًا ذا أهمية قصوى في المجالات التي يتم فيها جمع المعلومات الحساسة من الأفراد، مما يتطلب توفير أدوات المراقبة والحوكمة والتدقيق للتحكم في مكان استخدام هاتهالمعلومات،فنماذج الذكاء الاصطناعي ليست استثناءً طالما أنها تتعلم من البيانات فيجب أن يسمح هذا الحق للأفراد بحذف معلوماتهم الشخصية من الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعيومع ذلك، فإن تطبيق هذا الحق ليس بالأمر السهل.
ماذا يعني الحذف في سياق نموذج تم تعلمه من البيانات؟ هل الأمر مجرد إزالة البيانات المعنية وإعادة تدريب النماذج؟
سأحاول من خلال هاته الدراسة ان اعطي لمحة موجزة عن هاته القضايا.
المصطلحات الرئيسية: حق النسيان،الذكاءالاصطناعي، حوكمة البيانات، خصوصية البيانات، الخصوصية.

 

 

 

 

 

Abstract:
The digital world today is witnessing a rapid development in artificial intelligence technology, which relies on analyzing and processing huge amounts of personal data to develop its capabilities and improve its services. However, this progress is accompanied by increasing concern about privacy and the rights of individuals to control their personal data. One of the emerging rights in this context is “The right to be forgotten,” which expresses the desire of individuals to have their data deleted from the Internet and digital media to prevent its unlawful or unwanted exploitation.
The Right to Be Forgotten is widely conceived as a fundamental principle of the human being. It has become a subject of capital importance in domains where sensitive information is collected from individuals, requiring the provision of monitoring, governance and audit tools to control where such information is used. Artificial Intelligence models are not an exception: since they are learned from data, this fundamental right should allow individuals to have their personal information erased from AI-based systems. However, the application of this right is not straightforward: what does erase mean in the context of a model learned from data? Is it just a matter of removing the concerned data and retraining the models? This study provides a brief overview of these issues.
Index:Right to be forgotten, AI, data governance, data privacy, Privacy

مقدمة
من طبيعة البشر أنهم يميلون إلى نسيان أفكارهم وإنجازاتهم و لحسن الحظ ينطبق نفس الشيء على إخفاقاتنا.ففي الواقع فالنسيان هو الإعداد الافتراضي للعالم الذي نعرفه والذي نشعر بالراحة فيهو معرفةأن الزمن هو خصم لا يُهزم تهدئنا وتمنحنا شعورًا باستعادة كرامتنا الذاتية.
ففي القرن الحاديوالعشرين وفي عصر البيانات الضخمة، تغير الافتراض الأساسي للنسيان بشكل جذري ، فكمية المعلومات التي يمكن للتكنولوجيا الحالية معالجتها وتخزينها تسمح بتخزين كل قطعة من المعلومات الموجودة تقريبًا،علاوة على ذلك فإن الاستخدام غير المحدود للبيانات يمثل فرصة تجارية رخيصة نسبيًا ، والتي يمكن أن تترجم بسهولة إلى ربح ، لذا فإن الطلب على جمع ومعالجة البيانات الشخصية في تزايدمع ذلك، يأتي هذا التطور بتكلفة باهظة ، فبينما خلقت التكنولوجيا والأسواق وضعًا (التذكر الافتراضي) يتناقض بشكل جذري مع ما يعتبره الناس طبيعيًا (النسيان الافتراضي)، فلا عجب أن المشرعين قد دفعوا ببعض التدابير القانونية للتخفيف من هذا الخلل، في الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال، يُعتبر الحق في النسيان إحدى هذه التدابير(المادة 17من GDPR )، وبالموازاة مع هذا الأمر بدأتالعديد من المبادرات التشريعية في شتى أنحاء العالم بتبني آليات تقومبالسيطرة على هاجس الخوف من فقدانالتحكم في البيانات الشخصية، وهو ما يأتي كنتيجة ضرورية للإفراط في جمع المعلوماتوعدم توازن القوى، وانعدام الأمن المعلوماتي، مما يؤثر لا محالة على خصوصية الأفرادخاصة في ظل التطور التقني الفريد في العصر الحالي وظهور ما يسمى بتقنيات الذكاء الاصطناعي .
إننا اليوم نعيش عصرا تقوم فيه الروبوتات بالأعمال المنزلية، ونقل الأشخاص ونزع فتيل القنابل،وصناعة الأعضاء الاصطناعية، وتساعد الجراحين وتصنع منتجات مختلفة وللذكاء الاصطناعي مهارات معرفية ليس بإمكاننا حصرها اليوم كالقدرة على حل مشاكل خطيرة مثل شيخوخة المجتمع والتهديدات البيئية والصراعات العالمية .
كما تعد كمية البيانات التي يتم إنشاؤها سنويا بمعية أنظمة الذكاء الاصطناعي ضخمة وتستمر في النمو بشكل كبير، ومتواجدة في كل مكان تقريبا، إذ من المهم جدا الحفاظ على هاته البيانات التي يتم توليدها بكميات هائلة، لذا لا يجب تفويت أي شيء،حيث من الصعب للغاية تخزين هذا الكم الهائل من البيانات التي تولدها أي شركة تهتم بجمعها إذ إن التقنيات التقليدية غير قادرة على التعامل مع مجموعة من البيانات الكبيرة و غالبا مايستخدم الذكاءالاصطناعي للتعامل معها .
فمخاطرتقنيات المعلوميات وتهديدها للخصوصية، يتطوربفعل الحالات الواقعية للاستخدام غيرالمشروع للبيانات الشخصية واتساع دائرةالاعتداء على حق الأفراد في الحياة الخاصة، حيث أن المعلومات المتعلقة بجميع جوانب حياة الفرد الشخصية مع الزيادة في تدفق المعلومات التي تحدثها الحواسيب تضعف قدرة الفرد على التحكم فيها، مما شأنه أن يشكل تهديد اللحياة الخاصة ، ومشكلة يصعب حلها بالقوانين التقليدية ولوعن طريق التعاون الدولي. فبقدرالتطورالعلمي في هذا المجال و تطورالجريمة المرتكبة بواسطته، بقدرمايجد المشرع نفسه مضطرا إلى البحث عن وسائل قطع الطريق أمام هذا النوع من الانحراف، فقد باتت الجريمة المعلوماتية وسيلة أساسية وفعالة لتسهيل أنشطة المنظمات الإجرامية، فهذه التقنيات تمكنها من تخفيض حجم خطرمتابعتها من طرف المصالح المعنية.
و المغرب كباقي دول العالم سعى من خلال قنواته التشريعية لمواكبة هذا التطور الذي يمس البيانات الشخصية فنجد القانون رقم 132.13 الموافق بموجبه على البروتوكول الإضافي للاتفاقية الأوروبية حول حماية الأشخاص الذاتيين تجاه المعالجة الآلية للمعطيات ذات الطابع الشخصي والمتعلق بسلطات المراقبة والتبادل الدولي للمعطيات و الموقع بستراسبورغ بتاريخ 7 نوفمبر2001،و القانون09.08المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الذي يتضمن مجموعة من الأحكام القانونية المنسجمة معا لقانون الأوروبي لحماية البيانات، حيث أشار هدا القانون لآلية الحذف التي تكرس ولو بشكل ضمني الحق في النسيان لينخرط المغرب بدلك في مجا لحمایة المعطيات الشخصية،وأخرها نظام RGPD الذي دخل حیزالتنفيذ في 25 ماي 2018 ،
وبالنضر إلى الأهمية التي يطرحها الموضوع قيد الدراسة فان الإشكالية المحورية التي يمكن طرحها مدى ضمان التوازن بين تكريس حق النسيان الرقمي والإعمال المسموح به في الذكاء الاصطناعي وبصيغة أخرىإلى أي حد تم إقرار توازن من شانه إعمال حق النسيان الرقمي؟ وما طبيعة الرهانات والتحديات التي تطرحها خوارزميات الذكاء الاصطناعي في تناغم وتوازن مع طبيعة المهن في هذا المجال؟
تأسيسا لما سبق سأعالج هذا الموضوع عبر محورين أساسين:
المطلب الأول: حق النسيان الرقمي في بيئة أنظمة الذكاء الاصطناعي
المطلب الثاني: التحديات والرهانات في علاقة الذكاء الاصطناعي وحق النسيان الرقمي

المطلب الأول: حق النسيان الرقمي في بيئة أنظمة الذكاء الاصطناعي
لقد شهد العالم وبشكل غير مسبوق في تاريخ البشرية، تقدما علميا كبيرا في مجال التكنولوجيا الرقمية فقد أصبح من السهل تداول المعلومات بين الأفراد والجماعات، بسرعة كسرت معها القيود، وذلك بفضل الفتوحات العلمية الجبارة التي تم تحقيقها في هذا الميدان، وهذا بفضل الحوسبة السحابية كطريقة جديدة لإدارة المعلومات ذات الصلة بالبيانات ذات الطابع للشخصي ومعالجتها وانتشارها على نطاق واسع في مقابل انحصار وضعف المعالجة اليدوية وقد ازداد الأمر حدة مع تطور الذكاء الاصطناعي بفضل الاستعمالات المتعددة التي وفرتها الشبكة العالمية الانترنيت خاصة قدرة الذكاء الاصطناعي في الاستعمال المكثف للخوارزميات من خلال التعلم الآليMachine Learing والقدرة على التنبؤات العالية الدقة، مهما دفع المجتمعات المتقدمة للمضي قدما نحو تطوير المبرمجات والانتفاع من مزايا الذكاء الاصطناعي في التشخيص والتتبع لمختلف المجالات الحياتية، والتي تتغذى من مجموع المعلومات و المعطيات والبيانات المعالجة والتي يتم تجميعها ومراقبة أدق تفاصيلها من خلال قدرة البشر على تطوير تطبيقات وبرمجيات فعالة تتقلص من خلالها الحياة الخاصة مع كل تطور محتمل.
ويشهد العالم حاليا تطورا سريعا في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والتي تعتمد على تحليل ومعالجة كميات هائلة من البيانات الشخصية لتطوير قدراتها وتحسن خدماتها، غير أن التعليم يرافقه قلق متزايد بشأن الخصوصية وحقوق الأفراد في التحكم ببياناتهم الشخصية، فأحد الحقوق الناشئة في هذا السياق هو “حق النسيان الرقمي” الذي يعبر عن رغبة الأفراد فيحذفبياناتهم من الإنترنيت ووسائل الإعلام الرقمية لمنع استغلالها بشكل غير مشروع أو غير مرغوب فيه.
سأتعرض في هذا المطلب لمساهمة الذكاء الاصطناعي في دعم حق النسيان الرقمي ودوره في تعزيز الخصوصيةالرقمية،من خلال تكريس بين التشريعات الوطنية والدولية لهذا الحق،والأساليب المتاحة للذكاء الاصطناعي لتفعيل حق النسيان في البيئة الرقمية.
الفقرة الأولى: الحق في النسيان الرقمي في إطار حماية البيانات ذات الطابع الشخصي
يعد النسيان وضيفة حيوية للنفس البشرية، فهو وإن كان يحمل بعدا سلبيا عندما يشتت ذكريات الإنسان ويربك مسار حياته ،فهو يحمل بعدا إيجابيا أيضاعندما يتيح الإنسان فرصة التكيف والانسجام مع الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه خاصة عندما يتعرض لظروف وأحداث قاسية في حياته،لو ظلت حاضرة في ذاكرته لدرت عليه قسوة حياته فيأتي النسيان ليطوي صفحة الماضي، ومع ظهور شبكة الإنترنيت وذاكرتها المطلعة التي لا يمحى ارشيف معلوماتها بسهولة أصبح النسيان امرا صعب المنال على مستخدمي شبكة الانترنيت مهما كانت طبيعة وصفة تلك المعلومات، فهي تظل متاحة للجميع في أي وقت وإلى مالا نهاية، وفي ضوء هاته المعطيات التي فرضتها الرقمنة كان من الضروري البحث عن آلية قانونية تمكن مستخدمي الشبكة من إزالة المحتويات المعلوماتية المنتشرة عبر كافة المواقع الرقمية،سواء تلك التي قاموا بهاهم بأنفسهم أو تلك المتعلقة بهم وثم نشرها من طرف الغير، ولم يجد الفقه والقضاء المقارنين حلا لهذه المعضلة سوى ابتداع فكرة النسيان الرقمي.
على ضوء ما سبق سأحاول في هذه الفقرة تسليط الضوءعلى فكرة النسيان الرقمي ومدى تكريسها على المستوى التشريعي سواء في المغرب أو في القانون المقارن.
أولا: تجسيد فكرة الحق في النسيان الرقمي
يعد الحق في النسيان الرقمي من الأفكار الحديثة وهو أحد الأسباب التي ساهمت في صعوبة تعريفه، غير أن إننا في مقابل ذلك لو جردناه من عبارة الرقمي التي تلازمه واكتفينا ب ” الحق في النسيان” لوجدنا أن هذا الحق قديم نسبيا قدم الإنسان بكل ما يتميز به من صفات وخصائص بشرية يشترك فيها كل من وصف بالآدمية
ويجب الإشارة أن ارتباط فكرة النسيان بالحق بشكل لا لبس فيه إلى الدور الإيجابي الذي يمثله، كونه نعمة ينبغي أن يلجأ إليها الإنسان في كل مرة يشعر فيها بالحاجة لنسيانالأحداث التي تزعجه، ومن ثم فإن الرغبة في تعريف الحق في النسيان الرقمي هي محاولة إعطاء معنى قانوني لمفهوم نفسي وعليه يمكن فهم الحق في النسيان على أنه مصطلح عام يجمع بين الأحكام القانونية القائمة للحق الجوهري في النسيان والحق الإجرائي إلى حد ما في المحو المستمد من حماية البيانات .
وفي محاولة تعريف هذا الحق يمكن القول إنه تم تناوله من قبل الفقه القانوني المقارن من خلال بعدين رئيسين يشملان اعتبارين حول الحق في النسيان الرقمي وهما:
– الاعتبار الزمني: وهي المدة الزمنية التي لا ينبغي تجاوزها للاحتفاظ بهاتة البيانات
– اعتبار النسيان:الذي يمنح الأفراد بداية جديدة عندما تكون الأخبار غير جديرة بالنشر فيكون للشخص سلطة التقرير بنفسه بشأن المعلومات المتعلقة به وإلى مدى يمكن معالجتها ونقلها وتخزينها .
حيث سعى الباحثون إلى وضع تعريف للحق في الحقل الرقمي، فمنهم من ضيق مفهومه حيث عرفوه بأنه الحق الذي يمنح الأشخاص الوسائل القانونية التي تمكنهم من الحصول على حقهم في النسيان عبر الانترنيتوذلك من خلال الحد من الاحتفاظ بالبيانات الرقمية الشخصية وإمكانية إلغائها . وقد وجهت عدة انتقادات إلى هذا التوجه كونه لم يتطرق إلى البيانات القابلة للمحو من الذاكرة ولم يحدد المدة الزمنية التي يتم بعدها محو البيانات بطريقة تلقائية وآلية، وأخيرا لم يحط بالمضمون الشامل للحق، فاقتصرت على الاحتفاظ بالبيانات عبر شبكة الانترنيت وأهمل الاحتفاظ بالأنظمة الخاصة بالتخزين الالكتروني، وخلافا لما قد يراه أصحاب هذا الاتجاه فإنه لا يتناسب مع بيئة الانترنيتاللامتناهية التي يعمل فيها الحق في النسيان الرقمي، لذلك فقد ظهر في الفقه اتجاه أخر لتعريف الحق في النسيان من منظور موسع يسمح بحماية فعالة للشخص المعني.
فذهب بعضهم ، إلى تعرفيه بأنه ” حق الشخص في اتخاذالقرار الخاص بالمعلومات المتعلقة به وتلك التي يجب أن يطويها” وهو يعني وفق هذا التعريف إعطاء الشخص نفسه مكنه تقرير المصير المعلوماتي للمعلومات التي تخصه وذلك من خلال تحديد مكان نشرها وكيفية معالجتها وتخزينها، واتجه آخرون إلى التوسع أكثر من ذلك بأن عرفوه بكونه” حق الشخص في السيطرة والتحكم في ايةمعلومة ذات طابع شخصي تخصه ، أو بمعنى أخر حق الشخص في أن يحتفظ طوال حياته بالسيطرة على ذكرياته الرقمية والتصرف فيها في أي وقتيريده والقيام بمحوها جزئيا أو كليا.
وفي رأيي أن الاتجاه الموسع للتعريف بالحق في النسيان الرقمي يتفق والطبيعة الفنية والتقنية لشبكة الإنترنيت، و التي تعتبر فيها المعلومات والبيانات بمجرد نشرها من موقع لأخر و من موطن لأخر دونما أي اعتراف بوجود أي حدود سياسية أو جغرافية ، طبيعية أو صناعية، وقد تصبح هذه البيانات قديمة في هذه الحالة و يمكن للشخص المعني استخدام كافة السلطات والحقوق الممنوحة له على بياناته الشخصية بغية تحقيق أقصى حماية ممكنة لها.
وعلى هذا الأساس يمكن القول أن الحق في النسيان الرقمي هو حق له ذاتية خاصة تنأى به، لأن لايتم، اختزاله في زاوية الحقوق المتعارف عليها كالحق في الخصوصية أو الحق في حماية البيانات الشخصية وإن كان شديد الارتباط بها من حيث الأهداف والمرامي. ولا شك في أن الرقمنة قد عقدت الوضع أكثر فأكثر فلم يعد من السهل أن يحق على للأفراد حق اللجوء إلى الحقوق المكرسة كالحق في الحياة الخاصة، لذلك كان الحق في النسيان الرقمي بمثابة المسعف الذي ساعد في ظل الرقمنة وتطبيقاتها في أن تبقى ذكرياته وكل ما يتعلق بماضيه في طي النسيان، لذا أصبح من الضروري أن يعترف بهذا الحق على، الصعيدين القضائي والقانوني بعد أن تعالت أصوات الفقهاء بذلك.
ثانيا: التكريس القضائي والقانوني لحق النسيان الرقمي
يعد قرار محكمة العدل الاتحاد الأوربي الصادر بتاريخ 13 ماي 2014 في قضية Google Spain من القرارات التي فتحت النقاش الدائر حول الحق في النسيان معبرة وجهة نظرها فيما يخص نشاط محرك البحثgoogle وتتلخص وقائع القضية أنه كلما تمت كتابة اسم السيد M.Costeje.Gonzales على محرك البحث Google ظهر نتائج البحث على صفحة جريدة Vanguardia في أحد أعدادها الصادرة سنة 1998 التي نشرت فيه إعلان خاصا بالبيع بالمزاد العلني لعقار في إطار إجراءات تتعلق بديون السيد Gonzales، وقد طالب هذا الأخير حذف الإعلان بدعوى أنه قد تم حل المشكلة مع الإدارة الحاجزة إلا أنه تم رفض هذا الطلب مما تلا ذلك عدة أحداث وأخذ و رد فخلصت القضية بقرار المحكمة إلى أن مشغل محرك البحث ملزم بإزالة نتائج البحث المتحصل عليها و أيضا روابط الإحالة حتى ولو كان النشر في حد ذاته مشروعا .
وقد كان من بين أهم النتائج المترتبة عقب إصدار قرار محكمة العدل الأوروبية إثارة النقاش عن الحق في إزالة النتائج المرتبطة بالحياة الشخصية للإنسان من على محركات البحث فيما يعرف بLe Droit de Référencement باعتبار أن ذلك يعد من بين أهم الحقوق المندرجة في صميم الحياة الخاصة بالإنسان، وكان أيضا من بين أهم النتائج إعادة التوجه الأوربي المتعلق بالبيانات الصادر سنة 1995 بموجب التوجه الصادر سنة 2016 المسمى باختصار (RGPD) .
وفي مواجهة التطورات الرقمية المتسارعة وما خلفته من آثار على كافة الأصعدة، لم تكن التشريعات على اختلافها إزاء ما استجد منها فكان لابد من التحرك عن طريق سن تشريعات تواكبها بالضبط والتنظيم.
وإذا نظرنا إلى الحق في النسيان في البيئة الرقمية على أنه من الحقوق التي لم يتجدد الحديث عنها إلا مع الانتشار الرهيب لمختلف التطبيقات الرقمية، فإن التشريعات والأنظمة الأوربية خاصة كانت مترددة نوعا ما في الاعتراف الصريح به، وعلى إثر ذلك تتنامي الاهتمام التشريعي بالحق في النسيان الرقمي حيث أنه ومنذ تنفيذ اللائحة العامة لحماية البيانات RPGD تم تعزيزه عبر إرساء الحق في المحو أو المسح من خلال المقتضيات المادة 17 من اللائحة العامة الأوربية ، حيث نصت هذه الأخيرة على أنه يجوز لصاحب البيانات المطالبة بالحق في النسيان أو في أن يحجب جميع البيانات الشخصية المتعلقة به بلا تأخير غير مبرر .وبهذا يكون المشرع الأوربي له السبق في تنظيم الحق في النسيان الرقمي انتصارا و حماية للحياة الخاصة للأفراد التي ينبغي أن تبقى سرية وفي منأى عن أنظار العموم.
أما فيما يخص المشرع المغربي وبالرغم من كونه لم يؤصل بشكل صريح لهذا الحق إلا أنه أشار إليه ضمنيا في دستور 2011سنة و الذي أكد في الفصل 24 على حماية الحق في الحياة الخاصة للأفراد وعدم انتهاكه وهو في حد ذاته تكريس غير مباشر للحق في النسيان الرقمي للمعطيات الشخصية كما لا ننسى القانون رقم 53.05 والمتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية و الذي أشار إلى بعض الشروط التقنية والتي تهم بالأساس الحق موضوع الدراسة في المواد 21 و 24 من نفس القانون.
وبالرغم من أن المشرع المغربي لم يستعمل مصطلح الحق في النسيان الرقمي بصريح العبارة. إلا أنه نظم مضمون هذا الحق في المادة الثالثة من القانون 08.09 حيث نصت على :انه يجب أن تكون المعطيات ذات الطابع الشخصي محفوظة وفق شكل يمكن من التعرف على الأشخاص طوال مدة لا تتجاوز المدة الضرورية لإنجاز الغايات التي تم جمعها ومعالجتها لاحقا من أجلها.
وبالتالي فلا يجوز جمع أو تخزين البيانات الشخصية إلا لمدة مؤقتة تتناسب مع الغرض المشروع من جمع هذه البيانات .
تأسيسا لما سبق، فإن الحق في النسيان الرقمي بات حقا مستقلا بذاته، أعطى للأفراد مساحة خاصة للسيطرة على بياناتهم الشخصية، لكن ورغم كل هذا فإن هذه البيانات ليست في معزل من المخاطر التي تفرضها التطورات التكنولوجية الحديثة والحديث هنا عن أدوات الذكاء الاصطناعي التي تساهم وبلا شك في تطوير الولوج إلى البيانات، مما يؤدي بالضرورة إلى سهولة حذفها. وهذا ما سوف نناقش في الفقرة الثانية.
الفقرة الثانية: تعزيز الحق في النسيان الرقمي في ظل الذكاء الاصطناعي
أصبح الذكاء الاصطناعي في الوقت الحالي يشغل مكانة مهمة في حياة الإنسان، وذلك بفضل مساهمته في تطوير الدراسات والأبحاث والاختراعات ، بالإضافة إلى تقديمهلحلول فعالة وجدية للعديد من المشاكل والتحديات، إذ أنه قد تغلغل في مختلف القطاعات والمجلات، وبدأت تطبيقاته تتجسد في عدة أشكال، ومع ذلك أثار الذكاء الاصطناعي عدة قضايا تتعلق بحقوق الإنسان ، وبشكل خاص القضايا المتعلقة بخصوصية الأفراد. ومنها حق الفرد في الدخول في طي النسيان الرقمي، إذن أين تتجلى مساهمة الذكاء الاصطناعي في تعزيز هذا الحق على أرضية التطور الرقمي؟
أولا: أهمية دراسة الحق في النسيان في سياق الذكاء الاصطناعي
إن تطبيق حق النسيان على أنظمة الذكاء الاصطناعي يقدم تحديات فريدة ومعقدة، على عكس أنظمة معالجة البيانات التقليدية، و التي غالبا ما تكون أنظمة ذكاء اصطناعي لامركزية، حيث تتم معالجة البيانات عبر منصات ومواقع متعددة، هاته اللامركزية تعقد الية تحديد وحذف البيانات، خاصة عندما تكون هاته الاخيرة استعملت كقاعدة بيانات للذكاء الاصطناعي، حيث تعتبر البيانات المغذي الرئيسي لأنظمة الذكاء الاصطناعي مما يجعل من الصعب إن لم نقل من المستحيل محوها دون المساس بوظائف النموذج المعتمد على الذكاء الاصطناعي ، علاوة على ذلك فإن الطبيعة العالمية لأنظمة الذكاء الاصطناعي تعني أن البيانات غالبا ما تعبر الحدود الدولية، مما يثير تساؤلات حول الاختصاص القضائي وقابلية تطبيق قوانين حماية البيانات و نظرا لهذه التحديات فمن الضروري و إن لم يكن من الواجب دراسة كيفية تطبيق حق النسيان الرقمي بشكل فعال في سياق الذكاء الاصطناعي وفهمالتقاطع بينهما من خلال تحليل التحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي على تنفيذ الحق في النسيان ومقارنة الأطر القانونية للائحة العامة لحماية البيانات GDRPو التي تعتبر عراب الحق في النسيان الرقمي في نظري ، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي AI كأداة محاكية للذكاء البشري حيث تقوم هذه الأنظمة بأداء مهام تتطلب عادة ذكاء بشري، كالتعرف على الكلام و اتخاذ القرارات و الترجمة إذ تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل كبير على مجموع البيانات الكبيرة BIG DATA التي غالبا ما تحتوي على بيانات شخصية ، هذا الاعتماد يمكن الذكاء الاصطناعي من تحليل كميات هائلة من المعلومات بسرعة ودقة فائقة، مما يؤدي إلى تقدم كبير في مجالات شتى كالطب مثلا، ولقد جلب هذا الانتشار الواسع لهذه الأنظمة العديد من الفوائد لكنه أثار أيضا مخاوف كبيرة بشأن الخصوصية.
إذ تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي التي توصف غالبا بأنها “صناديق سوداء” بطرق ليست شفافة تماما ، وهذا النقص في الشفافية جنبا إلى جنب مع الاستخدام الواسع للبيانات الشخصية يخلق تحديات كبيرة لحماية البيانات، لاسيما في حماية حقوق الأفراد مثل الحق في النسيان الرقمي ، ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي واندماجه بشكل أكبر في الحياة اليومية، اصبح من الضروري معالجة هاته المخاوف المتعلقة بالخصوصية.
إن فهم أهمية الحق في النسيان في بيئة الذكاء الاصطناعي أوجب منا توضيح العلاقة بين أنظمة الذكاء الاصطناعي والبيانات ذات الطابع الشخصي لفهم مدى أهمية الحق في النسيان حيث تعتبر البيانات حجر الزاوية في أنظمة الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلةMachine Learning حيث تعتمد فعالية نموذج الذكاء الاصطناعي إلى حد كبير على جودة وكمية وتنوع البيانات التي يتم تدريبه عليها في تعلم الآلة، وذلك للتعرف على الأنماط المختلفة واتخاذ القرارات والتحسن مع الوقت، حيث تمر أنظمة الذكاء الاصطناعي بدورة من جمع البيانات، خلال هذه الدورة يتم إدخال البيانات الشخصية باستمرار في النظام لتحسين الدقة والأداء، ومع ذلك فإن الاعتماد على البيانات وخاصة الشخصية منها يطرح تحديات كبيرة أمام تكريس حق النسيان الرقمي الذي يضرب صلب مكونات أنظمة الذكاء الاصطناعي، لذا تصبح الحاجة إلى الموازنة بين هذا الحق والحاجة للبيانات الرقمية المغذية لأنظمة الذكاء الاصطناعي .
ثانيا: دور الذكاء الاصطناعي في تفعيل حق النسيان الرقمي
تعتمد تطبيقات الذكاء الاصطناعي بشكل أساسي على تجميع البيانات والمعلومات ومعالجتها إذ يمكن تجميع البيانات عبر تصفح المواقع الإلكترونية، التجارة الإلكترونية، مواقع التواصل الاجتماعي، اعتراض المراسلات والتقاط الصور، تحليل البصمات على اختلافها، وملفات الكوكيز، وما إلى ذلكـ، ثم يمكن استغلالها فيما بعد في إدارة مهامها ، وفي هذا الإطار تثار العديد من المخاوف بشأن قدرة الذكاء الاصطناعي على انتهاك خصوصية الأفراد، والتي تعرض أهم الحقوق الأساسية للإنسان وحقه في النسيان الى الانهاك.
ومع زيادة الوعي بأهمية الخصوصية، أصبحت هناك مطالب بتطبيق حق النسيان بفعالية، وهو ما يتطلب دعم الذكاء الاصطناعي لتحقيقه، حيث يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتعزيز حماية البيانات عبر أساليب مثل التشفير المتجانس Homomorphie Enerytion.وإخفاء الهويةAnonymization وأيضا التعلم الفيدرالي Federated Learning حيث إن استخدام الذكاء الاصطناعي في حماية البيانات قد ازداد بنسبة 20% خلال السنوات الثلاث الأخيرة وفقا لتقرير صادر عن International Data Corporation IDC لعام 2023 مما ساهم في تقليل التسريبات وانتهاك الخصوصية، خاصة مع التطورات السريعة في تقنيات التعلم الآلي وتعلم الآلة العميق، وهذا فيما يخص حماية البيانات التي هي جزء لا يتجزأ من النسيان الرقمي الذي كان للذكاء الاصطناعي دور في تعزيزه وإخراجه إلى أرض الواقع في ظل التطور التكنولوجي العالمي، فيمكن للذكاء الاصطناعي تحسين عمليات الحذف الرقمي من خلال تطوير أنظمة قادرة على تتبع وإزالة المحتوى المرتبط بالأفراد بشكل تلقائي وهو ما يعزز الامتثال للائحة GDPRفعلى سبيل المثال تقدم شركات مثل Googleو Facebook أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تساعد المستخدمين على التحكم في ظهور بياناتهم القديمة أو حذفها، حيث تقوم Google بواسطة أداة Google my Activity من تمكين المستخدمين من مكنة الاطلاع على الأنشطة بشكل فردي أو عبر الفترات الزمنية ، وأيضا أداة Auto Delete التي تتيح تحديد فترات زمنية لحذف البيانات تلقائيا بعد فترة زمنية معينة يمكن ضبطها على مستوى التاريخ أو النشاط. إضافة إلى مساعد جوجل الذكي الذي يحذف البيانات الصوتية أوتصفية البحث الصوتي الذي تم تخزينه عبر أوامر مساعد جوجل، أما بالنسبة ل Facebook Motorفتتيح آلية Activitylagمن الوصول إلى سجل الأنشطة الخاص بالمستخدم وحذف أي نشاط قديم يرغب فيه، كما يتيح أيضا فيسبوك إمكانية إيقاف تتبع الأنشطة عبر التطبيقات والمواقع باستخدام خيار “أدوات إلغاء جميع البيانات Off-Facebook-Activityحيث يمكن للمستخدم إلغاء ربط الأنشطة مع حساباته الشخصية على فيسبوك .
وهناك أدوات أخرى مدعومة بالذكاء الاصطناعي مثل خدمةDeleteMe وهي خدمة مدفوعة تستخدم الذكاء الاصطناعي لمسح معلومات الأشخاص من مواقع الانترنيت العامة، حيث يتم الإزالة من أكثر من 300 مصدر رقمي إضافة إلى أدوات Reclaim وهي تطبيق لمساعدة المستخدمين في إدارة ومراجعة البيانات الشخصية عبر الانترنيت وتتيح لهم التحكم في البيانات مع خيارات الحذف وإخفاء المعلومات الشخصية وأدوات أخرى مثل ،Privacy Bee Jumbo ، PimEyes،Clear View AI
كما تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي التعلم العميق والتحليل النصي للأجهزة و أن تفهم السياق القانوني والشخصي لكل طالب نسيان رقمي، فيمكن لهذه التقنيات معالجة النصوص، وتقييم محتوى البيانات في الوقت الفعلي لتحديد مدى حساسيتها، مما يساعد في اتخاذ قرارات بشأن حذف البيانات، كما تساهم خوارزميات الذكاء الاصطناعي في تفعيل الحذف النهائي للبيانات بشكل آمن ودقيق، و تقوم بتحليل شفرات البيانات للتحقق من حذفها بالكامل وعدم إمكانية استرجاعها .
تشير هذه التجارب إلى أن الذكاء الاصطناعي يعد عنصرا محوريا في تطبيق حق النسيان الرقمي على نطاق عالمي بشكل يتماشى مع المتطلبات القانونية والثقافية لكل دولة.
تأسيسا لما سبق ذكره في هذا الجزء الأول تبرز لنا أهمية الذكاء الاصطناعي في منظومة حماية البيانات الشخصية وبالخصوص في تكريس حق النسيان الرقمي كأداة للموازنة بين التطور التكنولوجي وحماية المعطيات الشخصية للافراد، إلا أنه لابد من لفت الانتباه في الجزء الموالي للتحديات التي تقف أمام تحقيق حق الطي وراء النسيان الرقمي بالشكل الذي يطمح له الفرد.
المطلب الثاني: التحديات والرهانات في علاقة الذكاء الاصطناعي وحق النسيان الرقمي
يتفاعل حق النسيان الرقمي عادة مع عدة قيم أساسية ترتكز على حماية شخصية الأفراد، هذه الخصوصية تستمد قوتها من حماية البيانات، والاستقلالية وحفظ كرامة الإنسان، مما يؤدي في الغالب إلى مبدأ كون الفرد لديه القدرة على التحكم بشكل أساسي فيحماية بياناته في سياق الاقتصاد العالمي القائم على جمع البيانات، إضافة إلى أداة أخرى و هي الموافقة، حيث تمنح للفرد القدرة على قول نعم أو لا لمعالجة بياناته.و الجدير بالذكر أن الحق في النسيان يوفر خيار إعادة النظر وتغير قرار معالجة البيانات الشخصية، حتى في الحالات التي بدأت فيها المعالجة دون موافقة الشخص المعني، هذا ما يعزز مفهوم تقرير المصير المعلوماتي
إلا أن في ظل انتشار الذكاء الاصطناعي في المجال المعلوماتي القائم على جمع البيانات فإن تحدي تكريس الحق في النسيان الرقمي بشكل جدي يصطدم بعدة إشكالات سواء تقنية أو قانونية أو أخلاقية وحتى سياسية، مما يصعب طموح الموازنة بين الذكاء الاصطناعي والحق في النسيان الرقمي و هذا ما سيتم مناقشته في هذا الجزء من المقالة.

 

الفقرة الأولى: تطبيق حق النسيان الرقمي أكثر تعقيدا في ظل تطور الذكاء الاصطناعي
أصبح الجميع يتحدث عن الذكاء الاصطناعي ومابات يطرحه من نقاش عمومي في مختلف المحافل الوطنية والدولية بشكل مقلق لمختلف المتدخلين في المجال من فاعلين سياسيين أو مجتمع مدني أمام التحديات التي يعرفها التطور المفرط للتكنولوجيا من خلال مسارات وتجليات استعمال هذا الذكاء بشكل يهدد استمرارية العنصر البشري.
فالذكاء الاصطناعي يوظف التكنولوجية الجديدة كآلية جديدة ومبتكرة لتطوير المجتمعات الإنسانية لكنها تضرب عرض الحائط بكل القوانين الضامنة لعدم المس بالحقوق والحريات وفي مقدمتها حماية الحياة الخاصة وتعزيز النسيان الرقمي في الحياة المعلوماتية، انطلاقا منعملية جمع المعطيات الوقود الأساسي لإنعاش الذكاء الاصطناعي عبر خوارزميات وتطبيقات ذكية، مما يعني أن حياتنا الخاصة أصبحت مهددة بشكل كبير وفي كل وقت وحين من خلال الاستعمال المكثف لهذا الذكاء.
وتشير عدة دراسات إلى أن الذكاء الاصطناعي باعتماده على قواعد ضخمة لا تحتاج إلى كميات هائلة من البيانات للتعلم والتطور، اصبح معه حذف البيانات أكثر تعقيدا، مما يجعل النسيان عملية مشابهة لجراحة دماغية دقيقة في البيانات التي تشكل ذاكرة الأنظمة الاصطناعية.
سأتعرض في هذه الفقرة لتعقيدات تطبيق النسيان الرقمي في ظل الذكاء الاصطناعي والتحديات المرتبطة بهذا التطبيق مع استغلال الحلول الناجعة لتعزيز دور النسيان الرقمي في بيئة الذكاء الاصطناعي.
أولا: التحديات التقنية والعملية
إن أكثر التعقيدات المطروحة في قدرة النسيان الرقمي في بيئة الذكاء الاصطناعي هي القدرة على حذف أو مسح البيانات الشخصية من نماذج الذكاء الاصطناعي حيث تبرز هذه المشكلة مدى قابليةأنظمة الذكاء الاصطناعي على الاسترجاع نظرا لكون نماذجه تتعلم من البيانات المجمعة، بما في ذلك البيانات الشخصية التي تتم معالجتهالأن نماذج الذكاء الاصطناعي لا تنسى بالطريقة التي ينسي بها البشر نظرا لوجود علاقة تكافلية بين نماذج الذكاء الاصطناعي وأنظمة قواعد البيانات .
ومن بين التحديات التقنية أيضا هي تكرار البيانات في الذكاء الاصطناعي، حيث غالبا ما يتم التكرار والتخزين عبر أنظمة متعددة، وبما في ذلك خوادم النسخ الاحتياطي والتخزين السحابي مما يجعل من الصعب ضمان الحذف الكامل، إضافة إلى الطبيعة اللامركزية للأنظمة الذكاء الاصطناعي خاصة تلك التي تستخدم البلوكشين blockchain حيث يتم تخزين البيانات عبر شبكة عالمية مما يجعل منه شبه مستحيل إزالة جميع آثار البيانات الشخصية عند الطلب.
أذكر كذلك آلية إخفاء الهوية وهو أسلوب شائع الاستخدام لحماية البيانات الشخصية في أنظمة الذكاء الاصطناعي، حيث أنه بموجب اللائحة العامة لحماية البيانات GDRP(الفصل 19)GDRP فإن البيانات المخفية الهوية لا تخضع لحق النسيان الرقمي، حيث أحرزت تطوراتالذكاء الاصطناعي تقدما جعل من الممكن إعادة تحديد الأفراد لمجموعات البيانات المجهولة، وهذا الخطر من إعادة التعرف يقلل من فعالية إخفاء الهوية كوسيلة لحماية الخصوصية ويعقد من الحق في النسيان .
وإذا اعتبرنا أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد بالأساس على البيانات الشخصية التي تزيد من سرعة البحث والجودة في النتائج، فإن الخوارزميات التي تعتمد عليها هذه الأنظمة تقوم بالتعلم الذاتي إذ ان المعلومات الممسوحة والمحذوفةليست بالضرورة مسحتها بالكامل، بل يمكن إعادة نشرها باستعمال أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي وتعلم الآلة مما يجعل مكنة الحذف شبه منعدمة.
إن تطبيق حق النسيان الرقمي على أنظمة الذكاء الاصطناعي يطرح أيضا تحديات مفاهيمه، لاسيما في تحديد ما يشكل البيانات الشخصية في سياق الذكاء الاصطناعي، حيث تعرف GDRPالبيانات الشخصية، بشكل واسع على أنها معلومات تتعلق بشخص طبيعي محدد أو يمكن تحديده، ومع ذلك و في أنظمة الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح التمييز بين البيانات الشخصية وغير الشخصية غير واضح، خاصة عندما تولد نماذج الذكاء الاصطناعي رؤى وتوقعات بناء على بيانات المجموعة حيث يمكن أنتؤثر على الخصوصية وتتطلب اعتبارات دقيقة بموجب حق النسيان، علاوة على ذلك، فإن الطبيعة الديناميكية لنماذج الذكاء الاصطناعيتعقد تطبيق حق النسيان، حيث أنه و بمجرد استخدام البيانات الخاصة بالأفراد لتدريب أحد الأنظمة الجديدة، تصبح مدمجة في معلومات النموذج مما يجعل من الصعب عكس تأثيرها، حيث أن حذفها يؤثر بالأساس على أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ثانيا: التحديات القانونية والأخلاقية
يعتمد مفهوم الحق في النسيان الرقمي على مبدأ أن للأفراد الحق في طلب إزالة معلوماتهم الشخصية منالانترنيت وغيرهمن قواعد البيانات، خاصة إذا لم تعد هاتهالاخيرةذات صلة أو أصبحت مضرة لهم، حيث ينظر المشرع بصفة عامة وخاصة في الاتحاد الأوربي إلى أن هذا الحق وسيلة لضمان حماية خصوصية الأفراد وتجنب الضرر الاجتماعي الذي ينجم عن بقاء معلوماتهم الشخصية في متناول العامة إلى أجل غير مسمى، ومن الأمثلة على ذلك قضية Google Spain كما تم ذكره سابقا وقضية.Manni وبارتباط حق النسيان الرقمي بتطوير الذكاء الاصطناعي أصبح الضغط القانوني المعزز لهذا الحق بالفتور في مواجهة تسارع الدورة التكنولوجية وتأثيرها على القاعدة القانونية وتغير مفهوم الحق في القانون بموازاة ضغط الذكاء الاصطناعي والحاجة إلىه في المجال التقني والاقتصادي العالمي.
حيث يركز القانون على حماية الأفراد ولكنه لا يعترف بكيانات جديدة مثل المجموعات الخوارزمية التي تشكلت عبر الذكاء الاصطناعي، مما يعني وجود فئات من البيانات غير محمية قانونا لأن تتبع معالجتها في الذكاء الاصطناعي خطوة لا تتماشى مع التسلسل التقليدي للتشريعات العالمية، مما يطرح تحديات إضافية على تطبيق القوانين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن أكبر عقبة قانونية أمام تعزيز حق النسيان الرقمي في بيئة الذكاء الاصطناعي هو ارتباطه بالحق في التعبير وحقوق الصحافة والحق في الحصول على المعلومة، حيث إن السماح للأفراد بمسح ماضيهم قد يؤدي إلى إعادة كتابة التاريخ ، مما يحجب الشفافية والمساءلة الضروريتين في المجتمع الديمقراطي، مما يتعارض مع مفهوم حق الجمهور في المعرفة، وقد يؤثر بالخصوص على الأنترنيت وجعله أقل انفتاحا وجودة.
ومن بين المشاكل أيضا تباطؤ تغير القوانين ليتناسب مع آلية الذكاء الاصطناعي وذلك بسبب تعقد مسطرة التشريع سواء في المغرب أو في العالم، فالسرعة التي تعاد فيها صياغة التشريعات ليست بشكل موازي لسرعةالتطور الذكاء الاصطناعي، مما يؤثر على تقنين تقنية الذكاء الاصطناعي وملاءمته مع حق النسيان.
علاوة على ما سبق فإن الاعتبارات الأخلاقية المحيطة بحق النسيان الرقمي في أنظمة الذكاء الاصطناعي معقدة، من جهة يتمتع الفرد بحق الخصوصية بكونه قادر على التحكم في كيفية استخدام بياناته الشخصية خاصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومن جهة أخرى فإن التطبيق المفرط لحق النسيان الرقمي يعيق تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي التي لديها القدرة على تحقيق فوائد اجتماعية كبيرة، مثل تحسين الرعاية الصحية والخدمات وهناك أيضا صراع بين الخصوصية والقيم الأخلاقية كالشفافية والمساءلة في أنظمة الذكاء الاصطناعي والفوائد الجماعية لتقدمات الذكاء الاصطناعي إذا تم تطبيق حق النسيان الرقمي بشكل صارم للغاية، فقد يؤدي ذلك إلى عواقب غير مقصودة مثل تقليل قدرات الذكاء الاصطناعي أو زيادة التكاليف على الشركات.
اكتشفنا مما سبق أنه لا يمكن الحديث عن نسيان رقمي بشكل مثالي في ظل وجود أنظمة ذكاء اصطناعي في المجال الرقمي و التي تستخدم البيانات الشخصية بخصوص التعلم والتطور، لهذا كان من اللازم البحث عن حلول ولو نظرية لخلق أرضية للنقاش وإيداع حلول للمستقبل سواء على المستوى القانوني أو التقني أو السياسي لجعل فكرة الحق في النسيان الرقمي أكثر قبولا ووضوح.
الفقرة الثانية: رهانات تعزيز فعالية النسيان الرقمي في ظل الذكاء الاصطناعي
قد يكون هناك شكوك كبيرة فيما يتعلق بالتنفيذ الفني لحق الحذف في سياق تطبيقات الذكاء الاصطناعي حيث أن فكرة الحذف تتعارض مع طبيعة الذكاء الاصطناعي وبيئات التعلم الآلي، ومع ذلك فإن الرغبة الملحة من المشرع والهيئات الحقوقية سواء في المغرب أو العالم بأسره لتعزيز الحق في النسيان في البيئة المعلوماتية، تجعل من جميع المتدخلين في هذا المجال سواء القانونيين ان يكثفوا الجهود سويا لخلق بعض الحلول القانونية أوالسياسية أو التقنية لحماية الحق في النسيان الرقمي، وذلك إذا تم تغييرا المنظور لتحقيق ذلك، يمكن إذن فهم النسيان على أنه يشمل مفهوما أوسع من حق المحو بالمعنى الضيق بما في ذلك جميع الحقوق القانونية التي تشمل عملية النسيان سواء كانت دائمة أو مؤقتة ولكن أيضا الآليات غير القانونية التقنية أو المفاهمية أو التنظيمية.
أولا: الحلول التقنية والتنظيمية
لأن الذكاء الاصطناعي يتذكر وينسى بشكل مختلف عن البشر، فان معالجة حذف البيانات تتم بطريقته الخاصة، إحدى الحلول المقترحة هي نسيان الخوارزميات وطريقة النسيان الاصطناعي، حيثتخلق هذه الطريقة طبقة إضافية بين خوارزمية التعلم البيانات التي تمالتدريبعليها، مما يسمح للنظام بنسيان البيانات دون الحاجة إلى إعادة بناء النموذج بالكامل والعلاقات المرتبطة بالبيانات .
ومن بين الحلول أيضا حذف بيانات المستخدم بشكل افتراضي، وهو حل تقني لضمان الحذف باستخدام الحذف الافتراضي حيث يجب تصميم تقنيات الحذفهذا الاخيركالثقب الأسود للبيانات حيث يكون كل جزء من البيانات مقدرا له أن يختفي وهو ما قامت به شركة سنابشاتSnapchat لمشاركة الصور، ويمكن أيضا تعزيز فكرة وإنشاء تواريخ صلاحية للبيانات الشخصية بمعالجة تحدي الزمن في التذكر الرقمي من خلال تحديد المدة التي يجب الاحتفاظ بالمعلومات خلالها من خوارزمياتإدخالالبيانات الأنظمة الذكاء الاصطناعي وكان أول من دافع عن هذه الفكرة مايرشونبرغر ، الذي دافع عن هذه الفكرة التي تحاكي النسيان البشري في المجال الرقميوتعتبر الكاتبة إيلينا helenaV.vabec، بأن فكرة الحذف تتعارض مع طبيعة الذكاء الاصطناعي لأن الخوارزميات لا تمتلك الميل البشري للنسيان لذا واجب برمجتها بذلك، ومع ذلك من خلال إجبار على إزالة بعض الذاكرة فإن التأثير الأكبر مباشرة هو جدب الانتباه إليها، مما يؤدي إلى تنشيط التذكر، حيث يمكن ملاحظة ذلك عند البحث عن شخص معين تم نسيانه من قبل GOOGLEفمن بين النتائج التييظهر تحذير بأن بعض المحتويات قد تمت إزالتها باسم حق النسيان، النتيجة الواضحة وهي زيادة الفضول والاهتمام بتلك المحتويات، ولذلك هناك حاجة الى نهج جديد للنسيان، حيث تعتبر إيلينا أن التعتيم بإضافة معلومات غامضة أو مظلمة للنموذج المعتمد على الذكاء الاصطناعي، والهدف هو دفع النظام إلى معاجلة البيانات الثانوية ومنع إعادة استخدام البيانات وإخراجها من سياقها، وهذا شكل من أشكال إخفاء الهوية وليس الحذف ومع ذلك فإن أهداف إخفاء الهوية والتعقيم مشابهة لأهداف حذف البيانات لأن الحذف في بعض الحالات لا ينجح ببساطة في بيئة الذكاء الاصطناعي.
بالإضافة إلى ذلك يمكن استخدام تقنية البلوكشين لإنشاء سجلات شفافة وقابلة للتحقق من طلبات حذف البيانات، مما يضمن النسيان عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي اللامركزية .
ومن بين أفضل الطرق هي السعي إلى دعم المطورين ومراقبيالبيانات ليكون لهم دور في تنفيذ حق النسيان في أنظمة الذكاء الاصطناعي وذلك بتصميم نماذج للذكاء الاصطناعي مع مراعاة مبادئ تقليل البيانات وضمان استخدام البيانات الشخصية فقط عند الضرورة القصوى وأنه يمكن تحديدها وحذفها بسهولة إذا لزم الأمر .
كما أن تقليل البيانات هو الأخر حل لنجاعة النسيان الرقمي اذا لم تجمع الشركات بعض المعلومات فلن تعود هناك معلومات لنسيانها وبعبارة أخرى، عدم الوجود هو أبسط طريقة ليتم نسيانك، وذلك بتمكين السلطات المتخصصة بتشجيع تقليلالبيانات من خلال إصدار وثائق إرشادية كما فعلت الهيئة الهولندية لحماية البيانات بإصدار وثيقة إرشادية حول كيفية جمع المعلومات من مستندات الهوية إذ تم نصح مراقبة البيانات بتغطية الصور والرقم الشخصي وذلك باستخدام الشركات خوارزميات لتغطية الاسم والصور عند النسخ وإدخال المعلومات .
ثانيا: الحلول القانونية والسياسية
هناك طريق أخر لسدالفجوة بين القانون والتكنولوجيا هو معالجة النواقص في القانون وذلك ببساطة تغير القانون، لان الإطارات القانونية الحالية لم تصمم خصيصا مع وضع الذكاء الاصطناعي في الاعتبار مما يخلق تحديات تطبيق حق النسيان على هذه الأنظمة، قد يبدو ذلك صعبا مع وجود أنظمة جامدة على المستوى الدستوري لا تدعم التعديلات القانونية ببساطة، لكن محاولة لفت انتباه هذه الأنظمة لخطورة التعدي على الخصوصية حيث أن معظم الأنظمة القانونية لا تدعم حق النسيان الرقمي، ففي المغرب فيوجد قانون 08.09 بشأن حماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي لكنه لا يغطي حق النسيان الرقمي بشكل صريح مما يستدعي وضع أطر قانونية تكاملية لمواكبة التقدم التكنولوجي وإخضاع الذكاء الاصطناعي لدعم الخصوصية، عكس ذلك فإن الاتجاه الأوروبي تبني اتجاه دعم الخصوصية في لائحة GDPRإلا أن هذه اللائحة ظهرت في زمن لم تكن للأنظمة الذكاء الاصطناعي وجودا لذا وجب ملائمة هذه اللائحة مع التطور الملحوظ في المجال الرقمي.
وحتى في غياب اللوائح التي تعالج جميع التقنيات الجديدة بشكل مثالي، قد لا تزال هناك حلول قانونية أو سياسية يمكن للجهات التنظيمية تقديم إرشادات للوائح العامة لحماية البيانات، وتشكل الأنظمة التشريعية المرنة المجال المناسب لملائمة الحق موضوع الدراسة مع تطورات الذكاء الاصطناعي، ورفع اللبس على مفهوم النسيان الرقمي والحقوق الأخرى كالحق في الإعلام والوصول إلى المعلومة وحق التعبير وجعل حق النسيان الرقمي حق مستقل بذاته.
ونظرا للطبيعة العالمية لتطوير الذكاء الاصطناعي، فإن التعاون الدولي ضروري لمعالجة تحديات النسيان الرقمي في أنظمة الذكاء الاصطناعي وذلك يخلق معايير واضحة بشأن القضايا الرئيسية المرتبطة بهذا الحق بالإضافة إلى ذلك يمكن تطوير اتفاقيات و معاهدات دولية لضمان احترام طلبات الحق في النسيان عبر الحدود، مما يمنع مراقبة البيانات من استغلال الفروق في أنظمة التشريع الرقمي للدول .
إضافة إلى ما سبق فإن تعزيز الوعي العام لتنفيذ مبدأ الحق في النسيان في أنظمة الذكاء الاصطناعي حيث يمكن أن تساعد الحملات التوعوية في سد هذه الفجوة من خلال إبلاغ الجمهور بكيفية عمل أنظمة الذكاء الاصطناعي مما يضمن تحقيق هذا الحق دون خنق الابتكار.
في الأخير يجب أن أشير في المستقبل القريب أنه من المحتمل أن يتطلب تقاطع الحق في النسيان والذكاء الاصطناعي تعديلات قانونية و تقنية وأخلاقية مستمرة مع استمرار تطور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي و يجب أيضا أن تطور الأطر التي يحكمها لضمان احترام الخصوصية مع تعزيز الابتكار في الوقت نفسه و قد تتمثل التطورات المستقبلية حلول تقنية أكثر تطورا لإدارة البيانات بالإضافة إلى إصلاحات قانونية تعالج بشكل أفضل التحديات الفريدة التي يطرحها الذكاء الاصطناعي.
خاتمة
في الختام، إحدى النتائج الرئيسيةعند النظر في قضية الحق في النسيان في سياق الذكاء الاصطناعي هي الفجوة الكبيرة بين الواقع القانوني والتقني بينما نحن في خضم ثورة يبدو أن التقدم التكنولوجي وتطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي لا يمكن إيقافهما،قد حان الوقت لأن يتعلم القانون والتكنولوجيا التحدث بنفس اللغة التي تشترك في فهم مشترك لمصطلحي الحذف و”النسيان”حيث أن هناك حاجة ماسة إلى مزيد من الأبحاث في ما يتعلق بتطبيق قانون الخصوصية على التقنيات الجديدة مثل الذكاء الاصطناعي.
إذ يبدو أن كل من الأحكام القضائية العالمية وأحكام اللائحة العامة لحماية البيانات تشير إلى وجود اتجاهات نحو حماية البيانات بشكل قوي إضافة إلى الرسالة السياسية التي يبعث بها نظام حماية البيانات العام (GDPR) هي التي تظهر مدى صرامته وامتداده في موقفه تجاه حماية البيانات.
ومع ذلك، يجب النظر بحذر في الحماية والامتثال المفرطان فيما يتعلق بتدفقات البيانات حيث أن هناك توترات خطيرة بين حماية البيانات والحفاظ على القدرة التنافسية للأنظمة المعلوماتية، لاسيما أن المعايير العالية جدًا ستمنع على المدى الطويل القدرة على مواكبة ركب سباق السيادة الرقمية والقوة التكنولوجية.
فينبغي خلق إطار عمل للذكاء الاصطناعي الموثوق، بما في ذلك الحماية الكافية، التي تهدف في جوهرها إلى ضمان حماية البيانات الفردية و يجب أن يثق الافراد في الذكاء الاصطناعي وتطوره، من أجل أن يكونوا مستعدين لقبول هذا التحول واحتضانه و من ناحية أخرى، ينبغي ان تمنح للشركات التي تبتكر وتعمل مع الذكاء الاصطناعي، المزيد من اليقين القانوني، إذ يمكن تحقيق ذلك من خلال معالجة أوجه القصور في القانون.و إدخال تشريعات جديدة ، وذلك بشكل تفضيلي من خلال نهج تعاوني يتمثل في تقديم تدابير قانونية مرنة، مثل الوثائق الإرشادية أو المعايير، التي تعكس وتيرة التكنولوجيا بشكل أفضل، وكذلك من خلال مراجعة وتحديث القوانين التشريعية، حيث إن هذه القوانين ذات طبيعة ملزمة ويمكن الاعتماد عليها بسهولة أكبر.
كما و يجب أن يتضمن هذا الإطار القانوني آليات مرنة، من أجل التكيف ديناميكيًا مع تطور التكنولوجيا وظهور حالات جديدة تثير القلق وجدير بالذكر انه في هذه المرحلة ليس من الحكمة إدخال المزيد والمزيد من القواعد، حيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى خلق الارتباك والتجزئة
و باختصار شديد، من المهم أن نظل نقديين وحيويين ومرنين في هذا النقاش بأكمله والذي يبدو واسع النطاق وصعب الحل ” لا شيء يثبت شيئًا في الذاكرة بشدة مثل الرغبة في نسيانه”. يجب أن تذكرنا هذه العبارات بأن نستمر في تذكير أنفسنا لماذا يُعتبر حق النسيان مهمًا جدًا ويستحق الحماية و ما مقدار التنظيم الذي نحتاجه لحماية الحقوق الفردية بكفاءة ولكن أيضًا لضمان الابتكار ونشر الذكاء الاصطناعي؟
قدمت في هذه الدراسة، إجابة غير محددة على هذا السؤال. ومع ذلك، يجب أن نقدم بعض الدوافع، ونوفر غذاءً للفكر، ونبرز الحاجة إلى المزيد من العمل بين التخصصات في هذا المجال. لا يزال يتعين علينا أن نرى كيف سيتطور الموضوع وأي موقف ستتخذه المحاكم في القضايا القادمة.
قائمة المراجع
المراجع العربية:
 موسى عبد الله،حبيب ، “الذكاء الاصطناعي ثورة في تقنيات العصر”،ط1،القاهرة،المجموعة العربية للتدريب والنشر.
 2019 هشام زريوح، حكامة التدبيرالعمومي بين اللامركزية الترابية واللاتركيزالإداري-الحمايةالمدنية للمعطيات ذات الطابع الشخصي”، المجلة المغاربية للرصد القانوني والقضائي-العدد الأول2020،مكناس.
 عبد المجيد كوزي الحماية القانونية للبيانات أو المعطيات ذات الطابع الشخصي بالمغرب، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص كلية العلومالقانونية ولاقتصاديةوالاجتماعية جامعة سيدي عبد الله فاس، السنة الجامعية 2015/2014.
 بن عزة حمزة، الحق في النسيان دراسة مقارنة بين القوانين الأوروبية والقانون الجزائري، مركز جيل للبحث العلمي، مجلة الأبحاث القانون المعمقة العدد يناير 2021.
 عادل عبد الصادق، الحق النسيان ما بين المعرفة والخصوصية، مقال منشور في المركز العربي للأبحاث الفضاء الالكتروني.
 محمد أحمد عبد الحميد السيد خطاب، الجوانب القانونية للحق في النسيان في العالم الرقمي، دار الكتب والوثائق القومية يناير 2022.
 أمين الخنتوري، معالم تنظيم في النسيان في التشريع المغربي، مجلة الصدى- العدد 6-2020.
 عبد المجيد كوزي حماية الحياة الخاصة في زمن المعلوماتي وتحديات الذكاء الاصطناعي مجلة الاتحاد في القانون عدد9.
المراجع الأجنبية:
 Guy Zyskind : using blockchain to protect personal data-IEEE Explore.
 Aurelia Termoret Domain gorge oblivion, erasure and forgetting in the digital age, journal of intellectual property
 Etiannequillet, le droit à l’oublie numérique sur les réseaux sociaux ; Université Panthéon Assas
 Marion Barbezieux, le droit à l’oubli numérique bilan et perspective, édition et Universitaires Européennes -2016.
 Azeenalamazani « le droit à l’oublier et l’internet.
 Anammy M Grawfrd K -Seeing Without Knowing Limitation of the transparency ideal and application to algorithmic accountability-New media’s soc 2018.
 Russells , norvigl, Artificial Intelligence A modern Approach 4 the Personal 2021.
 Bachirat Atata –AI and to Right to be Forgotten-News express Nigeria -Oxford-2023.
 Helemaj.vabec – data subject rights under the GDPR(2021,oxford) university press libyen.
 ANNA Popwiczpozdej- why the generative AI models do not like the right be forgotten- university of low oxfod vol 15-2023.
 Narayanan A Shmatikov- « personally identifiable uniformities communhavard university press 2015.
 Guy Zyskind : using blockchain to protect personal data 2015 IEEF available.
 TsmadosA.aggarwal.N.Cowls j Morly, the ethics of algorithms-key problems and solutions 2020.
 General Data Protection Regulation.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى