في الواجهةمقالات قانونية

الحكم الذاتي وأثره على بنية التنظيم القضائي المغربي – إعداد: مراد ايت العباس و ميمون اليوب

الحكم الذاتي وأثره على بنية التنظيم القضائي المغربي

الباحث: مراد ايت العباس

طالب باحث في ماستر المنازعات المدنية والعقارية بكلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية بقلعة السراغنة..

الباحث: ميمون اليوب

طالب باحث في ماستر الحكامة القانونية الرقمية وحماية المعطيات بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة.

 

 

يشكل مشروع مبادرة الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب لحل النزاع حول الصحراء المغربية محطة مفصلية في مسار تطوير البنية المؤسساتية للدولة، بما في ذلك التنظيم القضائي[1]. فقد جاء هذا المشروع في إطار رؤية سياسية تهدف إلى تعزيز اللامركزية وتكريس مبدأ التدبير الذاتي للمناطق، مع الحفاظ على السيادة الوطنية والوحدة الترابية. ويعد التنظيم القضائي من أبرز المجالات التي سوف تتأثر بهذه المبادرة، نظرا لدوره الحيوي في ضمان العدالة وتكريس دولة الحق والقانون.

فمن خلال هذا المشروع، تم التفكير في إرساء مؤسسات قضائية محلية قادرة على الاستجابة لخصوصيات المنطقة الصحراوية، سواء من حيث البنية الاجتماعية أو الثقافية، مع ضمان انسجامها مع المنظومة القضائية الوطنية، ويعكس هذا التوجه رغبة الدولة في إشراك سكان المنطقة في تدبير شؤونهم القضائية، عبر آليات ديمقراطية وتمثيلية، تضمن استقلالية القضاء وفعاليته.

كما أن المبادرة فتحت المجال أمام إعادة النظر في توزيع الاختصاصات القضائية، وتكييفها مع متطلبات الحكم الذاتي، مما يستدعي إحداث محاكم محلية ذات صلاحيات موسعة، وتوفير موارد بشرية مؤهلة، قادرة على مواكبة هذا التحول.

وهكذا، فإن انعكاسات مشروع الحكم الذاتي على التنظيم القضائي المغربي لا تقتصر على الجوانب التقنية، بل تمتد لتشمل أبعادا سياسية ومجتمعية عميقة، تعزز من مكانة القضاء كركيزة أساسية في بناء نموذج ديمقراطي متقدم.

ومنذ أن أحرز المغرب استقلاله توجهت عناية جلالة الملك والحكومة المغربية إلى معالجة النظام القضائي لاستئصال جذور العيوب التي كانت تشوبه في العهد السابق، ولهذه الغاية اتخذت سلسلة من التدابير التي أسفرت عن إقرار مبدأ فصل السلطات بحيث يصبح التنظيم القضائي قائما على مبدأ فصل السلطات[2].

ويمكن أن نستخلص من التنظيم القضائي المغربي بعد الاستقلال أن المغرب قد شق طريقه خلال المدة القصيرة التي مرت على إعلان الاستقلال نحو إقامة نظام قضائي صحيح تراعى فيه المبادئ الأساسية للتنظيم القضائي على العموم وحاجات العصر بالخصوص، وتضمينه مجموعة من النصوص الشرعية التي توفق بين التراث الفقهي الإسلامي، والمبادئ القانونية العصرية، وأنه قد خطى خطوات كبيرة دون تردد في سبيل تحقيق سياسته القضائية الموفقة بفضل الإرشادات الحكيمة التي ما فتئ صاحب الجلالة يوليها ويغدقها على أمور العدالة والقضاء ببلادنا.

ولتثبيت دعائم الاستقرار وتعزيزه، فقد طرحت المملكة المغربية منذ سنة 2007 مبادرة للحكم الذاتي بأقاليمها الجنوبية، غايتها سد الثغرات التي ما فتئ أعداء الوحدة الترابية استغلالها سيما من خلال مناداتهم بمسألة حق الشعوب في تقرير المصير. وبهذا يكون المغرب قد حسم في مسألة تهم وحدته الترابية، من خلال طرحه للمبادرة التي تعتبر من وجهة نظر الجميع هي الحل الوحيد والأوحد لحلحلة النزاع الاقليمي المفتعل[3].

وامتدت تجربة المغرب في الجهوية تقريبا قرن من الزمن مما يعني أنها ليست مشروعا دخيلا ولا فكرة جديدة بل مشروعا ترابيا متجذرا وأصيلا، إن التأكيد على ذلك لا يعني أن ذلك المسار قد اكتمل وانتهى بناؤه، بل لا زال المغرب يبحث عن أفضل نموذج في كل مرحلة من مراحل تطوره ليجيب عن الاشكالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية المطروحة عليه[4]. وفي هذا الصدد، تعد مقاربة الجهوية المتقدمة التزاما بإنجاح المبادرة المغربية للتفاوض حول نظام الحكم الذاتي في جهة الصحراء، مقاربة تستند على مبادرة تحظى بتأييد واسع من لدن المجتمع الدولي، وتؤكد التزام المغرب بإنهاء هذا النزاع الذي عمر طويلا في الوقت ذاته[5].

وهذه التوطئة تجعلنا أمام تساؤلات مشروعة مرتبطة أساسا بالحال الذي سيؤول إليه مصير التنظيم القضائي المغربي في ضوء مشروع مبادرة الحكم الذاتي الذي طرحه المغرب أمام لجنة الأمم المتحدة ؟ وما هي المؤسسات التي سيتم انشاؤها في إطار هذا الحكم؟ وكيف سيتم توزيع الصلاحيات بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية في جهة الصحراء المغربية؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة وأخر، ارتأينا الاشتغال وفق محورين كالآتي:

المحور الأول: قراءة في مقتضيات مشروع مبادرة الحكم الذاتي

المحور الثاني: مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية وسؤال المحكمة الدستورية ؟

المحور الأول: قراءة في مقتضيات مشروع مبادرة الحكم الذاتي

منذ طرحه أول مرة على مجلس الأمن الدولي سنة 2007، حظي مشروع الحكم الذاتي، الذي اقترحه المغرب لحل النزاع المفتعل في الأقاليم الصحراوية، بتأييد من المجتمع الدولي، وهذا التأييد لم يأت من فراغ، ولا بمحض الصدفة، بل من مضمون المبادرة نفسها، كون مضمونها يتميز بالانسجام التام مع رغبة المنتظم الدولي، ومع أرقى المعايير الدولية القانونية والسياسية المعمول بها.

فالمبادرة في عمقها توفيق مهم وناجح من قبل المغرب بين خيار الحكم الذاتي الموسع وحق تقرير المصير الذي تضمنته المبادرة من خلال آلية الاستفتاء التي يشارك فيها كل السكان المعنيون بالأمر[6]. بعد أن لعبت كل من الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية دورا هاما في تقديم مجموعة من الحلول لطي الملف، غير أن كل الحلول بائت بالفشل[7].

ما يؤكد ذلك قول سفير المغرب في الرسالة التقديمية لهذا المشروع: “إنها مبادرة توافقية وخلاقة، مسؤولة ومنفتحة، ستمكن، بالنظر لمضمونها وغايتها، جميع الصحراويين، سواء منهم المقيمون داخل المملكة، أو الموجودون بالخارج، من التدبير الديمقراطي لشؤونهم المحلية، من خلال هيئات تمثيلية، تشريعية وتنفيذية، وقضائية، كما تتيح هذه المبادرة تجسيد مبدأ تقرير المصير، من خلال تعبير حر ديمقراطي وعصري، بشأن نظام الحكم الذاتي، وهي بذلك مطابقة للشرعية الدولية، مستوعبة للقواعد والمعايير العالمية المعمول بها، في مجال الحكم الذاتي، فضلا عن كونها تكفل احترام حقوق الإنسان وتعزيزها، كما هي متعارف عليها عالميا، وكما يكرسها دستور المملكة”[8].

والمتفحص لنص المبادرة، سيتبين له بدون شك، أنها ليست كتابة إنشائية فضفاضة، مدغدغة للعواطف، مستهلكة للشعارات، بل هي مبادرة مفصلة بدقة، ومرقمة في 35 نقطة، تتطرق لمختلف الجوانب، بكل شفافية ووضوح.

ويتكون المقترح من ثلاثة أقسام أساسية و35 فقرة. عنون القسم الأول بالتزام المغرب بإيجاد حل سياسي ونهائي لقضية الصحراء، وتضمن المسار العام الوطني والدولي الذي يتقدم في ظله المشروع. وقد سعى المغرب من خلال هذا العنوان إلى تلبية طلب مجلس الأمن الدولي الذي ما لبث يدعو منذ 2004 أطراف الصراع ودول الجوار إلى تكثيف التعاون مع منظمة الأمم المتحدة من أجل تجاوز حالة الانحصار الحالية والتقدم نحو حل سياسي.

إن المغرب وهو يقدم مقترح مشروع الحكم الذاتي لجهة الصحراء كان منفتحا على التجارب الدولية، بل ذهب بعيدا ليقدم عناصر جديدة، متجاوزا بذلك ما هو معمول به في مجال الحكم الذاتي ببعض التجارب الدولية، لتكون بذلك أهم إيجابيات المبادرة المغربية للحكم الذاتي واضحة وجلية في النقط الثلاث الرئيسة؛ أولا احترام المعايير الدولية المعمول بها في العالم، ثانيا اختيار رئيس الحكومة الجهوية عن طريق الانتخاب، ثالثا توفير ضمانات دستورية للحكم الذاتي لجهة الصحراء المغربية.

باستناده إلى الضوابط والمعايير الدولية في مجال الحكم الذاتي نص المشروع المغربي المتعلق بالحكم الذاتي لجهة الصحراء المغربية على اختصاصات جهة الحكم الذاتي للصحراء، وهي اختصاصات ستمارس من طرف أجهزة محلية: برلمان وحكومة ومحاكم؛ كما نص في مستوى ثان على الاختصاصات الحصرية التي تحتفظ بها الدولة.

وعلى مستوى توزيع الإختصاص فقد أسند المقترح المغربي حول الحكم الذاتي لجهة الصحراء لهيئات الجهة سبعة اختصاصات محددة في النقطة 12 من المبادرة. يتعلق الأمر بالإدارة المحلية والتنمية الاقتصادية وميزانية الجهة ونظامها الجبائي؛ كما أنه على المستوى الاجتماعي يعهد لجهة الصحراء بالاختصاصات المتعلقة بالسكن والتربية والصحة والتشغيل والرياضة والضمان الاجتماعي والرعاية الاجتماعية. ولم تغفل المبادرة منح جهة الصحراء الصلاحيات المرتبطة بالتنمية الثقافية، وعلى الخصوص النهوض بالتراث الثقافي الحساني.

أما الدولة فاحتفظت بخمسة اختصاصات فقط نظمتها النقطة 14، وشملت مقومات السيادة، لاسيما العلم والنشيد الوطني والعملة والمقومات المرتبطة بالاختصاصات الدستورية والدينية للملك بوصفه أمير المؤمنين، والأمن الوطني والدفاع الخارجي والعلاقات الخارجية والتنظيم القضائي للمملكة.

ومن المفيد الإشارة في هذا الصدد إلى أن جهة الصحراء ستتوفر على الشرطة المحلية (النقطة 12من المبادرة)، وهو اختصاص قلما تتوفر عليه مناطق أو جهات متعددة ذات حكم ذاتي عبر العالم.

وتتعين الإشارة أيضا في موضوع اختصاصات جهة الصحراء إلى الجديد الذي حملته النقطة 15 من المبادرة، وهو السماح للجهة المذكورة بممارسة العلاقات الخارجية بالنسبة لكل القضايا ذات الصلة المباشرة باختصاصات هذه الجهة، إذ يجوز لجهة الحكم الذاتي للصحراء، بتشاور مع الحكومة، إقامة علاقات تعاون مع جهات أجنبة بهدف تطوير الحوار والتعاون بين الجهات.

أما الاختصاصات التي لم تمنح للجهة فقد أقر المقترح مبدأ الحلول أو التفريع، حيث خولت السلطة المركزية صلاحيات القيام بهده الاختصاصات، مع إبقاء إمكانية مفتوحة لتفويضها للجهة.

لم يخرج المقترح المغربي بخصوص الحكم الذاتي عن المساطر الجاري بها العمل في التجارب الدولية، إذ تطرقت النقطة 13 منه لموضوع توزيع الموارد، حيث خولت المناطق الصحراوية الموارد التالية :

  • الضرائب والرسوم والمساهمات المحلية المقررة من لدن الهيئات المختصة للجهة.
  • العائدات المتأتية من استغلال الموارد الطبيعية المرصودة للجهة.
  • جزء من العائدات المحصلة من طرف الدولة والمتأتية من الموارد الطبيعية الموجودة في الجهة.
  • الموارد الضرورية المخصصة في إطار التضامن الوطني.
  • عائدات ممتلكات الجهة.

كما يحدث المقترح المغربي لنظام الحكم الذاتي لجهة الصحراء على منوال الضوابط الدولية بخصوص الحكم الذاتي مؤسسات محلية بجهة الصحراء تهم البرلمان (النقطة 19)، والحكومة (النقطتين 20 و21) و(محاكم قضائية النقطتين 22 و23):

البرلمان الجهوي:

يتألف برلمان الحكم الذاتي في الصحراء من أعضاء منتخبين يمثلون مختلف القبائل الصحراوية، ويهدف إلى ضمان التمثيل السياسي للمنطقة عبر آليات ديمقراطية. ويعد هذا البرلمان أداة لتعزيز الحكم الذاتي، خاصة في ظل غياب تشريعات خاصة تضمن للمناطق الصحراوية إدارة شؤونها المحلية، مما يمنحها استقلالية تشريعية ضمن إطار الدولة.

كما يجوز للبرلمان إحداث محاكم للبت في النزاعات الناشئة عن تطبيق الضوابط التي تضعها الهيئات(النقطة 22 من المبادرة).

الحكومة الجهوية:

ويسجل المشروع بشكل متقدم طريقة انتخاب رئيس الحكومة الجهوية، حيث سيتم انتخابه من طرف البرلمان الجهوي أولا قبل أن يتم تنصيبه من طرف الملك. وتبرز إيجابية هدا المقتضى ليس فقط على الصعيد الوطني وإنما أيضا على مستوى المقارناتي، فالمقترح المغربي يعتبر متقدما بشكل كبير حتى بالنسبة لما هو معمول به في التجارب الدولية.

إن رئيس الحكومة في جهة الصحراء، بطريقة انتخابه هذه، يعد مسؤولا أمام البرلمان الجهوي كما يمارس السلطة التنفيذية ويشكل حكومة الجهة ويعين الموظفين الإداريين الضروريين لمزاولة الاختصاصات الموكولة إليه بموجب نظام الحكم الذاتي.

ويكمن دور الحكومة المحلية في تطوير سياسات تحقق التنمية المستدامة في المنطقة الصحراوية، بما في ذلك مجالات البنية التحتية والتعليم والصحة، وتعتبر هذه الحكومة جزءًا من النظام الإداري الذي يسهم في تعزيز وحدة الدولة وحفظ استقرارها.

مندوب الحكومة:

يتولى مندوب الحكومة مهمة تمثيل الدولة في المنطقة الصحراوية، حيث يكون مسؤولًا عن التنسيق بين مختلف الأجهزة الحكومية والسلطات المحلية، ويمثل هذا المندوب حلقة وصل بين الحكومة المركزية والأقاليم الصحراوية، مع تفعيل اختصاصات الدولة في مجالات الأمن والتنظيم الداخلي(طبقا للنقطة 16 من المبادرة).

علاوة على ذلك، يتولى المندوب التنسيق مع البرلمان المحلي والحكومة المحلية، ويعمل على ضمان تطبيق السياسات الحكومية في المنطقة، وفقًا للأطر القانونية والسياسية التي تضمن الاستقرار داخل المملكة.

المحكمة العليا الجهوية:

تعهد لهذه المحكمة مسؤولية إدارة العدل ضمن حدود جهة الحكم الذاتي(وفق النقطة 23 من المبادرة)، مع الحفاظ على وحدة القضاء المغربي، وتعد الهيئة القضائية الأعلى في جهة الصحراء، حيث تختص بالنظر في تفسير قوانين الجهة بصفة ابتدائية، دون المساس بصلاحيات محكمة النقض والمحكمة الدستورية للمملكة، وبهدف تأكيد وحدة القضاء، تُصدر الأحكام باسم الملك ووفقا للقانون، بما يتماشى مع أحكام دستور المملكة.

المحور الثاني: مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية وسؤال المحكمة الدستورية ؟

تعتبر المحكمة الدستورية[9] الهيئة القضائية التي اناط بها دستور 2011 للمملكة المغربية مراقبة مدى تطابق القوانين مع الدستور وتلعب دورا أساسيا في تعزيز دولة الحق القانون، إذ تنص النقطة 23 من مبادرة الحكم الذاتي على أن المحكمة العليا الجهوية باعتبارها اعلى هيئة قضائية بجهة الحكم الذاتي للصحراء تختص بالنظر انتهائيا في تأويل قوانين الجهة دون الإخلال باختصاصات المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا )، والمجلس الدستوري(المحكمة الدستورية). وتنص النقطة 24 منها على أنه يجب أن تكون القوانين التشريعية والتنظيمية والأحكام القضائية الصادرة عن هيئات الحكم الذاتي للصحراء مطابقة لنظام الحكم الذاتي وكذا دستور المملكة.

وبالرجوع للنقطة 29 من نفس المبادرة نجدها تنص على أنه تتم مراجعة الدستور المغربي وإدراج نظام الحكم الذاتي فيه ضمانا لاستقرار هذا النظام وإحلاله المكانة الخاصة واللائقة به داخل المنظومة القانونية للمملكة، استنادا على هذه النقط السالفة الذكر، يتضح انه بإمكان البرلمان انشاء محاكم جهوية وان يصدر القوانين والتشريعات التي تتعلق بمنطقة الحكم الذاتي في الصحراء لكن هذا مشروط بمطابقتها للدستور المغربي، ومنه فلا يمكن ان نتحدث عن المحكمة الدستورية الجهوية، لكون المحاكم الجهوية او المحكمة الجهوية العليا رغم انها اعلى جهة قضائية لا تتمتع بالاختصاص الدستوري وليس هناك أي مقتضى يمنحها هذا الاختصاص. يعني هذا أن المحكمة التي يتواجد مقرها في الرباط هي ذات الولاية العامة في البث في مدى توافق القوانين في سائر مناطق المملكة المغربية سواء التي تتمتع بالحكم الذاتي أم لا.

من هذا المنطلق يمكن بسط التجربة الاسبانية[10] لكونها تجربة اعتمدت مبادرة الحكم الذاتي في بعض مناطقها، حيث أحدثت المحكمة الدستورية استنادا لما نص عليه دستور المملكة الاسبانية الصادر سنة 1978. وخص هذا الدستور الفصول من 159 الى 165 لهذه المسألة.

فالمملكة الاسبانية من خلال دستورها يتبين انها تتوفر على محكمة دستورية واحدة رغم انها تعتمد نظام الحكم الذاتي، وهذا ما يتجلى من خلال الفصل 161 الذي ينص على ان المحكمة الدستورية تتمتع بسلطة قضائية تشمل التراب الاسباني برمته، ويسند لها اختصاص مراقبة تطابق القوانين مع الدستور بالإضافة الى النزاعات حول الصلاحيات بين الدولة و مناطق الحكم الذاتي او فيما بين هذه المناطق[11] .

بعد هذه الجمل التفصيلية، نرى ان المشرع المغربي نص على ان المحكمة العليا الجهوية لها اختصاص النظر في تأويل قوانين الجهة، لكن من الضروري ان لا تتجاوز اختصاصات محكمة النقض (المجلس الأعلى سابقا) والمحكمة الدستورية (المجلس الدستوري سابقا)، إلا أن الإشكال المطروح هو في حالة تم تجاوز هذا الاختصاص، فما هي الجهة القضائية التي يسند لها النظر في هذه النازلة هل للغرفة الإدارية بمحكمة النقض ام للمحكمة الدستورية ؟

محصلة ختامية :

يعتبر ورش الحكم الذاتي من أهم الآليات الحديثة لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إذ يمنح الأقاليم قدرة أكبر على تدبير شؤونها المحلية وفق خصوصياتها، مما يساهم في خلق فرص عمل، تحسين البنية التحتية، وجذب الاستثمارات. كما أن الحكم الذاتي يشكل إطارا حضاريا لحل النزاعات بشكل جذري عبر إشراك الساكنة في اتخاذ القرار، مما يعزز الثقة بين الدولة والمجتمع ويكرس الاستقرار السياسي والاقتصادي.

وقد خلصنا في نهاية هذه الدراسة المتواضعة الى بعض المقترحات التي تشكل مساهمة منا في النقاش العمومي بشأن قضية من قضايانا الوطنية العادلة وهي كالآتي:

مقترحات لتطوير مقتضيات الحكم الذاتي بما يتماشى مع السيادة الوطنية:

– تعزيز الصلاحيات المحلية في مجالات التعليم، الصحة، والاقتصاد، مع الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها العليا.

– إرساء آليات رقابة وطنية تضمن انسجام القرارات المحلية مع الدستور والقوانين الوطنية.

– تشجيع الاستثمار المحلي عبر منح الأقاليم صلاحيات في التعاقد مع المستثمرين، مع ضمان الشفافية والمساءلة.

– إحداث مجلس الدولة، يعهد اليه البث في قضايا تعارض القوانين بين منطقة الحكم الذاتي والمناطق الأخرى.

مقترحات لإدراج الحكم الذاتي في تعديل الدستور:

– نص دستوري صريح يحدد مفهوم الحكم الذاتي كآلية لتدبير محلي موسع في إطار السيادة الوطنية.

– تحديد اختصاصات الأقاليم بشكل واضح في الدستور، مع ضمان عدم تعارضها مع الاختصاصات السيادية للدولة.

– إقرار مبدأ التضامن الوطني لضمان توزيع عادل للثروات بين الأقاليم.

– إدماج آليات التحكيم الدستوري لحل أي خلاف بين السلطات المركزية والجهوية.

تم بعون الله وتوفيقه، منا السعي، ومن الله تمام الأمر.

  1. وقد شهد التنظيم القضائي بالمغرب تحولات متعددة قبل أن يستقر على شكله الحالي وقد جاءت هذه التحولات نتيجة للحركية السياسية والدينية والاجتماعية التي عرفتها البلاد.للمزيد انظر: عبد الكريم الطالب، التنظيم القضائي المغربي دراسة عملية، مطبعة النجاح الجديدة-الدار البيضاء، الطبعة الخامسة، ص:11
  2. وهذا ما أكده دستور المملكة المغربية لسنة 2011 في الفصل 107 الذي جاء فيه على أن: ” السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية. الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية.”
  3. وقد تكللت المبادرة ولله الحمد بإعتماد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للقرار 2797 بشأن الصحراء يوم الجمعة 31 أكتوبر 2025، ويعتبر هذا القرار تحولا تاريخيا في قضية الصحراء المغربية، واعتمده مجلس الأمن بأغلبية كاسحة، واعتبر الخطاب الملكي السامي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في خطابه الملقى لشعبه الوفي مباشرة بعد صدور القرار –إعتبره- فتحا مبينا، وتحول من مرحلة التدبير الى مرحلة التغيير.
  4. سعيد بوجروف، الجهة والجهوية بالمغرب أي مشروع لأي تراب؟ المطبعة والوراقة الوطنية، ط الأولى سنة 2012، ص:127
  5. ابتسام الغالي، 20سنة من حكم الملك محمد السادس: مسار تنمية شاملة، مقال منشور بمجلة القانون والأعمال الدولية الالكترونية، https://2u.pw/bUzsGdtG تم الاطلاع عليه بتاريخ 2025/10/31 على الساعة 23:46
  6. محمد اقريقر، المبادرة المغربية للحكم الذاتي: قراءة في المضمون وسؤال الديمقراطية والتنمية في ظل خيار الجهوية المتقدمة، مقال منشور بالمجلة الالكترونية “القانون والأعمال الدولية” https://2u.pw/vR7BXEr6 تم الاطلاع عليه بتاريخ 2025/11/01 على الساعة 18:12
  7. علال حلول، الحكم الذاتي كحل لقضية الصحراء، رسالة لنيل الماستر في القانون العام تخصص القانون الدولي والترافع الدبلوماسي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء، السنة الجامعية 2023/2022 الصفحة: 45
  8. بتاريخ 11 أبريل 2007 حيث شكلت هذه الرسالة منطلقا للتحول في المواقف الدولية، إذ من خلالها اعتبرت العديد من الدول أن هذه المبادرة ذات جدية ومصداقية، وهذا ما أسفرت عنه الساحة الدولية باعتبارها الحل الوحيد والأوحد للنزاع المفتعل.
  9. القانون التنظيمي 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.139.14 صادر في 16 من شوال 1435(13 غشت 2014 ) منشور بالجريدة الرسمية عدد 6288 بتاريخ 8ذو القعدة 1435(4 سبتمبر 2014)، ص 6661.
  10. فتطبيق الحكم الذاتي في اسبانيا كان له الأثر على اسبانيا على محتلف الأصعدة. إذ تطور الناتج الداخلي الخام بنسبة مهمة، مما انعكس ايجابا على الإقتصاد. للمزيد انظر: عثمان عيشوش، الحكم الذاتي: بين التجارب الدولية والمبادرة المغربية، رسالة لنيل الماستر في القانون العام تخصص القانون الدولي والترافع الدبلوماسي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء، السنة الجامعية 2023/2022 الصفحة: 42
  11. المادة 161 البند(ج) من دستور المملكة الاسبانية الصادر بتاريخ 27دجنبر 1978، منشور في الجريدة الرسمية للمملكة الإسبانية بتاريخ 29 دجنبر 1978 للمزيد انظر الرابط: https://2u.pw/V1gFDJb تم الإطلاع عليه بتاريخ 2025/11/01 على الساعة: 18:58

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى