في الواجهةمقالات قانونية

الرقمنة في التشريع المغربي، أية خصوصية؟ الباحث : حسام الظافر

 

 

الرقمنة في التشريع المغربي، أية خصوصية؟
? Digitalization in Moroccan legislation, any privacy
الباحث : حسام الظافر
طالب باحث بسلك الدكتوراه مخبر الأنظمة المدنية والمهنية.
كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة.

رابط dOI

https://doi.org/10.63585/ZFJC4552

ملخص:
لقد عرفت الساحة القانونية المغربية في السنوات الأخيرة فيضا من التحولات همت مجموعات من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بفعل الثورة المعلوماتية التي اكتسحت الحياة اليومية، إذ أصبحت معظم المعاملات التي يحتاجها الافراد تتم بشكل متطور وسلس باستخدام التكنولوجيا الرقمية، مما حدى بالمشرع المغربي إلى سن قوانين تتماشى قدر الإمكان مع هاته التحولات.
كما عمل المغرب على إحداث مجموعة من الاوراش لتحديث وتجويد الخدمات الإدارية بشكل ينسجم مع وتيرة التحولات التي يعرفها العالم المعاصر، أبرزها رقمنة خدمات المؤسسات العمومية عبر إقحام التكنولوجيا في مختلف المساطر الإدارية والقضائية، وإحداث منصات إلكترونية وتطبيقات معلوماتية يسهل من خلالها الاطلاع على المعلومات وتقديم خدمات مختلفة دون حاجة إلى التنقل الشخصي، ليبقى التساؤل في الأخير هو: هل يتوفر المغرب على ترسانة قانونية للمعاملات الرقمية تلائم التحولات التي يشهدها العالم المعاصر؟

ABSTRACT
In recent years, the Moroccan legal landscape has witnessed a wave of transformations encompassing various economic, social, and cultural sectors, driven by the information revolution that has reshaped daily life. As a result, most transactions required by individuals are now conducted in an advanced and seamless manner through digital technology. This has led the Moroccan legislator to enact laws that strive to keep pace with these changes to the greatest extent possible. Furthermore, Morocco has undertaken several initiatives aimed at modernizing and improving administrative services in line with the evolving global landscape. Among the most significant of these initiatives is the digitalization of public services through the integration of technology into various administrative and judicial procedures.This includes the establishment of electronic platforms and digital applications that facilitate access to information and the provision of diverse services without requiring physical presence. This raises the fundamental question: Does Morocco possess a comprehensive legal framework for digital transactions that is adequately aligned with the transformations of the modern world?

 

 

مقدمة
يعرف العالم الحديث عصرا جديدا يطلق عليه “عصر الثورة المعلوماتية”، التي تعتبر ثورة رقمية ينبني عليها رهان الدول المتقدمة والسائرة نحو التطور التي تضع في أولوياتها الذكاء المعلوماتي لتحقيق غاياتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها، ولتنفيذ مشاريعها التنموية في مختلف المجالات، وذلك بشكل مختلف عما شهدته العصور أو الحقبة الزمنية الفائتة وعرفته البشرية من قبل، بفعل حجم التحول التكنولوجي ونطاقه وتعقيداته.
ومما لا شك فيه، أن التطور التكنولوجي الذي يشهده العالم في عصرنا، أدى إلى ظهور العديد من التصرفات والوقائع التي قد لا تستوعبها النظم القانونية التقليدية، إذ دخلت الحياة الإنسانية مرحلة جديدة، حيث تحول العالم -في جزء منه- إلى عصر الإنسان المعلوماتي والمجتمع الافتراضي، بدءا من جهازي التلكس والفاكس، عبورا إلى شبكة الأنترنت ووسائلها ، الأمر الذي دفع الفاعلين في حقل العلوم القانونية إلى ضرورة البحث في الخصوصيات التي تطبع الفضاء الإلكتروني، من قبيل سرعة تطوره وعدم اعترافه لا بالحدود الجغرافية ولا السياسية، إلى أن أضحى تطور الدولة يقاس بمدى تطور منظومتها التشريعية المرتبطة بالمجال الرقمي.
هذا، وسارعت المنظمات الدولية الحقوقية والدول المتقدمة، على رأسها أمريكا ودول مجلس أوروبا، إلى إعداد القوانين الكفيلة بسد الثغرات التي قد تطال التقنيات القديمة، باعتبارها أعدت وصيغت -في شكلها الأصلي- في ظل خصوصيات لم تكن تعرف التعامل الإلكتروني بين أفراد المجتمع.
وفي هذا السياق الدولي انخرط المغرب في استراتيجية وطنية للرقمنة منذ سنة 1999، والتي كانت من خلال اعتماده على ثلاث مخططات خماسية، كان آخرها استراتيجية المغرب الرقمي، والتي همت الفترة الممتدة ما بين 2009 و2013، بحيث تضمنت أربع أولويات شملت التحول الاجتماعي، الخدمات العمومية الموجهة للمرتفقين، تشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة على الانتقال الرقمي لتحسين تنافسيتها، وأخيرا تطوير صناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصال، والتي أعقبها الإعلان عن استراتيجية أخرى للرقمنة بدءا من سنة 2014 إلى سنة 2020، والهادفة إلى تعزيز تموقع المغرب كمركز إقليمي للتكنولوجيا.
وانطلاقا من الوعي التام بتحديات التحول الرقمي للثورة الجديدة، قام المغرب باتخاذ العديد من التدابير الرامية إلى تعزيز الإطار التشريعي والتنظيمي لمواكبة التقدم التكنولوجي، بغية ضمان الاستخدام الآمن والسليم للفضاء الرقمي، وتعزيز الأمن السيبيراني ، عبر تحديث وعصرنة ترسانته القانونية، بإقرار مجموعة من النصوص التشريعية والتنظيمية ، يأتي في طليعتها القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية، والذي يشكل المنطلق التشريعي الأساسي لاعتماد مجموعة من القوانين الأخرى المرتبطة بمختلف المجالات المدنية، العقارية، والتجارية وبالمهن القانونية والقضائية.
وهكذا، فقد صدرت العديد من القوانين الدولية المتعلقة بالمجال الرقمي، منها إصدار الأونسترال لقانونها النموذجي بشأن التجارة الإلكترونية، ليليه القانون النموذجي للتوقيع الإلكتروني.
وبالنتيجة، اتجهت التشريعات الإقليمية بدورها إلى تنظيم ما يمكن تنظيمه في المجال الرقمي، وهو ما انخرط فيه المغرب أيضا، حيث وُضعت عدة استراتيجيات وبرامج لتسريع وتيرة التحول الرقمي، من قبيل “المغرب الرقمي 2013″ و”المغرب الرقمي 2020” ، الأمر الذي ترتب عنه إصدار العديد من النصوص القانونية التي تهم المجال الرقمي في المغرب، وهو ما يؤكد أهمية موضوع خصوصية المجال الرقمي في التشريع المغربي، علميا لضرورة معالجة وتحديث الترسانة القانونية المغربية بما يراعي الديناميكية الإلكترونية، وعمليا لإيجاد الحلول التي تؤهل القضاء المغربي للبت في النزاعات المرتبطة بخصوصيات الفضاء الرقمي.
وبناء عليه، نرى دراسة إشكالية محورية هي: مدى كفاية أحكام التشريع المغربي المتعلقة بالمجال الرقمي وقدرتها على استيعاب هذا المجال بمختلف خصوصياته؟
علاقة بهذه الإشكالية، يمكن القول بأن المشرع المغربي لا تزال أمامه الكثير من الأشواط ليقطعها حتى يصل إلى استيعاب معظم الخصوصيات الشكلية والموضوعية التي تميز المجال الرقمي، الأمر الذي أسهم في اعتماده لسياسة التشريع الناسخ، المعلق على نصوص تنظيمية والمتسم بالتقنين والرؤية الجزئية لهذا المجال…
وهو ما توصلتُ إليه من خلال إعمال المنهجين الوصفي والمقارن، إضافة إلى المنهج التحليلي لمضامين العديد من النصوص القانونية، مع إقصائي لكل ما يتعلق بخصوصية المجال الرقمي في التشريع الجنائي المغربي، بناء على التصميم التالي:
المطلب الأول: مدى مواكبة التشريع المغربي لخصوصية المجال الرقمي
المطلب الثاني: مظاهر عجز التشريع المغربي عن استيعاب خصوصية المجال الرقمي

 

المطلب الأول: مدى مواكبة التشريع المغربي لخصوصية المجال الرقمي
تتمظهر مواكبة المشرع المغربي لجانب من خصوصية المجال الرقمي في تنظيمه للتعاقد بالطريقة الإلكترونية (الفقرة الأولى)، كما تبرز أيضا هذه المواكبة التشريعية بخصوص موضوع المستهلك الذي يتعامل في الفضاء الرقمي، والمؤلف الذي يرتبط إبداعه وتأليفه بهذا الفضاء (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: تنظيم المشرع المغربي للتعاقد الإلكتروني
لم يعد المجتمع بسيطا في تركيبه ومتطلباته ومحدودية تقدمه التقني والتكنولوجي ، كما كان عليه أثناء وضع الأسس الكبرى لنظرية العقد تأثرا بالمذهب الليبرالي، وبالنتيجة، فإن هذه النظرية ولأنها عصب الظاهرة الاقتصادية ، والتعبير الأول عن ظروف الحياة الاجتماعية والاقتصادية، والمرآة التي ينعكس من خلالها مدى التطور القانوني الذي بلغه المجتمع، شهدت العديد من التحولات التشريعية -خصوصا تلك المرتبطة بخصوصية المجال الرقمي-، حيث سن المشرع المغربي القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية ، وهو القانون الذي جاء بالعديد من المستجدات الهامة بخصوص مختلف مراحل حياة العقد، تكوينا ونفاذا وإثباتا، والتي تُممت بموجبها بعض نصوص ظهير الالتزامات والعقود ، أو تغيرت وتممت ، علاوة على النصوص التي نظم من خلالها العديد من الخدمات المرتبطة بكيفيات المصادقة على المعاملة الإلكترونية، أي التوثيق الإلكتروني، قبل أن يقضي القانون رقم 43.20 المتعلق بخدمات الثقة بشأن المعاملات الإلكترونية بإقبارها، حيث قضت المادة 83 من هذا القانون الأخير بنسخ الباب التمهيدي والقسم الثاني من القانون الأول، وهما معا يشكلان 39 مادة من المواد الثلاثة وأربعون! المكونة للقانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعاملات القانونية (يتعلق الأمر بالمادة الأولى والمواد من 6 إلى 43)، أي ما يقارب 90 في المئة من هذا القانون، ما يطرح علامة استفهام ضخمة بخصوص السياسة التشريعية التي ينتهجها المشرع المغربي في الميدان الرقمي؟
على العموم، يشكل القانونين السابقين معا إطارا تنظيميا حاول من خلالهما المشرع المغربي مراعاة خصوصية العقد الناشئ في المجال الرقمي، وهو ما عبر عنه في الفصل 1-65 من ظ. ل. ع ب”العقد المبرم بشكل إلكتروني أو الموجه بطريقة إلكترونية”، وقد تناول فيهما -أي في القانونين- بتنظيم العديد من المؤسسات المرتبطة بخصوصيات المجال الرقمي، من قبيل: العرض والقبول الإلكترونيين وشروط صحتهما ، حجية الوثيقة المحررة على دعامة إلكترونية (إذ أصبح لها نفس القوة الثبوتية التي تتمتع بها الوثيقة المحررة على الدعامة الورقية) والتوثيق الإلكتروني بما يرتبط به من مفاهيم (كالتوقيع الإلكتروني، التشفير…) .
الفقرة الثانية: حماية المشرع المغربي للمستهلك والمؤلِّف في المجال الرقمي
نظرا لما أحدثه التحول الاقتصادي والاجتماعي خلال العقود الأخيرة من مستجدات على مستوى العمليات التعاقدية، برز إلى الوجود طبقتين من المتعاقدين، الأولى سميت بطبقة المهنيين، أما الثانية فقد سميت بطبقة المستهلكين، هذه الأخيرة تتميز بضعفها -القانوني (وليس الاقتصادي بالضرورة) -، مقارنة بما يتمتع به المهنيون من قدرات فنية ورخص قانونية ، الأمر الذي دفع بالمشرع المغربي إلى إصدار القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك .
وبالرجوع إلى الفقرة الثانية من المادة 02 من القانون الأخير، نجدها تعرف المستهلك بأنه: “كل شخص طبيعي أو معنوي يقتني أو يستعمل لتلبية حاجياته غير المهنية منتوجات أو سلعا أو خدمات معدة لاستعماله الشخصي أو العائلي”، ومنه يكون هذا التعريف شاملا لكل شخص كان هو الحلقة الأخيرة في سلسلة تداول السلع والخدمات، وقد أحسن المشرع صنعا، لأنه كلما اتسع مدلول مفهوم المستهلك، كلما اتسع مجال الحماية “المفترضة”.
ولا شك في أن هذا التعريف يشمل المتعاقد بالوسائل الإلكترونية، ما يجعله معنيا بمختلف الضمانات التي يوفرها القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك، على غرار: الحق في الإعلام ، منع الإشهار الكاذب والمضلل ، وسلطة القاضي في إلغاء كل شرط تعسفي … بل إنه خصص بابا كاملا للتعاقد بالوسائل الإلكترونية ، إذ بالرجوع إلى المادة 36 من القانون الأخير نجدها تخص المستهلك في الفضاء الرقمي بحق خاص، لا يتمتع به المستهلك في الفضاء الواقعي ، وهو الحق في الرجوع كما يسميه الفقه ، أو الحق في التراجع كما ورد في ديباجة القانون نفسه، حيث يتمتع هذا المستهلك بمهلة سبعة أيام كاملة -كمبدأ- من تاريخ تمام العقد، يحق له خلالها ممارسة حقه في التراجع.
أما فيما يتعلق بالمؤلف الذي يرتبط إبداعه وتأليفه بالفضاء الرقمي، فنجد بأن القانون رقم 00-2 المتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة ، لم يولي اهتماما خاصا بحماية هذا المؤلف، باستثناء بعض المقتضيات، حيث نصت المادة 03 منه على خضوع ‌برامج الحاسوب لهذا القانون، وتنظيمه لحدود حرية استعمال هذا البرنامج ، ومدة حماية حقوق المؤلف عليه ، غير أنه لا يوجد ما يمنع تطبيق بعض المقتضيات الواردة في هذا القانون وإن لم يكن لها علاقة مباشرة بالمصنفات الرقمية، من قبيل المقتضيات المتعلقة بالمسؤوليتين المدنية والجنائية .
المطلب الثاني: عجز التشريع المغربي عن استيعاب خصوصية المجال الرقمي
يظهر عجز التشريع المغربي عن التحاقه بركب خصوصية المجال الرقمي كما هو سائر عليه على المستوى الدولي في العديد من المجالات التنظيمية والعملية والأمنية، أبرزها عجزه المتواصل عن استيعاب موضوع العملات الرقمية (الفقرة الأولى)، وكذا في تجويد منظومة الإجراءات القضائية بواسطة الوسائط الإلكترونية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: غياب تنظيم قانوني للعملات الرقمية في التشريع المغربي
ينبغي التسجيل في البداية، أن غياب إطار قانوني ينظم العملات الرقمية في التشريع المغربي لا يمثل عيبا في حد ذاته، فالمشرع غير ملزم بتأطير كل مواضيع ساحة مجتمعه، إنما يصبح هذا الأمر عيبا إذا ما علمنا بأن هذه العملات غير بعيدة عن الوسط المغربي، بل وتعامل المواطن المغربي بها وخوضه لغمارها المحفوف بالمخاطر، والمرصوص بالعمليات الخوارزمية، هو أيضا غير بعيد ولا مستبعد.
وتعرف العملة الرقمية أو الافتراضية عادة على أنها وحدة حساب مخزنة على دعامة إلكترونية، ولا يتم إحداثها من قبل حكومة أو اتحاد نقدي معين، بل ينشئها مجموعة من الأشخاص الذاتيين أو المعنويين بغرض تسوية المبادلات المتعددة الأطراف للسلع والخدمات بين أفراد هذه المجموعة.
وقد تم إحداث العملات الافتراضية كبديل للعملات التقليدية، وطورت في البداية لدى المجموعات الافتراضية، لاسيما في إطار الألعاب عبر الانترنت. وقد تعددت هذه العملات تعددا ملحوظا وتوسع نطاق استعمالها، حيث أصبحت تستخدم حاليا في القطاع الحقيقي.
ويتم حاليا تداول العديد من العملات الافتراضية، ويمكن اقتناء هذه العملات بشكل مباشر (إما عبر الانترنت أو من خلال المعاملات الثنائية مع مستثمر آخر أو عن طريق شرائها لدى إحدى شركات بيع النقود الافتراضية أو عبر شراء خيارات عبر الانترنت، الخ) أو بشكل غير مباشر، خاصة من خلال محول افتراضي أو عن طريق الاقتراض، ويوجد حاليا ما يزيد على 5000 عملة افتراضية، أشهرها Bitcoin وFacebook CréditsوLinden Dollars وEther.
وباعتبار استخدام النقود الافتراضية نشاطا غير مقنن، فإن وزارة الاقتصاد والمالية وبنك المغرب والهيئة المغربية لسوق الرساميل تلفت انتباه الجمهور إلى المخاطر المرتبطة باستخدام هذه النقود، لاسيما المخاطر التالية:
• غياب أية تدابير لحماية للمستهلك.
• غياب حماية قانونية لتغطية الخسائر في حالة حدوث عجز في منصات التبادل.
• عدم وجود إطار قانوني خاص لحماية مستعملي هذه العملات ارتباطا بالمعاملات المنجزة، لاسيما في حالة السرقة أو الاختلاس.
• تقلب سعر صرف هذه النقود الافتراضية مقابل عملة ذات رواج قانوني.
• إمكانية حدوث تغيرات كبرى في أسعار الصرف سواء نحو الارتفاع أو نحو الانخفاض في وقت وجيز جدا وبشكل غير متوقع.
• استخدام هذه العملات لأهداف غير مشروعة أو إجرامية، خاصة في غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
• عدم احترام القوانين الجاري بها العمل، لاسيما ما يتعلق منها بأسواق الرساميل وقانون الصرف .
ولما كانت العملات الرقمية تتميز بحداثتها وتعقيدها التقني، ناهيك عن كونها غير مدعومة من البنوك المركزية أو أية جهة رقابية حكومية، كان موقف الدول والمنظمات الحكومية وغير الحكومية متباينا بشـأن الـسـماح باستخدامها وتداولها، بل كان أكثر صرامة بخصوص بلادنا، إذ أن مكتب الصرف أنهى في غير ما مرة إلى علم العموم أن المعاملات بهذه النقود الافتراضية يشكل مخالفة لقانون الصرف الجاري به العمل ويعرض مرتكبيها للعقوبات والغرامات المنصوص عليها في النصوص ذات الصلة، مما يؤكد بجلاء تخوف المغرب من خصوصية وحساسية هذا النوع من النقود الغير مقننة التي يسيطر عليها في غالبية الأحيان أشخاص مجهولي الهوية.

أما عن المشرع المغربي فبالرغم من إقراره صراحة بمشروعية تسوية المعاملات عبر النقود الإلكترونية (نصت الفقرة الثانية من المادة السادسة من القانون رقم 103.12 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها على أنه: “تُعتبر كذلك وسيلة للأداء النقود الإلكترونية المعرفة كقيمة نقدية تمثل دينا على المصدر والتي تكون: -مخزنة على دعامة إلكترونية، ومصدرة مقابل تسليم أموال بمبلغ لا تقل قيمته عن القيمة النقدية المصدرة-ومقبولة كوسيلة للأداء من قبل الأغيار غير الجهة المصدرة للنقود الإلكترونية.”)، فإن هذا الإقرار لا يمكن حمله على أنه يشمل العملات الافتراضية بعمومها، لأنه -أولا- إقرار محاط بشروط صارمة، لعل أهمها كون هذه النقود مقبولة لدى العموم، وهو ما لا يتحقق بخصوص مجموعة من العملات الافتراضية، وأشهرها وأكثرها إثارة للجدل: عملة البتكوين، و-ثانيا- صدر بتاريخ 17 نونبر 2017 بلاغ مشترك بين وزارة المالية والهيئة المغربية لسوق الرساميل وبنك المغرب مكتب الصرف يمنع تداول هذه العملة .
ومن ثم، يظهر لنا جليا مدى استمرار تخوف المشرع المغربي وتردده من السماح للتعاملات بالعملة الرقمية والتعاقد عبر التقنيات الحديثة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي خاصة في مجال الطلبيات العمومية وغيرها، رغم أن هذه التقنيات ستمكن من تعزيز شفافية الاقتصاد الوطني والنجاعة والحكامة والفعالية والأداء التنافسي.
إن الأمر يستدعي ضرورة الإسراء في تدارك الأمر خاصة أنه في الآونة الأخيرة تعالت أصوات وصدرت تقارير تكشف عن خروقات على مستوى الصفقات العمومية وتلاعبات في إسنادها وتنفيذها وكذا تلاعبات بالأسواق التجارية والمضاربة لغياب آليات قوية للرقابة والمحاسبة.
غير أننا نرى بأنه لا بد من إصدار المشرع المغربي لنص قانوني خاص بالعملات الرقمية، منعا لأي تضارب قضائي -خصوصا في الميدان الزجري، ومواكبة لخصوصية المجال الرقمي وتزايد تعامل المواطنين المغاربة بهذه العملات العابرة للحدود.
الفقرة الثانية: أثر تأخر التنظيم القانوني لرقمنة الإجراءات القضائية في المغرب
إن من بين الأسباب المباشرة التي أدت إلى اعتماد تقنيات الرقمنة في تدبير الخدمات العمومية هي تعقد المساطر الإدارية وتعددها وتشعبها، وهو ما أضعف من فعالية المرافق العامة وقلص من مردوديتها، وساهم في تزايد السخط وعدم الرضى لدى عموم المواطنين والمرتفقين، كل هذا وازاه تزايد الدعوات الرامية إلى تبسيط الإجراءات وتيسير المساطر.
وأمام الحاجة للتحديث والعصرنة الإدارية للخدمات، عملت جل الإدارات العامة على إدخال المعلومات إلى مصالحها، وحرصت على استخدامها الاستخدام الأمثل، لما لها من إمكانيات وقدرات في تلبية حاجات المواطنين بشكل مبسط وسريع، خاصة في ظل تنوع الفئات التي تستهدفها أنشطة المنظمات العامة .
ومن بين التحديات التي يسعى المغرب إلى النجاح فيها، نجد رهانه على خلق محكمة رقمية الذي لم يستطع المشرع المغربي إلى حدود اليوم كسبه، ولربما سيظل هذا الإخفاق قائما لسنوات مستقبلية ما لم تعرف جدية في تنزيل المشاريع القانونية تنزيلا صريحا.
فقد عرف قطاع العدل كغيره من القطاعات إطلاق مجموعة من الخدمات الرقمية، مكنت من تدبير الملفات والإجراءات وتيسير ولوج كافة المواطنين وأصحاب المهن القضائية إلى المعلومة القانونية والخدمات القضائية، لاسيما الخدمات المقدمة عن بعد، وذلك بتمكين العموم من تتبع مسار القضايا والاطلاع على جداول الجلسات ومآل الملفات القضائية… توجت بإعطاء انطلاقة لتقديم الشكاية الالكترونية وتتبعها وإيداع طلب السجل العدلي الالكتروني وسحبه عن بعد، وخدمة المرجع القانوني للمهن القانونية والقضائية التي تتيح إمكانية البحث عن المحامين والموثقين والعدول والمفوضين القضائيين والتراجمة المحلفين والخبراء المقبولين لدى المحاكم .
وهكذا، فإنه بالرغم من أن الترسانة التشريعية القضائية بالمغرب في تطور دائم، وبالرغم من كل المجهودات المبذولة في سياق استحضار خصوصية المجال الرقمي في الإجراءات القضائية ، إلا أنه لا يزال العمل الورقي من داخل المحاكم المغربية هو البارز، بل إنه ولو في ظل أزمة تفشي وباء كورونا لم يستطع التشريع المغربي خلق هذه المحكمة، حيث ظل تقديم الدعاوى وأداء الرسوم القضائية مرتبطا لزوما بالانتقال إلى المحاكم، وهو الأمر نفسه بخصوص ترافع المحامون… وما المحاكمات عن بعد التي شهدتها المحاكم المغربية إلا “ارتجالا قضائيا”، باعتبار صيغة المحاكمة عن بعد لم تكن مستندة إلى نص قانوني صريح، اللهم ما يتعلق بالنصوص غير الصريحة المتعلقة بالاعتبارات الصحية والسلامة الجسدية للنزلاء .
وقد حاول المغرب مواكبة هذا التقدم، إذ عمل على تحديث وتحويل المحاكم من ورقية إلى إلكترونية، وهذا يأتي في سياق تنفيذ الأهداف الاستراتيجية الكبرى لميثاق إصلاح منظومة العدالة، وكذا في إطار تفعيل برنامج المغرب الرقمي الذي كان من المنتظر تحقيقه سنة 2020، واعتبارا لما يقدمه استعماله التكنولوجيا الحديثة من قيمة مضافة لأداء المرفق القضائي سواء على مستوى الفعالية أو النجاعة أو الشفافية أو تحسين الخدمات القضائية.
ويرتبط موضوع رقمنة المؤسسة القضائية بصفة عامة برقمنة الإدارة، هاته الأخيرة التي تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة وإشباع حاجيات المرتفقين بواسطة الاستعمال الأقصى ى للتكنولوجيا الرقمية، بغية إقامة إدارة غير بيروقراطية بل ديمقراطية نافعة تضمن حقوق المواطنات والمواطنين، وتقدم لهم خدمات ذات جودة عالية، وتوفر لهم آليات مناسبة لمراقبة وتقويم السياسات والقرا رات الإدارية وتصحيحها، والتصدي للتجاوز في استعمال السلطة واستغلال النفوذ وإهدار المال العام. وبذلك، تبرز لنا أهمية تحقق الرقمنة في الإدارة المغربية وانتقالها إلى الأفضل من أجل الرقي بالعمل الإداري وتجويد الخدمات العمومية.
وفي هذا الإطار قامت وزارة العدل بإنشاء بوابة للخدمات الإدارية والقضائية عبر الخط ، والتي تندرج ومن الدعامات الأساس التي تعتمدها الوزارة من أجل تفعيل استراتيجياتها المتعلقة بتحديث الإدارة القضائية عبر التجسيد اللامادي للمساطر والإجراءات القضائية، وتمكن هذه البوابة من القيام بالطلبات عن بعد من أجل الحصول على مجموعة من الوثائق المتعلقة بالدعاوى القضائية والملفات الرائجة لدى جل محاكم المملكة، كما أنها تمكن المواطنين من الاطلاع على الأحكام القضائية أو الحصول على نسخة من سجلاتهم العدلية أو التجارية أو الشكايات .
وعليه، فإنه من أهم العوامل التي أدت إلى تأخير انبعاث المحكمة الرقمية بالمغرب، هو غياب رؤية تشريعية واضحة، الأمر الذي يتجلى من خلال المسودات المتعددة لمشروع قانون استعمال الوسائط الإلكترونية في الإجراءات القضائية، إذ إلى حدود اللحظة لم يكتب لأي مسودة مشروع قانون أو مشروع قانون مرتبط بالقضاء الرقمي أن يرتقي إلى مصاف القانون النافذ.

الخاتمة
إن موقف التشريع المغربي من خصوصية المجال الرقمي، استخلاصا من هذه الدراسة المتواضعة، لا يزال متأخرا عن حال المجال الرقمي في المجتمع الدولي، باعتباره مجالا يكتسح مختلف مناحي الحياة، وباعتباره أصبح مجالا مألوفا -في صوره البسيطة- ومُقتحما من قبل مختلف شرائح المجتمع المغربي، والحال أن التطور الرقمي في تسارع دائم، بل ولا يلتفت لمدى التحاق التشريع به. ومنه، يتمظهر غياب خارطة طريق وطنية واضحة لاستيعاب كل ما يتعلق بالتحول الرقمي، بالرغم من كل المجهودات التشريعية المبذولة.
والمشرع المغربي إلى حدود الساعة، لم يستطع الإحاطة الكلية بمفاهيم حديث كالذكاء الاصطناعي ونظام الرقمنة بصفة عامة، على الرغم من تقنينه لبعض الأنظمة وعصرنة بعض القطاعات والمؤسسات الحيوية كقطاع العدالة ولو بشكل محتشم، إلا أن هذه التشريعات لا تواكب مطلقا التطور المتلاحق في تقنية الذكاء الاصطناعي، حيث لا تزال جميع البرامج في نظر القانون محل دراسة بطيئة وغير فعالة.
كما أنه لم يتجرأ على فتح المجال للتعاملات المالية الرقمية وخاصة الاداء الالكتروني وكذا التعامل بالعملات الرقمية وادخال التقنيات الحديثة في التعاقدات الخاصة وكذا بالصفقات العمومية، التي ستمكن من رقابة أكبر واقوى وتعزيز الشفافية في التعاملات المالية، والحد من التهرب الضريبي وتعزيز وضوح المعاملات وشفافية المنافسة وانفتاح أكبر للسوق الوطنية على الأسواق العالمية وإمكانية جلب استثمارات اجنبية أكبر وسرعة في التعاقد والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في المجال.
ومن ثم، فإن كسب رهان التحول الرقمي وقياس آثاره سيؤدي بشكل كبير إلى تجاوز مجموعة من الصعوبات والعراقيل التي تواجه الافراد في حياتهم اليومية، وسينعكس بشكل إيجابي على تحقيق التنمية وتعزيز استدامتها من عدة جوانب (اقتصادية، اجتماعية، بيئية، ثقافية …).
وأكيد أن تنزيل السياسات الوطنية في هذا الصدد، لن يتأتى ما لم يتم تظافر الجهود من قبل مختلف الفاعلين في هذا المجال عبر مواكبة حداثية وحديثة لشتى المستجدات التكنولوجية التي يعرفها العالم المعاصر أو ما يسمى بالعالم الحداثي، وتنزيلها بشكل ينسجم مع الإمكانيات التي تتوفر عليها بلادنا، حتى يتم إنجاحها في مختلف القطاعات التي تسعى إلى رقمنة إداراتها وتجويد خدماتها وتطويرها.
وقد حث على هذا الامر عاهل البلاد في عدة مناسبات، إذ لعلها تلك التي أكد فيها على أنه: “يتعيّن تعْميم الإدارة الإلكترونية بطريقة مندمجة، تُتيح الولوجَ المُشْتَرَك للمعْلومات بيْن مختلف القطاعات والمرافق.
فتوظيف التكنولوجيات الحديثة يساهم في تسهيل حصول المواطن على الخدمات، في أقرب الآجال، دون الحاجة إلى كثرة التنقل والاحتكاك بالإدارة، الذي يعدّ السبب الرئيسي لانتشار ظاهرة الرشوة، واستغلال النفوذ” .
وفي هذا الصدد، أدلي بهذه المقترحات:
-وجوب صياغة إطار تنظيمي متكامل يهم مجال الرقمنة.
ـــــ تعزيز التكوين في مجال المعلوميات لتسهيل العمل نظريا.
-تعزيز الأمن السيبراني بالشكل الذي يدعم الجرأة على تنظيم العملات الرقمية.
ــــ خلق وحدة خاصة بالأمن المعلوماتي لمحاربة الجريمة المعلوماتية.
-الإسراع في إصدار تنظيم قانوني للمحكمة الرقمية، ابتداء من تدعيم المعدات اللوجيستيكية والبشرية التي تشجع على إصدار هذا التأطير، لا ابتداء من سن مسودات مشاريع القوانين.

لائحة المراجع
1)- الكتب
-عبد الرحمان الشرقاوي، القانون المدني “دراسة حديثة للنظرية العامة للالتزام في ضوء تأثرها بالمفاهيم الجديدة للقانون الاقتصادي”، الجزء 1: التصرف القانوني، مطبعة المعارف الجديدة – الرباط، طبعة سنة 2019 (الطبعة 6).
-سفيان الدريوش، عقد الوعد بالبيع والإشكالات المتعلقة بتوثيقه، مطبعة المعارف الجديدة-الرباط، طبعة 2020.
2)- المقالات والمساهمات
-الحسين بلحساني، الالتزام بتبصير المستهلك بين قواعد الأخلاق ومقتضيات القانون، مقال منشور بالمجلة المغربية للاقتصاد والقانون-وجدة، عدد 2001.
-غني ريسان جادر الساعدي، النظام القانوني للوكيل الإلكتروني “دراسة مقارنة”، مقال منشور بالموقع الإلكتروني لجامعة أهل البيت رضي الله عنهم.
-خميسة كميني وعز الدين منصور، الإثبات بالكتابة في الشكل الإلكتروني في ظل القانون 10.05 المعدل والمتمم لأحكام القانون المدني، مذكرة تخرج قدمت لنيل شهادة المدرسة العليا للقضاء، المدرسة العليا للقضاء – وزارة العدل الجزائرية، الدفعة السادسة عشر 2005-2008.
-سمير آيت أرجدال، المحاكمة عن بعد – استحسانها من الفاعلين القانونيين والمهتمين الحقوقيين-، مقال منشور بمجلة الباحث للدراسات والأبحاث القانونية والقضائية وسلسلة أبحاث قانونية جامعية معمقة، مؤلف جماعي نظري وعلمي بعنوان القانون والقضاء في زمن الجائحة والطوارئ، الجزء الأول، سنة 2021-2022.
ـــــ بدر بوخلوف، دور التحول الرقمي في تجويد الخدمة العمومية بالمغرب، مقال منشور في مجلة القانون والاعمال العدد: 58، يوليوز 2020.
ــــــ محمد امرنيس، المساطر القضائية والرقمنة، مقال منشور بمجلة فضاء المعرفة القانونية، العدد السابع ماي 2020.
ــ محمد الزويتن، تقرير لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين بالخارج حول مشروع القانون رقم 05.20 المتعلق بالامن السيبيراني.
-رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي: نحو تحول رقمي مسؤول ومدمج، مقال منشور بالموقع الإلكتروني: https://www.cese.ma
3)-الرسائل
-يوسف زروق، حجية وسائل الإثبات الحديثة، رسالة قدمت لنيل لشهادة الدكتوراه في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة أبو بكر بلقايد – تلمسان – الجزائر، الموسم الجامعي 2012-2013.
ــــ الحسن قاسمي، الرقمنة والذكاء الاصطناعي في التدبير الإداري الإدارة القضائية نموذجا، رسالة لنيل دبلوم الماستر، الكلية المتعددة التخصصات بالراشيدية، السنة الجامعية: 2023/2024.
4)- المواقع الإلكترونية
-الموقع الإلكتروني لمكتب الصرف؛ https://www.oc.gov.ma
-الموقع الإلكتروني لبنك المغرب؛ https://www.bkam.ma/ar
-الموقع الإلكتروني للهيئة المغربية لسوق الرساميل؛ https://www.ammc.ma
-الموقع الإلكتروني لجامعة أهل البيت رضي الله عنهم https://abu.edu.iq

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى