صلاحية الإدارة في التعديل الجزئي في التشريعات الأردنية الدكتور : هاني خلف فاضل العموش الدكتورة صباح موسى عبد الرحمن المومني الدكتورة أسماء مصطفى غنيمات
صلاحية الإدارة في التعديل الجزئي في التشريعات الأردنية
الدكتور : هاني خلف فاضل العموش
محاضر غير متفرغ
الدكتورة صباح موسى عبد الرحمن المومني
أستاذ مشارك / قانون عام/ القانون الدستوري والإداري جامعة البلقاء التطبيقية / الأردن
RCID: https://orcid.org/0009-0007-8849-8470
الدكتورة أسماء مصطفى غنيمات
جامعة البلقاء التطبيقية
هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الاصدار رقم 58 يونيو يوليوز 2025

صلاحية الإدارة في التعديل الجزئي في التشريعات الأردنية
الدكتور : هاني خلف فاضل العموش
محاضر غير متفرغ
الدكتورة صباح موسى عبد الرحمن المومني
أستاذ مشارك / قانون عام/ القانون الدستوري والإداري جامعة البلقاء التطبيقية / الأردن
RCID: https://orcid.org/0009-0007-8849-8470
الدكتورة أسماء مصطفى غنيمات
جامعة البلقاء التطبيقية
الملخص
بحثت الدراسة في التعديل الجزئي على القرار الإداري بعد صدوره، وذلك وفقا للتشريعات الأردنية، حيث أن الإدارة بمقتضى الالتزام المفروض عليها باحترام مبدأ المشروعية ومبدأ الملاءمة يقع على عاتقها الالتزام بوجوب تصحيح ما تقع فيه من أخطاء، وأن لها بمقتضى سلطتها في الرقابة الذاتية على أعمالها تعديل قراراتها جزئياً تفادياً لإلغائها أو سحبها، نظراً لما يترتب على هذا الإلغاء من آثار. ولا يقتصر حق الإدارة في الإلغاء على القرارات التنظيمية بل أيضاً يمتد هذا الحق للقرارات الفردية التي تخالف مبدأ المشروعية ومبدأ الملاءمة، ويترتب على ذلك تعديل في بعض آثار القرار الإداري مع بقاء الآثار الأخرى دون تعديل.
ومن اهم ماتوصي به الدراسة هو ضرورة وضع ضوابط قانونية لمنع توسع الإدارة في استعمال سلطتها في تعديل القرارات الإدارية السليمة لا سيما التي رتبت حقوقاً مكتسبة للأفراد حتر لا يتبقى للإدارة اي مبرر لإساءة استخدام تلك السلطة ولا يؤدي للمساس بالحقوق المكتسبة، او المراكز القانونية المستقرة.
The Authority of the Administration to Make Partial Amendments to Jordanian Legislation
Abstract
The study examined the partial amendment of an administrative decision after its issuance, in accordance with Jordanian legislation. The administration, by virtue of its obligation to respect the principles of legality and appropriateness, is obligated to correct any errors it makes. It also has the authority to self-monitor its actions and partially amend its decisions to avoid their cancellation or withdrawal, given the consequences of such cancellation. The administration’s right to cancel is not limited to regulatory decisions, but also extends to individual decisions that violate the principles of legality and appropriateness. This results in some effects of the administrative decision being modified, while other effects remain unchanged.
One of the most important recommendations of the study is the need to establish legal controls to prevent the administration from expanding its use of its authority to amend sound administrative decisions, especially those that establish acquired rights for individuals, so that the administration has no justification for misusing that authority and that it does not lead to infringement of acquired rights or established legal positions.
مقدمة:
يعتبر القرار الإداري عملاً إدارياً قانونياً، يفصح عن إرادة الإدارة في مواجهة الأفراد، ولكن سلطة الإدارة عند إصدارها القرارات الإدارية لا تكون مطلقة بل مقيدة بقيدين اثنين، هما: أولاً مبدأ الملاءمة أو التناسب، ويعني ملاءمة القرار الإداري للأوضاع القانونية سبب القرار، وثانياً مبدأ المشروعية، أي ضرورة عدم مخالفة القرار الإداري لأحكام القانون، فلا يجوز للإدارة أن تأتي عملاً مخالفاً لهذين المبدأين، فإن صدر القرار الإداري واتضح أنه مخالف للقانون في جزء منه، أو لا تناسب بين سبب القرار ومحله فإنه يعد غير مشروع أو غير ملائم ويستوجب، من حيث المبدأ، إلغاءه أو سحبه.
وترى النظريات الحديثة في القانون الإداري أن حماية القرار الإداري أولى من إلغائه، استجابة لمبدأ هام في القانون وهو استقرار الأوضاع القانونية، فإن كان بالإمكان المحافظة على القرار وإبقائه، فللإدارة إعمال سلطتها في الرقابة على أعمالها وتعديل القرار الإداري جزئياً لإصلاح الخلل فيه حفاظاً على استقرار الأوضاع القانونية وحماية للمصلحة العامة. فالتعديل الجزئي للقرار الإداري وسيلة قانونية مهمة وفاعلة بيد الإدارة تهدف إلى تنقية القرار الإداري من شوائبه وتحقيق هدفه دون إلغائه كلياً، ومن الطبيعي أن سلطة الإدارة في التعديل الجزئي للقرار الإداري ليست مطلقة بل هي مقيدة بشروط وضوابط لمنع التعسف عندما تستعمل هذه السلطة، ومساسها بحقوق الأفراد المكتسبة.([1])
ويحوز موضوع التعديل الجزئي للقرار الإداري أهمية بالغة في الدراسات المعاصرة، علماً أن الفقه لم يستقر على مصطلح واحد للدلالة على هذا المفهوم، فمنهم من يستعمل لفظ السحب الجزئي أو الإلغاء الجزئي ومنهم من يستعمل مصطلح الإنهاء الجزئي، وقد آثرنا في هذا البحث استعمال لفظ التعديل الجزئي، بحسبان أن كلمة التعديل أقرب الألفاظ دلالة على المعنى المقصود وأقلها التباساً.
ونخصص هذه الدراسة لتناول التعديل الجزئي للقرار الإداري من حيث بيان صلاحية الإدارة فيه، وآثار التعديل الجزئي للقرار.
المبحث الأول
صلاحية الإدارة في التعديل الجزئي
يقصد بتعديل القرار الإداري قيام السلطة الإدارية بتعديل مضمون القرار دون إلغائه أو سحبه من الوجود، ويكون ذلك عندما يتقدم بتظلم إما صاحب الشأن او الإدارة من تلقاء نفسها، إعمالاً لسلطتها الرقابية على أعمالها. وقد يكون التعديل كلياً يتناول القرار بكامله، فيشابه في أثره الإلغاء أو السحب، كما يمكن أن يكون جزئياً فيشمل الجزء من القرار الذي ترى فيه الإدارة عيباً يوجب ذلك التعديل.([2])
والتعديل بنوعيه يمثل وسيلة رقابية مهمة بيد الإدارة تجاه قراراتها المشوبة بعيب ما، فهي وفق هذا المعنى، نوع من الرقابة اللاحقة، أو الرقابة العلاجية، وهي تتم في إطار تصويب الإدارة للأوضاع الناتجة عن قراراتها المعيبة، فالتعديل يؤدي من حيث نتيجته إلى تغيير في نصوص معينة في القرار الإداري أو آثار محددة تظهر بعد تنفذه، فيهدف التعديل الجزئي إلى بتر القرار في الشق المشوب بعيب في الحالة الأولى أو إلغاء الأثر المخالف مع بقاء النص على ما هو عليه في الحالة الثانية.([3])
ولا بد من الإشارة إلى أن طبيعة القرار الإداري ذاته ودرجة العيب فيه، تفرض على الإدارة اختيار الوسيلة الأنسب التي تعالج فيه قراراتها المعيبة، فبعض القرارات قد لا تقبل التصحيح وتوجب إزالتها من الوجود كلياً، بينما يمكن اللجوء إلى التعديل في قرارات أخرى. وإن اللجوء إلى طريقة التعديل الجزئي، لا يكون إلا وفقاً لمبررات تجيز استعمال الإدارة لهذه السلطة، وضمن إطار قانوني مقرر لذلك.
ونتناول في مفهوم التعديلات الجزئية وأهميتها، كما نبين الأساس القانوني لصلاحيات الإدارة في التعديل الجزئي للقرار الإداري في المطلبين التاليين.
المطلب الأول
مفهوم التعديلات الجزئية وأهميتها
التعديل في اللغة يعني تقويّم الشيء، ويتمثل التعديل في إجراء التغيير وإزالة الأخطاء أو تقويم الأشياء وإصلاحها، ويمكن فهمه قانوناً بأنه كل إضافة أو حذف أو تغيير في وثيقة معينة بما يجعلها أكثر صلاحاً في تحقيق القصد منها. وقد تعددت المعاني التي استعملها الفقه لتحديد مفهوم التعديل الجزئي، ما يقتضي بيان معنى هذا المصطلح في السياق الإداري وبيان أهمية التعديل الجزئي، وفقاً لما يأتي:
أولاً- تعريف التعديل الجزئي في السياق الإداري .
يختلف الفقه والقضاء الإداريين في إيراد تعريف جامع مانع لتعديل القرار الإداري تعديلاً جزئياً، فمنهم من عرف التعديل الجزئي بأنه إحداث تغيير في محل القرار، ليقتصر على أمور ثانوية، مما يحول دون إنهائه أو إزالة آثاره.([4])
ومن الملاحظ أن التعريف قصر نطاق التعديل بالأمور الثانوية، وعدم مساس التعديل بآثار القرار، ويرى الباحث أن في هذا الأمر تبسيط غير مبرر لمفهوم التعديل الجزئي، الذي يهدف إلى معالجة عيب في القرار وليس إلغائه وما ينتج على ذلك من آثار سلبية، ما يقتضي القول إن تحديد أثر التعديل الجزئي بأمر ثانوي مخالف للواقع ومبررات التعديل.
ومن جهة أخرى، استخدم بعض الفقه، كما بينّا سابقاً، مصطلح الإلغاء الجزئي أو الإنهاء الجزئي للدلالة على التعديل الجزئي، حيث عرف الإنهاء الجزئي بأنه إبطال الجزء المعيب من القرار والإبقاء على بقية الأجزاء الصحيحة دون أن يحدث ذلك تأثيرا ذلك على قيام القرار الإداري، فيؤدي الإنهاء الجزئي إلى انقاذ القرار الإداري.([5])
ورغم أن هذا التعريف تفادى ما وقع فيه التعريف الأول من خطأ، إلا إنه كذلك، لا يخلو من العيوب، فمن جهة قصر التعديل على حالة الإبطال فقط، ومن جهة ثانية حصر هدف التعديل الجزئي أو الإنهاء الجزئي بإنقاذ القرار الإداري، وهو أمر لا يتفق مع حكمة التعديل الجزئي ومنطقه، إذ إن الإدارة بلجوئها إلى وسيلة التعديل الجزئي لا يكون هدفها إنقاذ القرار فحسب، بل الحفاظ على الأوضاع القانونية التي تم نشوئها والمستقرة بعد صدوره، إضافة إلى ذلك تصحيح عيب عدم المشروعية أو عدم الملائمة الذي يتبين للإدارة بعد صدور القرار.
وقد عرف جانب من الفقه التعديل الجزئي أيضاً بأنه مكنة الإدارة سحب الجزء المعيب أو الرجوع فيه وما يترتب عليه من آثار. وقيل كذلك، بأنه إجراء تتخذه الإدارة ويتضمن تغيير جزئي يرد على محل القرار الإداري لأسباب عدة قد تتعلق بالحفاظ على مبدأ المشروعية أو لغرض الملاءمة مع الحفاظ على وجود القرار الإداري والحيلولة دون محوه أو إزالته من الساحة القانونية. وجميع هذه التعريفات لا تخلو من العيوب، ولا يمكن الاستناد إليها وحدها لتحديد المقصود بالتعديل الجزئي للقرار الإداري. ونشير في هذا الشأن، أن التعديل الجزئي يمكن أن يكون سلبي أو إيجابي، ويتم التعديل الإيجابي أو التعديل بالإضافة من خلال استحداث أو إضافة مضمون جديد يؤدي إلى تعديل في بعض آثار القرار الإداري دون المساس بالآثار السابقة له. أما التعديل السلبي، أو التعديل بالحذف، فأنه يتم بإلغاء مباشر لجزء محدد من القرار الإداري دون أن يشمله بأكمله. بمعنى أن التعديل السلبي يتم بمجرد حذف ما يشوب القرار الإداري من حالات عدم المشروعية، أو عدم الملاءمة.([6])
ويرى الباحث أنه يمكن البناء على ما سبق لتحديد سمات التعديل الجزئي للقرار الإداري، والتي يمكن الانطلاق منها نحو تعريف جامع للتعديل الجزئي للقرار الإداري، وهي كما يلي:
- إن التعديل الجزئي سلطة بيد الإدارة تمارسها إعمالاً لمبدأ الرقابة اللاحقة على أعمالها.
- إن التعديل الجزئي يتناول بعض آثار القرار، ويكون ذلك بحذف بعضٍ من محتوى القرار الإداري أو الإضافة إليه.
- لا بد أن تكون ممارسة الإدارة لسلطة التعديل متوافقة مع أحكام القانون.
- هدف التعديل الجزئي للقرار الإداري مواجهة عيب عدم المشروعية في القرار الإداري أو عيب عدم الملائمة.
ومن خلال ذلك يمكن وضع تعريف أعم للتعديل الجزئي للقرار الإداري كما يلي:
هو سلطة بيد الإدارة تمارسها وفقاً لأحكام القانون وبمقتضى حقها في الرقابة على أعمالها، تتيح لها إجراء تغيير في بعض آثار القرار الإداري بعد صدوره سواء بالإضافة أو الحذف، مع بقاء باقي الآثار التي لم يتناولها التعديل على حالها، وذلك لتصحيح عيب في القرار أو لجعله أكثر توافقاً مع مقصده.
ثانياً- أهمية التعديلات الجزئية بتحقيق المرونة الإدارية والاستجابة للتغيرات.
يرى البعض أن الإلغاء الجزئي للقرار الإداري إنما يكون تطبيقاً للمبدأ الروماني الذي يقول المفيد لا يفسده غير المفيد، فإن كان القرار مشوباً في بعض أجزائه بعيب عدم المشروعية أو عدم الملاءمة، جاز للإدارة أن تعدل القرار في هذا الجزء، ويبقى القرار فيما تبقى منه منتجاً لآثاره ومشتملاً على قرار إداري صحيح بجميع عناصره.([7])
ومن ذلك فإن أهمية التعديل الجزئي للقرار الإداري تتجلى في المحافظة على القرار الإداري دون إعدامه، وإن هذا الأمر يقوم على عدة اعتبارات أهمها:
أولاً– حق الإدارة في تغيير رأيها، من أجل تدارك خطأ وقع منها، خاصة أن الإدارة غير منزهة عن الخطأ، إذ قد تكتشف تلك الإدارة بعد إصدارها لقرارات إدارية معينة، مثل ارتكابها خطأً، كتجاهل بعض القواعد القانونية التي وضعها المشرع لصالح الأفراد، ومن ثمن تتجه الإدارة إلى الرجوع عن هذه القرارات أو إبطالها بقصد احترام حكم القانون، ومراعاة مصالح الأفراد الذين تعلقت حقوقهم بتلك القرارات، ولا تثريب عليها إن هي صوبت قراراتها ووفقتها وفق أحكام القانون في أي وقت.([8])
ثانياً– حق الإدارة في إعادة النظر في قراراها لتواجه ظروف مادية أو قانونية استجدت بعد صدور القرار، ويعد منح الإدارة مثل هذا الحق رعاية للمصلحة العامة؛ له أهمية بالغة.([9])ذلك أن تغير الظروف قد يؤثر في مشروعية القرارات الإدارية أو ملاءمتها، مما لا بد معه من إعطاء الإدارة حق إلغاء القرارات المذكورة أو تعديلها حتى تكون متطابقة مع أحكام القانون ومع المشروعية الجديدة.
ثالثاً– إن إلغاء القرار الإداري المعيب سواء من قبل الإدارة ذاتها أم عن طريق القضاء، وسواء كانت القرارات، فردية أم تنظيمية ينجم عنه زوال القرار المذكور وحدوث نوع من الفراغ الإداري، واضطرار الإدارة إلى إصدار قرار جديد لسد هذا الفراغ، وهذا الأمر قد يحدث ارتباكاً في المراكز القانونية التي نتجت عن القرار الملغى، وبالتالي تأثر النشاط الإداري برمته، ولهذا، تلجأ الإدارات في أمل منها بالحفاظ على القرار المعيب، إلى إصلاح ما ينطوي عليه من أخطاء، وإجراء تعديلات عليه.([10])
وانطلاقاً من هذه الاعتبارات، يتضح أن التعديلات الجزئية تعطي الإدارة مرونة في الاستجابة للتغيرات، سواء لتدارك أخطائها أو لمواجهة ما استجد من عناصر غابت عن الإدارة وقت صدور القرار، أو للمحافظة على المراكز القانونية التي ترتبت على القرار محل التعديل، وتبرز هذه الاعتبارات أهمية التعديل الجزئي كسلطة بيد الإدارة تمارسها في إطار رقابتها الذاتية على أعمالها.
المطلب الثاني
الأساس القانوني لصلاحيات الإدارة في التعديلات الجزئية
تستمد الإدارة حقها في تعديل قراراتها من سلطتها الرقابية التي تمنحها الحق في مراجعة جميع أعمالها والقيام بتصحيحها بما يجعلها مطابقة للقانون، سواء قبل صدورها أو بعد ذلك، وهكذا فإن سلطة الإدارة في تعديل القرار الإداري يتمثل في حقها الذاتي في الرقابة على أعمالها ضماناً لمشروعيتها.([11])
إلا أن هذا الأصل وإن كان يبرر تعديل القرار المشوب بعيب المشروعية، فلا يكفي ليبرر التعديل في حالة كان القرار الإداري سليماً قانوناً، فالأصل أن القرار الإداري متى صدر صحيحاً لم يعد للإدارة قدرة على سحبه، ما يجعل من تحديد الأساس القانوني لحق الإدارة في تعديل قراراتها جزئياً موضوع شائك في القانون الإداري، إلا إن الفقه تبنى عدة نظريات تشكل الأساس القانوني لصلاحيات الإدارة في التعديل الجزئي للقرار الإداري([12])، كما أن حق الإدارة في التعديل لا يكون مطلقاً بل هو مقيد بقيود، ونبين ذلك فيما يلي:
أولاً- القرارات والأنظمة التي تجيز للإدارة إجراء التعديلات الجزئية.
تسعى الإدارة في جميع أعمالها إلى تحقيق الصالح العام، ولذلك فهي تحرص على أن تكون تصرفاتها وقراراتها بعيدة عن الإلغاء أو التعديل، من خلال الرقابة الذاتية على أعمالها، وهذه المراقبة تتيح للإدارة مراجعة ما تقوم به، فتقوم بالغاء التصرف أو تعدله أو تسحبه، أو تحل تصرف آخر محله، ولما كانت الإدارة في سبيل تحقيق هدفها، لا تبتغي مجرد توافق هذا التصرف مع القانون، وإنما تمتد رقابتها إلى مدى ملاءمته للهدف الذي تسعى لتحقيقه، وتمارس رقابة مشروعية وملاءمة في نفس الوقت.([13]) ويظهر السؤال حول القرارات الإدارية التي من الممكن ان تكون محلاً للتعديل الجزئي من الإدارة فتشكل النطاق الموضوعي لسلطة الإدارة في التعديل، ونميز في هذا الشأن بين ما يلي:
أولاً– تقسم القرارات الإدارية إلى قرارات تنظيمية أو لوائح، وقرارات فردية من جهة أخرى، فالقرارات التنظيمية تضع قواعد عامة ومجردة، ومن ثم فهي لا تنشئ حقوقاً لأفراد بعينهم، على عكس القرارات الإدارية الفردية التي يمكن أن تكون مصدراً لحقوق مكتسبة للأفراد.
ثانياً– لا بد من التفرقة أيضاً بين القرارات الإدارية المشروعة والغير مشروعة، فمما لا خلاف عليه أن تعديل أو إنهاء القرارات الإدارية غير المشروعة كلياً أو جزئياً. إلا أن حق الإدارة في تعديل قرار إداري سليم فهو محل خلاف، وبني الفقه هذا الرأي على عدة اعتبارات هي ما يلي:
- نظرية المصلحة العامة: وتقوم هذه النظرية على أن المستقر في القضاء الإداري أن سحب القرار الإداري كلياً أو جزئياً إنما قد شرع حتى تستطيع الإدارة أن تصحح ماوقعت فيه من خطأ، كما لو صدر القرار المراد سحبه مخالفاً للقانون، أما إذا استوفى القرار الإداري الشروط القانونية المطلوبة فتمنع الإدارة من سحبه، لانتفاء العلة التي من أجلها شرع الحق للإدارة في سحب القرار أو تعديله، فالمصلحة العامة هدف عام يجب أن تسعى الإدارة إلى تحقيقه أثناء مباشرة سلطتها وإدارتها للمرفق العام، وهي إن تجاوزت هذا الأمر تكون بذلك قد انحرفت عن أهدافها وأصبح تصرفها يتسم بعيب الانحراف في استعمال السلطة، بالرغم من أن مصطلح المصلحة العامة واسع، قد تتخذه الإدارة ذريعة في كل وقت، فتمارس أعمالاً غير مشروعة بحجة المصلحة العامة.([14])
- نظرية احترام مبدأ المشروعية: حيث يرى بعض الفقه أن الأساس القانوني لحق الإدارة في سحب قراراتها المعيبة أو تعديلها تستند إلى مبدأ المشروعية، فالإدارة ملزمة باحترام حدودها، فإن خرجت عن تلك الحدود كان لزاماً عليها العودة إليها، وإن هذا المبدأ على ما يرى أنصار هذه النظرية ليس له أي استثناء، وعملاً بذلك، فللجهة الإدارية الحق في سحب قراراتها أو تعديلها، متى ثبت مخالفتها للمشروعية، أما إن كان القرار سليماً فليس لها الحق في سحبه أو إلغائه.([15]) ويرد على هذا الرأي تشدده في الأخذ بمبدأ الشرعية، وإغفاله لواقع أن ظروفاً عديداً قد تطرأ بعد القرار، من شأنها أن تجعل القرار غير ملائم لمقاصده رغم أنه صدر وفق أحكام القانون واستوفى شروط مشروعيته.
ومما سبق بيانه فإن الفقه الإداري الغالب يرى أن القرار الإداري الذي لا يرتب حقوقاً مكتسبة للأفراد، كما هي الحالة في القرارات التنظيمية أو اللوائح، يمكن للإدارة تعديلها، لكونها لا ترتب حقوقاً مباشرة للأفراد، ولا يتصور أن تكون مؤبدة بل تحكمها مقتضيات المصلحة العامة، ما يعطي الحق للإدارة بالتدخل في تطويرها، وتصلح أن تكون محلاً للتعديل الجزئي بقرار مماثل. أما بالنسبة للقرارات الإدارية الفردية، فهنا ميز الفقه، بين أن تكون تلك القرارات مخالفة للقانون فيكون تدخل الإدارة لتصحيحها بالتعديل أو الإلغاء واجب على الإدارة، وبين أن تكون تلك القرارات سليمة، حيث اختلف الفقه بشأنها بين رأيٍ غالبٍ يرى أن الإدارة لا تملك الحق في تعديلها جزئياً، نظراً إلى أنها قد تنشئ حقوقاً أو مراكز قانونية للأفراد لا يجوز سلبها منهم. احتراماً للحقوق الخاصة الذي يشكل قاعدة أساسية من قواعد القانون لا تقل أهمية عن مبدأ الشرعية، وعلى ذلك يكون اختصاص الإدارة في تعديل القرارات الإدارية الفردية اختصاص مقيد .([16])وبين من يرى جواز تعديلها في حدود معينة.
ويرى الباحث أن حصر حق الإدارة في تعديل القرار الإداري في قراراتها الإدارية التنظيمية، والقرارات الفردية غير المشروعية، فيه نوع من التشدد غير المبرر، ذلك أن رقابة الإدارة على قراراتها وتصرفاتها ليست فقط حالة عدم المشروعية وإنما تشمل حالات عدم الملاءمة أو عدم التناسب، ولا بد أن يكون للإدارة الحق في تعديل القرار الإداري الفردي في حال عدم توافقه مع مبدأ الملاءمة أو التناسب. فالملاءمة أو التناسب بالتعريف هو ذلك “السلوك الذي تلتزم الإدارة بموجبه ألا تفرض على الأفراد أعباءً أو أضراراً أكثر مما تطلبه مهمة المحافظة على المصلحة العامة المنوط بها تحقيقها”. فالموظف العام عندما يتركب خطأً تأديبياً فالتناسب أو الملاءمة يعني أن العقوبة التي تفرضها الإدارة ومقدارها يجب أن يتوافق مع خطورة الفعل المرتكب وأهميته، وإن رقابة الإدارة يجب أن تمتد إلى هذا الأمر فيكون من حقها أن تعدل قرار العقوبة إن رأت أنها تشددت في الجزاء على نحو لا يحقق الصالح العام. فمقتضى التناسب بين المخالفة الإدارية والجزاء الإداري، هنا، يقضي ألا تغلو السلطة في اختيار الجزاء ولا ترتكب الشطط في تقديره، وإنما يجب أن تختار ما هو ضروري لمواجهة المخالفة القانونية أو الإدارية.([17]) والملاحظ أن الجدل هنا فيما يتعلق بالملاءمة لا يدور حول أركان القرار المتمثلة بالشكل والاختصاص، وإنما في غاية القرار، فيكون القرار مشروعاً وسليماً قانونياً لكنه لا يستوفي مقتضيات مبدأ الملاءمة.
ثانياً- الشروط والضوابط التي يجب توفرها لتتمكن الإدارة من إجراءات التعديلات اللازمة.
إن قرار التعديل الجزئي هو قرار إداري يتطلب أن تتحقق فيه أركان القرار الإداري وشروطه، وهو يخضع بصفة عامة إلى ما تخضع له القرارات الإدارية من أحكام وهذا ما استقر عليه الفقه،([18]) غير أن قرار التعديل الجزئي وإن كان قراراً إدارياً إلا أن له خصوصية وطبيعة تميزه عن القرار الإداري العادي، ويمكن تحديد شروط صحة القرار الصادر بتعديل القرار الإداري بما يلي:
أولاً– أن يكون صحيحاً من حيث الشكل، أي أن يصدر القرار بالشكل المطلوب في القرارات الإدارية عموماً، ومنها الكتابة والتسبيب والتوقيع، وغيرها من القيود المتعلقة بإجراءات صدور القرار الإداري، ويرى الباحث أن شكل قرار التعديل يجب أن يطابق شكل القرار محل التعديل.
ثانياً– أن يكون القرار صادراً من صاحب اختصاص، فالتعديل يتمثل في تغيير مضمون القرار الإداري بما يؤدي إليه ذلك من ترتيب آثار ونتائج جديدة، وإعادة تكوين المراكز القانونية للمخاطبين بالقرار، لذلك فإنه يتوجب أن يجري التعديل ممن يملك أساساً الحق في إصدار هذا القرار، احتراماً لقواعد الاختصاص، حيث لا يجوز لغير مصدر القرار القيام بتعديله لما في ذلك من اعتداء على صلاحياته، ما لم يكن هذا التعديل تم من قبل رئيسه الإداري بموجب ما يملكه من سلطات رقابية ومن بينها التعديل.([19])
ثالثاً– توفر المحل والسبب، ومحل القرار الصادر بالتعديل الجزئي يشكل النطاق الموضوعي لسلطة الإدارة في التعديل، ويتطلب هذا الأمر أن يكون القرار الإداري محل التعديل مما يجوز قانوناً تعديله،([20]) وهو أمر ناقشه هذا البحث في هذا المطلب ولا مبرر لإعادة الحديث عنه.
رابعاً– تعديل القرار الإداري ضمن الميعاد القانوني المحدد لذلك: حيث يرى اتجاه فقهي أن التعديل الجزئي للقرار الإداري يجب أن يصدر قبل انقضاء مدة الطعن فيه.([21]) ويستند هذا الرأي أن التعديل يتميز بأنه من وسائل الرقابة الإدارية اللاحقة وليس السابقة على صدور القرار الإداري، لذلك يفترض إجرائه بعد صدور القرار لا قبل ذلك، تأسيساً على أنه تعديل في المضمون لا يتضح إلا بعد صدور القرار، بيد أن الإدارة مقيدة زمنياً بإجراء التعديل قبل أن يتحصن القرار الإداري من التعديل، ومن ثم يتوجب القيام به ضمن الميعاد القانوني المقرر له، وهو ذات الميعاد المقرر للطعن القضائي.([22])ويستثني الفقه من هذا الشرط القرار التنظيمي في حال تطلبت المصلحة العامة تعديله جزئياً، حيث للإدارة هذا الحق دون التقيد بمدة الطعن القضائي وذلك لأن هذه القرارات تتضمن قواعد عامة موجهة إلى مجموعة غير محددة من الأفراد وتنشئ مراكز عامة، وهذه المراكز تتغير طبقاً لما تقتضيه المصلحة العامة.([23]) كما أن هناك حالات استثنائية يجوز فيها تعديل القرارات الإدارية دون التقيد بأي مدة، كما في حالة انعدام القرار، أو قيامه على غش أو تدليس، أو عند عدم إعلانه أو نشره. ([24])
المبحث الثاني
آثار التعديلات ومدى صلاحيتها
تبين لنا خلال هذه الدراسة أن للجهة الإدارية تعديل القرارات الصادرة عنها جزئياً بشرط احترام ما تولد عن هذه القرارات من حقوق مشروعة، إلا إن التعديل الجزئي الذي تجريه الإدارة لا يكون خلواً من أي أثر، ونبين فيما يلي آثار التعديل الجزئي للقرار الإداري، والحالات التي تتيح للإدارة اللجوء إلى التعديل الجزئي.
المطلب الأول
أثر التعديل الجزئي على القرارات الإدارية
يختلف أثر التعديل الجزئي للقرار الإداري بحسب كون القرار محل التعديل قرراً تنظيمياً أم قراراً فردياً، ونبين فيما يلي أثر التعديل على الاستقرار القانوني والحقوق المكتسبة، وأثر التعديل على المخاطبين في القرار الإداري.
أولاً- كيفية تأثير التعديل الجزئي على الاستقرار القانوني وحقوقه المكتسبة.
من حيث المبدأ يتماثل الأثر الزمني الذي يترتب على التعديل الجزئي في حالة القرارات الفردية مع الأثر الزمني المترتب على التعديل الجزئي في حالة القرار التنظيمي، ففي كلتا الحالين ليس للتعديل أثر رجعي وتستمر مشروعية القرارات في ضوء القواعد التي كانت موجودة عند صدورها. ([25]) فالقرار الصادر بالتعديل الجزئي، لا يخرج عن كونه قراراً إدارياً، وقد أجمع الفقه على عدم جواز رجعية القرار الإداري سواء كان تنظيمياً أم فردياً، فالقرار الإداري، بما في ذلك قرار التعديل الجزئي، يعد نافذاً من لحظة وتاريخ اصداره ويسري بمواجهة الأفراد من تاريخ نشره أو تبليغه، وإن هذا المبدأ القانوني يهدف لاستقرار المعاملات القانونية وحمايتها وعدم المساس بحقوق الأفراد المكتسبة واحترامها، وعدم المس بالمراكز القانونية التي كملت واستقرت.
ويرى الباحث أن هذا المبدأ يقضي تفصيلاً وتمييزاً بين القرارين الفردي والتنظيمي، ذلك أن المبدأ العام في القرارات الفردية أن هذه القرارات متى صدرت سليمة وترتب عليها حق شخصي أو مركز قانوني خاص فإنه لا يجوز المساس بها إلا بنص قانوني. أما فيما يتعلق بالقرارات التنظيمية فإن لهذه القرارات تتضمن قواعد عامة مجردة , وهي تتصف بطابع الثبات النسبي حيث يجوز للإدارة إلغاء هذه القرارات أو تعديلها بقرارات مثلها أو أعلى منها من قبل الجهة المختصة وفي أي وقت تشاء لأن تلك القرارات تنشئ مراكز نظامية عامة ولا ترتب عليها حقوق مكتسبة.([26])
وعلى هذا فمن غير الطبيعي بقاء القرارات التنظيمية عندما تصبح غير متطابقة مع القواعد القانونية الجديدة، فالإدارة يمكن أن تلغي أو تعدل هذه القرارات بقرارات مثلها أو أعلى منها من السلطة المختصة وفي أي وقت، في حين أن القرارات الفردية تقدر مشروعيتها ليس فقط في ضوء القواعد القانونية التي كانت موجودة عند صدورها وإنما كذلك في ضوء القواعد الجديدة.([27])
وبالنسبة لاستقرار الأوضاع القانونية، فإن التعديل الجزئي للقرار الإداري لا يؤدي إلى إلغاء القرار الإداري واندثاره، بل تبقى تلك القرارات على حالها، فالتعديل الجزئي يستهدف بالدرجة الأساسية الحفاظ على أساس القرار الإداري وغايته، فإذا انتهت الإدارة إلى تعديل القرار الإداري جزئياً فإن ذلك يرجع، بلا شك، إلى مخالفة القرار الإداري في جزئه محل التعديل لمبدأ المشروعية أو مبدأ الملاءمة.([28])
ثانياً- أثر التعديل على الأطراف ذات العلاقة والمصلحة العامة.
إن التعديل الجزئي للقرار الإداري، يهدف أساساً كما أكد البحث المحافظة على القرار الإداري من الإلغاء، والبوصلة الأساس هي الصالح العام، وبالتالي فإن التعديل الجزئي للقرار الإداري هو تحقيق الصالح العام، والسؤال المطروح هنا هو إن كان التعديل الجزئي يهدف تحقيق الصالح العام، فما العمل عند تعارض المصلحة العامة مع المصلحة الفردية للأشخاص المخاطبين بالقرار الإداري محل التعديل؟
والجواب على هذا التساؤل يمكن أن يتحدد، كما يرى الباحث، بالفكرة التالية: الأصل أن المصلحة العامة مقدمة على الخاصة، وقد سبق أن بينا أن هذا الجدل لا ينشأ إلا بالنسبة للقرارات الإدارية الفردية التي قد تنشئ حقوقاً مكتسبة للأفراد، أما القرارات التنظيمية فلا يتصور أن يؤدي تعديلها للمس بمراكز الأفراد الخاصة بحسبان أن التعديل لا يكون إلا بغاية تصويب مخالفة قانونية وقعت من الإدارة، أو توفيق القرار مع غايته، كما أن القواعد التي ينظمها القرار التنظيمي ليست مؤبدة، بل تبقى محكومة بمقتضيات المصلحة العامة التي توجب تدخل الإدارة لتطويرها من خلال التعديل. ([29]) وعلى ذلك فإن أثر التعديل على المخاطبين به لا يمكن أن يكون سلبياً إلا في حالة القرارات الفردية وبالنسبة للمستقبل بحسبان أن تصرف الإدارة لا يجوز أن يتعارض مع مبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية الذي يستهدف الحفاظ على الحقوق المكتسبة وعدم المساس بها، والاستثناء على هذه الحالة عندما تكون القرارات مخالفة لمبدأ الشرعية لأنها حالة لا يجوز أن تكسب حقاً لأحد.
المطلب الثاني
ما هي الحالات التي تتيح للإدارة إجراء تعديلات جزئية
بعد أن حددنا الأسس والأطر القانونية التي تحدد نطاق حق الإدارة في التعديل الجزئي لقراراتها، ننتقل إلى تحليل ودراسة الحالات التي تسمح للإدارة إجراء التعديل الجزئي على قراراتها وفق ما يلي:
أولاً- الحالات المحددة بالقانون الأردني التي تسمح بالتعديلات الجزئية.
إن معظم القرارات الإدارية الفردية تعتبر قرارات منشئة، يترتب عليها إنشاء آثار ومراكز قانونية جديدة للمخاطبين بمقتضاها قانوناً، ومثال تلك القرارات، حالة صدور قرار يوقع عقوبة تأديبية على موظف أو صدور قرار بترقية موظف، والأصل في هذه القرارات أن تستنفد مضمونها بتنفيذها، وذلك بتوقيع الجزاء في المثال الأول أو تغيير مركز الموظف الوظيفي أو المالي في المثال الثاني.([30])
وهذه القرارات وقبيلها تتميز بأنها ذات أثر حال ومباشر، فهي تنتج أثرها بمجرد أن تصدر من السلطة المختصة، ويقابلها قرارات إدارية يستمر تنفيذها مدة طويلة، ومثالها القرار التنظيمي الذي يقضي بهدم كل منزل يتجاوز ارتفاعه حد معين، فإنه يظل قائماً ويقبل التطبيق مستقبلاً على حالات أخرى، ولو وجد وقت صدوره منزل واحد ينطبق عليه مثال هذا الشرط، وتعد قرارات التعيين في الوظيفة العامة أيضاً من ضمن هذه الفئة من القرارات.
ولا بد ان نشير أن بعض القوانين الأردنية نصت صراحة على حق الإدارة بتعديل قراراتها في محطات عدة، ونكتفي بالتمثيل على واحد منها وهي نظام الخدمة المدنية وتعديلاته رقم 9 لسنة 2020، حيث قضى في المادة 7/7 منه على ما يلي: “يتولى المجلس (مجلس الخدمة المدنية) المهام والصلاحيات التالية: 7- التوصية لمجلس الوزراء بإصدار التشريعات المتعلقة بالخدمة المدنية وأي تعديل عليها , والتعليمات المتعلقة بالرواتب والحوافز والمكافآت والعمل الإضافي بما فيها التعليمات للمسارات المهنية المتخصصة”.
إذ سمح لمجلس الوزراء إصدار التشريعات المتعلقة بالخدمة المدنية وتعديلها، ولا شك أن التشريع يشمل في مضمونه القرار الإداري.
ونشير أن هناك حالة خاصة تتعلق بالوظيفة العامة قضى بها القضاء الإداري المصري، وهي حالة فصل الموظف، حيث أجاز القضاء المصري للإدارة سحب هذا القرار رغم صدوره سليماً لاعتبارات تتعلق بالعدالة. ([31])
ورغم أن القضاء الإداري الأردني لم يتعرض لمثل هذه الحالة إلا أن تطبيق المبادئ المذكورة في هذا البحث تجعل للإدارة حقاً في تعديل قرارها الصادر بإنهاء خدمة أحد الموظفين لاعتبارات نبينها في الفقرة التالية.
ثانياً- تطبيقات عملية لتعديل الإدارة لقرارها في نطاق الوظيفة العامة.
نتناول تحت هذا العنوان تحليل حالة افتراضية، وهي حالة تعديل الإدارة قراراتها المتعلقة بالوظيفة العامة في نطاق القانون الأردني.
وقد كنّا بينا في الفقرة السابقة أن الفقه والقضاء الإداري المصري استثنى من حالة عدم جواز سحب القرارات الإدارية الفردية السليمة التي ولدت حقوقاً مكتسبة للأفراد حالة فصل الموظف مراعاة لاعتبارات إنسانية واعتبارات العدلة، فأجاز القضاء المصري للإدارة سحب قرارها المذكور لاعتبارات العدالة واعتبارات إنسانية. ([32])
وإن كان القضاء المصري قد أقر للإدارة سلطة سحب القرار لاعتبارات إنسانية فإن له الحق في تعديل هذا القرار من خلال فرض عقوبة أخف من باب أولى استناداً إلى ذات الاعتبارات.
ورغم أن الفقه والقضاء الأردني لم يتعرض لهذه الحالة، إلا إن الاعتبارات التي تجيز للإدارة سلطة تعديل قراراتها بسبب عدم الملاءمة يمكن الاستناد إليها في هذا الشأن، بحسبان أن الاعتبارات الإنسانية تدخل ضمن شمول الملاءمة والصالح العام، ما يرى معه الباحث أن للإدارة بمقتضى القانون الأردني حق تعديل قرارها المتضمن إنهاء خدمة الموظف العام لغير سبب تأديبي لاعتبارات الملاءمة وطالما لا ينتج عن التعديل مساس بحقوق مكتسبة للغير.
ويثور التساؤل عن الحالة التي يصدر فيها القرار بإنهاء خدمة الموظف مثلاً بسبب تغيبه عن العمل دون مبرر، ثم تقرر الإدارة تعديل قرارها المذكور وفرض عقوبة أخف، فما مصير الحقوق الوظيفية التي حرم منها الموظف العام في الفترة بين قرار الإنهاء وقرار التعديل وما الحالة إن كانت الإدارة قد أسندت الوظيفة المذكورة إلى موظف آخر.
فعلى فرض أن القرار لم يرتب حقا مكتسباً لأي فرد، أ ي بفرض لم يعين موظف آخر محل الموظف الذي أنهيت وظيفته، فإن التعديل في هذه الحالة على ما يرى الباحث يرجع بأي رجعي إلى تاريخ صدور القرار الأول فتبقى للموظف حقوقه مستمرة دون تعديل حتى عن المدة بين قرار الإنهاء وقرار التعديل استناداً إلى الاعتبارات المذكورة، وخلافاً لمبدأ عدم رجعية القرار الإداري.
أما في حالة ترتب حقوق لأفراد آخرين كتعيين موظف محل الموظف الذي أنهيت خدمته، ففي هذه الحالة يرى الفقه بعدم جواز تعديل القرار نظراً لما يرتبه ذلك من مساس بحق الغير.([33])
الخاتمة
بحثت الدراسة في التعديل الجزئي للقرار الاداري بعد ان يصدر عن الجهة الادارية، وتوصلت في نهاية البحث الى النتائج والتوصيات التالية:
أولاً- النتائج:
- إن التعديل الجزئي للقرار الإداري سلطة بيد الإدارة تمارسها وفقاً لسلطتها في الرقابة اللاحقة على قراراتها.
- إن نظرية التعديل الجزئي للقرارات الإدارية شرعت لتمكين الجهة الإدارية من تلافي مخالفة قراراتها الصادرة عنها لمبدأي المشروعية والملاءمة، وبهدف المحافظة على القرار الإداري دون الحاجة إلى إلغائه كلياً، مما يوفر الوقت والجهد ويتيح للإدارة مرونة في الاستجابة للمتغيرات.
- إن القرار الإداري الصادر بالتعديل يجب أن يتوفر فيه شروط القرار الإداري محل التعديل.
- إن التعديل الجزئي للقرار الإداري يطبق على القرارات التنظيمية والفردية السليمة منها والمعيبة ضمن الحدود التي ناقشها البحث.
- إن التعديل الجزئي للقرار الإداري يمكن أن يكون إيجابياً بالإضافة، كما يمكن أن يكون سلبياً بالحذف.
ثانياً- التوصيات:
- توصي الدراسة بضع ضوابط قانونية حتى لا تتوسع الإدارة في استعمال سلطتها في تعديل القرارات الإدارية السليمة لا سيما إن رتبت حقوقاً مكتسبة للأفراد لأن من شأن ذلك فتح الباب للإدارة لإساءة استخدام تلك السلطة بشكل يعطل سير المرفق العام.
- لا بد من تدخل تشريعي من خلال إصدار نصوص قانونية صريحة تتعلق بالتعديل الجزئي للقرار الإداري لتوضيح فكرة ومفهوم التعديل الجزئي للقرار الإداري وبيان أهم صوره وأهم مميزاته ونطاق تطبيقه لإزالة الغموض واللبس فيما يتعلق بالتعديل الجزئي وتحديد ضوابطه وقيوده وأسسه.
- ينبغي على الإدارة عند استعمال سلطتها في التعديل الجزئي للقرار الإداري مراعاة مسألة ترابط أجزاء القرار الإداري والحفاظ على الانسجام بين أجزائه.
قائمة المصادر والمراجع
- نظام الخدمة العامة الأردني وتعديلاته رقم 9 لسنة 2020، المنشور على الصفحة 697 من الجريدة الرسمية رقم عدد 5619 تاريخ 2/2/2020.
- محرم، عبده، سحب القرارات الإدارية الفردية، مجلة مجلس الدولة، السنة الأولى، 1950
- شاب توما منصور، القانون الإداري، الكتاب الثاني، الطبعة الأولى، مطبعة جامعة بغداد، العراق، 1980.
- قايدية سفيان ورزاقية محمد، سلطة الإدارة في تعديل القرارات الصادرة عنها، جامعة العربي التبسي، رسالة ماجستير، الجزائر، 2019.
- ميرفت قاسم عبود، مفهوم التعديل الجزئي للقرار الإداري وصوره، المجلة القانونية، مصر، 2021.
- إسماعيل صعصاع البديري، التعديل الجزئي للقرار الإداري، مجلة العلوم الأكاديمية العراقية، المجلد رقم 15، العدد 1، 2008، الصفحات من 1-28
- صلاح إبراهيم الرواشدة، الشكل والإجراءات في قرارات السحب في النظام القانوني الأردني: دارسة مقارننة بالنظام القانوني المصري، رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، الأردن، 2020
- مخلص محمود حسين، رقابة القضاء الإداري على التناسب في القرارات الإدارية، مقال منشور على الموقع الالكتروني: www.researchgate. net وقت الدخول: 30/2/2024 الساعة 9:30 م.
- إسماعيل صعصاع غيدان، أحكام الإلغاء الجزئي للقرار الإداري: دراسة مقارنة، جامعة بابل، مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية، العدد الأول، السنة الثالثة عشر، 2021.
- عقيلة بوحديد وخديجة سعيدي، نهاية القرار الإداري، رسالة ماجستير، جامعة 8 ماي 1945، 2016، الجزائر.
- سليمان الطماوي، الوجيز في القانون الإداري، دار الفكر العربي، القاهرة، 1974
- سعيد الحكيم، الرقابة على أعمال الإدارة في الشريعة الإسلامية والنظم الوضعية، دار الفكر العربي، القاهرة
- علاء الدين قليل، الإلغاء الجزئي للقرار الإداري المخاصم: دراسة تحليلية في ضوء الفقه والتشريع المقارن، جامعة عباس لغرور خنشلة، دفاتر السياسة والقانون، العدد 19، الجزائر، 2018
- سليمان محمد الطماوي، القضاء الإداري، الكتاب الأول، قضاء الإلغاء، الطبعة السابعة، دار الفكر العربي، القاهرة، 1999
- محمد سليمان نايف شبير، تعديل القرار الإداري في القانون الفلسطيني: دراسة تحليلية، مجلة الفكر، العدد السادس عشر
- حمود عبد الزبيدي، مدى سلطة الإدارة في سحب قراراتها المشروعة، رسالة ماجستير، الجامعة المستنصرية، العراق، 2008
- أحمد حافظ نجم، القانون الإداري دارسة مقارنة لتنظيم ونشاط الإدارة العامة الجزء الثاني، ط 1، دار الفكر العربي، القاهرة
- أحمد إسماعيل، أثر تغير الظروف القانونية والواقعية في القرارات الإدارية، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 20، العدد 1، 2004
- فاروق أحمد خماس، الرقابة على أعمال الإدارة، دار الكتب للطباعة والنشر، جامعة الموصل، العراق، 1988
محمد عبد العال السناري، مبدأ المشروعية والرقابة على أعمال الإدارة: دراسة مقرنة، دار النهضة العربي للطبع والنشر والتوزيع، 2007
- () قايدية سفيان ورزاقية محمد، سلطة الإدارة في تعديل القرارات الصادرة عنها، جامعة العربي التبسي، رسالة ماجستير، الجزائر، 2019، ص 51 ↑
- () ميرفت قاسم عبود، مفهوم التعديل الجزئي للقرار الإداري وصوره، المجلة القانونية، مصر، 2021، ص 4349 ↑
- () علاء الدين قليل، الإلغاء الجزئي للقرار الإداري المخاصم: دراسة تحليلية في ضوء الفقه والتشريع المقارن، جامعة عباس لغرور خنشلة، دفاتر السياسة والقانون، العدد 19، الجزائر، 2018، ص 691 ↑
- () شاب توما منصور، القانون الإداري، الكتاب الثاني، الطبعة الأولى، مطبعة جامعة بغداد، العراق، 1980، ص 414. ↑
- () سليمان محمد الطماوي، القضاء الإداري، الكتاب الأول، قضاء الإلغاء، الطبعة السابعة، دار الفكر العربي، القاهرة، 1999، ص 889. ↑
- () إسماعيل صعصاع البديري، التعديل الجزئي للقرار الإداري، مجلة العلوم الأكاديمية العراقية، المجلد رقم 15، العدد 1، 2008، الصفحات من 1-28 ↑
- () ميرفت قاسم عبود، مفهوم التعديل الجزئي للقرار الإداري وصوره، المجلة القانونية، مصر، 2021، ص 4342 ↑
- () قايدية سفيان ورزاقية محمد، مرجع سابق، ص 54 ↑
- () إسماعيل صعصاع البديري، التعديل الجزئي للقرار الإداري، مجلة العلوم الأكاديمية العراقية، المجلد رقم 15، العدد 1، 2008، الصفحات من 1-28 ↑
- () قايدية سفيان ورزاقية محمد، مرجع سابق، ص 55 ↑
- () محمد سليمان نايف شبير، تعديل القرار الإداري في القانون الفلسطيني: دراسة تحليلية، مجلة الفكر، العدد السادس عشر، ص 51 ↑
- () صلاح إبراهيم الرواشدة، الشكل والإجراءات في قرارات السحب في النظام القانوني الأردني: دارسة مقارنة بالنظام القانوني المصري، رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، الأردن، 2020 ص 16 ↑
- () فاروق أحمد خماس، الرقابة على أعمال الإدارة، دار الكتب للطباعة والنشر، جامعة الموصل، العراق، 1988، ص 75 ↑
- () عبده محرم، سحب القرارات الإدارية الفردية، مجلة مجلس الدولة، السنة الأولى، 1950، ص 330 ↑
- () سعيد الحكيم، الرقابة على أعمال الإدارة في الشريعة الإسلامية والنظم الوضعية، دار الفكر العربي، القاهرة، ص 383 ↑
- () إسماعيل صعصاع البديري، التعديل الجزئي للقرار الإداري، مجلة العلوم الأكاديمية العراقية، المجلد رقم 15، العدد 1، 2008، الصفحات من 1-28 ↑
- () مخلص محمود حسين، رقابة القضاء الإداري على التناسب في القرارات الإدارية، مقال منشور على الموقع الالكتروني: www.researchgate. net وقت الدخول: 30/2/2024 الساعة 9:30 م ↑
- () محمود عبد الزبيدي، مدى سلطة الإدارة في سحب قراراتها المشروعة، رسالة ماجستير، الجامعة المستنصرية، العراق، 2008، ص 111 ↑
- () قايدية سفيان ورزاقية محمد، سلطة الإدارة في تعديل القرارات الصادرة عنها، جامعة العربي التبسي، رسالة ماجستير، الجزائر، 2019، ص 58 ↑
- () محمد عبد العال السناري، مبدأ المشروعية والرقابة على أعمال الإدارة: دراسة مقرنة، دار النهضة العربي للطبع والنشر والتوزيع، 2007، ص 173 ↑
- () سليمان الطماوي، الوجيز في القانون الإداري، دار الفكر العربي، القاهرة، 1974، ص 782 ↑
- () قايدية سفيان ورزاقية محمد، مرجع سباق، ص 59 ↑
- () إسماعيل صعصاع غيدان، أحكام الإلغاء الجزئي للقرار الإداري: دراسة مقارنة، جامعة بابل، مجلة المحقق الحلي للعلوم القانونية والسياسية، العدد الأول، السنة الثالثة عشر، 2021 ص 71 ↑
- () أحمد حافظ نجم، القانون الإداري دارسة مقارنة لتنظيم ونشاط الإدارة العامة الجزء الثاني، ط 1، دار الفكر العربي، القاهرة، ص 44 ↑
- () قايدية سفيان ورزاقية محمد، مرجع سابق، ص 60 ↑
- () أحمد إسماعيل، أثر تغير الظروف القانونية والواقعية في القرارات الإدارية، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 20، العدد 1، 2004، ص 9 ↑
- () المرجع السابق، ص 12 ↑
- () إسماعيل صعصاع البديري، التعديل الجزئي للقرار الإداري، مجلة العلوم الأكاديمية العراقية، المجلد رقم 15، العدد 1، 2008، الصفحات من 1-28 ↑
- () صابرين علاء حسين، التعديل الجزئي للقرار الإداري، دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، الجامعة العراقية، 2019، ص 41 ↑
- () عقيلة بوحديد وخديجة سعيدي، نهاية القرار الإداري، رسالة ماجستير، جامعة 8 ماي 1945، 2016، الجزائر، ص 7 ↑
- () صلاح إبراهيم الرواشدة، الشكل والإجراءات في قرارات السحب في النظام القانوني الأردني: دارسة مقارنة بالنظام القانوني المصري، رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، الأردن، 2020 ص 32 ↑
- () جمهورية مصر العربية، المحكمة الإدارية العليا، الطعن رقم 4713 لسنة 49 تاريخ 18/3/2006، المكتب الفني 51، رقم الجزء /1/، رقم الصفحة 573، موسوعة أحكام المحكمة الإدارية العليا في خمسين عاماً، دار محمود للنشر والتوزيع القاهرة. ↑
- () صلاح إبراهيم الرواشدة، المرجع السابق، ص 34 ↑





