مسؤولية الخبير القضائي – سلسلة الأبحاث الجامعية والأكاديمية الاصدار 60 يوليوز 2025
هذا البجث مسجل دوليا تحت رقم ( DOI https://doi.org/10.63585/GJAC5372 )
مسؤولية الخبير القضائي – سلسلة الأبحاث الجامعية والأكاديمية الاصدار 60 يوليوز 2025
اعداد الباحثة : مليكة بزاني

هذا البجث مسجل دوليا تحت رقم ( DOI https://doi.org/10.63585/GJAC5372 )
يعتبر التحقيق من أهم مراحل الدعوى، إذ يقوم الخصوم خلال هذه المرحلة بطرح ادعاءاتهم ونزاعمهم للمناقشة مع السعي لإثبات صحتها ووجاهتها، كما تقوم المحكمة بجمع كافة العناصر والأدلة التي ستمكنها من الفصل في النزاع وذلك بواسطة إجراءات التحقيق.
ذلك أن القاضي متى تبين لـــــــــه أن عنــــــــاصر الإثبــــــــــات المقــــــدمة من الطرفين لا تمكنه من تكوين نظرة وافية[1] عن النزاع أو لا تكفي لتكوين قناعة واضحة، يجوز له بناء على طلب الأطراف أو أحدهم أو تلقائيا أن يأمر باتخاذ إجراءات التحقيق وهي: الخبرة، معاينة الأماكن، الأبحاث، اليمين، تحقيق الخطوط والزور الفرعي، كما ينص على ذلك الفصل 55 من قانون المسطرة المدنية [2].
كما يضطلع الخبراء القضائيين بدور أساسي ومحوري داخل منظومة العدالة، ولهم تأثير مباشر على الأحكام، من خلال مساعدة القضاء في المسائل الفنية والتقنية المرتبطة بالنزاعات المعروضة عليهم خاصة في ظل بروز وتطور أنشطة اقتصادية وتقنيـــــــــة يصعــــــــب على القاضي الإحاطة والفصل فيها لوحده دون مساعدة أو استشارة أهل الاختصاص.
وعلى هذا الأساس، فإن الخبير يختلف عن القاضي وعن الشاهد والمحكم، ويعد مسؤولا عن تقرير خبرته مسؤولية تأديبية، فهو ليس محصنا أو بعيد عن الملاحقة التأديبية عند تسلم المبالغ مباشرة من الأطراف أو التأخير في إنجاز الخبرة أو الامتنــــــــــاع عن إنجازهــــــــــا أو تفويض المهمة إلى خبير آخر، وهذه المسؤولية التأديبية تجد أساسها في القانون المنظم لمهنة الخبراء القضائيين وقانون المسطرة المدنية.
وتعتبر الخبرة القضائية، من بين أهم إجراءات التحقيق وأكثرها تطبيقا في العمل القضائي، والخبرة بمعناها الواسع لها عدة معاني ومفاهيم، غير أن الخبرة المقصودة في بحثنا هذا هي الخبرة القضائية l’expertise judicaire [3] .
ولقد نظمت التشريعات المعاصرة على مختلف مشاربها الخبرة القضائية نظرا لأهميتها القصوى في تحقيق العدالة بين الأفراد ومساهمتها في تطبيق القانون تطبيقا سليما سواء في المسائل المدنية أو الإجرائية أو الإدارية على حد سواء.
وبالرغم من الأهمية البالغة التي تكتسبها الخبرة القضائية في شتى المجالات فإن التشريعات المتعلقة بالمسطرة المدنية لم تقم بتعريفها، الأمر الذي جعل الفقهاء يعمدون إلى تحديد مفهومها وتعريفها، وإن كانت هذه التعريفات قد اختلفت من حيث المبنى فإنها تكاد تبقى واحدة من حيث المعنى [4].
وقبل التطرق لتعريف مسؤولية الخبير لا بد من التطرق لتعريف الخبرة من الناحية اللغوية والاصطلاحية.
إن الخبرة لغة تعني الاختبار، وخبرت الرجل أخبره خبرا وخبرة والخبير العالم، وخبرت الشيء أخبره من باب نقل خبرا علمته فأنا خبير به، وفي كثير من الآيات القرآنية ورد أن الله عليم خبير، واسم ما ينقل ويتحدث به خبر والجمع أخبار، قال تعالى ” يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها” [5].
ويستفاد من التعريف اللغوي، أن الخبرة تجمع بين دلالتين: دلالة الامتحان ودلالة العلم بالشيء [6]، مصداقا لقوله تعالى “فاسأل به خبيـرا” [7]، وقال تعالى : “وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ” [8]ومن الناحية الاصطلاحية، فإن الخبرة في الفقه الإسلامي تطلق على معان متعددة منها:
ü البصارة والمعرفة أي وصف الأشياء على ما هي عليه مع ذكر العلامات الدالة على الاختصاص أو الاشتراك دون الحكم بها، لأن الحكم في الاشتراك والاختصاص إنما هو للقاضي [9].
ü القيافة أي إتباع الأثر، وذلك بقصد إلحاق الأولاد بآبائهم وأقاربهم استنادا إلى العلامات والشبه بينهم[10] .
وقد عرف بعض الفقه المغربي [11] الخبرة بأنها “في جوهرها إجراء من إجراءات التحقيق، يلتجئ إليها قضاة الموضوع عادة قصد الحصول على المعلومات الضرورية بواسطة أهل الاختصاص، وذلك من أجل البت في مسائل علمية أو فنية تكون عادة محل نزاع بين الخصوم في الدعوى، ولا يستطيع أولئك القضاة، الإلمام بها والتقرير بشأنها دون الاستعانة بالغير”.
وقد عرفها الأستاذ عبد العزيز توفيق بأنها ” العمليات والتقارير التي يقوم بها الخبير المعين من طرف المحكمة في مسألة فنية يأنس القاضي من نفسه عدم الكفاية العلمية أو الفنية للقيام بها”[12].
أما المشرع المغربي فإنه لم يعطي أي تعريف مباشر للخبرة القضائية، وإنما قام بتعريفها بطريقه لتعريف الخبير القضائي وذلك من خلال المادتين 1 و2 من القانون رقم 45.00 المتعلق بالخبراء القضائيين[13] حيث جاء في المادة الأولى “يعتبـر الخبراء القضائيون من مساعدي القضاء”، وفي المادة الثانية أن ” الخبير القضائي هو المختص الذي يتولى بتكليف من المحكمة التحقيق في نقط تقنيــــــــــــة وفنيــــــة، ويمنع عليه أن يبــــــــــــــــدي أي رأي في الجوانب القانونية” ويكون في ذلك مسؤولا مسؤولية تأديبية أو مسؤولية مدنية أو جنائية.
أما على مستوى الاجتهاد القضائي المغربي فقد عرف بدوره اختلافا على مستوى تعريف الخبرة القضائية، فقد جاء في أحــــــــــــــد القرارات الصـــــــــــــــــادر عن محكمـة النقــــــــــــــــض[14] “أن الخبرة هي وسيلة من وسائل الإثبات المنصوص عليها في القانون وليست مجرد وسيلة علمية رهن إشارة القاضي للبت في النقط التقنية أو تستدعي أن تكون مدعمة بوسائل إثبات قانونية ” في حين عرفها المجلس الأعلى سابقا في إحدى قراراته بأنها وسيلة من وسائل التحقيق [15] .
وانطلاقا من كل ما ذكر يمكن القول أن الخبير القضائي يقوم بإجراء من إجراءات التحقيق يلجأ إليه القاضي وهو بصدد البت في النزاعـــــات المعروضة على المحكمة[16] من خلال طلب رأي خبير متخصص في الميدان المعني بالأمر لأن يدله إلى حل للنزاع المعروض عليه في جانبه التقني و الفني دون مساسه بالجانب القانوني.
أما الخبرة في الفقه الإسلامي فقد عرف هذا الأخير في مسطرة التقاضي الرجوع إلى الخبراء في مجالات مختلفة، كلما تعلق النزاع بمسائل تقنية وفنية محضة.
وفي التشريع الفرنسي وإلى حدود سنة 1967 تاريخ صدور أول مرسوم ينظم الخبرة القضائية، لم تكن هذه الأخيرة منظمة سوى بمجموعة من الأوامر والمراسيم، ويبقى قانون 1806 الذي نسخ مرسوم 1967 أول قانون ينظم الخبرة في مختلف جوانبها[17].
وباعتبار أن موضوع البحث ينحصر في نطاق مسؤولية الخبير القضائي، فسنعمل على التعريف بها وبالعوامل التي ساهمت في بلورتها.
المسؤولية هي تبعة أو جزاء ترك الواجب أو فعل ما كان يجب الامتناع عنه، وهي إما أن تكون مسؤولية أخلاقية أو قانونية حسب المصادر التي تستقي منها الجماعات الإنسانية قواعد تنظيم سلوكها.
فالمسؤولية الأخلاقية أو الأدبية هي الناشئة عن مخالفة العادات والتقاليد التي دأبت الجماعة على التقيد بها في سلوكها، ويقتصر الجزاء فيها على نفور الناس من المخالف وتأنيبهم له في شكل استغراب تصرفه واحتقاره واستهجانه، وهذه المسؤولية لا تكتفي بتقييم تصرف الإنسان في مظهره الخارجي وإنما تلتفت أيضا لغاياته الباطنية في سبيل جعلها صادقة وصافية[18]. وقد بدأت المسؤولية الأدبية تفقد أهميتها في السنين الأخيرة نتيجة لسيطرة الاقتصاد والتقدم العلمي على التفكير البشري وما رافق ذلك من تنامي فلسفات تعادي التقاليد والعادات والقيم الاجتماعية الموروثة.
وتتجلى الفروق الأساسية ما بين المسؤولية الأدبية والمسؤولية القانونية في كون الأولى تقوم على أساس ذاتي محض، فهي مسؤولية أمام الله والضمير، خلافا للثانية التي بداخلها عنصر موضوعي وهو مسؤولية شخص أمام آخر، ويترتب على هذا نتيجة مهمة وهي أن المسؤولية الأخلاقية تتحقق ولو لم يوجد ضرر أو وجد ولحق بالمسؤول نفسه، بينما يتوقف تحقق المسؤولية القانونية على إلحاق ضرر بالغير، وينبني على كل هذا أن المسؤولية الأدبية أوسع نطاقا من نظيرتها القانونية، فهي تتصل بعلاقة الإنسان بربه وعلاقته بنفسه وعلاقته بغيره[19].
ورغم الأهمية المحورية التي تمثلها المسؤولية الأدبية في العلاقة بين الخبير القضائي والمتعاقدين، فإن جانبا مهما من الفقه القانوني[20]، ارتأى أنها لا تنظم بأي نص قانوني فلا يصح أن تكون محل دعوى قضائية، مادامت ناشئة في الأساس عن خرق بعض التقاليد المهنية التي لا تدخل في دائرة القانون ولا يترتب عليها جزاء قانوني وأمرها موكول في آخر المطاف لتأنيب الضمير ليس إلا.
ونظرا للطابع الخاص لنشاط الممارس المهني الحر، ومن ضمنه الخبير بطبيعة الحال، فقد حاول جانب مهم من الفقه في فرنسا هدم الحدود الفاصلة بين المسؤوليتين الأدبية والقانونية، ودعا إلى الاعتداد بالطابع الأخلاقي في المجال القانوني حتى تتمكن عدالة القضاء من الوصول إلى هذا الممارس حماية للمهنة من جهة وحماية للزبائن والأغيار من جهة أخرى[21].
والمسؤولية القانونية هي الجزاء الذي يترتب عن مخالفة القواعد القانونية التي يضعها المشرع لتنظيم سلوك الفرد ونشاطه داخل مجتمع وهي إما:
أ-مسؤولية مدنية تهدف إلى حماية مصالح الأفراد التي يترتب على المساس بها ضرر فردي، لذلك كان الجزاء فيها مقصورا على التعويض المادي أو المعنوي الذي يؤديه المسؤول للضحية[22]، وهي إما عقدية أو تقصيرية، فالمسؤولية العقدية تنشأ عن الإخلال بالتزام عقدي، بينما تنشأ المسؤولية التقصيرية عن الإخلال بالتزام قانوني.
ب-مسؤولية تأديبية تتلخص في الإجراءات المترتبة عن الإخلال بواجب مهني أو أكثر، والتي تنتهي بثبوت خطأ المخالف وتوقيع جزاء تأديبي عليه من قبل السلطة المختصة، والمخالفة التأديبية لا يمكن تصورها إلا إذا كان الشخص منتميا لهيئة مهنية أو طائفة معينة كالموظفين العموميين ووقع إخلاله بالواجبات التي تفرضها قوانين الوظيفة أو المهنة كالموثقين أو العدول أو المحامين أو غيرهم[23].
ج- مسؤولية جنائية غايتها حماية الكيان الاجتماعي وبنياته الاقتصادية والسياسية بحيث يعتبر مخالفتها اعتداء على المجتمع بصفة مباشرة والجزاء فيها هو العقوبة والتي تتولى المطالبة بإنزالها هي النيابة العامة، والمبدأ فيها “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”، والنية ركنها الأساسي شريطة أن يكون لها مظهر خارجي، يصل إلى حد معين من الجسامة، فلا عقاب على التصميم والأعمال التحضيرية ما لم ترقى للشروع أو الفعل التام خلافا للمسؤولية التأديبية التي يكفي فيها محض النية، وخلافا للمسؤولية المدنية التي لا يشترط فيها النية من أساسها[24].
أهمية الموضوع:
تكتسب مسؤولية الخبير القضائي أهمية بالغة سواء على المستوى النظري أو العملي.
فعلى المستوى النظري نجد المشرع المغربي نظم هذه المؤسسة ورتب المسؤولية القانونية لهؤلاء المهنيين من خلال القانون رقم 45.00 المتعلق بالخبراء القضائيين، هذا بالإضافة إلى مجموعة من الأحكام العامة المتفرقة في نصوص أخرى، كما هو الحال بالنسبة لقانون الالتزامات والعقود ومجموعة القانون الجنائي، والتي يمكن أن تشكل الأساس القانوني لقيام مسؤولية الخبراء القضائيين التأديبية أو المدنية أو الجنائية.
أما على المستوى العملي فالخبير القضائي له أهمية كبيرة كونه حلقة وصل بين القاضي والمسائل الفنية المعقدة، التي قد تُطرح أمامه في القضايا المختلفة ونظرا لما قد ينتج عن تقرير الخبير من آثار على سير العدالة وحقوق المتخاصمين فقد جعله المشرع المغربي محلا للمساءلة، كما تتجلى أهمية هذا الموضوع في كونه يضمن نزاهة وسلامة العدالة ويساهم في حماية حقوق المتقاضيين وتعزيز ثقة المجتمع في القضاء من خلال المقتضيات الزجرية والتأديبية.
إشكالية الموضوع
انطلاقا من الأهمية المشار إليها أعلاه فإن الإشكالية الأساسية للموضوع تتمحور حول التساؤل عن:
كيف أطر المشرع المغربي المسؤولية القانونية للخبير القضائي؟
المنهج المعتمد في الدراسة
لمعالجة الإشكالية التي يثيرها الموضوع اتبعنا في الدراسة منهجا تحليليا يتمثل في تحليل النصوص القانونية المؤطرة لموضوع البحث وللمواقف والاجتهادات القضائية وكيفية تعاملها مع هذا الإجراء، بالإضافة إلى اعتمادنا على المنهج الوصفي بغية الكشف عن الإجراءات التي تمر منها مسؤولية الخبير سواء كانت مدنية أو تأديبية أو جنائية مع الاستعانة بالمنهج المقارن كلما كان له محل من خلال التعرف على النظام القانوني للخبرة في بعض الأنظمة القانونية الأجنبية كفرنسا ومصر.
ومن أجل الإجابة عن هذه الإشكالية الأساسية فإننا سوف نعالج الموضوع وفق التصميم الآتي:
- الفصل الأول: المسؤولية المدنية والتأديبية للخبير القضائي
- الفصل الثاني: المسؤولية الجنائية للخبير القضائي







