منصات التواصل الاجتماعي بين الحماية القانونية والمساءلة الرقمية “دراسة حالة منصة تيك توك” الدكتور :عبد الكريم عباد الدكتورة : فاطمة الزهراء الفضلي
هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 59 الخاص بشهر غشت / شتنبر 2025
رابط تسجيل الاصدار في DOI
https://doi.org/10.63585/KWIZ8576
للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

منصات التواصل الاجتماعي بين الحماية القانونية والمساءلة الرقمية
“دراسة حالة منصة تيك توك”
Social Media Platforms between legal protection and Digital accountability : « A case study of TikTok »
الدكتور :عبد الكريم عباد
أستاذ التعليم العالي كلية العلوم القانونية و السياسية جامعة الحسن الأول بسطات
الدكتورة : فاطمة الزهراء الفضلي
دكتورة في القانون الخاص متخصصة في القانون الرقمي
ملخص:
تتناول هذه الدراسة موضوع منصات التواصل الاجتماعي في العصر الرقمي، مع التركيز على الجوانب القانونية المتعلقة بحمايتها ومسؤوليتها، وذلك من خلال دراسة حالة منصة “تيك توك”. تستعرض الدراسة طبيعة المنصات الرقمية من الناحية القانونية، مع الإشارة إلى موقعها في التشريعات الوطنية والمقارنة، وتبرز الإشكالات القانونية التي تنشأ عن استعمالها، خاصة في ظل انتشار المحتوى المتنوع والمستمر بسرعة عالية. كما تتناول الدراسة الجرائم الرقمية المرتبطة بهذه المنصات، مثل التعدي على الأنظمة المعلوماتية، والسب والقذف عبر الإنترنت، والتشهير الرقمي، وتأثير هذه الجرائم على البيئة القانونية الرقمية.
بالإضافة إلى ذلك، تحلل الدراسة آليات الإعفاء من المسؤولية القانونية التي تخضع لها المنصات، وشروطها، وحدودها، مع التركيز على دور أنظمة التبليغ والرقابة الذاتية، كما تستعرض أهمية التأمين الرقمي كأداة إضافية للحماية القانونية والمالية. وتختتم الدراسة بمجموعة من الاقتراحات التي تهدف إلى تطوير الأطر التشريعية والتنظيمية الوطنية، وتعزيز آليات الرقابة والتوعية، بما يحقق التوازن بين حرية التعبير وحماية الحقوق الرقمية في ظل التطور السريع للتكنولوجيا الرقمية.
الكلمات المفتاحية: منصات التواصل الاجتماعي – الحماية القانونية – المسؤولية الرقمية.
Summary:
This study addresses the subject of social media platforms in the digital age, focusing on their legal protection and accountability through the case study of the “TikTok” platform. The research explores the legal nature of digital platforms, highlighting their position within national and comparative legislations, and sheds light on the legal issues arising from their use, especially given the rapid and diverse spread of content. The study also examines digital crimes associated with these platforms, such as unauthorized access to information systems, online defamation, slander, and their impact on the digital legal environment.
Furthermore, the study analyzes the mechanisms for exemption from legal liability applicable to these platforms, including the conditions and limits of such exemptions, with particular emphasis on reporting systems and self-regulation. The importance of digital insurance as an additional tool for legal and financial protection is also discussed. The research concludes with recommendations aimed at developing national legislative and regulatory frameworks, enhancing monitoring and awareness mechanisms, and balancing freedom of expression with the protection of digital rights amid rapid technological advancement.
Keywords: Social media platforms – Legal protection – Digital accountability.
مقدمة:
في ظل التطور التكنولوجي المتسارع الذي يشهده العالم في القرن الحادي والعشرين، ظهرت منصات التواصل الاجتماعي كأدوات رئيسية في تشكيل الحياة الرقمية للمجتمعات، فتجاوزت مجرد كونها وسائط تواصل لتصبح فضاءات مؤثرة في المجالين الاجتماعي والثقافي والسياسي. من بين هذه المنصات، برزت “منصة تيك توك” كظاهرة عالمية حصدت ملايين المستخدمين في فترة زمنية قصيرة، حيث تتميز بنظام نشر محتوى يعتمد على الفيديوهات القصيرة التي تلقى تفاعلا واسعا، خاصة من الفئات العمرية الناشئة. هذا الانتشار الواسع جعل منها منصة ذات تأثير بالغ على السلوكيات والاتجاهات، لكنه في الوقت نفسه فتح بابا واسعا للنقاش حول الإشكاليات القانونية التي تنجم عن هذا الاستخدام المكثف.
وعموما، تواجه منصات التواصل الاجتماعي، خاصة منصة “تيك توك”، تحديات قانونية متعددة تتعلق بمسؤوليتها عن المحتوى المنشور عبرها، سواء كان ذلك من حيث مراقبته أو إزالته أو التزامها بالقوانين المتعلقة بحماية الحقوق والحريات الرقمية، ولاسيما حقوق القاصرين وحرية التعبير والخصوصية. حيث يكمن الإشكال في كيفية ضمان الحماية القانونية بناءً على القوانين التي توفرها هذه المنصات بصفتها “وسطاء تقنيين”، مقابل حدود مساءلتها عند وجود تجاوزات أو مخالفات تتعلق بالمحتوى أو بالمستخدمين.
وفي هذا الإطار، تبنت العديد من التشريعات الدولية، مثل المادة 230 من قانون الاتصالات الأمريكي وقانون الخدمات الرقمية الأوروبي، مبدأ الحصانة التقنية الذي يمنح منصات التواصل حماية من المسؤولية القانونية المباشرة عن المحتوى الذي ينشره المستخدمين، شريطة الامتثال لالتزامات معينة. وفي المقابل، هناك جهات تدعوا إلى تقليص هذه الحصانة ومحاسبة هذه المنصات على ما يروج من محتويات مضللة أو ضارة، خصوصا مع ازدياد تأثيرها في نشر الأخبار الزائفة أو المحتويات الضارة التي قد تضر بالأفراد أو المجتمع.
وهنا، يعد نموذج منصة ” تيك توك” مثاليا لدراسة العلاقة المتشابكة بين الحماية القانونية والمسؤولية الرقمية، إذ تواجه هذه المنصة ضغوطا قانونية وتنظيمية متزايدة من جهات عدة، خاصة فيما يتعلق بحماية القاصرين من المحتويات الضارة، وضبط المحتوى العنيف أو المحرض، وكذلك حماية البيانات الشخصية. وبهذا فإن دراسة الإطار القانوني الذي ينظم حماية منصات التواصل الاجتماعي، مع التركيز على تجربة “تيك توك”، يمثل مساهمة مهمة لفهم التوازن المطلوب بين حرية التعبير الرقمية والحماية القانونية، وكذلك ضمان مساءلة المنصات بشكل عادل وفعال.
وعليه، تنبثق إشكالية رئيسية لهذا الموضوع، يمكن صياغتها وفق الآتي: إلى أي حد تتيح القوانين الحالية حماية قانونية فعالة لمنصات التواصل الاجتماعي، وما هي حدود هذه الحماية في مقابل مساءلتها القانونية عن المحتوى غير المشروع؟ وكيف تجلى ذلك من خلال نموذج منصة ” تيك توك”؟
ومن أجل معالجة هذه الإشكالية، ارتئينا تقسيم هذا المقال إلى مبحثين رئيسيين، نتناول في أولهما الحماية القانونية التي تتمتع بها هذه المنصات في البيئة الرقمية، على ضوء التشريعات المقارنة، مع التركيز على مفهوم الحصانة التقنية وحدودها، في حين نخصص المبحث الثاني لمسؤولية المنصات الرقمية عن المحتوى المنشور وآليات المساءلة القانونية.
المبحث الأول: الحماية القانونية لمنصات التواصل الاجتماعي في البيئة الرقمية.
لقد ساهم تطور التكنولوجيا الرقمية في خلق بيئة قانونية جديدة، تطرح فيها تساؤلات حول الكيان القانوني للمنصات الرقمية، ومدى خضوعها لقواعد المسؤولية وفقا للقواعد العامة. فمع الطابع التفاعلي لمنصات التواصل الاجتماعي، وتنامي اعتماد الأفراد عليها في التعبير والنشر، أصبحت هذه المنصات طرفا غير مباشر في العلاقة بين المحتوى والمستخدم، ما أفرز نقاشا حيويا حول ما إذا كانت مجرد وسطاء تقنيين أم فاعلين قانونيين يتحملون مسؤوليات محددة.
وفي هذا السياق برزت الحاجة إلى توفير نوع من الحماية القانونية لهذه المنصات، تمكنها من أداء دورها التقني دون أن تحمل كامل تبعات المحتوى المنشور من قبل المستخدمين، خاصة أن حجم المحتوى الهائل يجعل من الرقابة المسبقة أمرا شبه مستحيل. وقد تنوعت الأسس القانونية لهذه الحماية بين تشريعات تمنحها حصانة جزئية، وأخرى تسعى إلى تقييد هذه الحصانة بشروط صارمة.
وتأسيسا على ما سبق، سنعالج في هذا المبحث الإطار العام للحماية القانونية التي تحظى بها منصات التواصل الاجتماعي، وذلك من خلال مطلبين أساسيين: الطبيعة القانونية للمنصات الرقمية (المطلب الأول)، الجرائم المرتبطة بالمنصات الرقمية وانعكاساتها القانونية (المطلب الثاني).
المطلب الأول: الطبيعة القانونية للمنصات الرقمية.
تثير منصات التواصل الاجتماعي إشكالا قانونيا دقيقا يتعلق بطبيعتها ووظيفتها في البيئة الرقمية، إذ يختلف موقعها القانوني بحسب ما إذا اعتبرت مجرد وسيط تقني ينقل المحتوى دون تدخل، أو فاعلا رقميا يضطلع بدور في الإشراف أو التوجيه أو التعديل على ما ينشر. وتتوقف حدود مسؤوليتها القانونية على هذا التكييف، مما يجعل من الضروري الوقوف على طبيعة هذه المنصات وحدود دورها التقني، كخطوة أولى لفهم الأساس الذي تقوم عليه الحماية القانونية المقررة لها.
الفقرة الأولى: مفهوم المنصة الرقمية وموقعها القانوني في التشريع المغربي والمقارن.
يعد التواصل الإلكتروني من الركائز الجوهرية التي أسست لمرحلة جديدة من تداول المعلومات في عصر الثورة الرقمية، إذ لم يعد نقل الآراء والمضامين حكرًا على وسائل الإعلام التقليدية، بل أصبح في متناول كل فرد يمتلك اتصالًا بشبكة الإنترنت. وفي هذا السياق، تبرز المنصة الرقمية كأحد التجليات العملية لهذا النمط من التواصل، حيث توفر بيئة افتراضية تتيح للمستخدمين، سواء كانوا أفرادًا أو مؤسسات، نشر المحتوى والتفاعل بحرية نسبية، دون الحاجة إلى صفة صحفية أو اعتماد رسمي. وتتمثل القيمة المضافة للمنصات الرقمية في قدرتها على تجاوز الحواجز الزمانية والمكانية، مما يجعلها أداة أكثر فعالية وانتشارًا مقارنة بالوسائط الإعلامية التقليدية. غير أن هذه الحرية، وإن بدت مطلقة في ظاهرها، إلا أنها تخضع لقيود قانونية وأخلاقية تفرضها التشريعات الوطنية والمعايير الدولية، أبرزها احترام حقوق الغير، وعدم المساس بالنظام العام، أو الإضرار بالأمن السيبراني للمجتمع، الأمر الذي يفرض توازنًا دقيقًا بين مبدأ حرية التعبير ومتطلبات الحماية القانونية في الفضاء الرقمي[1].
وفي هذا الإطار، يمكن تعريف المنصة الرقمية بأنها “بيئة تكنولوجية افتراضية تُنشأ عبر الإنترنت، تُمكِّن المستخدمين من التفاعل وتبادل المحتوى والخدمات والمعلومات من خلال واجهات رقمية، سواء تعلق الأمر بالنشر أو المشاركة أو تقديم الخدمات أو استخدامها، مع ما يتطلبه ذلك من إطار تنظيمي يحكم شروط الاستخدام وضوابطه”. وتتنوع هذه المنصات بحسب طبيعتها ووظيفتها، فقد تكون إخبارية، تعليمية، تجارية، قضائية، أو تواصلية، لكنها تلتقي جميعًا في كونها وسيطًا رقميًا يسهم في تنظيم العلاقة بين الأطراف المتفاعلة داخل الفضاء السيبراني.
ولضمان توازن فعّال بين حرية الاستخدام والمسؤولية القانونية، تدخل المشرع المغربي من خلال عدد من النصوص القانونية التي تنظم التعامل مع المنصات الرقمية. ففي إطار القانون الجنائي المغربي[2]، نص الفصل 447-1[3] على تجريم كل مساس بالحياة الخاصة للغير عبر الوسائط الرقمية، كالنشر غير المشروع للصور أو التسجيلات أو المعطيات، وهو ما يعكس حرص المشرع على حماية الأفراد من الانتهاكات الرقمية المتزايدة. كما يعالج الفصل 447-2[4] الأفعال التي تمس بسرّية الاتصالات والمحادثات الخاصة، سواء كانت شفهية أو مكتوبة، ويجرم كل أشكال التسجيل أو النشر أو التوزيع دون موافقة المعنيين. وتبرز أهمية هذا النص في كونه لا يقتصر على حماية الصورة كما في الفصل السابق، بل يُوسّع الحماية لتشمل المحتوى الصوتي والكتابي، مما يعد استجابة مباشرة للتطورات التكنولوجية التي جعلت تسجيل المحادثات أو تسريب الرسائل الخاصة أمرًا شائعًا وسهلًا. ويكرّس بذلك مبدأ حماية الحياة الخاصة بمفهومها الواسع، كحق دستوري لا يجوز المساس به.
بالإضافة إلى ذلك يجسد الفصل 447-3[5] بعدًا زجريًا أكثر صرامة، حيث لا يكتفي بحماية الخصوصية من التسجيل غير المرخص، بل يُعاقب كذلك على نشر أو توزيع الادعاءات أو الوقائع الكاذبة بقصد التشهير أو المساس بالحياة الخاصة، متى تم ذلك عبر أنظمة معلوماتية. ويعكس هذا التوجه وعي المشرع المغربي بخطورة ظاهرة التشهير الرقمي، وما يمكن أن تلحقه من أذى جسيم بسمعة الأفراد وكرامتهم في بيئة يسهل فيها انتشار المحتوى الكاذب على نطاق واسع. وتكتسب الإشارة إلى “الأنظمة المعلوماتية” أهمية خاصة، لأنها تُوسع من نطاق التجريم ليشمل مختلف الوسائط والمنصات الرقمية، بما في ذلك مواقع التواصل الاجتماعي والتطبيقات التفاعلية، مما يعزز الحماية القانونية للأفراد في مواجهة الجرائم السيبرانية ذات الطابع التشهيري أو الانتقامي.
وفي ذات السياق يشكل القانون رقم 53.05[6]المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية أسس لمبدأ الحجية القانونية للوثائق والمعاملات الرقمية، مما يعزز الطابع الرسمي لبعض المنصات الرقمية ذات الطابع الإداري أو القضائي.
كما يعد القانون رقم 43.20[7] المتعلق بخدمات الثقة بشأن المعاملات الإلكترونية والقانون 09.08[8]المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي من النصوص المحورية في تنظيم الفضاء الرقمي، حيث يضع إطارًا قانونيًا لتقديم واستعمال الخدمات الرقمية، مع مراعاة مبادئ الشفافية، والولوج المفتوح، وجودة الخدمة، وكذا حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. أما القانون رقم 05.20[9] المتعلق بالأمن السيبراني، فقد جاء لتعزيز حماية الأنظمة المعلوماتية والبنيات التحتية ذات الأهمية الحيوية، ووضع آليات للتصدي للهجمات السيبرانية التي قد تستهدف المنصات الرقمية أو تؤثر على موثوقيتها وسلامة معطياتها.
وفي سياق مقارن، نجد أن التشريع الفرنسي قد أولى أهمية كبيرة لمسألة حماية الحياة الخاصة في البيئة الرقمية، خاصة مع تنامي دور المنصات الإلكترونية كوسائط لنشر المعلومات والتعبير عن الآراء. ويعتبر قرار المجلس الدستوري الفرنسي رقم 378 الصادر بتاريخ 23 يولينو 1996[10] من المحطات البارزة في هذا الصدد، حيث أكد على أن حرية التعبير، باعتبارها من الحقوق الدستورية، لا يمكن أن تمارس بشكل مطلق، بل ينبغي أن توازن مع حقوق أخرى ذات طبيعة دستورية كذلك، وفي مقدمتها الحق في احترام الحياة الخاصة. وقد كرّس هذا القرار مبدأ مفاده أن استعمال الوسائط الإعلامية – بما فيها المنصات الرقمية الحديثة – يجب أن يتم في إطار من المسؤولية القانونية، وألا يُفضي إلى انتهاك خصوصيات الأفراد أو المساس بكرامتهم.
وختامًا، يظهر تحليل مفهوم المنصة الرقمية وموقعها القانوني في البيئة الرقمية أن هذه الأخيرة لم تعد تقتصر على كونها أدوات لنقل المحتوى، بل أصبحت فضاءات قائمة الذات، تُنتج وتوزع وتُؤثر، وتستوجب تأطيرًا قانونيًا يتناسب مع طبيعتها التفاعلية وديناميكيتها المتسارعة. ويعد تطبيق “تيك توك” نموذجًا بارزًا لهذا الواقع، لما يتسم به من توسع سريع، وخوارزميات انتقائية، وانفتاح أمام جمهور متنوع، بما في ذلك القاصرين. وتكمن خطورة هذه المنصة في قدرتها على التأثير السريع والعابر للحدود، مما يجعلها ساحة مفتوحة لاحتمالات متعددة، من الإبداع الحر إلى الانتهاكات الجسيمة للخصوصية والتشهير الرقمي. وهذا يستدعي تدخلًا قانونيًا متوازنًا، يراعي الحقوق الرقمية الأساسية دون التفريط في متطلبات الأمن القانوني الرقمي، ويؤسس لمفهوم المنصة كفاعل رقمي مستقل يخضع لضوابط خاصة في البيئة التشريعية الحديثة.
الفقرة الثانية: الإشكالات القانونية المرتبطة باستعمال المنصات الرقمية.
شهدت السنوات الأخيرة انتشارًا هائلًا للمنصات الرقمية، التي أصبحت فضاءات رئيسية للتواصل الاجتماعي، ونشر المعلومات، وتبادل الأفكار بين الأفراد والجماعات، من دون قيود جغرافية أو زمانية. ومع هذا الانتشار الهائل، ظهرت مجموعة من الإشكالات القانونية التي تثير تساؤلات جدية حول كيفية ضبط هذه الوسائط وتأطيرها قانونيًا، خصوصًا في ظل طبيعتها التفاعلية واللامركزية التي تُميّزها.
من أهم هذه الإشكالات، مسألة حماية الحياة الخاصة، حيث يلاحظ تزايد حالات نشر صور أو تسجيلات أو معلومات شخصية دون موافقة أصحابها، ما يهدد حقوق الأفراد في الخصوصية والكرامة الإنسانية. ويزداد الأمر تعقيدًا عندما تتيح المنصات للمستخدمين إمكانية إعادة نشر هذه المحتويات بسرعة وسهولة، مما يجعل السيطرة عليها أو حجبها تحديًا تقنيًا وقانونيًا في آنٍ واحد.
كما ترتبط هذه الإشكالات بـمسؤولية المنصات الرقمية ذاتها، التي كثيرًا ما تتجنب تحمل المسؤولية القانونية المباشرة عن المحتوى الذي ينشره مستخدموها، معتمدةً على مبدأ “الوسيط التقني” الذي يحميها في العديد من التشريعات، ما يفتح الباب أمام نقاش قانوني مستمر حول حدود هذه الحصانة، ومدى إلزامية المنصات بالتدخل الفعال لإزالة المحتويات المخالفة أو المسببة للأذى.
من جهة أخرى، تنشأ عبر هذه المنصات ظاهرة نشر الأخبار الزائفة والمعلومات المغلوطة، والتي قد تؤدي إلى إلحاق ضرر بالغ بالأشخاص أو الجماعات، أو حتى زعزعة السلم الاجتماعي، خاصة في أوقات الأزمات السياسية أو الصحية. ويعتبر هذا الجانب من أبرز التحديات التي تواجه الجهات التشريعية والتنفيذية، والتي اضطرت إلى تحديث قوانينها، وتبني سياسات شفافة وفعالة لمحاربة التضليل والتشهير الرقمي.
إضافة إلى ذلك، تبرز إشكالية حماية الفئات الضعيفة، خصوصًا القاصرين، الذين قد يكونون عرضة لاستغلال المنصات الرقمية في نشر محتوى غير لائق أو تعرضهم لأفعال تحرش أو ابتزاز إلكتروني، ما يفرض على القوانين والتشريعات الرقمية توفير آليات حماية خاصة لهذه الفئات.
ولا يمكن إغفال الإشكاليات التقنية المتعلقة بـخوارزميات المحتوى التي تعتمدها المنصات، والتي قد تعزز من انتشار المحتوى المسيء أو الضار بسبب معايير الربح أو التفاعل، دون مراعاة الأثر الاجتماعي والقانوني لهذا الانتشار.
وأمام هذه التحديات المتعددة، يظهر جليًا أن مجرد وجود نصوص قانونية لا يكفي لضبط هذا الواقع الرقمي المعقد، بل يستوجب العمل على تطوير آليات تكنولوجية وقانونية متكاملة تضمن تنفيذ القوانين، وتوفير بيئة رقمية آمنة تحمي الحقوق والحريات على حد سواء.
ومن هذا المنطلق، تأتي أهمية التعمق في دراسة الجرائم الرقمية المرتبطة بالمنصات الرقمية، وتحديد طبيعة المسؤوليات القانونية الناشئة عنها، وهو ما سيتم تناوله بشكل موسع في المطلب الثاني من هذا البحث.
وعليه، يعد تطبيق تيك توك مثالًا حيًا على طبيعة هذه الإشكالات القانونية؛ فهو منصة رقمية تجمع ملايين المستخدمين حول العالم، وتشتهر بخوارزمياتها المعقدة التي تروج للمحتوى بسرعة كبيرة، مما يضاعف خطر انتشار المحتوى المسيء أو غير اللائق. كما يثير تيك توك قضايا مهمة تتعلق بحماية خصوصية المستخدمين، خصوصًا القاصرين منهم، فضلاً عن تحديات المراقبة القانونية على محتوياته المتنوعة التي تتراوح بين الترفيه والتثقيف، إلى جانب المخاطر المرتبطة بنشر المعلومات الخاطئة أو المضللة. لذلك، يمثل تيك توك نموذجًا عمليًا يعكس الحاجة الملحة لتطوير قوانين وسياسات تنظيمية تتماشى مع خصوصية هذه المنصات الرقمية المتطورة[11].
المطلب الثاني: الجرائم المرتبطة بالمنصات الرقمية وانعكاساتها القانونية.
مع تزايد الاعتماد على المنصات الرقمية كوسائل رئيسية للتواصل ونشر المحتوى، برزت مجموعة متنوّعة من الجرائم التي تستغل هذا الفضاء الإلكتروني المفتوح، لتلقي بظلالها على الأفراد والمجتمع ككل. فالأفعال الإجرامية التي كانت تقتصر على الواقع المادي أخذت تتحول إلى أفعال رقمية، تتميز بسرعة انتشارها، وصعوبة تتبعها، وتعقيد آليات مواجهتها.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى دراسة معمقة لهذه الجرائم الرقمية، التي تتراوح بين الاعتداء على الأنظمة المعلوماتية والبيانات الشخصية، مرورًا بالسب والقذف الإلكتروني، وانتهاءً بالتشهير، الابتزاز، ونشر الأخبار الزائفة.
ويندرج هذا المطلب في إطار البحث عن تحديد طبيعة هذه الجرائم، ومسؤوليات الأفراد والمنصات، والإجراءات القانونية المتاحة لمكافحتها، وذلك من خلال تقسيم المطلب إلى فقرتين رئيسيتين: الجرائم المتعلقة بالأنظمة والبيانات المعلوماتية (الفقرة الأولى)، السب والقذف عبر الإنترنت والتشهير الرقمي (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: الجرائم المتعلقة بالأنظمة والبيانات المعلوماتية.
تشكل الجرائم المتعلقة بالأنظمة والبيانات المعلوماتية إحدى أبرز التحديات القانونية في عصر التحول الرقمي، حيث تستهدف هذه الجرائم البنية التحتية التقنية للمنصات الرقمية وبيانات المستخدمين المخزنة عليها. وتتنوع هذه الجرائم بين الاختراق غير المشروع للأنظمة، والتلاعب بالبيانات، وتسريب المعلومات، وغيرها من الأفعال التي تهدد أمن الفضاء الرقمي وسلامته. وفي ظل تصاعد الاعتماد على هذه الأنظمة، تزداد الحاجة إلى فهم طبيعة هذه الجرائم وطرق مواجهتها قانونيًا.
ومن بين هذه الجرائم نذكر على وجه الخصوص:
- الولوج غير المشروع إلى نظام معلوماتي أو المكوث فيه دون وجه حق:
يُجرَّم هذا الفعل بموجب الفصل 607-3 من مجموعة القانون الجنائي، كما تم تعديله بالقانون رقم 07.03[12]، الذي يعاقب كل من دخل عمدًا إلى مجموع أو بعض نظام للمعالجة الآلية للمعطيات، أو استمر في التواجد داخله دون وجه حق.
تفترض هذه الجريمة شرطا مسبقا أو محلا لها، بالإضافة إلى الركنين المادي والمعنوي؛ حيث يفترض أن يحصل التعدي على نظام معلوماتي، أي نظام للمعالجة الآلية للمعلومات، والذي هو عبارة عن جهاز آلي مرتبط بشبكة معلوماتية، ويدل على مصدر الاتصال ومتلقيه وخط سير المعلومات، والوقت والتاريخ والحجم والمدة الزمنية[13]. أما بالنسبة لأركان هذه الجريمة، يتكون الركن المادي من سلوك جرمي يتمثل إما في فعل الولوج أي الدخول أو محاولته إلى نظام معلوماتي بكامله أو بجزء منه، وإما المكوث فيه أو بجزء منه، لكونه غير مشروع، ودون تطلب نتيجة ضارة.
أما بالنسبة للركن المعنوي لجريمة الولوج غير المشروع إلى النظام المعلوماتي أو المكوث فيه جريمة قصدية، يتخذ الركن المعنوي فيها صورة القصدين العام والخاص. ويتكون القصد العام من عنصريه: العلم والإرادة، فيلزم أن يعلم الجاني أن ليس له الحق في الدخول إلى النظام أو البقاء فيه. كما يلزم كذلك توافر القصد الجزائي الخاص، وهو نية الغش والمقصود بها سوء النية ــ نية الإضرار بالغيرــ ودون لزوم تحقق الضرر فعلا، لأن الجريمة أساسا هي جريمة شكلية، وإن كان الضرر لو تحقق يمكن أن يشدد العقاب[14].
- التعدي على سلامة النظام المعلوماتي:
ويقصد به إدخال أو إرسال أو تدمير معطيات أو أوامر بقصد تعطيل نظام معلوماتي أو التأثير في سيره، ويعاقب عليه الفصل 607-4 من نفس القانون، والذي يجرم كل من عرقل أو شوّش عمداً تشغيل نظام معلوماتي. حيث تفترض هذه الجريمة شرطا مسبقا أو محلا لها هو وقوع التعدي على نظام المعالجة الإلكترونية للمعلومات. حيث يمكن تعريف هذا النظام بأنه: ” أي نظام مهما كانت تسميته، يتكون من مجموعة من العناصر مرتبطة ببعضها بعدد معين من الروابط، لتحقيق المعالجة الآلية للمعلومات من تجميعها وتخزينها ومعالجتها ونقلها وتبادلها من خلال برنامج معلوماتي”[15].
وعموما، يتمثل الركن المادي لهذه الجريمة إما بفعل إعاقة أو توقيف نظام المعالجة الإلكترونية للمعلومات عن أداء عمله العادي والمنتظر منه القيام به، وإما بفعل إفساد عمله أو وظائفه. ولا يشترط أن يقع فعل التوقيف أو التعطيل على كل نظام، بل يكفي أن يؤثر على أحد وظائفه فقط، سواء المادية (مثل الحاسوب أو شبكات الاتصال، أو أجهزة النقل) أم المعنوية (مثل البرامج والمعلومات). أما فيما يخص الركن المعنوي فجريمة التعدي على سلامة نظام المعالجة الإلكترونية للمعلومات هي جريمة قصدية، يتخذ الركن المعنوي فيها صورة القصد بنوعيه العام والخاص؛ فيجب أن يحيط علم الجاني بفعل الإعاقة أو الإفساد، وأن تتجه إرادته إلى هذا الفعل، كما يجب أن يكون سيئ النية فيما فعله، وذلك يتحقق بحصول الفعل بدون رضاء صاحب الحق في السيطرة على ذلك النظام أو ضد إرادته.
- التلاعب بسلامة البيانات الرقمية:
ويقصد به تغيير أو حذف أو إدراج بيانات داخل نظام معلوماتي دون ترخيص، وهو ما تم التنصيص عليه في الفصل 607-5، الذي يجرّم التزوير المعلوماتي متى كان القصد منه إحداث تغيير في الحقيقة بقصد استعماله للإضرار بالغير.
فإن موضوع أو محل هذه الجريمة محدد بالتلاعب أو التعدي على المعطيات التي أدخلت لمعالجتها إلكترونيا وتحولت إلى بيانات رقمية. وعلى ذلك لا تقع هذه الجريمة على البيانات التي لم يتم إدخالها بعد إلى النظام، أو تلك التي أدخلت ولم يتخذ حيالها إجراءات المعالجة الإلكترونية. أما تلك التي هي في طريقها للمعالجة، حتى ولم تكن المعالجة قد بدأت بالفعل، فتتمتع بالحماية الجزائية، ويكون هناك مجال للقول بتوافر الجريمة التامة أو المحاولة فيها حسب الأحوال؛ ولا يشترط أن يقع السلوك الجرمي على البيانات الرقمية بطريقة مباشرة، بل يمكن أن يتحقق ذلك بطريقة غير مباشرة، سواء عن بعد أو بواسطة شخص ثالث[16].
وفي هذا السياق، بالنسبة للركن المادي، يتحقق السلوك الجرمي في هذه الجريمة بكل فعل من الأفعال التالية: الإدخال، والإلغاء أو المحو، أو التعديل، ويكفي أن يقع أحدهما فقط لتوافر الركن المادي للجريمة.
- إعاقة الوصول إلى الخدمة أو تعطيلها:
وتندرج هذه الجريمة ضمن ما يعرف بهجمات “حجب الخدمة”، ويشملها أيضًا الفصل 607-4، باعتبارها عرقلة متعمدة لمجموع نظام أو خدمات معلوماتية، وهي جرائم تتزايد خطورتها مع الاعتماد المتزايد على الخدمات الرقمية الحيوية.
وتفترض هذه الجريمة شرطا مسبقا أو محلا لها، هو تعرض البنية التحتية للشبكة الإلكترونية أو الحواسيب بقصد إعاقة عمله بمعالجة للبيانات أو التشويش عليه أو تعطيله. أما بالنسبة للركن المادي، يتمثل السلوك الجرمي لهذه الجريمة في فعل الإعاقة أو التشويش أو التعطيل للشبكة المعلوماتية أو أية وسيلة أخرى، وذلك للحيلولة دون الوصول إلى الخدمة أو الدخول إلى الأجهزة أو البرامج أو مصادر البيانات والمعلومات. وعموما فجريمة إعاقة الوصول إلى الخدمة أو تعطيلها جريمة قصدية عملا بمنطوق النص، ويتخذ الركن المعنوي فيها صورة القصد الجزائي العام بعنصريه العلم والإرادة.
فيلزم أن يعلم الجاني بأن سلوكه الجرمي لجهة الإعاقة أو التشويش أو التعطيل من شأنه أن يحول أو يؤثر على عملية الوصول إلى الخدمة أو الدخول إلى كيانات الشبكة المعلوماتية أو الحاسوب، وأن تتجه إرادته إلى تحقيق ذلك[17].
وختاما، قد تم تعزيز الحماية القانونية لهذه الأنظمة أيضًا بمقتضى القانون رقم 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني، الذي وضع إطارًا مؤسساتيًا لحماية نظم المعلومات ذات الأهمية الحيوية، خصوصًا تلك التي تدار من قبل المؤسسات العمومية أو تستعمل في تقديم خدمات ذات طابع استراتيجي.
الفقرة الثانية: السب والقذف عبر الانترنت والتشهير الرقمي.
أفرزت البيئة الرقمية، وخاصة المنصات التفاعلية مثل تيك توك وفيسبوك وإنستغرام، واقعًا جديدًا أصبح فيه الأفراد أكثر عرضة للإساءة العلنية والتشهير، في ظل سهولة النشر وسرعة الانتشار، وغياب التحقق المسبق من المعلومات. ولم تعد الأفعال المسيئة مقتصرة على النطاق المادي التقليدي، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي، واتخذت أشكالًا متعددة تتراوح بين السب، والقذف، والتشهير الممنهج، غالبًا تحت غطاء حرية التعبير أو بدعوى السخرية والنقد.
وفي هذا السياق، فرق المشرع المغربي بين عدة صور من الأفعال الجرمية، حيث يعد السب كل تعبير مُهين أو ازدراء أو شتم موجه إلى شخص معين، دون أن ينطوي على إسناد واقعة محددة، بينما يقصد بـالقذف إسناد واقعة مشينة أو مجرّحة تمس بشرف شخص أو اعتباره، سواء أكانت الواقعة صحيحة أم كاذبة، ومتى تم ذلك علنًا. أما التشهير الرقمي، فهو كل نشر متعمد لمحتويات أو معطيات أو صور شخصية أو معلومات خاصة عبر الوسائط الرقمية دون رضا المعني بالأمر، بقصد النيل من سمعته أو إحراجه أو الإساءة إليه.
وقد خصّص القانون الجنائي المغربي لهذه الأفعال نصوصًا زجرية صريحة:
الفصول من 442 إلى 448 من مجموعة القانون الجنائي، التي تجرّم أفعال السب والقذف متى تمّت علنًا، بما في ذلك عبر الوسائل الإلكترونية، مع تشديد العقوبة إذا استعملت وسيلة من وسائل الإعلام أو النشر.
ثم جاء الفصل 447-3 المضاف بموجب القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، ليعزز هذه الحماية، وينص على عقوبة الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وغرامة مالية تتراوح بين 2000 و20000 درهم، لكل من قام عمدًا، عبر أي وسيلة بما في ذلك الأنظمة المعلوماتية، بنشر أو توزيع ادعاءات أو وقائع كاذبة بهدف التشهير أو المساس بالحياة الخاصة للغير.
ويعد هذا النص خطوة تشريعية مهمة بالنظر إلى طبيعة الجريمة الرقمية، التي تتميّز بسرعة انتشارها، وصعوبة تداركها بعد وقوعها، والضرر النفسي والاجتماعي الكبير الذي تلحقه بالضحية، خاصة في حال بقائها منشورة ومتداولة.
وتبرز منصة تيك توك بشكل خاص كنموذج واقعي لتجسيد هذه الإشكالات، بحكم بنيتها القائمة على مقاطع الفيديو القصيرة والتفاعل الواسع في وقت وجيز. وقد سجل الواقع العملي العديد من الحالات التي تم فيها تسجيل أشخاص دون علمهم، أو نشر فيديوهات تنطوي على إساءة أو سخرية أو تحقير، أو حتى تركيب محتويات بشكل مضلل بقصد التشهير أو التشويه، وذلك في غياب رقابة فعالة من المستخدمين أو وعي قانوني بمخاطر هذا السلوك.
كما أن خوارزميات الانتشار داخل هذه المنصة تسهم أحيانًا في تضخيم أثر الجريمة، حيث تمنح المحتوى المثير أو الجدلي قدرة أكبر على الظهور والتداول، مما يجعل الضحية في مواجهة جمهور واسع في ظرف زمني قصير، ويحول الإساءة من فعل فردي إلى انتهاك جماعي لكرامة الشخص.
إن هذه الممارسات تستدعي مقاربة قانونية وقضائية متطورة، ترتكز على تفعيل النصوص الزجرية القائمة، وتوسيع فهم القضاء لطبيعة الوسائط الرقمية، إلى جانب تعزيز وعي المستخدمين، خاصة فئة الشباب، بخطورة هذه الجرائم، ليس فقط من زاوية العقوبة، بل أيضًا من منطلق احترام الآخر وصيانة كرامته في الفضاء العمومي الرقمي.
المبحث الثاني: مسؤولية المنصات الرقمية عن المحتوى المنشور وآليات المساءلة القانونية.
بعد تناول الإطار المفاهيمي والقانوني للمنصات الرقمية والجرائم المرتبطة بها في المبحث الأول، يقتضي التوسع في الجانب الثاني من الدراسة التوقف عند مسألة جوهرية لا تقل أهمية، وهي المساءلة القانونية لمنصات التواصل الاجتماعي باعتبارها وسائط لانتشار المحتوى الرقمي، والتي تطرح إشكاليات دقيقة بشأن طبيعة المسؤولية التي يمكن أن تتحملها، خاصة حينما يكون المحتوى متضمنًا لخرق القوانين أو مساسًا بالحقوق الأساسية للأفراد.
وتعد منصة تيك توك نموذجًا واضحًا لتلك الإشكالية، نظرًا لطبيعة المحتوى السريع الانتشار الذي تُسهّله بنيتها التقنية، وكذا لصعوبة ضبط ما يُنشر فيها في الزمن الرقمي. فهل تتحمل المنصة المسؤولية عن أفعال مستخدميها؟ وهل يمكن مساءلتها قانونيًا في حال الإضرار بالغير؟ وما هي الشروط التي تعفيها من تلك المسؤولية؟
للإجابة عن هذه التساؤلات، سيتم تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين، نتناول في الأول طبيعة المسؤولية القانونية للمنصات ومظاهرها، بينما نخصص الثاني لبيان حدود هذه المسؤولية والآليات القانونية والتقنية المقررة للتعامل معها.
المطلب الأول: المسؤولية المدنية والجنائية لمزودي خدمات المنصات الرقمية.
تعد منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها منصة “تيك توك”، من أبرز الفاعلين في البيئة الرقمية المعاصرة، إذ تلعب دورًا محوريًا في نشر المحتوى وتداوله بين المستخدمين على نطاق واسع. غير أن هذا الدور، وإن كان تقنيًا في ظاهره، لا يعفي هذه المنصات من التساؤل حول مسؤوليتها القانونية في حال نشر محتوى ضار أو غير مشروع، خاصة عندما يتسبب في الإضرار بالأشخاص أو انتهاك الحقوق الأساسية كالحياة الخاصة والشرف وسمعة الغير.
وتطرح في هذا السياق مجموعة من الإشكالات، من بينها: هل تقتصر مسؤولية المنصة على الجانب التقني، أم تمتد لتشمل المضامين التي ينشئها المستخدمون؟ ما الفرق بين المسؤولية المدنية الناشئة عن الضرر، والمسؤولية الجنائية المترتبة عن الإخلال بالنظام العام الرقمي؟ وكيف تعامل المشرع المغربي، مقارنة ببعض التشريعات المقارنة، مع هذه الأشكال الجديدة من المسؤولية؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، سنعتمد التقسيم الآتي: المسؤولية المدنية لمزودي المنصات الرقمية عن المحتوى الضار (الفقرة الأولى)، المسؤولية الجنائية للمنصات عن الجرائم المرتكبة عبر خدماتها (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: المسؤولية المدنية لمزودي المنصات الرقمية عن المحتوى الضار.
لم يعد الدور الذي تلعبه منصات التواصل الاجتماعي، ومنها تيك توك، مقتصرًا على الوساطة التقنية البسيطة، بل أصبحت هذه المنصات بيئة تفاعلية نشطة تتولد عنها ممارسات متعددة قد تسبب ضررًا للغير. وهنا تثار إشكالية المسؤولية المدنية للمنصة كمزود خدمة عن الأضرار الناتجة عن المحتوى المنشور من طرف المستخدمين، خاصة في الحالات التي يتم فيها المساس بحقوق الغير أو الإضرار بمصالحهم المشروعة.[18]
في القواعد العامة، تبنى المسؤولية المدنية على ثلاثة عناصر: الخطأ، الضرر، وعلاقة السببية. وبالنظر إلى طبيعة المنصات الرقمية، فإن التساؤل ينصب حول ما إذا كانت مجرد وسيلة ناقلة، أم أنها تعد فاعلاً ذا دور نشط يجعلها مسؤولة عن فحص المحتوى أو منع نشره، خاصة إذا كان واضحًا في مخالفته للقانون أو متكررًا رغم التبليغ.
في هذا السياق، يستند في بعض الأنظمة القانونية إلى معيار الرقابة والإشراف، حيث تعتبر المنصة مسؤولة مدنيًا إذا ثبت علمها بالمحتوى غير المشروع، أو تقصيرها في اتخاذ تدابير الحذف بعد التبليغ. ويلاحظ أن القضاء الفرنسي[19]، في العديد من قراراته، ميّز بين مزودي الخدمات الذين يلتزمون بالحياد، وبين أولئك الذين يساهمون في ترويج المحتوى أو يؤثرون على انتشاره، مما يجعلهم أقرب إلى الناشر منه إلى الوسيط، وبالتالي يسألون مدنيًا[20].
أما في التشريع المغربي، فرغم غياب تنظيم صريح لمسؤولية المنصات عن المحتوى المنشور، إلا أن القواعد العامة في الالتزام بعدم الإضرار بالغير (الفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود) تظل قابلة للتطبيق، خاصة إذا ثبت أن المنصة أخلّت بواجباتها في مراقبة المحتوى أو تجاهلت التبليغات الجدية. وقد يعزز هذا الطرح من خلال مقتضيات القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية، الذي يلزم الجهات المعالجة للبيانات باحترام الخصوصية وعدم الإضرار بأصحاب المعطيات، وهو ما ينطبق جزئيًا على المنصات الرقمية.
وفي الواقع، تواجه منصة تيك توك اتهامات متعددة في قضايا تتعلق بتساهلها مع مضامين ضارة أو عدم التفاعل السريع مع شكاوى المستخدمين المتضررين. كما أن طبيعة خوارزميتها التي تروّج المحتوى بناءً على شعبيته، قد تسهم أحيانًا في تضخيم الأثر الضار للمحتوى ونشره على نطاق واسع، مما يضعف موقفها القانوني إذا ادعت الحياد أو الجهل بما ينشر[21].
وبالتالي، إن هذه الإشكالية تبرز الحاجة إلى إطار قانوني خاص يحدد بدقة حدود مسؤولية المنصة المدنية، وضوابط الإعفاء، بما يحقق التوازن بين حرية التعبير وحماية حقوق الأفراد، ويلزم الفاعلين الرقميين بتبني سياسات فعالة للتبليغ، والحذف، وتعويض الضرر عند الاقتضاء.
الفقرة الثانية: المسؤولية الجنائية للمنصات الرقمية عن الجرائم المرتكبة عبر خدماتها.
مع تزايد حجم الجرائم الرقمية المرتكبة من خلال منصات التواصل الاجتماعي، أصبح من اللازم مساءلة هذه المنصات ليس فقط من زاوية المسؤولية المدنية، بل كذلك من الجانب الجنائي، خصوصًا في الحالات التي يظهر فيها نوع من الاشتراك أو التواطؤ أو الإهمال الجسيم من قبل المنصة تجاه أفعال جرمية واضحة ارتكبها المستخدمون. وتزداد أهمية هذا الطرح حينما يتعلق الأمر بمنصات تحظى بانتشار واسع وتأثير بالغ، مثل منصة تيك توك، التي أصبحت في كثير من الأحيان بيئة خصبة لنشر خطابات الكراهية، والمساس بالحياة الخاصة، والتشهير، بل وحتى التحريض على العنف.
في القواعد العامة، تقوم المسؤولية الجنائية على أساس الفعل الجرمي والنية الإجرامية، ولا يمكن مساءلة الشخص إلا عن فعل قام به أو ساهم فيه. غير أن التقدم التكنولوجي، والتداخل الكبير بين الأدوار التقنية والوظيفية التي تقوم بها المنصات الرقمية، دفع بعض التشريعات المقارنة ومنها التشريع الفرنسي إلى توسيع دائرة المسؤولية الجنائية لتشمل مزودي الخدمة الرقميين، متى ثبت علمهم بالمحتوى الإجرامي أو عدم اتخاذهم ما يلزم لمنع انتشاره أو استمراره، رغم توفر وسائل فنية لذلك.
وفي المغرب، ورغم غياب نصوص جنائية صريحة تُحمّل المنصة مسؤولية جنائية مباشرة عن محتوى المستخدم، فإن مجموعة من المقتضيات يمكن أن تطبّق تأويليًا في هذا السياق. فمن جهة، ينص القانون الجنائي في فصوله المرتبطة بـالمشاركة في الجريمة (الفصول 129 وما يليها)[22]، على أن المساهم أو المشارك يُسأل جنائيًا متى ساهم في ارتكاب الفعل أو سهّل حصوله. وهذا ما قد ينطبق على المنصات التي تسمح باستمرار نشر المحتوى الإجرامي رغم التنبيهات، أو تُسهّل تداوله عبر خوارزميات ترويجية فعالة.
من جهة أخرى، فإن القانون رقم 07.03[23] المتمم والمغير لمجموعة القانون الجنائي والمتعلق بجرائم نظم المعالجة الآلية للمعطيات، يتيح تتبع الفاعلين المباشرين في الجرائم المعلوماتية، ويمكن أن يسند بعض المسؤولية للمنصة إن ثبت تورطها في تسهيل الأفعال أو عدم احترامها للضوابط الأمنية والفنية المفروضة لحماية المستخدمين وبياناتهم.
وتجدر الإشارة إلى أن القضاء المغربي لم يرس بعد اجتهادًا مستقرا في مساءلة المنصات الرقمية جنائيًا، غير أن التطور القضائي المقارن، وخاصة الفرنسي، يبرز اتجاها نحو تحميل المنصات المسؤولية في بعض الحالات التي يثبت فيها التقصير أو الامتناع العمدي عن القيام بما يقتضيه القانون من تدخل أو منع أو تبليغ[24].
أما بالنسبة لمنصة تيك توك، فقد واجهت في عدة دول ملاحقات قضائية بسبب نشر محتويات ذات طابع إجرامي، خصوصًا تلك التي تحرض على الانتحار، أو تروج لمشاهد عنف أو تحديات خطيرة تستهدف القاصرين. وفي هذا الإطار، فإن مساءلة المنصة جنائيًا تبقى ممكنة، متى وجدت دلائل على علمها بالمحتوى وعدم اتخاذها للتدابير اللازمة، وهو ما يفرض عليها ضرورة تعزيز آليات الرقابة الذاتية، والتفاعل السريع مع إشعارات التبليغ، واعتماد سياسات استباقية تحد من تكرار مثل هذه الانتهاكات.[25]
وختامًا، فإن المسؤولية الجنائية للمنصات الرقمية تظل مجالًا مفتوحًا للتطوير التشريعي والقضائي، في ظل تحديات التوازن بين حرية التعبير، وضمان الأمن الرقمي، وحماية حقوق الأفراد من الانتهاك الرقمي المنظم أو المتكرر.
المطلب الثاني: آليات الإعفاء وحدود الرقابة على المحتوى الرقمي.
مع التطور السريع لمنصات التواصل الاجتماعي وازدياد كمية المحتوى الرقمي الذي ينشر يوميًا، أصبحت مسألة الإعفاء من المسؤولية القانونية لهذه المنصات ذات أهمية متزايدة، حيث أدرك المشرع ضرورة تحقيق توازن دقيق بين تمكين المنصات من أداء دورها التقني كوسيط لنقل المحتوى، وبين تحميلها مسؤولية التعامل مع المحتويات المخالفة للقانون أو التي تمس الحقوق الفردية والعامة، ويقوم هذا التوازن على مجموعة من الشروط التي تشمل عدم علم المنصة بالمحتوى غير المشروع أو عدم تقصيرها في التفاعل مع إشعارات التبليغ في الوقت المناسب، إضافة إلى ممارسة الرقابة الذاتية من خلال آليات تقنية وإدارية تحول دون انتشار المحتوى الضار، ويعد هذا الإطار ضروريًا لضمان استمرار خدمات التواصل الرقمي دون تحميل المنصات أعباء قانونية تفوق قدراتها التقنية والتنظيمية، وهو ما يتضح جليًا في حالة منصة تيك توك التي تواجه تحديات كبيرة في ضبط المحتوى المعروض على منصتها من حيث سرعة انتشاره وتنوعه، مما يستوجب تحليل مدى فعالية سياساتها الداخلية وآليات التبليغ والحذف ومدى احترامها لشروط الإعفاء القانوني، ومن ثم يستدعي هذا الوضع النظر بعمق في ضوابط ومساطر الإعفاء وسبل تعزيز آليات الرقابة والتدخل التي تضمن حماية الحقوق دون المساس بحرية التعبير أو الابتكار الرقمي.
الفقرة الأولى: شروط الإعفاء من المسؤولية القانونية لمزودي الخدمات الرقمية.
في ظل التطور المتسارع لمنصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت تلعب دورًا رئيسيًا في نقل وتداول المحتوى الرقمي بين ملايين المستخدمين يوميًا، بات موضوع الإعفاء من المسؤولية القانونية لمزودي خدمات هذه المنصات من الموضوعات التي تكتسب أهمية متزايدة على الصعيدين التشريعي والقضائي. فمن جهة، تحرص المنصات الرقمية على تقديم خدماتها دون أن تثقل بأعباء قانونية غير واقعية قد تعيق استمراريتها وفعاليتها، ومن جهة أخرى، يظل من الضروري وضع ضوابط قانونية تحمي حقوق الأفراد والمؤسسات من الأضرار التي قد تنتج عن نشر محتوى غير مشروع أو مسيء أو مضلل عبر هذه المنصات.
ويتمحور مبدأ الإعفاء حول فكرة الحياد التقني للمنصة، والتي تفترض أن يكون مزود الخدمة مجرد وسيط ناقل للمحتوى دون أن يكون مشاركًا في إنشائه أو تحكمه الكامل، وهو ما يبرر إعفاؤه من المسؤولية القانونية طالما توفرت لديه شروط معينة. ومن أهم هذه الشروط ألا يكون مزود الخدمة على علم مباشر بالمحتوى غير القانوني أو المسيء، وأن يقوم فور تلقيه إشعارًا أو بلاغًا جديًا عن هذا المحتوى باتخاذ الإجراءات اللازمة بصورة سريعة وفعالة، مثل حذف المحتوى أو تعطيله أو اتخاذ التدابير التقنية التي تمنع انتشاره أو إعادة نشره.
ويكتسب هذا المبدأ أهمية بالغة في ظل الكم الهائل من المحتوى الذي تديره منصات مثل التيك توك، حيث لا يمكن للمنصة مراقبة كل منشور أو فيديو في الوقت الحقيقي، ما يجعلها تعتمد على أنظمة بلاغات المستخدمين وآليات الذكاء الاصطناعي لفلترة المحتوى غير المناسب. إلا أن هذا لا يعفي المنصة من مسؤوليتها في حال ثبت تقصيرها أو تأخرها في الاستجابة للبلاغات، أو إذا تجاهلت المحتوى المخالف بعد علمها به. إذ في هذه الحالات يعتبر الإعفاء ساقطًا، ويصبح مزود الخدمة مسؤولاً مدنيًا عن الأضرار التي قد تلحق بالأفراد أو المجتمع نتيجة استمرارية نشر ذلك المحتوى.
ويضاف إلى ذلك أن بعض القوانين والتشريعات – على غرار القانون المغربي – لم تنظم بعد بشكل مفصل هذه الآليات، مما يطرح تحديات في تحديد مدى مسؤولية المنصات، ويزيد من الحاجة إلى استلهام التجارب المقارنة، مثل التشريع الفرنسي الذي يضع معايير واضحة للإعفاء، ويلزم مزودي الخدمات بالاستجابة الفورية للمحتوى المخالف بمجرد العلم به، تحت طائلة تحمل المسؤولية. ويبرز هذا الواقع أهمية تطوير التشريعات الوطنية لتتماشى مع المستجدات الرقمية، مع التركيز على أهمية توعية المستخدمين ودعم قدرات المنصات على اتخاذ إجراءات فعالة تحفظ التوازن بين حماية الحقوق واحترام حرية التعبير.
وبالتالي، تعد هذه الشروط والمبادئ الأساسية التي تحكم الإعفاء من المسؤولية القانونية جوهرية لضمان تسيير المنصات الرقمية بفعالية ومسؤولية، وهو ما يضع على عاتق منصة تيك توك مسؤولية كبيرة في تنظيم محتواها، وتفعيل آليات التبليغ والرقابة الذاتية، بما يضمن احترام القوانين وحماية حقوق مستخدميها، ويجنبها المخاطر القانونية المرتبطة بالمحتوى المسيء أو الضار.
الفقرة الثانية: حدود الرقابة على المحتوى وآليات التبليغ في المنصات الرقمية.
في ظل تصاعد التحديات المرتبطة بالمحتوى الرقمي المنشور على منصات التواصل الاجتماعي، أصبحت مسألة الرقابة من أبرز الإشكالات التي تواجه كل من المشرع، والمنصة، والمستخدم في آن واحد. فالرقابة على المحتوى – سواء أكانت تلقائية عبر خوارزميات ذكية، أو بشرية من خلال فرق مختصة – تمثل الأداة التي تعتمدها المنصات لضمان عدم نشر محتوى مخالف للقانون أو مضرّ بحقوق الأفراد، لكنها في المقابل تثير تساؤلات حول مدى فعاليتها، وشرعيتها، وحدود تدخلها دون المساس بحرية التعبير. وتجد هذه المسألة صداها في حالة منصة تيك توك، التي تعتمد أنظمة معقّدة لرصد المحتوى غير المناسب، لكنها كثيرًا ما تتهم بالتراخي أو الانتقائية أو حتى الغموض في معايير الرقابة التي تعتمدها، مما يخلق نوعًا من التوتر بين المستخدمين والمنصة، بل ويضعها أحيانًا موضع مساءلة قانونية.
ويعد نظام التبليغ عن المحتوى أحد أبرز أدوات الرقابة المعتمدة، حيث تتيح أغلب المنصات للمستخدمين إمكانية الإبلاغ عن المحتويات التي يرونها مخالفة، لتقوم إدارة المنصة بعد ذلك بتقييم مدى جدية البلاغ واتخاذ الإجراء المناسب. غير أن الإشكال يكمن في مدى سرعة التفاعل مع هذه البلاغات، وشفافية الإجراءات المتبعة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمحتوى قد يلحق ضررًا بالغًا بالضحايا خلال مدة بقائه منشورًا. فبالمغرب، لم يخصص المشرع حتى الآن نظامًا قانونيًا مفصلًا يفرض على المنصات التزامات واضحة بخصوص آليات التبليغ وسرعة التفاعل، مما يترك فراغًا تشريعيًا يجعل من حماية الحقوق الرقمية رهينًا بسياسات المنصات الداخلية لا غير. أما على مستوى التشريعات المقارنة، فنجد أن القانون الفرنسي مثلًا، وخصوصًا في قانون الثقة في الاقتصاد الرقمي لسنة 2004، قد فرض التزامات دقيقة على مزودي الخدمات، من بينها ضرورة توفير وسيلة واضحة وسهلة للتبليغ، والاستجابة الفورية للبلاغات تحت طائلة المسؤولية.
وتطرح الرقابة على المحتوى إشكالات إضافية تتعلق بطبيعة المحتوى ذاته، فبعض المضامين – كالمحتوى التحريضي أو الكاذب أو المسيء – لا يسهل دائمًا تحديد طبيعته القانونية بدقة، مما يضع المنصات أمام قرارات حساسة تتطلب توازنًا بين محاربة الانتهاكات الرقمية وحماية الحق في التعبير، خاصة في ظل اختلاف الثقافات والأنظمة القانونية من بلد لآخر. وهنا تبرز أيضًا أهمية التعاون بين الدول والمنصات لإيجاد أطر مشتركة تحكم طريقة مراقبة المحتوى وتقييم المخالفات.
وفي خضم هذه التحديات، تظل منصة تيك توك نموذجًا بالغ الحساسية، بحكم شيوع استعمالها من قبل فئات عمرية صغيرة، مما يجعل الرقابة على محتواها مسألة تتعلق ليس فقط بالحقوق، بل أيضًا بحماية القاصرين والأمن النفسي والاجتماعي، وهو ما يفرض إعمال مسؤولية أكثر صرامة في التعامل مع المحتويات العنيفة، والمسيئة، أو التي تنطوي على إيحاءات غير لائقة أو رسائل ضارة. ولئن كانت المنصة قد أحرزت بعض التقدم في تطوير أنظمتها الرقابية، فإن الطريق لا يزال طويلاً لضمان بيئة رقمية آمنة، تستجيب لمبادئ القانون، وتحترم في الآن ذاته القيم الاجتماعية والإنسانية.
الفقرة الثالثة: التأمين الرقمي كآلية موازية للحماية من المسؤولية القانونية.
أمام تعقيد الإشكالات القانونية الناشئة عن المحتوى المتداول عبر المنصات الرقمية، لم يعد الاكتفاء بالرقابة أو آليات الإعفاء كافيًا لضمان حماية شاملة من المخاطر القانونية والمالية، سواء بالنسبة للمستخدمين أو لمزودي خدمات المنصات أنفسهم. من هنا، برز مفهوم التأمين الرقمي[26] كآلية حديثة وموازية للحماية، تهدف إلى تغطية الأضرار التي قد تنشأ عن حوادث رقمية، بما في ذلك النشر غير المشروع، والاختراقات، والتشهير، وانتهاك الخصوصية أو حقوق الملكية الفكرية. وقد أصبح التأمين ضد الأخطار السيبرانية يشكل أحد أعمدة الأمن الرقمي المعتمد في عدد من الدول والمؤسسات، إذ يوفر شبكة أمان قانوني ومالي في حال فشل وسائل الرقابة التقليدية، أو إذا ترتبت مسؤولية قانونية رغم اتخاذ التدابير الوقائية.
وتنبع أهمية التأمين الرقمي في هذا السياق من كونه لا يعفي المنصة أو المستخدم من المسؤولية الأخلاقية أو القانونية، لكنه يخفف من تبعاتها ويؤمّن مخرجاتها، خاصة فيما يتعلق بالتعويضات المدنية أو تكاليف التقاضي. وقد بدأت بعض شركات التكنولوجيا الكبرى في اعتماد بوليصات تأمين شاملة تغطي جزءًا من المخاطر المرتبطة بالمحتوى الرقمي، سواء في مواجهة دعاوى القذف والتشهير، أو الهجمات السيبرانية، أو التلاعب بالبيانات. كما بدأ بعض الأفراد من مستخدمي الإنترنت، خصوصًا المؤثرين وصنّاع المحتوى، في اللجوء إلى هذا النوع من التأمين، بالنظر إلى ما أصبح يترتب عن المحتوى الرقمي من مسؤوليات ثقيلة قد تتجاوز إمكانياتهم.
وفي السياق المغربي، يظل التأمين الرقمي مجالًا ناشئًا لم يحظ بعد بتنظيم دقيق أو بتغطية واسعة، رغم تنصيص بعض النصوص القانونية على ضرورة اتخاذ تدابير أمنية وتقنية، وهو ما يفتح المجال لتطوير منظومة تأمينية رقمية تستوعب خصوصيات الجرائم الرقمية والمخاطر السيبرانية. ويبدو أن الحاجة إلى مثل هذه الآلية تزداد إلحاحًا في حالة منصات مثل تيك توك، حيث حجم التفاعل وسرعة انتشار المحتوى يضاعف من احتمالات التبليغ والدعاوى، وبالتالي يصبح التأمين وسيلة عقلانية لضمان توازن قانوني ومالي عند وقوع الأضرار.[27]
وبذلك، يعد التأمين الرقمي امتدادًا طبيعيًا لجهود الحماية القانونية في البيئة الرقمية، كما يشكل حلقة وصل بين الوقاية القانونية والمعالجة العملية لما قد ينشأ من مسؤوليات نتيجة المحتوى الرقمي، سواء بالنسبة لمزودي الخدمة أو لمستخدميها.
خاتمة:
تشكل منصات التواصل الاجتماعي اليوم جزءًا لا يتجزأ من الحياة الرقمية للمواطنين، حيث أصبحت فضاءً واسعًا للتعبير والتفاعل وتبادل المعلومات، غير أن هذا الانتشار الواسع يحمل في طياته تحديات قانونية واجتماعية جسيمة تتطلب وقوفًا قانونيًا محكمًا ومسؤولًا. فقد أظهرت الدراسة أن حماية هذه المنصات وتنظيمها قانونيًا ليس أمرًا ثانويًا أو هامشيًا، بل هو ضرورة ملحة توازن بين حق حرية التعبير وحق حماية الأفراد من الأضرار الناجمة عن المحتوى الرقمي. كما أن وضوح الأطر القانونية ووجود آليات فعالة للإعفاء من المسؤولية والرقابة الذاتية، إضافة إلى تطوير وسائل حديثة مثل التأمين الرقمي، يشكلان ركيزة أساسية للحفاظ على توازن دقيق بين مصالح المستخدمين والمنصات نفسها.
إن التحديات المستمرة التي تواجهها منصات مثل “تيك توك” تعكس الحاجة الملحة إلى تشريعات متطورة ومرنة قادرة على مواكبة سرعة التغيرات التقنية والرقمية، مع التأكيد على أهمية الشفافية والمسؤولية في إدارة المحتوى. ولا يمكن إغفال دور الوعي الرقمي والتثقيف القانوني للمستخدمين باعتباره عنصرًا مكملًا وأساسيًا لتحقيق بيئة رقمية صحية وآمنة.
في ضوء ذلك، تبقى الدعوة موجهة نحو المزيد من التعاون بين الجهات التشريعية، والقضائية، والتقنية، لتأسيس منظومة متكاملة تواكب متطلبات العصر الرقمي، وتضمن حماية الحقوق مع المحافظة على الحريات، مؤمنة بذلك بيئة رقمية متوازنة ومستدامة تستفيد منها المجتمعات بكافة أطيافها.
وفيما يلي بعض الاقتراحات التي يمكن أن تسهم في تطوير الإطار القانوني والتنظيمي للمنصات الرقمية:
- سن إطار قانوني واضح وشامل ينظم طبيعة عمل المنصات الرقمية، يحدد بدقة مسؤولياتها القانونية تجاه المحتوى المنشور عليها، مع وضع ضوابط واضحة للإعفاء من المسؤولية.
- إرساء آليات تبليغ فعالة وشفافة تلزم المنصات الرقمية بالاستجابة السريعة للشكاوى المتعلقة بالمحتوى المخالف، مع ضمان حق المستخدمين في متابعة الشكاوى والاطلاع على نتائجها.
- تعزيز الرقابة الذاتية لدى المنصات عبر تحسين الخوارزميات وأنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في فلترة المحتوى الضار، مع دعم التدخل البشري لضمان نزاهة القرارات.
- تطوير برامج توعية وتثقيف رقمي تستهدف مختلف شرائح المستخدمين، خاصة الفئات العمرية الصغيرة، لتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم في الفضاء الرقمي وأخطار المحتوى غير المسؤول.
- تشجيع تبني التأمين الرقمي كأداة موازية للحماية القانونية، سواء للمنصات أو المستخدمين، لتخفيف الآثار المالية والقانونية الناتجة عن المحتوى المسيء أو الضار.
- تعزيز التعاون الدولي لتبادل الخبرات والتجارب التشريعية والتنظيمية، والاستفادة من التجارب المقارنة مثل التشريع الفرنسي، لمواجهة التحديات الرقمية العابرة للحدود.
لائحة المراجع:
- رشيدة بوكر: ” جرائم الاعتداء على نظم المعالجة الآلية”، ط2012، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت ــ لبنان.
- سعيد جمعة عقل، حربي محمد عريقات: “مبادئ التأمين”،ط2016، دار البداية للنشر والتوزيع، مصر.
- سمير عالية: “الجرائم الإلكترونية في القانون الجديد رقم 81/2018 والمقارن (حرية التواصل الإلكتروني والقواعد العقابية والإجرامية)”، ط1، سنة:2020، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت ــ لبنان.
- مدحت عبد العال: ” الالتزامات الناشئة عن عقود تقديم برامج المعلومات”، ط 2003، دار النهضة العربية، القاهرة
- محمد المبطول: ” المسؤولية المدنية في المجال الرقمي في ضوء التشريع المغربي”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس بالرباط، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سلا، الموسم الجامعي 2022-2023.
- فاطمة الزهراء الفضلي: “عقود خدمات المعلومات والمسؤولية المدنية لمقدمي الخدمات الرقمية”، مجلة ريادة للدراسات القانونية والاقتصادية، العدد الأول يناير – مارس 2025.
- Montag, C., & Hegelich, S. (2020). Understanding TikTok: Social Media Phenomenon and its Impact on Society. Journal of Digital Media & Policy, 11(3).
- – سمير عالية: “الجرائم الإلكترونية في القانون الجديد رقم 81/2018 والمقارن (حرية التواصل الإلكتروني والقواعد العقابية والإجرامية)”، ط1، سنة:2020، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت ــ لبنان، ص:15. ↑
- – القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.18.19 بتاريخ 5 جمادى الآخرة 1439 (22 فبراير 2018)، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 6655 بتاريخ 12 مارس 2018. ↑
- – الفصل 447-1 من القانون الجنائي المغربي:”يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من 2.000 إلى 20.000 درهم، كل من قام عمدا، وبأي وسيلة، بتثبيت أو تسجيل أو بث أو توزيع صورة شخص أثناء تواجده في مكان خاص، دون موافقته.” ↑
- – الفصل 447-2:”يعاقب بالحبس من سنة واحدة إلى ثلاث سنوات وغرامة من 2.000 إلى 20.000 درهم، كل من قام عمدا، وبأي وسيلة، بالتقاط أو تسجيل أو بث أو توزيع أقوال أو معلومات صادرة بشكل خاص أو سري، دون موافقة أصحابها.” ↑
- – الفصل 447-3:”يعاقب بالحبس من سنة واحدة إلى خمس سنوات وغرامة من 5.000 إلى 50.000 درهم، كل من قام بنشر أو توزيع الادعاءات أو الوقائع الكاذبة، بقصد المس بالحياة الخاصة للأشخاص أو التشهير بهم، وذلك بواسطة أنظمة معلوماتية.” ↑
- – القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 01.07.129 بتاريخ 19 من ذي القعدة 1428 الموافق ل30 نوفمبر 2007، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5584 بتاريخ 25 من ذي القعدة 1428 الموافق ل6 ديسمبر 2007، ص:3879. ↑
- – القانون رقم 43.20 المتعلق بخدمات الثقة بشأن المعاملات الإلكترونية الصادر بتنفيذه ظهير الشريف رقم 1.20.100 بتاريخ 16 من جمادى الأولى 1442، الموافقة ل31 ديسمبر 2020، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 6951 بتاريخ 27 جمادى الأولى 1442 الموافق ل11 يناير 2021. ↑
- – القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 09.1.15 ، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5932 بتاريخ 7 أبريل 2011. ↑
- – القانون 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.69 بتاريخ 14 ذي الحجة 1441 الموافق ل25 يوليوز 2020، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7011 بتاريخ 29 ذو الحجة 1442 الموافق ل 9 أغسطس 2021. ↑
- – قرار المجلس الدستوري الفرنسي رقم 96-378 DC بتاريخ 23 يوليو 1996 بشأن قانون تنظيم الاتصالات، الجريدة الرسمية للجمهورية الفرنسية، عدد 171، 24 يوليو 1996، ص. 11214. ↑
- – Montag, C., & Hegelich, S. (2020). Understanding TikTok: Social Media Phenomenon and its Impact on Society. Journal of Digital Media & Policy, 11(3), 345-360. ↑
- – القانون رقم 07.03 القاضي بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.03.197 بتاريخ 16 رمضان 1424 (11 نوفمبر 2003)، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 5171 بتاريخ 27 نوفمبر 2003، ص 3984. ويتعلق هذا القانون أساسًا بإدراج باب خاص بجرائم المس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات (من الفصل 607-3 إلى 607-10) ↑
- – سمير عالية: م. س، ص: 147. ↑
- – سمير عالية: م. س، ص: 150. ↑
- – رشيدة بوكر: ” جرائم الاعتداء على نظم المعالجة الآلية”، ط2012، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت ــ لبنان، ص: 56. ↑
- – المرجع نفسه. ↑
- – سمير عالية: مرجع سابق، ص: 171. ↑
- – تعد إشكالية المسؤولية المدنية لمقدمي الخدمات الرقمية من أهم الإشكاليات المرتبطة باستخدام الأنترنت، والتي دفعت الدول على مختلف المستويات، فقهًا وتشريعًا وقضاءً إلى بذل العديد من المجهود فيما يخص إيجاد حل لها عن طريق وضع إطار قانوني مناسب لها. والواقع يؤكد وجود صعوبات قانونية عند الحديث عن هذه المسؤولية، وذلك نظرا لكثرة الأشخاص القائمين على هذه الخدمات، وكثرة المواد التي يتم بثها عبر شبكة الأنترنت، فضلا عن الطبيعة الفنية لهذه الشبكة. ينظر: فاطمة الزهراء الفضلي: “عقود خدمات المعلومات والمسؤولية المدنية لمقدمي الخدمات الرقمية”، مجلة ريادة للدراسات القانونية والاقتصادية، العدد الأول يناير – مارس 2025، ص: 274. ↑
- – Décision n° 2004-496 DC du 10 juin 2004 – Loi pour la confiance dans l’économie numérique (LCEN)،والذي أرسى مبدأ التمييز بين مزودي الاستضافة والمحتوى، وجعل مسؤولية الأولى مشروطة بعلمهم بالمحتوى المخالف وعدم تفاعلهم بعد التبليغ. ↑
- – ينظر: المادة 230 من القانون المدني الفرنسي (Code civil)، في شق المسؤولية التقصيرية الناتجة عن فعل الغير، والتي طُورت قضائيًا لتطال مزودي الخدمات الرقمية في بعض الحالات. ↑
- – تقرير هيئة حماية البيانات الهولندية DPA (2021) وتقرير مجلس الشيوخ الأمريكي حول حماية القُصَّر على تيك توك (2023). ↑
- – الفصول 129 وما يليها من مجموعة القانون الجنائي المغربي، المتعلقة بمسؤولية المشاركة والتواطؤ في ارتكاب الجريمة. ↑
- – لقانون رقم 07.03 الصادر في 30 نوفمبر 2007، المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، خاصة المواد المتعلقة بجرائم نظم المعالجة الآلية للمعطيات، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 5584 بتاريخ 6 دجنبر 2007 ↑
- – لمادة 6 من قانون الثقة في الاقتصاد الرقمي الفرنسي (LCEN) رقم 2004-575 الصادر بتاريخ 21 يونيو 2004، التي تُلزم مزودي خدمات الاستضافة بالتفاعل بسرعة مع المحتوى غير القانوني بمجرد علمهم به لتجنب المسؤولية.قرار مجلس الدولة الفرنسي رقم 372964 لسنة 2011. ↑
- – تقرير لجنة التجارة الأميركية بشأن حماية القُصَّر على تيك توك (2023).تقارير هيئة حماية البيانات الأوروبية (EDPB) حول التزامات مزودي خدمات التواصل الاجتماعي. ↑
- – يعتبر التأمين تغطية تأمينية ضد الغير، حيث تقوم شركة التأمين بموجبه بتعويض الغير مباشرة أو من خلال المؤمن له عن الأضرار التي تلحق بالغير، وذلك نتيجة خطأ اقترفه المؤمن له، على أن حدود هذا النوع من التأمين لا يتعدى المسؤولية القانونية للمؤمن له. سعيد جمعة عقل، حربي محمد عريقات: “مبادئ التأمين”، ط2016، دار البداية للنشر والتوزيع، مصر، ص:52.وبعبارة أخرى التأمين هو: تحمل المؤمن التبعات المالية المترتبة على مسؤولية المؤمن له المدنية بسبب الأضرار اللاحقة بالغير، أي حماية الذمة المالية للمؤمن له. محمد المبطول: ” المسؤولية المدنية في المجال الرقمي في ضوء التشريع المغربي”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس بالرباط، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سلا، الموسم الجامعي 2022-2023، ص: 218. ↑
- – من مبررات تأمين الخطر الرقمي:1- التأمين وسيلة من وسائل تشجيع الاستثمار والابتكار في المجال الرقمي، والنمو الاقتصادي بصفة عامة.
2- التوسع في نطاق المسؤولية دون خطأ أو ما يسمى بالمسؤولية الموضوعية، هو أبرز المبررات التي تؤدي لقبول نظام تأمين هذا الخطر، وجعله تأمينا إجباريا، خاصة مع اتجاه الفقه نحو الدعوة لإقرار نظام خاص للمسؤولية التي تقع على عاتق المهنيين، وزيادة المسؤولية الواقعة على التقني من خلال فرض الالتزام بالسلامة الاقتصادية. محمد المبطول: م. س، ص: 248.
3- يعد عقد التأمين في إطار النظم المعلوماتية قيمة تنافسية كبيرة للمشروعات المنتجة لها تعمل على جذب العملاء، فالتأمين من المسؤولية يفيد المهني المسؤول عن الضرر، والمتضرر في آن واحد، حيث يأمن الأخير من خطر إعسار المهني في ظل تضخم حجم الأضرار الناتجة عن الخطأ في إطارها، لذلك يشترط العميل على المهني بأن يبرم عقد تأمين ضد مسؤوليته المحتملة في مواجهته عن عدم تحقق النتائج الموعود بها، بل قد يصل الأمر إلى اشتراط أن يمتد الضمان ليشمل المسؤولية الناشئة في مرحلة التفاوض وكذلك المسؤولية عن فعل الغير. مدحت عبد العال: ” الالتزامات الناشئة عن عقود تقديم برامج المعلومات”، ط 2003، دار النهضة العربية، القاهرة، ص:68. ↑





