في الواجهةمقالات قانونية

إقرار آلية التجنيح القضائي: خطوة إصلاحية أم مساس بمبادئ العدالة؟ عبدالعالي ناصري

 

إقرار آلية التجنيح القضائي: خطوة إصلاحية أم مساس بمبادئ العدالة؟

عبدالعالي ناصري

حاصل على ماستر في العلوم القانونية

تخصص القانون المدني

كلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية –عين الشق

جامعة الحسن الثاني –الدارالبيضاء

جاء في المذكرة التقديمية لمشروع قانون المسطرة الجنائية أن هذا المشروع جاء بالعديد من المستجدات، منها ما يتعلق بتعزيز وتقوية ضمانات المحاكمة العادلة، وتعزيز حقوق الدفاع، بالإضافة إلى تحسين نجاعة آليات العدالة الجنائية وتحديثها؛ ومن بين الإجراءات التي أتى بها المشروع توخيا للنجاعة، إقرار آلية التجنيح القضائي.

ويأتي هذا المستجد، ضمن مقتضيات المادة 49 من المشروع ليخول للوكيل العام للملك صلاحية إحالة جناية من الجنايات على وكيل الملك باعتبارها جنحة فقط، كلما ظهر له أن الضرر الناجم عنها كان محدودا أو قيمة الحق المعتدى عليه بسيطة، وذلك إذا كان القانون يسمح بوصف الأفعال بوصف جنحة كذلك، وذلك في إطار سد الفراغ التشريعي بشأن آلية التجنيح القضائي كصورة من صور التفريد القضائي تخول للنيابة العامة كجهة متابعة صلاحية تغيير وصف الجريمة من جناية الى جنحة كلما تبين لها أن خطورة الفعل بسيطة ولا تتناسب مع العقوبة المقررة للجناية.

ويروم هذا المستجد بالأساس إلى تلافي تعقيدات الإجراءات وطول المساطر أمام الغرف الجنائية وتخليص هذه الغرفة من القضايا البسيطة.

وبناء عليه، تنص المادة 49 على ما يلي: «خلافا للقواعد المنظمة للاختصاص النوعي، يمكن للوكيل العام للملك كلما تعلق الأمر بجناية وكان الضرر الناجم عنها محدودا، أو كانت قيمة الحق المعتدى عليه بسيطا، أن يحيل القضية إلى وكيل الملك المختص لإجراء المتابعة بشأنها بوصفها جنحة إذا كان القانون يسمح بوصفها بذلك. وتتقيد المحكمة التي تحال عليها القضية بمناقشتها وفق الوصف المحدد في المتابعة».

واستبيانا لمقتضيات هذه المادة، يتضح أن مشروع قانون المسطرة الجنائية، منح الوكيل العام صلاحية إعادة تكييف الأفعال، وهو ما يشكل تحولا لافتا في توزيع الاختصاص النوعي؛ فبموجب هذه المادة، يمكن للوكيل العام للملك، خلافا للقواعد العامة، أن يحيل جناية على وكيل الملك بوصفها جنحة، إذا كان الضرر الناتج عنها محدودا أو قيمة الحق المعتدى عليه بسيطة، وكان القانون يسمح بذلك، وتلتزم المحكمة بالوصف المعتمد في المتابعة. هذا التوسع في سلطة التكييف قد يثير تساؤلات حول مدى احترام مبدأ الشرعية وتوازن السلطات داخل المنظومة الجنائية.

وعليه، فإن إقرار هذه الصلاحية الجديدة يترتب عليها جملة من الآثار القانونية والعملية، تمس على وجه الخصوص المتهم، وتمتد كذلك إلى الضحية، كما تنعكس أيضاً على المحكمة المختصة، التي قد تجد نفسها أمام واقع قانوني يحدّ من سلطتها التقديرية في التكييف ويقيّد هامشها في ملاءمة الوقائع مع الوصف القانوني السليم.

أولا) آثار المادة 49 على المتهم: فإن مقتضيات هذه المادة تُفضي إلى مصادرة حقه في اختيار المحاكمة أمام المحكمة الجنائية، التي قد يراها أصلح له، إما لاقتناعه بانتفاء أركان الجريمة، أو لاعتقاده بإمكانية استفادته من محدودية وسائل الإثبات، خاصة وأن محاضر ضباط الشرطة القضائية في الجنايات لا تعدو أن تكون مجرد معلومات، بخلاف ما هو عليه الحال في الجنح، حيث يوثق بمضمن هذه المحاضر مالم يثبت العكس.

ثانيا) آثار المادة 49 على الضحية: فإن مقتضيات هذه المادة تُفضي إلى المساس بحقه في الإنصاف، إذ قد يُفاجأ بتحويل الفعل، رغم خطورته وطابعه الجنائي، إلى مجرد جنحة، بناء على تقدير الوكيل العام للملك، وهو ما قد يُفهم منه تبخيس لخطورة الأفعال المرتكبة وآثارها عليه.

ثالثا) آثار المادة 49 على المحكمة: فإن ما تضمنته هذه المادة يمس بجوهر استقلالها، إذ يُقيد سلطتها التقديرية ويُصادر اختصاصها الأصيل في توصيف الوقائع وتكييفها القانوني، من خلال إلزامها بالوصف الذي حدده الوكيل العام للملك. وهو ما قد يدفعها، في بعض الحالات، إلى التصريح بعدم اختصاصها، رغم قناعتها بخلاف ذلك. فإسناد هذا الاختصاص لشخص واحد، قد يكون خاضعا لاعتبارات متعددة، من شأنه أن يمس بحق المتقاضين في الولوج الفعلي والمنصف إلى العدالة، ويضعف في الوقت ذاته الحماية الدستورية المخولة للمحكمة في ممارسة صلاحياتها القضائية.

وهكذا، نخلص إلى أن المادة 49 من مشروع قانون المسطرة الجنائية، رغم ما قد تحمله من نوايا تتعلق بترشيد الدعوى العمومية وتسريع وتيرتها، إلا أنها تطرح إشكالات عميقة تمس جوهر العدالة الجنائية، من خلال منح النيابة العامة، ممثلة في الوكيل العام للملك، سلطة واسعة في تكييف الأفعال وتحويل الجنايات إلى جنح بناءً على تقدير شخصي، دون ضمانات كافية توازن هذا الامتياز.

ومن جهة أخرى، فإن هذه الآلية تخلّ بالتوازن الضروري بين أطراف الدعوى، وتنتقص من استقلالية المحكمة، كما تُضعف حقوق المتهم والضحية على حد سواء. وعليه، وبالنظر إلى كون الوكيل العام جهة اتهام، فإنه من الأجدى أن تُصبح قراراته قابلة للطعن أمام الغرفة الجنحية، على غرار أوامر قاضي التحقيق، بما يضمن مراقبة قضائية فعّالة ويحافظ على مبدأ الشرعية وتوازن السلطات داخل المنظومة الجنائية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى