في الواجهةمقالات قانونية

الـــــذكــــاء الاصــــطــــنــاعــي:”دراسة في ماهيته وتأثيره على الإدارة العمومية والقضاء الإداري” الدكتور: عبدالله المخلوق

الدكتور: عبدالله المخلوق

الـــــذكــــاء الاصــــطــــنــاعــي:”دراسة في ماهيته وتأثيره على الإدارة العمومية والقضاء الإداري”

Artificial Intelligence:

“A Study of Its Essence and Influence on Public Administration and Administrative Judiciary”

الدكتور: عبدالله المخلوق

دكتور في القانون العام والعلوم السياسية، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية

أكدال-الرباط – تخصص القانون العام والعلوم السياسية

هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 60 الخاص بشهر أكتوبر/ نونبر 2025
رابط تسجيل الاصدار في DOI


https://doi.org/10.63585/EJTM3163

للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

الـــــذكــــاء الاصــــطــــنــاعــي:”دراسة في ماهيته وتأثيره على الإدارة العمومية والقضاء الإداري”

Artificial Intelligence:

“A Study of Its Essence and Influence on Public Administration and Administrative Judiciary”

الدكتور: عبدالله المخلوق

دكتور في القانون العام والعلوم السياسية، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية

أكدال-الرباط – تخصص القانون العام والعلوم السياسية

ملخص:

يركز البحث على دور الذكاء الاصطناعي في تحسين جودة الخدمات الإدارية والقضائية من خلال تبسيط الإجراءات، تسريع المساطر، وتعزيز دقة اتخاذ القرار، بما يساهم في ترشيد استعمال الموارد ورفع فعالية الأداء العمومي. غير أنّ هذا التوظيف يثير تحديات قانونية وأخلاقية معقدة تتعلق أساسًا بحماية المعطيات الشخصية، صون الحقوق والحريات الأساسية، وضمان مبدأ الشفافية واستقلالية السلطة القضائية. ومن ثَمَّ، يخلص البحث إلى أنّ الاستفادة الآمنة والمسؤولة من الذكاء الاصطناعي رهينة بوجود إطار قانوني وأخلاقي متكامل يوازن بين متطلبات النجاعة الإدارية والعدالة القضائية من جهة، والحفاظ على الحقوق والمبادئ الدستورية من جهة أخرى.

كلمات مفتاحية للبحث:

الذكاء الاصطناعي، الإدارة العمومية، القرار الإداري المؤتمت، القضاء الإداري، الخوارزميات القضائية.

Abstract
The research highlights the role of artificial intelligence in improving administrative and judicial services by streamlining procedures, speeding up processes, and enhancing decision accuracy. Yet, it raises legal and ethical concerns regarding data protection, fundamental rights, transparency, and judicial independence. The study concludes that safe and responsible use of AI requires a comprehensive framework that balances efficiency and justice with the preservation of rights and constitutional principles.

مقدمة عامة

يشكل إدماج الذكاء الاصطناعي في الحقل الإداري خطوة محورية ضمن مسار تحديث الإدارة العمومية، لما يتيحه من فرص واسعة لتسريع الإجراءات وتبسيطها، وخفض الكلفة وتقليل الأخطاء البشرية، فضلاً عن الرفع من جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. ومع ذلك، فإن هذا التحول الرقمي، على الرغم من مزاياه البارزة، يطرح تحديات قانونية وأخلاقية معقدة، خصوصًا في ما يتصل بحماية حقوق الأفراد وضمان احترام القواعد الدستورية الثابتة.

تنبع أهمية القرار الإداري من كونه الوسيلة الأساسية التي تعتمدها الإدارة لتفعيل السياسات العمومية وتحقيق المصلحة العامة. فنجاح الإدارة في أداء وظائفها رهين بقدرتها على إصدار قرارات مطابقة للقانون، مؤسسة على عناصر صحيحة من حيث الموضوع، والسبب، والاختصاص، والشكل. ولا يُتصور وجود إدارة ناجعة دون قرارات مدروسة تستند إلى أسس موضوعية واضحة.

حيث شهد العالم خلال العقود الأخيرة طفرة هائلة في مجال التكنولوجيا، خصوصًا مع الثورة الرقمية التي غيّرت أنماط الحياة وأثرت مباشرة في طرق عمل الإدارات العمومية. فظهر مفهوم “الإدارة الرقمية” القائمة على النظم المعلوماتية، قبل أن يتوسع الاهتمام إلى تقنيات أكثر تطورًا، مثل توظيف الذكاء الاصطناعي في صناعة القرار الإداري، مما أدى إلى بروز نمط جديد يُعرف بـ”القرار الإداري المؤتمت” أو “الخوارزمي”.

هذه القرارات تُصدر بشكل كلي أو جزئي عبر أنظمة ذكية مبرمجة سلفًا، تعتمد على تحليل كم هائل من البيانات التي يمدها بها خبراء مختصون، وتُطبق في مجالات متعددة، مثل البت في طلبات الرخص، أو اقتراح حلول في صياغة السياسات العمومية. وعلى الرغم من طبيعتها الآلية، فإن هذه القرارات تبقى خاضعة لمرتكزات القرار الإداري التقليدي، ولا يمكن أن تُستثنى من قاعدة المشروعية أو من رقابة القضاء الإداري.

وفي الإطار نفسه، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُسهم في مجال القضاء الإداري من خلال تحليل السوابق القضائية، وربط النصوص القانونية ببعضها البعض، وتقديم نماذج استرشادية تساعد القاضي على إصدار أحكام أكثر دقة واتساقًا، عبر ما يُعرف بالعدالة التنبؤية. غير أن هذا الدعم التقني ينبغي ألا يمس باستقلالية القاضي، أو يحوّله إلى مجرد منفّذ لخوارزميات معدّة مسبقًا.

حيث أدركت الإدارة الحديثة أن الانخراط في ركب التطور التكنولوجي لم يعد خيارًا ثانويًا، بل صار ضرورة ملحة لمواكبة متطلبات العصر والاستجابة لتطلعات المواطنين المتزايدة. وهو ما يفرض تبني أدوات وآليات جديدة تعزز من فعاليتها، دون التفريط في المبادئ التي يقوم عليها النظام الإداري والقضائي، مثل الشفافية، والمساءلة، وضمان الحقوق.

وانطلاقًا من هذه التحديات، يهدف هذا البحث إلى دراسة التحولات التي يشهدها العمل الإداري في مجال القرارات الإدارية والعمل القضائي الإداري، في ظل الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي، مع إبراز بعض الإشكالات القانونية والأبعاد الأخلاقية المرافقة له، وذلك بغرض صياغة توصيات عملية توازن بين تحقيق الفعالية الإدارية والقضائية من جهة، وضمان احترام المبادئ القانونية والدستورية من جهة أخرى.

وتتجلى أهمية هذا البحث في معالجته لأحد أبرز مظاهر التحول التكنولوجي الراهن، والمتمثل في الذكاء الاصطناعي، وما يتركه من انعكاسات متنامية على الإدارة العمومية والقضاء الإداري، سواء من حيث تبسيط المساطر وتجويد أداء المؤسسات، أو من حيث ما يثيره من إشكالات دقيقة تمس صميم العدالة، وضمان استقلالية القضاء، وحماية حقوق المتقاضين.

ومع التسارع الملحوظ للتحول الرقمي داخل الإدارة العمومية وأجهزة القضاء الإداري، برز الذكاء الاصطناعي كأداة مركزية لتطوير الأداء الإداري وتحسين جودة الخدمات القضائية. غير أن هذا التطور التقني يطرح في المقابل تساؤلات جوهرية حول مدى انسجامه مع المبادئ القانونية، وضمانات الحقوق الفردية، والقيم الأخلاقية التي تُشكّل أساس الدولة القانونية. ومن هذا المنطلق، تبرز الإشكالية المحورية التالية: انطلاقاً من ماهية الذكاء الاصطناعي، كيف يمكن أن يؤثر توظيف هذه التقنية في الإدارة العمومية والقضاء الإداري بما يحقق الفعالية والكفاءة، ويكرّس عدالة متوازنة، دون الإخلال بمبدأ المشروعية أو المساس بالحقوق والحريات المكفولة دستوريا وأخلاقياً؟

وتتفرع هذه الإشكالية إلى سؤالين رئيسيين على الشكل التالي:

  • ما طبيعة الذكاء الاصطناعي وماهيته؟
  • ما هي أبرز تأثيرات استعمال الذكاء الاصطناعي على الإدارة العمومية والقضاء الإداري في ضوء احترام مبدأي المشروعية والأمن القانوني؟

وتسعى هذه الدراسة إلى تناول موضوع الذكاء الاصطناعي من خلال مقاربة مزدوجة متكاملة؛ حيث تنطلق أولاً من تحليل جوهر هذا المفهوم وأبعاده المتعددة، قصد الكشف عن طبيعته وما ينطوي عليه من إمكانات وفرص، إلى جانب ما قد يثيره من تحديات ومخاطر. ثم تنتقل ثانياً إلى رصد انعكاساته المباشرة على مجالين حيويين هما الإدارة العمومية والقضاء الإداري، باعتبارهما أكثر المجالات تأثراً بتطور التقنيات الحديثة. ويجري ذلك عبر اعتماد المقاربة التحليلية كمقاربة أساسي لفهم الظاهرة وتفكيك أبعادها، تربط بين البعد النظري والتطبيقي، بغرض الوصول إلى نتائج علمية وتوصيات عملية تعزز من فرص الاستخدام الرشيد لهذه التكنولوجيا.

تنطلق فرضية البحث من أن توظيف الذكاء الاصطناعي يتيح عدة مزايا، غير أن أي توظيف ناجح له داخل هذين المجالين لن يتحقق إلا بوجود إطار قانوني منظم يضمن الشفافية والعدالة، ويوازيه إعداد وتأهيل العنصر البشري لمواجهة احتمالات الانحراف أو سوء الاستعمال.

وعليه، تم تقسيم هذا الموضوع إلى مبحثين. يتناول المبحث الأول الذكاء الاصطناعي: قراءة في الجوهر والدلالة، بينما يستعرض المبحث الثاني مرتكزات ونماذج إدماج الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية والقضاء الإداري.

المبحث الأول: الذكاء الاصطناعي: قراءة في الجوهر والدلالة

يُعد الذكاء الاصطناعي من أبرز تجليات الثورة التكنولوجية الحديثة، حيث بات يُوظف على نطاق واسع في الميدان الإداري والقضائي. ويستوجب هذا الانتشار المتسارع فهماً معمقاً لهذا المفهوم من خلال تتبع تطوره التاريخي، وتحليل أبعاده النظرية، والتعرف على خصائصه البنيوية المميزة (المطلب الأول). كما ينبغي إبراز أهميته المتنامية في العصر الحالي، مع التوقف عند التحديات والمخاطر التي قد ترافق استخدامه (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الذكاء الاصطناعي: النشأة، المفهوم، والخصائص الجوهرية

يُعد الذكاء الاصطناعي من أبرز إنجازات العصر الرقمي، حيث انتقل من مجرد فكرة نظرية إلى تقنية فاعلة تُغيّر ملامح مختلف القطاعات ومنها القطاع الإداري والقضائي. حيث بدأ تطوره في خمسينيات القرن العشرين مع محاولات محاكاة التفكير البشري (الفرع الأول)، ليتحول تدريجيًا إلى علم مستقل بتطبيقات واسعة. ويُقصد به اليوم قدرة الأنظمة الحاسوبية على أداء مهام ذكية شبيهة بالبشر. ويتميّز بخصائص أساسية (الفرع الثاني)، منها: التعلّم الذاتي، التفاعل المستمر، التحليل الدقيق، واتخاذ قرارات دون تدخل بشري، مما جعله أساسًا للتقدم التكنولوجي والتحول الرقمي.

الفرع الأول: جذور الذكاء الاصطناعي وتطوراته المفاهيمية

نسلط الضوء فيما يلي، على محطات مختارة من المسار التاريخي لنشأة الذكاء الاصطناعي (الفقرة الأولى)، ثم نعرج على مجموعة من التعاريف المقدمة له(الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: محطات مختارة من المسار التاريخي لنشأة الذكاء الاصطناعي

يعود تاريخ الذكاء الاصطناعي إلى عصور قديمة، فقد حاول الإنسان، منذ مئات السنين قبل ظهور الحاسوب، ابتكار أشياء تُحاكي بعض صفاته، مثل آلات البيع. كما ظهرت محاولات في أدب الخيال العلمي لتصوّر إنسانٍ آلي، أو آلة قادرة على أداء مهارات متعددة تتفوق فيها على الإنسان[1].

ويرجع ظهور مصطلح “الذكاء الاصطناعي” حديثا إلى خمسينيات القرن العشرين، وتحديدًا عام 1950م، حين قدّم العالم “آلان تورينغ” اختبارًا يُعرف بـ “اختبار تورينغ” (Turing Test)، والذي يعني بتقييم الذكاء لجهاز الحاسوب الآلي، وتصنيفه ذكيا في حالة قدرته على محاكاة العقل البشري. أما مصطلح “الذكاء الاصطناعي” فقد صاغه عالم الحاسوب “جون مكارثي” (John McCarthy) في عام 1956.

وبعد ظهور اختبار تورينج بعام واحد، تم إنشاء أول برنامج يستخدم الذكاء الاصطناعي على يد كريستوفر ستراشي (Christopher Strachey)، والذي شغل منصب رئيس أبحاث البرمجة في جامعة أكسفورد، حيث تمكن من تشغيل لعبة “الداما” (Checkers) على الحاسوب الآلي وتطويرها.

ثم قام “أنتوني أوتنجر” (Anthony Oettinger) من جامعة كامبريدج بتصميم تجربة محاكاة من خلال جهاز حاسب آلي لعملية التسوق التي يقوم بها الشخص البشري في أكثر من متجر، وقد هدفت هذه المحاكاة إلى قياس قدرة الكمبيوتر على التعلم، وكانت هذه أو تجربة ناجحة لما يعرف بتعلم الآلة (Machine Learning). ولقد تم الإعلان عن الذكاء الاصطناعي رسميًا عام 1956 في كلية دارتموت ، لكنه لم يُحقق تقدمًا ملحوظًا إلا بعد عقدين، ويُعزى ذلك إلى محدودية القدرات الحاسوبية في ذلك الوقت.

وفي عام 1979، تم بناء مركبة تُدعى “ستانفورد”، وهي أول مركبة مسيرة عن طريق الكومبيوتر. وفي عام 1997، تمكن أول جهاز حاسب آلي من التغلب على منافس بشري في لعبة الشطرنج، ما مثّل لحظة فارقة في تطور الذكاء الاصطناعي. ومنذ بداية القرن الحادي والعشرين، تسارع نمو الذكاء الاصطناعي بشكل غير مسبوق، حتى أصبحت الروبوتات تتفاعل بذكاء مع البشر، بل وتتفاعل مع المشاعر أيضًا من خلال تعبيرات الوجه[2].

الفقرة الثانية: تعريف الذكاء الاصطناعي

فمن الناحية اللغوية يراد بالذكاء: الذال والكاف والحرف المعتل، أصلٌ واحد يدل على حدّةٍ في الشيء ونفاذٍ، يقال: ذَكيَ يَذكَى ذكاءً، والذّكاء: سرعةُ الفطنة، وحدّةُ الفؤاد، وحدّة الفهم، وقيل: الذكاء: سرعة اقتراح النتائج، يُقال: ذَكُوَ فلان: إذا كان سريعَ الفهم والإدراك متوقدَ البديهة، وأصل الذكاء في اللغة: تمام الشيء وكماله، يقال: رجل ذكيٌّ: أي تامُّ الفهم سريع القبول[3].

ويُعرّف نظام الذكاء الاصطناعي اصطلاحا على أنه منظومة آلية مصممة لتحقيق أهداف محددة، من خلال تقديم تنبؤات أو توصيات أو اتخاذ قرارات تؤثر في البيئة المحيطة به. ويعتمد هذا النظام على بيانات يتم توليدها آلياً أو يتم إدخالها من قبل الإنسان، بهدف فهم بيئات حقيقية أو افتراضية. ويقوم هذا النظام بتحليل تلك البيانات لتكوين تصور مجرد عن الواقع، وذلك إما باستخدام تقنيات التحليل الآلي مثل التعلم الآلي، أو من خلال تدخل بشري يدوي. وتُستخدم النماذج الناتجة عن هذا التحليل لصياغة خيارات متعددة للنتائج الممكنة. وتجدر الإشارة إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تم تصميمها لتشتغل بدرجات مختلفة من الاستقلالية عن التدخل البشري[4].

وفي هذا الصدد عرّف جون مكارثي الذكاء الاصطناعي، بأنه:” هو علم وهندسة صنع الآلات الذكية”. في حين عرّف وينستون الذكاء الاصطناعي بأنه:” دراسة القدرات الذهنية من خلال استخدام النماذج الحاسوبية”. وقد عرف كل من أندرياس كابلان ومايكل هاينلين الذكاء الاصطناعي بأنه:” قدرة النظام على تفسير البيانات الخارجية بشكل صحيح، والتعلم من هذه البيانات، واستخدام تلك المعرفة لتحقيق أهداف ومهام عدة من خلال التكيف المرن”. ثم عرف مارفن مينسكي الذكاء الاصطناعي بأنه:” بناء برامج حاسب آلي تنخرط في المهام التي يتم إنجازها بشكل مرضٍ من قبل البشر، وذلك لأنها تتطلب عمليات عقلية عالية المستوى مثل: التعلم الإدراكي، وتنظيم الذاكرة، والتفكير النقدي”. ثم عرفت سامية شهي وآخرون الذكاء الاصطناعي بأنه:” العلم الذي يضم كل الخوارزميات والطرق النظرية منها والتطبيقية، التي تعني بأتمتة عملية أخذ القرارات مكان الإنسان سواء كان ذلك بطريقة كاملة أو جزئية بمعية الإنسان، مع القدرة على التأقلم أو الاقتباس أو التنبؤ”[5].

الفرع الثاني: الخصائص الأساسية للذكاء الاصطناعي: نحو فهم أعمق للتقنيات الذكية

يتميز الذكاء الاصطناعي بمجموعة من الخصائص التي تجعله أداة فعالة في مختلف المجالات، ومن أبرزها قدرته على حل المشكلات حتى في ظل غياب المعلومات الكاملة، وإمكانيته على التفكير والإدراك واكتساب المعرفة وتطبيقها. كما يتمتع بالقدرة على التعلم من التجارب السابقة وتوظيف الخبرات القديمة في سياقات جديدة، إلى جانب اكتشاف الأخطاء وتصحيحها والتكيف السريع مع المتغيرات. ويستطيع الذكاء الاصطناعي التعامل مع الحالات المعقدة والصعبة، والاستنتاج رغم غياب بعض المعطيات، واتخاذ قرارات منطقية في ظل معلومات غير مكتملة. إضافة إلى ذلك، يُظهر قدرة على التصور والإبداع وفهم المعطيات المرئية، فضلاً عن تقديم معلومات دقيقة تسهم في دعم اتخاذ القرارات الإدارية[6].

ومن من أبرز خصائص الذكاء الاصطناعي خاصية التمثيل الرمزي، حيث تعتمد الأنظمة الذكية في أداء مهامها على استخدام رموز تعبّر عن المعلومات المتوفرة، بأسلوب تمثيلي يُشبه إلى حد كبير الطريقة التي يُمثل بها الإنسان المعلومات التي يستقبلها في حياته اليومية.

وعلى عكس الفكرة الشائعة بأن الحاسوب لا يتعامل إلا مع الأرقام، فإن الذكاء الاصطناعي يعتمد في جوهره على رموز غير رقمية لتجسيد المعرفة ومعالجة البيانات. ورغم أن البنية الأساسية للحاسوب قائمة على نبائط ثنائية (Binary Devices) لا يمكنها اتخاذ سوى حالتين، تُرمزان عادةً بـ (0) و(1)، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن إدراك الحاسوب للمعاني يقتصر على ثنائية “نعم أو لا”. فمن خلال التمثيل الرمزي، يُمكّن الذكاء الاصطناعي الحاسوب من تجاوز هذا التصور التقليدي، ويقربه من القدرات البشرية في فهم المعاني وتفسيرها[7].

كما يعتمد الذكاء الاصطناعي في بعض الأحيان على المنهج التجريبي بهدف كسر نمطية الخطوات التقليدية في المعالجة. فمن خلال هذا الأسلوب، يتم تجريب عدة طرق لحل الإشكاليات، ما يسمح باكتشاف حلول متنوعة لا تندرج بالضرورة ضمن الحلول النموذجية أو المثالية. وقد أظهر هذا التوجه فعاليته في البيئات التي تتطلب التكيف والابتكار، كبرامج الشطرنج التي تمثل أحد التطبيقات المعاصرة للذكاء الاصطناعي. فمثل هذه البرامج لا تستند إلى قواعد رياضية صارمة، بل تتفاعل مع مواقف متغيرة لا يمكن التعامل معها بأسلوب تقليدي موحد[8].

المطلب الثاني: الذكاء الاصطناعي بين الأهمية الإستراتيجية والمخاطر المحتملة

يشكّل الذكاء الاصطناعي أحد أعمدة التقدّم العلمي في القرن الحادي والعشرين، إذ يتمثّل أحد جوانبه الإيجابية في دوره الفعّال في تحسين الأداء، ودعم اتخاذ القرارات وغيرها ( الفرع الأول). وفي المقابل، تبرز تحديات مصاحبة، من بينها تهديد الوظائف، وانتهاك الخصوصية، وغياب البعد الإنساني في بعض القرارات ( الفرع الثاني). لذا، من الضروري اعتماد مقاربة متوازنة تستثمر فوائده، وتُرسّخ أُطرًا قانونية وأخلاقية تنظّم استخدامه.

الفرع الأول: أهمية الذكاء الاصطناعي

يُعدّ الذكاءُ الاصطناعي من أبرز القضايا المطروحة في مجال علوم الحاسوب خلال القرن الحادي والعشرين، إذ تحوّل إلى أداةٍ فعّالة ووسيلةٍ محورية حاضرةٍ بقوة في مختلف القطاعات. وتكمن أهمية تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في محاكاة الذكاء البشري، من خلال برمجة الحواسيب والآلات لتقليد بعض جوانب هذا الذكاء، وذلك عبر تزويدها بمدخلات تُعالَج بخوارزميات دقيقة لإنتاج حلول نمطية للمشكلات، تشبه إلى حدٍّ كبير ما قد يصدر عن الإنسان.

وقد كانت دولة الإمارات العربية المتحدة سبّاقة على المستوى العربي، بل ومن أوائل دول العالم في الاستثمار الواسع في مجال الذكاء الاصطناعي ضمن قطاعاتها الحيوية. وقد أطلقت في هذا الإطار وزارة خاصة تحت مسمى “استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي”، في خطوة تهدف إلى تحقيق مستهدفات “مئوية الإمارات 2071”. وتسعى هذه الاستراتيجية إلى تطوير البرامج والمشروعات المستقبلية، من خلال الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات بنسبة 100% بحلول عام 2031، مما يسهم في تعزيز كفاءة الأداء الحكومي، وتسريع وتيرة الإنجاز، وخلق بيئات عمل مبتكرة، وأسواق جديدة ذات قيمة اقتصادية عالية على مستوى المنطقة[9].

و تتجلى أهمية الذكاء الاصطناعي كذلك في قدرته على تبسيط التفاعل مع الحاسوب من خلال المحادثة المباشرة، مستفيداً من تقنيات فهم اللغة الطبيعية، وهو ما يسهم في تسهيل الاستخدام خصوصاً لمن لا يمتلكون خبرة تقنية. كما يتميز بسرعته العالية في إنجاز المهام ودقته في الأداء، دون أن يتأثر بالتعب أو الملل. فضلاً عن ذلك، يوفر الذكاء الاصطناعي استشارات متخصصة في مجالات متنوعة دون الحاجة إلى تكاليف باهظة، ويساهم في تخفيف الضغوط النفسية والمخاطر عن الإنسان، خاصة في الوظائف الإدارية والقضائية التي تتطلب تركيزاً ذهنياً عالياً وتعاملًا مع تفاصيل معقدة. وهذا بدوره يسمح بتوجيه الجهود البشرية نحو مهام أكثر إنسانية وعمقًا[10].

حيث يشمل الذكاء الاصطناعي مجموعة واسعة من الوظائف الحديثة، من أبرزها: محاكاة تفكير الإنسان ومشاعره وسلوكه واستجاباته، والقدرة على حل المشكلات والألغاز، واتخاذ القرارات، وتشخيص الأعطال والأمراض، كما يمتلك القدرة على التنبؤ بالأحداث، وفهم الحوارات، والتواصل مع الآخرين بطريقة تحاكي التفاعل البشري الطبيعي.

ولا تقتصر أهمية الذكاء الاصطناعي على قدرته في التعامل مع كميات هائلة من المعلومات بسرعة وكفاءة، أو على امتلاكه ذاكرة ضخمة لتخزين البيانات، بل تتعدى ذلك إلى تعزيز قدرة الحواسيب على محاكاة التفكير البشري بشكل متطور، مما يمثل خطوة نوعية نحو بناء أنظمة أقرب إلى العقل الإنساني في فهمها وتصرفاته[11].

ويساهم الذكاء الاصطناعي في تحسين أداء الإدارة العمومية عبر دعم اتخاذ القرار، تسريع الإجراءات، تقليص البيروقراطية، تعزيز التنسيق، وتسهيل الوصول إلى البيانات، إضافة إلى المساعدة في مكافحة الفساد وتقليص الوساطة. كما يمكن برمجة القواعد والمعايير التي يسترشد بها المتخصصون عند اتخاذ القرارات، بما يضمن سرعة وجودة هذه القرارات، فضلًا عن توفير بيانات دقيقة تسهّل عملية تقييم النتائج، وهو ما يسهم في تحسين عملية صنع القرار داخل المؤسسة. حيث أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا أساسيًا في مختلف مجالات الحياة، وخاصة في المال والأعمال، حيث يُستخدم لمحاكاة القدرات العقلية البشرية وتحسين الأداء. ويتميز بقدرته على التعلم الذاتي، التفكير المنطقي، وتحليل البيانات، مما يمكنه من أداء مهام تتطلب عادة ذكاءً بشريًا[12].

الفرع الثاني: سلبيات الذكاء الاصطناعي

رغم المزايا الكبيرة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، إلا أن استعماله يطرح بعض السلبيات التي يجب التعامل معها بحذر. أولًا، هناك التكلفة المرتفعة لتطوير الأنظمة وتشغيلها، إضافة إلى المصاريف المستمرة للصيانة والتحديث، وهو ما يشكّل عبئًا خاصّة على المؤسسات في الدول النامية. وثانيًا، تفتقر هذه الأنظمة إلى الحس الأخلاقي، إذ لا تملك قيمًا إنسانية أو القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ بشكل جيد جدا، مما يمنعها من إصدار أحكام مبنية على معايير أخلاقية. أما ثالثًا، فتعاني من محدودية في التكيف والمرونة، حيث قد تصبح غير فعالة أمام مواقف معقدة أو استثنائية، كما أنها لا تمتلك قدرات الابتكار والإبداع التي ينفرد بها الإنسان. وأخيرًا، يشكل الذكاء الاصطناعي خطرًا محتملًا على سوق الشغل، إذ قد يؤدي التوسع في الاعتماد عليه إلى تقليص عدد الوظائف المتاحة، مما يزيد من حدة البطالة ويؤثر على التوازن الاجتماعي والاقتصادي[13].

المبحث الثاني: مرتكزات ونماذج إدماج الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية والقضاء الإداري

أصبح الذكاء الاصطناعي أداة استراتيجية تعتمد عليها الإدارة العمومية لتحديث بنيتها وتحسين جودة خدماتها، خاصة في دعم اتخاذ القرارات الإدارية (المطلب الأول)، من خلال تحليل البيانات واقتراح حلول فعالة تعزز دقة القرار وكفاءته. كما يشهد القضاء الإداري تحولاً نوعياً بإدماج الذكاء الاصطناعي في تحليل الملفات والتنبؤ بالأحكام، وتنظيم العمل داخل المحاكم(المطلب الثاني)، مما يساهم في رفع فعالية المنظومة القضائية وتعزيز شفافيتها.

المطلب الأول: مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية

إن الفرق بين الإدارة الإلكترونية والإدارة الذكية يكمن في أن الأولى تقتصر على رقمنة الإجراءات لتيسير عمل الإنسان، بينما تعتمد الثانية على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل المعطيات واتخاذ قرارات بشكل تنبؤي وآلي. وتُعد القرارات الإدارية المؤتمتة نموذجاً حديثاً لهذا التحول، حيث تُتخذ آلياً كلياً أو جزئياً عبر أنظمة ذكية، وتنقسم إلى أنواع (الفرع الأول)، لكنها تبقى خاضعة لأركان القرار الإداري التقليدية (الفرع الثاني)، ويُشترط في اعتماد الذكاء الاصطناعي احترام مبادئ الشفافية والمساواة والإشراف البشري لضمان المشروعية.

الفرع الأول: مفهوم وأنواع القرارات الإدارية المؤتمتة

يشهد العمل الإداري تحولاً نوعياً بفعل إدماج الذكاء الاصطناعي، مما أدى إلى ظهور القرارات الإدارية المؤتمتة (الفقرة الأولى) التي تُتخذ آلياً دون تدخل بشري مباشر. وتتنوّع هذه القرارات (الفقرة الثانية) بين مؤتمتة كلياً أو جزئياً، وهو ما يثير تحديات قانونية وأخلاقية تتعلق بالشفافية والمساءلة وضمان الحقوق.

الفقرة الأولى: مفهوم القرارات الإدارية المؤتمتة

القرارات الإدارية المؤتمتة هي تلك التي تُصدر اعتمادًا على أنظمة معلوماتية أو خوارزميات تقنية، دون تدخل بشري مباشر أو تدخل محدود للغاية، حيث تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي أو آليات المعالجة الآلية للبيانات بهدف تعزيز الكفاءة وتسريع الإجراءات الإدارية.

الفقرة الثانية: أنواع القرارات الإدارية المؤتمتة في ظل سلطة الإدارة: بين التقييد والتقدير

يرى الفقه أن القرارات الإدارية الإلكترونية والقرارات الإدارية في العالم الافتراضي والقرارات الموتمتة، فهي جميعها تشير إلى مضمون واحد، وهو القرار الذي يصدر بواسطة استخدام الإدارة لتكنولوجيا المعلومات ونظم الاتصالات الإلكترونية[14].

كما يتعين علينا التمييز بين الأتمتة الكاملة والأتمتة الجزئية؛ فالأتمتة الكاملة تعني أن النظام يتولى تنفيذ جميع الإجراءات والتحقق من الشروط بشكل آلي تماماً ودون أي تدخل بشري، كما هو الحال في النمسا حيث تُصرف العلاوات الأسرية تلقائياً بمجرد تسجيل بيانات الطفل واستيفاء الشروط. أما الأتمتة الجزئية (Assistance System)، فهي تقوم على قيام النظام بأداء بعض الخطوات واقتراح حلول، بينما يبقى القرار النهائي بيد الإنسان. غير أن هذا النمط يواجه إشكالية أساسية تتمثل في تحيز البيانات الذي قد يؤدي إلى تضليل متخذ القرار[15]. وقد تم تقسيم هذه القرارات من حيث سلطة الإدارة إلى:

أولا: سلطة الإدارة المقيدة في ظل أتمتة القرار الإداري

ويقصد بالسلطة المقيدة في هذا الصدد، أن تكون الإدارة مُلزمة باتخاذ إجراءات أو قرارات معينة إذا ما توافرت شروط محددة نصّ عليها القانون، دون أن يكون لها سلطة تقديرية في ذلك. فالقانون هو الذي يرسم للإدارة سلوكها عند مباشرتها لسلطتها، وبالتالي، إذا توافرت هذه الشروط، يتعيّن على الإدارة أن تتصرف وفقًا لما يُمليه عليها القانون، وإلا عُدّ تصرفها باطلاً وغير مشروع، ويُستوجب إلغاؤه.

ومع انتشار نظم الذكاء الاصطناعي القائمة على مجموعة من القواعد المحددة مسبقًا (Rule-based AI systems)، والتي تُستخدم لحل المسائل المحتملة واتخاذ القرارات، فإن هذه الأنظمة تُعد مناسبة على وجه الخصوص لتطبيقها في مجال القرارات الإدارية ذات السلطة المقيدة، لما تتمتع به من دقة عالية وانخفاض في نسبة الخطأ عند التطبيق. غير أن من أبرز الانتقادات التي تُوجَّه إلى هذا النوع من الأنظمة هو افتقاره للمرونة، إذ يظل محصورًا ضمن القواعد المبرمجة سلفًا، ما يجعله غير قادر على التعامل مع الحالات الجديدة أو غير المتوقعة[16].

ثانيا: سلطة الإدارة التقديرية في ظل أتمتة القرار الإداري

تميَّز القضاء الإداري المصري منذ بداياته بتناول موضوع السلطة التقديرية للإدارة، حيث أرست أحكامه الأولى مبدأ مفاده أن الجهة الإدارية تملك حرية تقدير توقيت إصدار قراراتها، ولها أن تُقدّر مدى ملاءمتها بناءً على الظروف المحيطة وملابسات كل حالة، ما دام الهدف منها تحقيق المصلحة العامة، ولم يشب القرار عيب إساءة استعمال السلطة. إلا أن هذه السلطة التقديرية، التي تستند إلى اعتبارات الملاءمة وظروف إصدار القرار، وتشترط تقييمًا دقيقًا لكل واقعة على حدة لتطبيق النص القانوني الملائم، تطرح تحديًا كبيرًا أمام إدماج نُظم الأتمتة في العمل الإداري[17].

في إطار أتمتة القرارات الإدارية التي تستند إلى السلطة التقديرية للإدارة، تبرز تحديات حقيقية أمام استخدام الأنظمة الآلية. إذ يصعب على الآلة إصدار أحكام دقيقة في الحالات التي تتطلب مراعاة ملابسات خاصة وتقديرًا إنسانيًا دقيقًا، وهو ما يستدعي تدخل العنصر البشري. فالنظم المعتمدة على القواعد (Rule-based systems) تُعد محدودة في هذا السياق، نظرًا لاعتمادها على تعليمات ثابتة لا تراعي التعقيدات الفردية لكل حالة.

بالمقابل، قد تكون نظم التعلم الآلي (Machine Learning Systems) أكثر ملاءمة في بعض الحالات، لأنها تعتمد على تحليل الأنماط واستخلاص التوجهات من البيانات بهدف تقديم قرارات أو تنبؤات مدعومة بالمعطيات. ومع ذلك، فإن دقة هذه النظم تبقى مرهونة بحجم وجودة البيانات المتوفرة؛ فكلما زادت البيانات وتحسنت جودتها، ارتفعت احتمالية الوصول إلى قرارات صحيحة، مع بقاء احتمال الوقوع في أخطاء غير متوقعة قائمًا[18].

وبالتالي يُثار تساؤل جوهري حول مدى إمكانية تقييم اعتبارات الملاءمة في نظم الأتمتة المساعدة (Assistance System) عند إصدار القرارات الإدارية وتحديد أسبابها، وكيفية تفضيل قرار على آخر. فالتكنولوجيا وُجدت لخدمة الإنسان لا لتعويضه، إذ يبقى التقدير البشري عنصراً أساسياً حتى مع الاعتماد على أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي. غير أن ذلك لا يعني إهمال هذه النظم، بل ينبغي وضعها في إطارها الصحيح: أداة مساعدة للعنصر البشري وليست بديلاً عنه. كما يمكن الاستفادة من قدرات التعلّم الآلي عبر تزويد هذه النظم بالمعرفة القانونية والسوابق القضائية والحالات المماثلة، فتعمل على تنظيم البيانات وتصنيفها وعرضها أمام متخذ القرار، مما يُسهّل عليه إصدار القرار الأنسب والأكثر انسجاماً مع المصلحة العامة[19].

وعليه، تُعد السلطة المقيدة أكثر ملاءمة لأتمتة القرارات الإدارية، نظرًا لاعتمادها على قواعد قانونية واضحة ومحددة لا تترك مجالًا للتقدير الشخصي، مما يجعل من السهل ترجمتها إلى خوارزميات قابلة للتنفيذ آليًا. في المقابل، يصعب أتمتة القرارات المبنية على السلطة التقديرية، لأنها تتطلب مراعاة ظروف فردية وتقديرًا إنسانيًا يصعب على الأنظمة الآلية محاكاته بدقة.

الفرع الثاني: القرار الإداري المؤتمت: أركانه ومبادئ استخدام الذكاء الاصطناعي

في ظل التوجه المتسارع نحو رقمنة الإدارة وتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح من الضروري إعادة النظر في النظم التقليدية للقرار الإداري، وخاصة ما يتعلق بأركانه ومبادئه. فاعتماد على الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات الإدارية يفرض تساؤلات جديدة حول كيفية تكييف هذه الأركان- من محل وغاية، وسبب، واختصاص، وشكل – مع واقع القرار المؤتمت، حيث لا يكون العنصر البشري حاضراً بالشكل المعتاد (الفقرة الأولى). كما أن هذا التطور يستدعي احترام مجموعة من المبادئ الأساسية لضمان مشروعية وعدالة القرار (الفقرة الثانية)، من بينها: مبدأ الشفافية في عمل الأنظمة الذكية، ومبدأ الحياد وعدم التمييز، ومبدأ قابلية القرار للطعن والمراجعة، فضلاً عن ضرورة حماية المعطيات الشخصية وضمان الأمن السيبراني.

الفقرة الأولى: أركان القرار الإداري عبر الذكاء الاصطناعي

توجد خمسة أركان للقرارات الإدارية التقليدية والخوارزمية، وهي ركن المحل والغاية والسبب (أولا)، ثم ركني الاختصاص والشكل (ثانيا).

أولا: ركن المحل والغاية والسبب

  • ركن محل القرار الإداري الخوارزمي: يعتبر محل القرار بمثابة الأثر القانوني الذي يترتب عليه حالا ومباشرة، وبه يتميز العمل القانوني للإدارة عن العمل المادي الذي يكون محله دائما نتيجة واقعية[20]. ويُقصد به نتيجة الخوارزمية، وهي نتيجة تكون محددة مسبقًا في مخرجاتها. وفي هذا النوع من القرارات، يتم الالتزام الحرفي بالتعليمات التي صيغت بها الخوارزمية، إذ إنها لا تملك إمكانية التفسير أو الاجتهاد. وبذلك، يكون مبرمج الخوارزمية هو المسؤول عن احترام مقتضيات الإمكان والمشروعية في “المحل”، من خلال فهمه الصحيح للنصوص القانونية.

أما بالنسبة للسلطة التقديرية التي تتمتع بها الإدارة العامة في “محل القرار”، فإذا لم يكن بالإمكان تحويل هذه السلطة إلى احتمالات ضمن الجملة الخوارزمية، فإنها ستبقى ضمن نطاق تدخل العنصر البشري[21].

كما يُعدّ محل القرار هو جوهر العمل القانوني المراد تحقيقه، وموضوعه الذي يُعَدّ النتيجة الحتمية لمبدأ المشروعية. ولذلك يجب أن يكون لهذا المحل أساس قانوني سليم. فإذا تعلق الأمر بترقية موظف من درجة إلى درجة أعلى، فإن هذا يُعتبر مثالاً لمحل مشروع، لكونه يستند إلى نص قانوني واضح. أمّا إذا صدر القرار خارج الحالات المقرّرة قانوناً، كفصل موظف دون سبب مشروع أو نقله تعسفياً من جهة إلى أخرى، فإن ذلك يُعدّ مثالاً لمحل غير مشروع[22].

ومن خلال هذين النموذجين ـ الأول يمثل المحل المشروع والثاني يمثل المحل غير المشروع ـ يطرح التساؤل حول مدى قدرة الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي على تمييز هذا التقابل على أساس المشروعية.

فالراجح أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على التفوق على الإنسان في تقليل الأخطاء التي قد يرتكبها رجل الإدارة عند تحقيق هذا الركن. فعلى سبيل المثال، إذا بُرمج النظام وفق خوارزميات محددة، فلن يتأخر في منح الترقية لموظف استوفى جميع الشروط، لأن الأمر يصبح داخلاً في منظومة موضوعية ومحايدة لا تتأثر بالعواطف، وتسعى إلى تكريس المساواة والعدل. وعلى المنوال نفسه، عندما يكون محل القرار غير مشروع، كما في حالة فصل موظف دون سبب قانوني، فإن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكشف عدم المشروعية ويُبرز ما قد يؤثر على صحة القرار.

حيث يمكن للذكاء الاصطناعي تعزيز مشروعية القرار الإداري إذا تم تغذيته بخوارزميات تُلزم التحقق من قانونية القرار قبل صدوره، مثل رفض فصل موظف دون مبرر قانوني. ويعتمد ذلك على ما يُعرف بـ”حوكمة تقنية الذكاء الاصطناعي”، التي تضمن عدم تعديل البرمجيات إلا وفق قواعد قانونية واضحة، مع توثيق أي تغييرات لضمان الرقابة الإدارية والقضائية. كما يجب أن تُبرمج الخوارزميات بعد مراجعة دقيقة من مختصين لضمان صحة تفسير وتطبيق القواعد القانونية على وقائع صحيحة من مصادر موثوقة[23].

  • ركن الغاية ومدى استيعاب الذكاء الاصطناعي في فهمه: فيما يتعلق بركن الغاية، فمن المعلوم أن المصلحة العامة هي الهدف الذي يتحقق بالإرادة الواعية للإنسان، ولا يمكن في الوقت الراهن الحديث عن إرادة مستقلة لنظام المعالجة الخوارزمية. وبالتالي، فإن غاية القرار الإداري الخوارزمي تُحدد مسبقاً في مرحلة تصميم وبرمجة نظام المعالجة، من طرف العنصر البشري[24].

حيث تعتبر الغاية في القرار الإداري بمثابة النتيجة أو الهدف الذي يسعى رجل الإدارة لتحقيقه، وهي التي تدفعه لاتخاذ القرار. وأهميتها تكمن في ضمان أن الإدارة تستعمل صلاحياتها في الإطار الصحيح، أي لتحقيق المصلحة العامة لا غيرها. فإذا استعملت السلطة لغرض آخر، كتحقيق مصلحة شخصية أو تخصيص مشروع لغرض مغاير لما نص عليه القانون (مثلاً: نزع ملكية أرض لبناء مدرسة ثم تخصيصها لغرض آخر)، يكون القرار منحرفاً عن غايته الصحيحة، وبالتالي غير مشروع[25].

وكنتيجة، فإن توظيف منظومة الذكاء الاصطناعي لهذا الغرض أمر وارد ومتاح، بل قد يحقق قدراً أكبر من العدالة والحياد إذا جرى تحديد الأهداف بدقة أثناء بناء النظام والخوارزميات. فمثلاً، إذا بُرمج النظام على أن نزع الملكية لا يتم إلا للمصلحة العامة، فلن يتخذ قراراً إلا بعد التحقق من وجود دليل يثبت أن العقار يدخل ضمن مشروع مخصص لتحقيق هذه المصلحة، مع وضع قيد تقني يمنع التصرف فيه لغير ذلك. وبهذا يمكن تعزيز العدالة والحد من انحراف السلطة عند إصدار القرار أو تنفيذه. غير أن بلوغ هذا المستوى من الدقة يتطلب مراقبة صارمة لعملية تصميم النظام وضمان التزامه بالأهداف المقررة[26].

  • الذكاء الاصطناعي والسبب المشروع للقرار الإداري

يرى الفقهاء أن القرار يُعدّ عملاً إرادياً، وهذا العمل الإرادي يتكوّن في ذهن متخذ القرار نتيجة لسبب معيّن. ولذلك عرّف الفقه الإداري السبب بأنه: “حالة واقعية أو قانونية بعيدة عن رجل الإدارة، ومستقلة عن إرادته، تتم فتوحى له بأنه يستطيع أن يتدخل وأن يتخذ قرارا ما”.

وبالتالي، إذا خلا القرار الإداري من ذكر سببه، اعتُبر القرار مفتقراً لركن أساسي من أركانه، فيغدو بذلك مخالفاً للقانون. والحكمة من اشتراط هذا الركن هي منع رجل الإدارة من التصرف وفق أهوائه ورغباته الشخصية، حتى لا يصبح القرار تعسفياً مجرداً من أي أساس موضوعي. فالموظف الإداري ملزم بأن يتخذ قراراته استناداً إلى أسباب صحيحة ومشروعة قانوناً، تحقق المصلحة العامة. وفكرة السبب تُعد ركناً منطقياً في عمل الإدارة، إذ لا يُتصور من شخص عاقل أن يتدخل دون سبب مشروع يبرر قراره.

وينطبق الأمر ذاته على القرارات الصادرة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ إذ يجب أن تُبنى قراراتها على أسباب صحيحة تستدعي التدخل، فلا يُعقل أن تبدأ المنظومة في اتخاذ الإجراءات دون وجود حالة واقعية أو قانونية تدعوها لذلك. فإذا أخذنا مثال قرار الترقية، فإنه متى توفرت جميع الشروط والأحكام الموجبة لها، يمكن القول بأن النظام يملك سبباً مشروعاً ومبرراً للبدء في مسطرة اتخاذ قرار الترقية واستكمال جميع مراحله[27]. حيث عندما يكون سبب القرار الإداري هو حالة واقعية أو قانونية سابقة دفعت الإدارة إلى التدخل، فإن اعتماد نظام المعالجة الخوارزمية يستلزم إدراج هذه الحالة وشروطها ضمن مدخلات الخوارزمية وعملياتها واحتمالاتها الممكنة[28].

ثانيا: ركني الاختصاص والشكل

نتناول فيما يلي ركني الاختصاص والشكل في القرار الإداري الخوارزمي:

  • ركن الاختصاص في القرار الإداري الخوارزمي

يبقى التزام الإدارة بقواعد الاختصاص قائماً حتى مع انتقالها إلى أنظمة الإدارة الإلكترونية، لأن مبدأ الاختصاص ركن أساسي لسلامة القرار الإداري، بصرف النظر عن طريقة أو وسيلة صدوره. حيث في القرارات الإدارية الخوارزمية، ينعقد الاختصاص للجهة المشرفة والمسؤولة عن نظام المعالجة الخوارزمية أو تحت اشراف أصحاب الاختصاص. وقد يستمد هذا الإشراف إما من النصوص القانونية التي تحدد الجهة المختصة كما هو الحال في القرارات التقليدية، أو من نصوص جديدة تعيّن الهيئة أو الشخص المكلف بالإشراف على سير النظام.

فمثلاً، في قرارات التوجيه الجامعي التي تعتمد على خوارزميات، إذا نص القانون أو اللوائح على أن وزارة التعليم العالي هي الجهة المختصة، فإن أي قرار صادر عن جامعة منفردة في هذا الشأن يُعد مشوباً بعيب عدم الاختصاص[29].

وعيب عدم الاختصاص في هذا الصدد، يراد به أن الشخص الذي اتخذ قرار ما لا يتوفر على الأهلية القانونية لممارسة هذا الاختصاص، وبالتالي فهو عيب عضوي مرتبط بالشخص أو الجهة الإدارية التي اتخذت القرار الإداري، الذي ليس من اختصاصهما إصداره[30].

  • تحقق الشكلية من خلال الذكاء الاصطناعي

ولعلّ منظومة الذكاء الاصطناعي قادرة على توفير الشكليات المطلوبة منها بسهولة ويسر وسرعة، متى تمّ تغذيتها بخوارزميات تؤكد على ذلك، من خلال قوالب معينة تضمن اشتمال القرار على تلك الشكلية، سواء أكانت أسباباً أم إجراءات أوليّة، أم بيانات معيّنة، أو تسنيد للقرار، وذلك من خلال نتائج للمدخلات والمعطيات التي بُني عليها النظام. ولا شكّ أن هذه المعطيات يجب أن تكون جميعها إلكترونية حتى يستطيع النظام التعرّف عليها، وليس على تلك التقليدية[31].

من حيث المبدأ، وكما رأينا سابقاً، لا يستوجب القرار الإداري الخوارزمي بطبيعته شكلاً إلكترونياً للقرار أو التوقيع أو الإجراءات، وهذا باستثناء إذا ما نصت القوانين واللوائح على ذلك، أو ارتأت الإدارة وفقاً لسلطتها التقديرية أن تعتمد شكليات أو إجراءات إلكترونية. ليجتمع في هذه الحالة الطابعين: الخوارزمي والإلكتروني في قرار إداري واحد. أما من الناحية التقنية، فإن عملية اتخاذ القرار الإداري وفقاً لنظام المعالجة الخوارزمية يستوجب إجراء تحويل إلكتروني للتعليمات الخوارزمية، بالإضافة للإدخال الحاسوبي للمعطيات والمعلومات اللازمة، وذلك سواء من طرف المرتفق نفسه، أو من طرف عون إداري مختص بذلك[32].

الفقرة الثانية: مبادئ توظيف الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الإداري

رغم ما يتيحه توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، وخاصة المعالجة الخوارزمية، من دقة وسرعة في إصدار القرارات الإدارية، فإن هذا الاستعمال يبقى مقيدًا بضرورة احترام المبادئ القانونية الضامنة لحقوق الأفراد ومشروعية القرارات. ويأتي في مقدمة هذه المبادئ، مبدأ الشفافية، الذي يقتضي تمكين المرتفق من معرفة الأسس والمعايير التي اعتمدتها الخوارزميات في اتخاذ القرار، بما يتيح له حق الطعن إذا مس القرار بمصالحه. كما يُعد مبدأ المسؤولية عنصرًا محوريًا في هذا السياق، حيث يجب تحميل الجهة الإدارية المختصة تبعات الأضرار التي قد تنتج عن استعمال خوارزميات معيبة لم تُكتشف عيوبها أثناء مرحلة التجربة، أو عن أخطاء في تنفيذها، ضمانًا لعدم إفلات الإدارة من الرقابة والمساءلة[33].

وترتكز منظومة الذكاء الاصطناعي في الإدارة على مبادئ المرافق العامة، أهمها المساواة بين الأفراد في الاستفادة من خدماتها، وتيسير الوصول إليها للجميع، مع قابلية تطويرها بانتظام. حيث إن الالتزام بهذه المبادئ يضمن سلامة القرارات الصادرة ويحقق الغاية من المنظومة، خاصة إذا تمت تغذيتها بالقواعد الصحيحة وصياغة خوارزمياتها من طرف لجان قانونية متخصصة تلتزم بالشفافية، بما يسمح للأفراد والقضاء بمراقبة القرارات وتدقيقها. غير أن هذه الخوارزميات غالباً ما تبقى مخفية داخل الأنظمة، مما يجعلها أقرب إلى “صناديق سوداء” تعيق مبدأ الشفافية في العمل الإداري[34].

ومن جهة أخرى، فإنه من حق المواطن أن يعلم ويفهم المقومات والقواعد التي تُتخذ على أساسها القرارات الإدارية التي تتعلق به. من أجل ذلك تنص القوانين المقارنة على حق إعلام المواطنين في الحصول على المعلومات المتعلقة بالخوارزميات المستعملة في اتخاذ القرارات الفردية. ومن قبيل ذلك ما نصت عليه المادة 06 من قانون الجمهورية الرقمية في فرنسا، التي جاءت بتتميم قانون العلاقات بين الإدارة والمواطن بموجب المادة L. 312- 1-3، والتي جاء فيها: “مع مراعاة الأسرار المحمية بموجب الفقرة الثانية من المادة L. 311-5، فإنه على الإدارات […] أن تنشر عبر الإنترنت القواعد التي تحدد المعالجات الخوارزمية المستعملة في أداء مهامها عند اتخاذ القرارات الفردية”[35].

ومن جانب آخر، نجد كذلك أن المسؤولية في مواكبة الإدارة العامة لتطورات الذكاء الاصطناعي عموماً، وللتطبيقات الخوارزمية خصوصاً، تُلقي على عاتقها التزامات متعددة تقتضي ضمان الاستغلال الأمثل والآمن لهذه التكنولوجيا. وأول هذه الالتزامات يتمثل في تمكين الأعوان والموظفين القائمين على البرامج من خلال توفير تعليم وتكوين كافٍ لهم، وتمكينهم من الإشراف الفعلي على سير هذه البرامج. كما تتحمل الإدارة المسؤولية عن الأضرار الناتجة عن تطبيقات الخوارزميات في نشاطها سواء بسبب عدم اكتشاف العيوب الظاهرة أثناء مرحلة التجربة أو نتيجة التنفيذ الخاطئ لها. أما العيوب الخفية المتضمنة لمخالفات جسيمة مثل النظام التمييزي أو النقل السري للبيانات فإنها قد تُرتب مسؤولية خاصة على مصمّم ومهندس البرنامج[36].

وعلى صعيد آخر، تُعَدّ الإدارة العامة الفرنسية من أكثر الإدارات اهتمامًا بإنشاء المواقع الإلكترونية بهدف إصدار القرارات وتنفيذها بشكل إلكتروني. فقد اعتادت على تلقي الطلبات والمعاملات المقدمة من الأفراد عبر هذه المواقع، حيث تقوم بدراستها ثم إصدار ما يلزم من قرارات بشأنها والتوقيع عليها إلكترونيًا، قبل أن تُرسِل مضمونها إلى الأفراد عبر بريدهم الإلكتروني. كما ابتكرت ما يُعرَف بالقرارات الإدارية المباشرة، التي تستجيب فيها للطلبات وتصدر القرار بشكل فوري، وهو ما يجعلها نموذجًا رائدًا في تطبيق الأتمتة على مستوى إصدار القرارات الإدارية[37].

حيث يُعد اتخاذ القرار جوهر العمل الإداري، ويجب أن يُبنى على دراسة دقيقة للبدائل المتاحة، باختيار الأنسب منها وفق تحليل النتائج المتوقعة. ولتحقيق فاعلية القرار، لا بد من نظام معلوماتي متكامل يوفر بيانات دقيقة وموثوقة، يدعم العملية الإدارية ويحسن من كفاءة القرارات. فوجود هذا النظام داخل المؤسسات ضروري لرسم الاستراتيجيات، وتعزيز آليات التخطيط والتنفيذ والمراقبة[38].

كما يتوقف اتخاذ القرار الإداري على توفر معلومات كافية وذات جودة، باعتبارها أداة أساسية لتقليص حالة عدم التأكد وتخفيض مستوى المخاطرة. ويؤدي ذلك إلى تحقيق الأهداف بكفاءة، وترشيد استخدام الموارد، وتحقيق أكبر فائدة بأقل تكلفة. كما تُمكّن المعلومات الجيدة صانعي القرار من تقييم السياسات والخيارات بشكل أفضل، من خلال توضيح النتائج المتوقعة والأثر المحتمل قبل وبعد اعتمادها[39].

ويُعدّ من أبرز التحديات القانونية والأخلاقية في توظيف الذكاء الاصطناعي بالإدارة، مسألة تحديد المسؤولية القانونية عند وقوع خطأ أو تجاوز صادر عن النظام الذكي، خصوصاً إذا تعلق الأمر بقرارات فردية تمسّ حقوق الأفراد أو مصالحهم. كما يطرح الذكاء الاصطناعي إشكالية الشفافية في الإجراءات الإدارية، إذ قد يصعب تفسير الأسس والمعايير التي اعتمدها النظام لاتخاذ قراراته.

وبالنظر إلى ذلك، فإن أركان القرار الإداري الخمسة أصبحت متأثرة بالتطورات التكنولوجية الحديثة، خاصة فيما يتعلق بالأتمتة والتحليل. غير أن هذا التطور يثير قضايا جوهرية مرتبطة بالمسؤولية والرقابة القضائية، مما يستدعي تكييف الإطار القانوني لضمان التوازن بين متطلبات الابتكار واحترام المشروعية.

المطلب الثاني: التكامل الممكن بين القضاء الإداري والذكاء الاصطناعي:الحدود والإمكانات

في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، يبرز الذكاء الاصطناعي كوسيلة فعالة لتحديث العدالة القضائية الإدارية، عبر تعزيز معالجة المعطيات وتسريع إجراءات التقاضي. وقد أصبحت المحاكم الإدارية مطالبة باعتماد هذه التقنيات لتحسين الأداء (الفرع الأول) وتيسير الولوج إلى العدالة. وتأتي العدالة التنبؤية كأداة تحليلية تساعد على استشراف مآلات الأحكام وتوحيد الاجتهاد القضائي (الفرع الثاني). غير أن هذا التطور يثير إشكالات تتعلق باستقلالية القاضي وخصوصية القضايا، ما يستوجب نقاشاً قانونياً حول حدود توظيف الذكاء الاصطناعي في هذا المجال.

الفرع الأول: الذكاء الاصطناعي كرهان لتحسين أداء المحاكم الإدارية

أصبحت الحاجة إلى تحديث منظومة العدالة أكثر إلحاحاً في العصر الرقمي، حيث يشهد القضاء الإداري تحولاً نوعياً مع إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في بنيته الوظيفية والتنظيمية. وقد أفرز هذا التحول مفهوماً جديداً يُعرف بـ “المحاكم الإدارية الذكية” (الفقرة الأولى)، وهي مؤسسات قضائية تستثمر التكنولوجيا الذكية في تسريع الإجراءات، وتحسين جودة الخدمات القضائية، وضمان الولوج السلس إلى العدالة. ويُعد ميلاد استخدامات الذكاء الاصطناعي في القضاء الإداري (الفقرة الثانية)، نتيجة طبيعية لتطور العلاقة بين القانون والتكنولوجيا، إذ باتت هذه الأدوات تُستخدم في تصنيف الملفات، اقتراح المسارات القانونية، وحتى في دعم اتخاذ القرارات والأحكام، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول التوازن بين النجاعة القضائية والحفاظ على الضمانات القانونية والحقوق الأساسية للمتقاضين.

الفقرة الأولى: مفهوم المحاكم الإدارية الذكية

تعدّ المحاكم الإدارية الذكية نموذجاً حديثاً يرتكز على توظيف تقنيات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ونظم المعلومات في إدارة القضايا القضائية الإدارية. ويشمل هذا التحول رقمنة الإجراءات القضائية، وتقديم خدمات إلكترونية لفائدة المتقاضين، إلى جانب تزويد القضاة والأطقم الإدارية بأدوات ذكية تساعد على تسريع وتيسير اتخاذ القرارات والأحكام القضائية. وتهدف هذه المنظومة المتطورة إلى تعزيز مبادئ الشفافية، وتقليص الجهد والتكلفة، وتحقيق قدر أكبر من الفعالية والعدالة في فض المنازعات الإدارية، والمساهمة في احترام زمن التقاضي استنادا الى الفصل 120 من الدستور المغربي 2011، عند حسن استعمالها.

الفقرة الثانية: ميلاد استخدامات الذكاء الاصطناعي في خدمة العدالة القضائية

شهدت الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة، ظهور الذكاء الاصطناعي في المجال القضائي، حيث طوّرت شركات برامج تُستخدم في جلسات الحكم وإطلاق السراح المشروط، تعتمد على بيانات الأحكام السابقة للتنبؤ بقرارات القضاة. وقدرت دراسة لشركة “مكنزي” أن 20-30% من القضايا يمكن أن تُعالج بالذكاء الاصطناعي. غير أن هذه الأنظمة أظهرت تحيزًا عنصريًا، حيث كانت تصنّف المدانين السود كأكثر خطورة من غيرهم. أما في الصين، فتنتشر أكثر من 100 روبوت في المحاكم، تُستخدم في استرجاع بيانات القضايا والتحقق من الأدلة، كما يُستخدم الذكاء الاصطناعي في التعرف على الوجوه داخل المنظومة القضائية[40]

أما في الدول العربية، فقد أوصت ندوة نظّمتها دائرة القضاء في أبوظبي، بالتعاون مع المدرسة القضائية الفرنسية، بضرورة إدراج مساق الذكاء الاصطناعي ضمن البرامج التدريبية للمعاهد القضائية في الدولة. وأكّدت الندوة أن توظيف الذكاء الاصطناعي يأتي في إطار تحسين أداء القاضي ودعمه، لا ليكون بديلاً عن الذكاء البشري. ويتجلّى ذلك بوجه خاص في حالتين رئيسيتين[41]:

أولهما التنبؤ بالمدة الزمنية المتوقعة للفصل في القضايا، وذلك منذ لحظة تسجيلها وانتقالها بين مراحل الشرطة والنيابة العامة والمحكمة، اعتماداً على تحليل البيانات السابقة ومقارنة القضايا المشابهة. وثانيهما دعم القاضي في اتخاذ القرار عبر رصد السوابق القضائية ذات الصلة وعرضها عند النظر في القضايا الجديدة، إضافة إلى تمكينه من الاطلاع على السجل القضائي للمتهم في حال تكرار الأفعال الإجرامية، مما يزوّده برؤية شاملة تسهم في إصدار أحكام دقيقة ومنصفة.

حيث أنه في فضّ النزاعات، يتمّ اللجوء إلى خوارزميات تعتمد على برامج حاسوبية تُحاكي، إلى حدّ ما، القدرات الذهنية البشرية وأنماط عملها، وأبرزها: التعلّم، والاستنتاج، والتكيّف مع أوضاع لم يُبرمج عليها النظام مسبقًا. وبما أنّ الذكاء الاصطناعي قد طال جميع المجالات دون استثناء، فقد جرى توظيفه أيضًا في ميدان العدالة، باعتباره وسيلة مساعدة للقاضي، ضمن إجراءات قانونية محدّدة تختلف نسبيًّا بين القضاء العادي والقضاء الإداري.

وفي هذا السياق، يبرز دور “القاضي الذكي” بوضوح في مجال القضاء الإداري، نظرًا لكون هذا الأخير يركّز أساسًا على مراقبة أعمال الإدارة، ولا سيما القرارات الإدارية الصادرة عنها، والتي بات العديد منها يُتّخذ عبر خوارزميات مبرمجة. غير أنّ “القاضي الإداري الذكي”، باعتباره أداة حديثة يوظّفها القضاء، يظلّ مغايرًا تمامًا لمفهوم “القاضي الإلكتروني”[42].

الفرع الثاني: استثمار الذكاء الاصطناعي لدعم الاجتهاد القضائي الإداري وتطوير العدالة التنبؤية

تستَخدم العدالة التنبؤية، المعتمدة على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، في توقّع الأحكام القضائية وتعزيز فعالية المنظومة القضائية الإدارية (الفقرة الأولى). ومع ذلك، يظلّ الاجتهاد القضائي ضروريًا لتكييف القانون مع الواقع، الأمر الذي يقتضي تحقيق توازن بين التقنية واستقلالية القاضي، بما يضمن عدالة إنسانية وفعّالة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: مفهوم العدالة التنبؤية والاجتهاد القضائي

العدالة التنبؤية (Justice Prédictive) هي صورة العدالة الآلية المؤتمتة جزئيًا، وتعني الصفة الجزئية، أن الأداة الخوارزميات تمثل أداة مساعدة للقاضي البشري في قضية وليست آلة مخصصة لاتخاذ القرار بمفردها. وتعرف العدالة التنبؤية من قبل المفوضية الأوروبية لكفاءة العدالة بأنها:” تحليل أعداد كبيرة من قرارات المحاكم بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي من أجل بناء، بالنسبة لأنواع معينة من التقاضي المتخصص، تنبؤات بشأن نتيجة المنازعات؛ كتحديد مقدار التعويضات في حالة الفصل من الخدمة، أو نفقات المعيشة”[43].

والعدالة التنبؤية كذلك، هي استعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الأحكام القضائية السابقة والبيانات القانونية من أجل التنبؤ بقرارات القضاة في قضايا إدارية مستقبلية، وذلك بهدف مساعدة المتقاضين والقضاة على اتخاذ قرارات مدروسة مبنية على معطيات واقعية واجتهادات سابقة. والاجتهاد القضائي عبر الذكاء الاصطناعي هو توظيف خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل السوابق القضائية والمبادئ القانونية، بهدف دعم القاضي الإداري في إصدار أحكام أكثر انسجاماً واتساقاً، من خلال اقتراح حيثيات أو مقارنات بين قضايا متشابهة، دون المساس بالسلطة التقديرية للقاضي.

الفقرة الثانية: العدالة التنبؤية والاجتهاد القضائي: نحو إعادة رسم دور القضاء الإداري في عصر الذكاء الاصطناعي

أصبح استعمال التكنولوجيا، وخصوصًا في مجال العدالة التنبؤية، شائعًا في دول مثل فرنسا وأمريكا، حيث تُستخدم الخوارزميات لتحليل الاجتهادات القضائية وتوحيد القواعد القانونية بمقاربات تفسيرية جديدة ذات طابع معياري. ومع ذلك، يبقى الذكاء الاصطناعي عاجزًا عن محاكاة التقدير الإنساني والتفسير العميق الذي يميز عمل القاضي، رغم أن الهدف من توظيفه في تسوية النزاعات، هو تقليد نمط التفكير القضائي وإعادة تنظيم الاجتهاد ضمن أنظمة قائمة على التعلم الذاتي[44].

ذلك أن الاجتهاد القضائي يقوم في أصله على عنصر الابتكار والقدرة على تكييف النصوص التشريعية بما ينسجم مع طبيعة المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية السائدة داخل المجتمع. كما أن كل قاضٍ يتميّز عن غيره بأسلوبه وفهمه القانوني، مما يمنحه، في نطاق سلطته التقديرية وبحسب وقائع كل دعوى على حدة، إمكانية إصدار حكم مغاير حتى في قضايا تتشابه مع قضايا سابقة سبق له أن فصل فيها. ويعود ذلك إلى أن القاضي ينبغي أن يحتفظ باستقلاليته وبكامل سلطته التقديرية، باعتباره المسؤول الأول والأخير عن الوصول إلى الحقيقة في النزاع المعروض عليه، وذلك في إطار ما يتيحه له القانون[45]. وسواء اعتمد على الوسائل التقليدية أو عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن وجهة نظر القضاة الإداريين، تُمثل أدوات العدالة التنبؤية إضافة نوعية لا تقتصر على تسريع العمل القضائي وتحسين كفاءته، بل تشمل تطوير التحليل القضائي من خلال استغلال المعطيات الرقمية للقضايا. تُمكّن هذه الأدوات القضاة من الوصول السريع إلى اجتهادات دقيقة، مما يُقلل وقت البحث، ويوحد الاجتهاد القضائي، ويُسهّل التنبؤ بالأحكام. كما تُتيح لهم التركيز على القضايا المعقدة التي تتطلب خبرة قضائية معمقة[46].

كما أن خوارزميات العدالة التنبؤية تُعتبر وسيلة مساعدة مهمة للقضاة، إذ تمنحهم معطيات دقيقة وسريعة تساعد على إصدار أحكام أكثر كفاءة وفي آجال معقولة، خصوصًا في القضايا البسيطة أو المتكررة. هذه الأدوات تتيح أيضًا للقاضي الإداري رؤية شمولية ومنظمة للاجتهادات والقرارات القضائية، مما يرفع من موضوعية قراراته ويُقلل من اعتماده على الحدس، وبالتالي يُوفر الوقت والجهد. ومع ذلك، يظل دورها تكميليًا لا بديلاً عن القاضي، فهي تخفف عبء العمل عنه دون أن تُلغي مسؤوليته أو استقلاليته. لكن الإفراط في الاعتماد عليها قد يُضعف من قدرته على التحليل النقدي والاجتهاد القانوني، وهو ما قد يُهدد استقلالية القضاء بشكل عام[47].

وهناك أيضا فوائد بالنسبة للأطراف المتقاضية، حيث أنه من المؤكد أن استخدام أدوات العدالة التنبؤية يعود بالنفع على المتقاضين، من خلال تمكينهم من الاطلاع على آفاقهم القانونية، مما يُحقق نتائج أكثر قابلية للتوقع وأقل خضوعًا للعشوائية. كما تُتيح لهم هذه الأدوات اتخاذ قرارات مدروسة بشأن أنجع السبل لحل نزاعاتهم. وتوفير تقديرات حول فرص النجاح في المحكمة والمدة المتوقعة للمحاكمة، واستنادًا إلى البيانات الإحصائية التي توفرها أدوات العدالة التنبؤية، يُعد مكسبًا واضحًا من حيث الوقت والوضوح القانوني[48].

في ظل التحول الرقمي، أصبح الذكاء الاصطناعي أداة أساسية في تطوير القضاء الإداري، خاصة عبر العدالة التنبؤية التي تقوم على تحليل الأحكام والنصوص القانونية للتنبؤ بمآل القضايا. وتساعد البرمجيات الذكية القضاة في دراسة السوابق وتقييم الحجج القانونية، مع الحفاظ على سلطتهم التقديرية.

لكن هذا التطور يثير إشكالات قانونية وأخلاقية، أبرزها: الحياد، حماية المعطيات الشخصية، وضمان استقلالية القضاء. لذلك يبقى التأطير التشريعي والتنظيمي ضرورياً لضمان احترام مبادئ العدالة وتحقيق مبدأ دولة الحق والقانون. كما أن إدماج الذكاء الاصطناعي يطرح تساؤلات أوسع تمتد إلى فروع القانون الخاص، مثل القانون المدني، قانون الأعمال، والقانون الجنائي، بما يفرض معالجة دقيقة للتحديات الناشئة عن استخدام هذه التقنيات[49].

ومن جهة أخرى، يُراد من اعتماد الذكاء الاصطناعي في العمل الإداري والقضائي أن يُعزِّز مبدأي الأمن القانوني والأمن القضائي؛ إذ يجسّد الأمن القضائي الاطمئنان الذي يشعر به الأفراد والإدارات تجاه حماية القضاء الإداري، بينما يضمن الأمن القانوني استقرار المنظومة القانونية وثباتها. وقد حظي مفهوم الأمن القانوني باهتمام متزايد نظرًا لارتباطه المباشر بوضوح القاعدة القانونية وقابليتها للتوقّع. ويُعد هذا المفهوم حديث النشأة نسبيًا؛ إذ أقرّته المحكمة الدستورية الفيدرالية الألمانية سنة 1961، قبل أن يُكرَّس كمبدأ كوني بعد اعتماده من طرف محكمة العدل الأوروبية سنة 1962، ثم تعزيزه لاحقًا من خلال اجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان[50].

وعليه، فإن القضاء الإداري يشهد تحولًا تدريجيًا نحو الرقمنة بفعل تطور الذكاء الاصطناعي، الذي يُستخدم لتعزيز الفعالية دون المساس باستقلالية القضاء. تشمل تطبيقاته تحليل الاجتهاد، أرشفة الملفات، تصنيف القضايا، وأتمتة الإجراءات. ورغم مزاياه في تسريع البت في القضايا وتخفيف العبء الإداري، يطرح تحديات قانونية وأخلاقية تتعلق بالخصوصية واستقلال القاضي وغياب إطار قانوني. لذلك، يجب اعتماد الذكاء الاصطناعي ضمن رؤية متوازنة تحترم المبادئ الدستورية.

خاتمة: (خلاصة عامة/التأكد من الفرضية الرئيسية للبحث/أهم التوصيات)

في ظل التحولات الرقمية السريعة، لم يعد القرار الإداري مجرد فعل تقليدي يصدر عن الإدارة لتحقيق المصلحة العامة، بل أصبح مهدداً بأن يتخذ شكلاً خوارزمياً تديره أنظمة الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، يبقى القرار الإداري قائماً على أركانه الجوهرية: السبب، الاختصاص، الشكل والمحل. وعندما تتدخل الخوارزميات في هذه الأركان، فإن التساؤل الجوهري يطرح حول مدى احترامها للشرعية، وضمان انسجامها مع القواعد القانونية التي تحكم تصرفات الإدارة. فالخوارزمية قد تساهم في تدبير أسرع وأدق، لكنها تظل أداة تقنية خاضعة لرقابة الإدارة التي تتحمل كامل المسؤولية القانونية عن قراراتها. وهو ما يفرض ضرورة وضع آليات فعالة للرقابة والتقويم، حتى لا تتحول التقنية إلى سلطة تقريرية مستقلة عن القانون.

ويظهر القضاء الإداري في هذا السياق كحامٍ للمشروعية وكضامن للتوازن بين الإدارة والمواطنين. فالذكاء الاصطناعي يتيح فرصاً واسعة لتعزيز فعالية المحاكم، عبر تحليل البيانات الضخمة، رصد السوابق القضائية، وتقديم مؤشرات تنبؤية تساعد القضاة في صياغة أحكام أكثر دقة. إلا أن الاعتماد المفرط على هذه الأدوات يهدد بإضعاف دور القاضي البشري، القادر وحده على الموازنة بين المعطيات التقنية والاعتبارات الإنسانية التي لا يمكن للخوارزميات استيعابها بالكامل. فالعدالة التنبؤية يجب أن تبقى في حدود الاستشارة والمساعدة، دون أن تتحول إلى بديل يقرر مصير النزاعات بمعزل عن الرقابة القضائية.

ورغم ما تتيحه هذه التقنيات من مزايا، فإنها تطرح إشكاليات أخلاقية وقانونية، أبرزها مخاطر التحيز الخوارزمي، وإشكالات الشفافية، وحماية المعطيات الشخصية، بالإضافة إلى احتمال المساس بحقوق الدفاع ومبادئ المحاكمة العادلة. وكل ذلك يجعل من الضروري التفكير في إطار قانوني وأخلاقي متين يضبط العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والإدارة والقضاء.

ومن خلال ما سبق، يمكن التأكيد على أنه:

  • إن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة واعدة لتحسين الكفاءة الإدارية داخل المحاكم، خاصة من حيث تدبير الملفات، المواعيد، واستخراج السوابق القضائية؛
  • إن القضاء الإداري، بحكم طبيعته التقديرية، يفرض حدوداً موضوعية على اعتماد الذكاء الاصطناعي، مما يجعل دوره مساعداً لا بديلاً عن الاجتهاد البشري؛
  • إن تحقيق التوازن بين الكفاءة والعدالة يقتضي اعتماد مقاربة تشاركية، تجمع بين القضاة والمبرمجين والمشرّعين، لصياغة إطار قانوني وأخلاقي متين لتوظيف هذه التقنيات؛
  • إن التجارب المقارنة تبين تفاوتاً كبيراً في مدى تقبل الأنظمة القضائية للذكاء الاصطناعي، مما يؤكد أهمية مراعاة الخصوصيات الوطنية عند اعتماد أي إصلاح رقمي؛
  • إن العدالة، باعتبارها قيمة إنسانية، يجب أن تبقى في صلب كل تحول رقمي، حتى لا تتحول التقنيات إلى وسيلة لتغليب الكفاءة على حساب حقوق الإنسان؛
  • إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يُسهم بشكل إيجابي في تحسين فعالية الإدارة العمومية، شريطة أن يُؤطر بإطار قانوني وأخلاقي يضمن حسن استخدامه ويمنع أي انزلاقات محتملة. غير أن هذا التقدم التكنولوجي قد يشكل في المقابل تهديداً لمبدأ العدالة، خاصة في القضاء الإداري، إذا لم يتم ضبط استعماله بقيود قانونية صارمة تضمن الشفافية والإنصاف. كما تُظهر التجارب المقارنة تفاوتاً واضحاً بين الدول في مستوى إدماج الذكاء الاصطناعي في المنظومتين الإدارية والقضائية، وهو تفاوت ناتج بالأساس عن اختلاف الأطر القانونية والمؤسساتية من بلد لآخر.

لائــحــة المراجع المـــعــتــمــدة:

“وتجدر الإشارة إلى أنه قد تم التصرف في كثير من المراجع المستعملة”

  • مدحت محمد أبو النصر، الذكاء الاصطناعي في المنظمات الذكية، المجموعة العربية للتدريب والنشر، الطبعة الأولى، 2020
  • أروى بنت عبدالرحمان بن عثمان الجلعود، أحكام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القضاء، الطبعة الأولى، الجمعية العلمية القضائية السعودية، 2023
  • بلخير محمد آيت عودية، القرار الإداري الخوارزمي، مجلة الاجتهاد للدراسات القانونية والاقتصادية، المجلد: 09، العدد:03، 2020
  • أحمد عبادي، أمين منير العلوي، محمد أمين شرار، الذكاء الاصطناعي بالمغرب: أي استخدامات وأي آفاق للتطوير؟، رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، 2024
  • أحمد ناصر عباس، القرارات الإدارية المؤتمتة والسلطة التقديرية لجهة الإدارة، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية، المجلد 66، العدد 3يناير 2024
  • محمد علي أبو علي، المسؤولية الجنائية عن أضرار الذكاء الاصطناعي، دار النهضة العربية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2024
  • زينب ثامر شهيد، إيمان عباس مهدي، دور الذكاء الاصطناعي في التقاضي والتنفيذ، مجلة جامعة الزيتونة الأردنية للدراسات القانونية، إصدار خاص 2024
  • سمر عادل شحاتة محمد، الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية، المجلد 66، العدد3، مؤتمر كلية الحقوق بجامعة عين شمس المنعقد في الرابع والخامس من نونبر 2023، حول ” التحديات والآفاق القانونية والاقتصادية للذكاء الاصطناعي، يناير 2024
  • الشريف الغيوبي، الوسائل القانونية لعمل الإدارة: وفق التشريع والاجتهاد القضائي المغربي والمقارن، طبعة 2018
  • عبدالحميد أحمد الواحدي، أركان القرار الإداري في عصر الذكاء الاصطناعي، مجلة جامعة الإمارات للبحوث القانونية، العدد 99، 2024
  • عبدالله إدريسي، الأمن القانوني لمصالح وحقوق الأشخاص بين التشريع والقضاء، الطبعة الأولى، 2012
  • فهد سعيد الظهوري، مصطفى سالم النجيفي، مسؤولية الإدارة عن استخدامات الذكاء الاصطناعي على أساس الخطأ، مجلة جامعة الشارقة، المجلد 12،العدد1، 2024
  • محمد سعيد سعد الله بخيت، أثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تطوير خدمات المرافق العامة ،الإدارة الذكية نموذجا، دراسة مقارنة، مجلة البحوث الفقهية والقانونية، العدد 43، 2023
  • محمد قصري، دور القاضي الإداري في حماية المشروعية وحقوق الموظف العمومي، الجزء الثاني، الطبعة الأولى 2020
  • هوشات فوزية، الذكاء الاصطناعي: أي تأثير على القضاء الإداري؟، محلة المعيار، المجلد 29، العدد 01، 2024
  • وفاء رزوق، الذكاء الاصطناعي وتحديات الإدارة العمومية أية مسؤولية للدولة؟، مجلة تكامل للدراسات والأبحاث متقاطعة المعارف، العدد 5 ، ملف العدد: التوجهات الحديثة للقانون الإداري المغربي، 2024
  • خبراء المجموعة العربية للتدريب والنشر، تحت إشراف علمي: محمود عبدالفتاح رضوان، صناعة القرارات الإدارية بين النظرية والتطبيق، المجموعة العربية للتدريب والنشر
  • ينظر إلى: العين للفراهيدي (5/ 399) مادة (ذكو)، والزاهر في غريب ألفاظ الشافعي للهروي (ص 263)، ومقاييس اللغة لابن فارس (2/ 357، 358)، مادة (ذكا)، ولسان العرب لابن منظور (14/ 287) مادة (ذكا)، وتاج العروس للزبيدي (38/ 94) مادة (ذكو)، ومعجم اللغة العربية المعاصرة، د/ أحمد مختار عمر وفريق عمل (1/ 817) مادة (ذكو).
  • Zouhaier Nouri, Walid Ben Salah, Nayel Al Omrane.Artificial Intelligence and Administrative Justice: An Analysis of Predictive Justice in France, Hasanuddin Law Review, Volume 10, Issue 2, August 2024
  1. مدحت محمد أبو النصر، الذكاء الاصطناعي في المنظمات الذكية، المجموعة العربية للتدريب والنشر، الطبعة الأولى، 2020، ص136-137
  2. ينظر إلى: العين للفراهيدي (5/ 399) مادة (ذكو)، والزاهر في غريب ألفاظ الشافعي للهروي (ص 263)، ومقاييس اللغة لابن فارس (2/ 357، 358)، مادة (ذكا)، ولسان العرب لابن منظور (14/ 287) مادة (ذكا)، وتاج العروس للزبيدي (38/ 94) مادة (ذكو)، ومعجم اللغة العربية المعاصرة، د/ أحمد مختار عمر وفريق عمل (1/ 817) مادة (ذكو).
  3. أحمد عبادي، أمين منير العلوي، محمد أمين شرار، الذكاء الاصطناعي بالمغرب: أي استخدامات وأي آفاق للتطوير؟، رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، 2024ص11
  4. مدحت محمد أبو النصر، م. س، ص132
  5. مدحت محمد أبو النصر، م. س، ص138
  6. زينب ثامر شهيد، إيمان عباس مهدي، دور الذكاء الإصطناعي في التقاضي والتنفيذ، مجلة جامعة الزيتونة الأردنية للدراسات القانونية، إصدار خاص 2024، ص917
  7. فهد سعيد الظهوري، مصطفى سالم النجيفي، مسؤولية الإدارة عن استخدامات الذكاء الاصطناعي على أساس الخطأ، مجلة جامعة الشارقة، المجلد 12،العدد1، 2024ص309-308
  8. محمد علي أبو علي، المسؤولية الجنائية عن أضرار الذكاء الاصطناعي، دار النهضة العربية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2024ص13
  9. أروى بنت عبدالرحمان بن عثمان الجلعود، م. س، ص44
  10. مدحت محمد أبو النصر، م. س، ص134
  11. مدحت محمد أبو النصر، م. س، ص135
  12. محمد سعيد سعد الله بخيت، م. س، ص3426
  13. أحمد ناصر عباس، القرارات الإدارية المؤتمتة والسلطة التقديرية لجهة الإدارة، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية، المجلد 66، العدد 3يناير 2024ص1136
  14. أحمد ناصر عباس، م. س، ص1137
  15. أحمد ناصر عباس، م. س، ص1138-1139
  16. أحمد ناصر عباس، م. س، ص1138
  17. أحمد ناصر عباس، م. س، ص1139
  18. أحمد ناصر عباس، م. س
  19. الشريف الغيوبي، الوسائل القانونية لعمل الإدارة: وفق التشريع والاجتهاد القضائي المغربي والمقارن، طبعة 2018، ص42
  20. بلخير محمد آيت عودية، القرار الإداري الخوارزمي، مجلة الاجتهاد للدراسات القانونية والاقتصادية، المجلد: 09، العدد:03، ص21
  21. عبدالحميد أحمد الواحدي، أركان القرار الإداري في عصر الذكاء الاصطناعي، مجلة جامعة الإمارات للبحوث القانونية، العدد 99، 2024ص38
  22. عبدالحميد أحمد الواحدي، م. س، ص38-39
  23. بلخير محمد آيت عودية، م. س، ص22
  24. عبدالحميد أحمد الواحدي، م. س، ص14
  25. عبدالحميد أحمد الواحدي، م. س، ص41-42
  26. عبدالحميد أحمد الواحدي، م. س، ص40
  27. بلخير محمد آيت عودية، م. س، ص21
  28. بلخير محمد آيت عودية، م. س، ،ص20
  29. محمد قصري، دور القاضي الإداري في حماية المشروعية وحقوق الموظف العمومي، الجزء الثاني، الطبعة الأولى 2020، ص6
  30. عبدالحميد أحمد الواحدي، م. س، ص37
  31. بلخير محمد آيت عودية، م. س، ص20
  32. بلخير محمد آيت عودية، م س، ص22
  33. بلخير محمد آيت عودية، م. س، ،ص23
  34. بلخير محمد آيت عودية، م، س، 23
  35. بلخير محمد آيت عودية، م، س، ص23
  36. أحمد ناصر عباس، م. س، ص1134
  37. خبراء المجموعة العربية للتدريب والنشر، م. س، ص 105
  38. خبراء المجموعة العربية للتدريب والنشر، م. س، ص 106
  39. أروى بنت عبدالرحمان بن عثمان الجلعود، م. س، ص70-71
  40. أروى بنت عبدالرحمان بن عثمان الجلعود، م. س، ص72-73
  41. هوشات فوزية، الذكاء الاصطناعي: أي تأثير على القضاء الإداري؟، محلة المعيار، المجلد 29، العدد 01، 2024ص835
  42. سمر عادل شحاتة محمد، الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية، المجلد 66، العدد3، مؤتمر كلية الحقوق بجامعة عين شمس المنعقد في الرابع والخامس من نونبر 2023، حول ” التحديات والآفاق القانونية والاقتصادية للذكاء الاصطناعي، يناير 2024ص409
  43. هوشات فوزية، م. س، ص840
  44. هوشات فوزية، م. س، ص841
  45. Zouhaier Nouri, Walid Ben Salah, Nayel Al Omrane.Artificial Intelligence and Administrative Justice: An Analysis of Predictive Justice in France, Hasanuddin Law Review, Volume 10, Issue 2, August 2024 p.p 129 -128
  46. Zouhaier Nouri, Walid Ben Salah, Nayel Al Omrane.ibid, p  129
  47. Zouhaier Nouri, Walid Ben Salah, Nayel Al Omrane.ibid
  48. وفاء رزوق، الذكاء الاصطناعي وتحديات الإدارة العمومية أية مسؤولية للدولة؟، مجلة تكامل للدراسات والأبحاث متقاطعة المعارف، العدد 5 ، ملف العدد: التوجهات الحديثة للقانون الإداري المغربي، 2024ص35
  49. عبدالله إدريسي، الأمن القانوني لمصالح وحقوق الأشخاص بين التشريع والقضاء، الطبعة الأولى، 2012ص33
  50. – مسعودي رشيد/ فرشان دليلة، تنمية الرأسمال الاجتماعي: مستقبل المدن الذكية، مساهمة في أعمال المؤتمر الدولي الأول حول المدن الذكية في ظل التغيرات الراهنة (واقع وأفاق) يوم 29 و30 مارس 2019، المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية برلين- ألمانيا، الجزء الأول، الطبعة الأولى 2019، ص 272.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى