المدرسة العمومية وإعادة إنتاج اللامساواة: أثر الرساميل الأسرية في تشكيل الاستراتيجيات لدى تلاميذ البكالوريا بالمغرب – نادية مبطول – فوزي بوخريص

المدرسة العمومية وإعادة إنتاج اللامساواة: أثر الرساميل الأسرية في تشكيل الاستراتيجيات لدى تلاميذ البكالوريا بالمغرب
Public Schooling and the Reproduction of Inequality: The Impact of Family Capitals on Shaping the Strategies of Baccalaureate Students in Morocco
نادية مبطول
طالبة باحثة في سلك الدكتوراه، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة ابن طفيل، القنيطرة، المغرب
فوزي بوخريص
أستاذ علم الاجتماع بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة ابن طفيل، القنيطرة، المغرب.
ملخص:
تهدف هذه الدراسة إلى تفكيك آليات إعادة إنتاج اللامساواة الاجتماعية في المدرسة العمومية بالمغرب، مع التركيز على محطة البكالوريا باعتبارها منعطفا حاسما في المسار الدراسي. تنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن التفاوت البنيوي في حيازة الرساميل الأسرية (الثقافية، اللغوية، الاجتماعية، الاقتصادية) يولّد استراتيجيات تربوية متباينة تعمل على تحويل الامتياز الطبقي الموروث إلى استحقاق مدرسي مشرعن. ولاختبار هذه الفرضيات، اعتمد البحث منهجية كيفية استندت إلى مقابلات شبه موجهة مع عينة قصدية مكونة من 75 مبحوثا؛ توزعت بين 50 تلميذا وتلميذة (بالوسطين الحضري والقروي) بمدينة القنيطرة، و25 أسرة من خلفيات سوسيومهنية متنوعة (نخبوية، متوسطة، شعبية).
تكشف النتائج أن المدرسة العمومية- في مرحلة البكالوريا- تمارس عنفا رمزيا عبر فرض معايير ثقافية ولغوية (الشفرة الموسعة) تتماهى مع هابيتوس الفئات المهيمنة، مما يجعل المسار الدراسي نتاجا لاستثمار استراتيجي للرساميل وليس مجرد انعكاس للموهبة الفطرية. كما تخلص الدراسة إلى أن المؤسسة التربوية، تشرعن الفوارق الاجتماعية وتمنحها صيغة الجدارة الشخصية، وهو ما يعمق اغتراب تلاميذ الأوساط المحرومة ويكرس بنية التراتبية الطبقية تحت غطاء أيديولوجية الاستحقاق.
كلمات مفتاحية: إعادة إنتاج اللامساواة، الرساميل، استراتيجيات الأسر، البكالوريا المغربية، العنف الرمزي.
Abstract:
This study aims to deconstruct the mechanisms of social inequality reproduction within the Moroccan public school system, focusing on the baccalaureate stage as a decisive turning point in the academic trajectory. The study is predicated on a central hypothesis: that structural disparities in the possession of “family capitals” (cultural, linguistic, social, and economic) generate divergent educational strategies that transform inherited class privilege into a legitimized “academic merit.” To test these hypotheses, a qualitative methodology was employed, based on semi-structured interviews with a purposive sample of 75
participants; consisting of 50 students and 25 families in Kenitra from diverse socio-professional backgrounds (elite, middle, and working classes).
The results reveal that the public school exerts “symbolic violence” by imposing cultural and linguistic standards (elaborated code) that align with the “habitus” of
the dominant classes, thereby rendering academic success the product of strategic capital investment rather than a mere reflection of innate talent. Furthermore, the
study concludes that the educational institution, through the “international streams”
and the assessment system, legitimizes social disparities by branding them as “personal merit.” This process deepens the alienation of students from underprivileged backgrounds and perpetuates the structure of class hierarchy under the guise of the “ideology of meritocracy.”
Keywords: Reproduction of Inequality, Capitals, Family Strategies, Moroccan Baccalaureate, Symbolic Violence.
مقدمة
لطالما قدّم الخطاب الرسمي المغربي المدرسة العمومية كمؤسسة محايدة ([1])، حيث يُنظر إلى تعميم التعليم بفرص متكافئة كرهان سياسي ومجتمعي لتحقيق الإنصاف والقضاء على التفاوتات ([2]). إلا أن مسلمة المساواة الصورية هذه جعلت النظام التعليمي غير مُبالٍ للاختلافات السوسيوثقافية الحقيقية بين التلاميذ، لاسيما تلك الموروثة منها، كرأس المال الثقافي الأسري ([3]). هذا التفاوت البنيوي أكدته تقارير متخصصة، حيث تشير المعطيات إلى أزمة خانقة في المنظومة التربوية المغربية تتجلى في نسب مرتفعة من الهدر المدرسي وتكريس التفاوتات المجالية والطبقية ([4])، ما يعكس نظاما تعليميا بسرعتين يخدم النخبة ويقصي القاعدة ([5]). إذا كانت هذه اللامساواة ترافق التلميذ طوال مساره الدراسي، فإنها تتجلى بأقسى صورها في مرحلة البكالوريا، هذه الأخيرة التي تمثل في النظام التربوي المغربي، الإطار المرجعي الأساسي لإنهاء التعليم الثانوي التأهيلي، وتؤهل حاملها للولوج إلى التعليم العالي ([6]). بيد أن قيمتها تتجاوز كونها مجرد شهادة، إذ تتحول إلى آلية فرز حاسمة تحدد المصائر الاجتماعية. وهكذا، لا تقيس البكالوريا كفاءات أكاديمية مجردة، بل تقيّم في جوهرها، مدى القرب أو البعد من الثقافة المدرسية التي تمثل امتدادا لثقافة الفئات المهيمنة ([7]). في الأدبيات السوسيولوجية المغربية، تناولت دراسات سابقة آليات إعادة إنتاج اللامساواة في المدرسة المغربية من زوايا متعددة؛ فدراسة محمد فاوبار حللت علاقة المدرسة بالتفاوت الاجتماعي، وركزت على الهدر المدرسي كظاهرة بنيوية ([8]). كما حلل عبد الله ساعف أثر الازدواجية اللغوية على التفاوت المدرسي ([9]). غير أن هذه الدراسات، رغم قيمتها العلمية، فهي لم تركز على مرحلة البكالوريا كمحطة فرز حاسمة، ولم تعتمد منهجية معمقة تلتقط “الكيف” الذي تعيش به الأسر آليات اللامساواة من الداخل. وهذا ما يبرّر دراستها سوسيولوجيا ليس باعتبارها مؤشرا أكاديميا، بل كظاهرة اجتماعية كلية بالمعنى الذي صاغه مارسيل موس (Marcel Mauss) ([10]). تهدف هذه الدراسة إلى تفكيك وهم الحياد المدرسي في السياق المغربي من خلال الكشف عن الآليات الخفية لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية داخل المدرسة العمومية، وبالتالي تجاوز التفسيرات الفردانية التي ترجع اللامساواة المدرسية إلى التلميذ. تتحدد الإشكالية من خلال التساؤل المركزي العام التالي: كيف تعمل المدرسة العمومية المغربية في مرحلة البكالوريا-حصرا- على تحويل تفاوت الرساميل والاستراتيجيات الأسرية إلى لامساواة مدرسية بحتة، ثم إلى شرعنتها وإعادة إنتاجها؟ سنفكك هذا التساؤل الإشكالي إلى أسئلة فرعية مفادها: كيف يسهم تباين رساميل الأسر المغربية في تشكيل أنماط متفاوتة من الاستعدادات والتوجهات لأبنائها؟ وكيف تعمل الاستراتيجيات اللامتساوية للأسر المغربية كآلية لتحويل الامتياز أو الحرمان الأسري إلى استحقاق أو فشل مدرسي؟ بأي شكل تسهم بنية المدرسة العمومية بالمغرب في إضفاء الشرعية على النتائج الدراسية اللامتساوية؟ تستند هذه الدراسة إلى المنهج النوعي الذي يتّسق مع المنظور الوصفي التأويلي، وهو اختيار يمثل ضرورة إبستمولوجية لاستجلاء الكيف نحو فهم أعمق لدينامية الرساميل الأسرية واستراتيجيات التموقع لدى تلاميذ البكالوريا في المدرسة العمومية. من هذا المنطلق، اعتمدت الدراسة على تقنية المقابلة شبه الموجهة مع عيّنة قصدية مكونة من (50 تلميذًا وتلميذة)، توزعت العينة بين مؤسسات تعليمية عمومية تنتمي إلى المجالين الحضري والقروي بمدينة القنيطرة، ما يسمح بالتقاط تباين السياقات الاجتماعية والثقافية المؤثرة في التجربة المدرسية. كما تم مراعاة مبدأ التباين الأقصى في اختيار المبحوثين لتمثيل خلفيات سوسيو اقتصادية متفاوتة، حيث شملت الدراسة أيضا (25 أسرة) تنتمي إلى فئات اجتماعية متباينة من حيث المستوى التعليمي والدخل وطبيعة المهنة ومكان الإقامة. اعتُمد مبدأ التوازن النسبي من حيث الجنسين ثم المسالك الدراسية المختلفة، بهدف تعزيز غنى المعطيات النوعية وتعدد وجهات النظر. وقد تم الاكتفاء بهذا الحجم من العينة استنادا إلى مبدأ الإشباع النظري؛ حيث لوحظ خلال المسار الميداني وتدفق البيانات النوعية، وصول الدراسة إلى مرحلة التكرار الدلالي. واجهت الدراسة جملة من التحديات الميدانية، أبرزها تحفظ بعض التلاميذ مخافة وصول المعلومات إلى الإدارة التربوية، وارتباط بعض الأسر بمصالح مباشرة، والتباين اللغوي (هيمنة الدارجة أو الأمازيغية لدى الفئات المحرومة مقابل الفرنسية لدى الطبقات المحظوظة). لا تدّعي هذه العينة تمثيلا إحصائيا للمدرسة العمومية بالمغرب، بل تسعى إلى فهم معمق للآليات كما تتجسد في سياقات محددة. تم توثيق المقابلات عبر التسجيل الصوتي (بعد موافقة المبحوثين) لضمان الأمانة في نقل المتون اللغوية المتنوعة، وتحليلها لاحقا وفق المقاربات النظرية المتبناة في الدراسة.
أولًا: الأسس السوسيولوجية والمنطلقات المفاهيمية لإعادة الإنتاج الاجتماعي
أحدث مفهوم إعادة الإنتاج قطيعة إبستمولوجية مع النظريات الكلاسيكية التي كانت تنظر إلى المدرسة كمؤسسة للتنشئة الاجتماعية ([11]). واستند إلى تراكمات نظرية ساهمت في بلورتها مدارس فكرية عديدة؛ فإذا كان لوي ألتوسير (Louis Pierre Althusser) يرى المدرسة بمثابة جهاز أيديولوجي مهيمِن في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة ([12]). فإن كلًّا من كريستيان بودلو (Christian Baudelot) وروجر إستابلي (Roger Establet) يعتبران أن ما يجري داخل المدرسة يفسّر ما يجري خارجها ([13]). وبالتالي، فهي ليست بالجهاز المحايد والموحِّد لجميع التلاميذ ([14])، بل إنها تتضمن شبكتين للتمدرس؛ شبكة التعليم الابتدائي-المهني لأبناء الطبقة العاملة، وشبكة التعليم الثانوي-العالي ([15]) حيث يهتم أبناء البورجوازية بالتعليم العالي الطويل المدى. أما بازل برنشتاين (Basil Bernstein) فقد تحدث عن شفرتين متقابلتين؛ شفرة محدودة تتمثل في لغة مفككة وضعيفة لدى أبناء الفقراء ([16])، وشفرة متطورة لدى أبناء الأغنياء، ما يجعل المدرسة تمارس انتقاء خفيا لصالح أبناء الطبقة المثقفة باعتبارها تمتلك الشفرة اللغوية المفضلة داخل المدرسة ([17]). أما بيير بورديو (Pierre Bourdieu) فيرى أن النظام التعليمي لا يعمل بوصفه أداة لتحقيق المساواة، بل يؤدي وظيفة إعادة إنتاج البنى الاجتماعية وإدامة اللامساواة الطبقية داخل المجتمعات الحديثة ([18]). إذ لا يمكن إرجاع اللامساواة بين أبناء الطبقات الاجتماعية المتمايزة إلى مجرد موهبة فردية، بل هي نتاج بنيوي للمسافة الثقافية واللغوية الفاصلة بين الهابيتوس الذي تسعى المدرسة لتنشئته (عبر إتقان اللغة المعيارية)، وبين الهابيتوس الذي يجلبه التلميذ من وسطه الأسري (بما يحمله من سمات طبقية ولغة أمٍّ عملية) ([19]). رغم القوة التفسيرية التي تقدمها نظرية إعادة الإنتاج عند بورديو، فقد وُجّهت لها عدة انتقادات مرتبطة بنزعتها الحتمية؛ إذا كان ريمون بودون (Raymond Boudon) يرى أن اللامساواة المدرسية لا ترتبط فقط بإعادة الإنتاج الثقافي، بل كذلك بالاختيارات العقلانية للأسر واستراتيجياتها التعليمية المرتبطة بحساب الكلفة والمردودية الاجتماعية للدراسة، خاصة لدى الفئات الشعبية التي قد تحدّ من طموحات أبنائها الدراسية بسبب المخاطر الاقتصادية المرتبطة بالتعليم الطويل)[20] (. فإن برنار لاهير (Bernard Lahire) يعتبر أن الفرد قد يحمل استعدادات اجتماعية متعددة ومتعارضة أحيانا تبعا لتنوع تجاربه الاجتماعية، وأن الفاعلين الاجتماعيين ليسوا سجناء ماضيهم الطبقي بشكل مطلق، مما يفسر إمكانية ظهور مسارات مدرسية ناجحة حتى داخل الأوساط المحرومة)[21] (. أما فرانسوا ديبي (François Dubet)، فيرى أن المدرسة الحديثة لا تلغي اللامساواة بقدر ما تعيد تحويلها إلى تفاوتات فردية تبدو وكأنها ناتجة عن استحقاق شخصي، ما يجعل الفاعلين يستبطنون الفشل الدراسي باعتباره مسؤولية فردية رغم ارتباطه بشروط اجتماعية غير متكافئة)[22] (.
العنف الرمزي وشرعنة الهيمنة الثقافية
يمثل هذا المفهوم حجر الزاوية في نظرية إعادة الإنتاج، وقد اعتبر الباحثان أن كل فعل تربوي هو بمثابة عنف رمزي يسعى إلى إعادة إنتاج التعسف الثقافي للطبقات المهيمِنة ([23]). ولكي تحافظ المدرسة على وظيفتها، فهي تعمل على فرض معايير ثقافية ولغوية معينة، وتقدمها على أنها مشروعة وشرعية، لكنها في الواقع هي الأقرب إلى اللغة والثقافة السائدتين داخل الأسر البورجوازية.
الرساميل: من المفهوم إلى تباين القوى داخل الحقل المدرسي
يوصف الأفراد في نظرية كارل ماركس بأنهم بورجوازيون أو بروليتاريا تبعا لمدى امتلاكهم لرأس مال اقتصادي من عدمه ([24]). أما بورديو، فقد تجاوز المعنى الاقتصادي لرأس المال ليشمل رساميل من طبيعة مختلفة:
رأس المال الثقافي: يذهب بورديو في كتابه إعادة الإنتاج (1970) إلى أن الأسر الميسورة تنقل رصيدا ثقافيا لأبنائها يتمثل في إتقان اللغة الرسمية، وامتلاك المرجعيات الثقافية المعترف بها، والتعوّد على أساليب التفكير والتعبير التي يتطلبها النظام المدرسي. وقد قسّم رأس المال الثقافي إلى ثلاث حالات؛ حالة مستدمَجة (الهابيتوس)، وحالة مؤسساتية (الشهادات)، وحالة متجسَّدة (السلع الثقافية) ([25]). يمنح رأس المال الثقافي لأبناء هذه الطبقات الاجتماعية أفضلية ضمنية داخل المدرسة. ويعد رأس المال اللغوي أحد الأبعاد الجوهرية لرأس المال الثقافي في حالته المستدمجة.
رأس المال الاجتماعي: يعرّف بورديو هذا المفهوم بأنه مجموع الموارد الفعلية أو المحتملة المرتبطة بحيازة شبكة متينة من علاقات المعرفة المتبادلة أو الاعتراف المتبادل([26])، تتجلى في وجود قنوات يستغلها الآباء الذين يتموضعون في مواقع اجتماعية متميزة بهدف إعادة إنتاج امتيازاتهم لأبنائهم ([27]).
رأس المال الاقتصادي: يشير إلى مجموع الموارد الاقتصادية للفرد سواء كانت ممتلكات أو دخلا، ويساهم رأس المال الاقتصادي في اكتساب أنواع أخرى من الرساميل ([28]).
رأس المال الرمزي: يعني مفهومي الهيبة والاعتراف الاجتماعي، وهو حسب بورديو ليس سوى رأس المال الاقتصادي أو رأس المال الثقافي عندما يكون معروفا ويتم الاعتراف به ([29]).
مفهوم الاستراتيجية: من بورديو إلى فان زانتين
يحدد بورديو استراتيجيات إعادة الإنتاج في الممارسات التي من خلالها يميل الأفراد أو الأسر، بشكل واعٍ أو غير واعٍ، إلى الحفاظ على ثرواتهم أو زيادتها، وبالتالي، إلى الحفاظ على وحدتهم الاجتماعية أو تحسين موقعهم في البنية الاجتماعية. هذه الممارسات لا تشكل خيارات معزولة، بل هي أنظمة متداخلة تخضع لمنطق إعادة الإنتاج ([30]). كما تقدم أغنيس فان زانتين تحليلا دقيقا لاستراتيجيات الأسر في اختيار المؤسسات التعليمية، في كونها إما استراتيجيات استباق، أو استراتيجيات التفاف على الخريطة المدرسية ([31]). وعليه، يمكن تعريف الاستراتيجيات الأسرية في مجال التعليم بأنها: مجموع الإجراءات أو المواقف التي يقوم بها أفراد الأسرة بشكل منسق، بهدف توفير التعليم الأكثر قابلية للتثمين الاجتماعي للأطفال ([32]).
ثانيًا: المدرسة المغربية من الموروث الاستعماري إلى إعادة إنتاج اللامساواة
لا يستقيم فهم آليات إعادة إنتاج اللامساواة في المدرسة المغربية الراهنة دون استحضار السياق السوسيو تاريخي المرتبط ببنى الهيمنة المتراكمة. اتسم المشهد التعليمي في مرحلة ما قبل الاستعمار بالنمط التقليدي([33])، لم يخلُ التعليم في هذه الفترة من تجليات اللامساواة، إذ ظل التعليم العالي حكرا على أبناء الأسر المحظوظة بالمدن، بينما اكتفى أبناء الفئات الفقيرة بالتعليم الأساسي (المسيد). مع فرض الحماية الفرنسية على المغرب عام 1912، تم إرساء نظام تعليم استعماري استهدف إخضاع النفوس بعد أن تم إخضاع الأبدان ([34])، تميز بالانقسام على أساس انتماءات اثنية ودينية وطبقية، كما اتسم بأبعاد سياسية واجتماعية محضة ([35]). تجسد المنطق الاستعماري التفاضلي في تخصيص تعليم متميز للنخب الغنية لجعلهم وسطاء مع الإدارة الفرنسية، مقابل مدارس مهنية للفئات الشعبية لتكوين يد عاملة ([36]). بعد استقلال المغرب عام 1956، تبنى البديل الوطني المبادئ الأربعة: التعميم والتوحيد والتعريب والمغربة ([37]). إلا أن الاستقلال السياسي لم يعكس القطيعة مع النموذج الاستعماري، بل أعاد إنتاج البنية المزدوجة تحت غطاء وطني ([38]). إن ثنائية (العربية/الفرنسية) تعيد إنتاج تراتبية (مركز/هامش) على المستوى الاجتماعي، ما يجعل المدرسة العمومية بمثابة حلبة صراع تُترجم فيها الامتيازات اللغوية الموروثة إلى استحقاقات مدرسية. تعد ازدواجية (التعليم العمومي/ الخصوصي) والبعثات الأجنبية وريثا مباشرا لمدارس الأعيان الاستعمارية([39])، فالتمييز بين مدرسة عمومية للجماهير ومدرسة خصوصية للنخب([40]) يعيد إنتاج التراتبية الاجتماعية التي أسسها الاستعمار تحت غطاء اقتصاد السوق والاختيار الفردي. يبرز السياق السوسيو تاريخي لنشأة المدرسة العمومية المغربية كيف أن الاستعمار لم يخلق مؤسسات فحسب، بل بُنى ذهنية وعلاقات قوة استمرت عبر آليات وطنية تحافظ على جوهرها التراتبي الخفي ([41]).
ثالثا: تجليّات رساميل الأسر المغربية
تكشف المعطيات الميدانية عن ارتباط النجاح داخل المدرسة العمومية بقوة أو ضعف الرساميل المتاحة للأسر قبل ولوج التلميذ للفصل، بما يجعل فرص التفوق الدراسي متباينة تبعا لاختلاف المواقع الاجتماعية. إلا أن هذا الارتباط لا يعني وجود حتمية مطلقة، حيث تسمح بعض المسارات الفردية بتجاوز جزء من الإكراهات البنيوية.
تمثلات المستقبل واغتراب الذات عن الحقل المدرسي
تتفاوت رؤية التلاميذ للمستقبل؛ فبينما تنظر النخبة إلى البكالوريا باعتبارها: قنطرة لبناء المستقبل ([42])، وتحمل تمثلات إيجابية عن المدرسة: المدرسة هي فضاء العلم والارتقاء ([43]). فإن أبناء الفئات المحرومة لا يتوقعون مستقبلا مهنيا ارتباطا بالتعليم، لأن وسطهم الأسري نفسه لا مستقبل له داخل هذا الفضاء المدرسي، ويحملون نظرة قاتمة سواء حول المدرسة: المدرسة كالسجن نأتي إليها رُغما عنا، ([44]). وحول شهادة البكالوريا: البكالوريا هي (كرتونة) لا أكثر([45]). هذا الاغتراب لدى الفئة الثانية يدفع البعض للبحث عن بدائل خارج المنظومة، إما من خلال الهجرة غير النظامية: لا أجد نفسي في المدرسة وأفكر في (الحريك) ([46]). أو عبر نماذج نجاح بديلة: في مواقع التواصل الاجتماعي هناك أشخاص ناجحون دون شهادات ولا تعب([47]). تبرز هذه الشهادات عمق الفجوة الرمزية بين الفئات الاجتماعية في علاقتها بالمدرسة المغربية.
رأس المال الاقتصادي وفضاء الدراسة: من حيّز المكان إلى جغرافيا اللامساواة
تكشف المعطيات الميدانية عن فوارق جوهرية في الشروط المادية المساعدة أو المعرقلة للمسار الدراسي. إذ لا تعتبر المدرسة مجرد حيّز مكاني، بل هي امتداد لجغرافيا اجتماعية يمتزج فيها المجال الحضري بالقروي من جهة، والمجال الحضري بتناقضاته من جهة ثانية. فالمسافة الفاصلة بين البيت والفصل الدراسي ليست مجرد كيلومترات، إنها تعكس تفاوتا واضحا في شروط العبور بين أبناء المدن والقرى من جهة، وبين أبناء الأحياء الراقية وأطفال الهوامش من جهة أخرى. فالتلاميذ المنحدرون من أسر محدودة الدخل يعيشون في بيئات تفتقر للحد الأدنى من شروط الدراسة: القرية تبعد عن المدرسة بحوالي 10 كلمترات، ليس لي غرفة خاصة ولا مكتبة، لا إمكانيات مادية للدروس الخصوصية، لا نتوفر على الأنترنت ([48]). وفي المقابل يبرز الهابيتوس الميسّر كامتياز طبيعي: لي غرفة خاصة وهاتف وكمبيوتر وشبكة أنترنت([49]). تكشف هذه الشهادة المزدوجة عن تجسيد واضح للامساواة الخفية التي تنشأ خارج أسوار المدرسة، لكنها تحسم نتائجها داخلها. فالإكراه الجغرافي، وغياب الفضاء الحميمي للدراسة، ثم الافتقار لرأس مال رقمي لدى الطبقة الاجتماعية المحرومة، لا ينتج فوارق في التحصيل الدراسي فقط، بل ينتج فوارق في الوعي بالذات والمستقبل.
تسليع التعليم وتحويل رأس المال الاقتصادي
تتحول الموارد المالية إلى استراتيجيات لشراء الجودة؛ سواء من خلال اللجوء إلى مدارس خصوصية أو باختيار مدرسة جيدة، مما يدل على أن علاقة الأسرة بالمدرسة أصبحت مطبوعة بالمال تقوم على البيع والشراء: لا تهمني التكلفة المادية، أهم شيء هو الاستثمار الجيد لصالح الأبناء([50]). هذا التوجه يحوّل المدرسة العمومية إلى ملجأ لأبناء الطبقات المحرومة، مما يؤثر على تقديرها لذاتها وعلى مدى إيمانها بمبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص: لو أن والدي يمتلك نقودا لأتممت دراستي بمدرسة خاصة([51]). تظهر الدروس الخصوصية كمعيار لتراتبية طبقية حادة؛ فبينما تمثل للأسر المتوسطة وسيلة للتنافس والمقاومة: بدون دعم لا يستطيع أبناؤنا التنافس مع أبناء الأغنياء([52]). تتحول لدى النخبة إلى أداة لضمان التميز الطبقي: نفضّل حضور أستاذ الدعم للمنزل لنضمن لابننا عدم اختلاطه بتلاميذ أقل منه معرفة ومكانة اجتماعية([53]). تكشف هذه الشهادة مفارقة جوهرية، حيث يصل الانغلاق الطبقي ذروته حينما يتحول التعليم من أداة تواصل وانفتاح إلى طقس مقدس يحافظ على نقاء الانتماء الطبقي. في المقابل، يضطر أبناء الفئات المحرومة للمزاوجة بين الدراسة والعمل المهني مما يكرس الإقصاء الممنهج: أدرس في البكالوريا آداب، وأشتغل في الحدادة لأساعد والدي([54])، وهو ما يعكس صراعا بين هابيتوس الضرورة وهابيتوس الرفاه.
إن نجاح بعض أبناء الفئات المحرومة اجتماعيًا واقتصاديًا في تحقيق تفوق مدرسي مهم، وإن بدا تحديًا للحتمية البورديوية في إعادة الإنتاج الاجتماعي، فإنه لا يمثل دحضًا جوهريًا لنظريته؛ بل على العكس، يؤكد على الطبيعة النسبية لهذا النجاح ضمن بنية اجتماعية غير متكافئة بالأساس: نجاح تلميذ فقير بمعدل جيد هو أسطورة، ولا يشبهنا، إن له قدرات خارقة([55]).
الهيمنة اللغوية والعنف الرمزي في السوق المدرسة العمومية المغربية
في السوق اللغوية المدرسية، تُمنح الأفضلية للسان الفرنسي، بينما تُهمَّش لغات الحياة اليومية لمعظم التلاميذ. وإذا كانت الفرنسية تمثل لغة النخبة والتميز: لدينا مكتبة، أتقن اللغتين الفرنسية والإنجليزية ([56]). فإنها بالمقابل تشكل عائقا وجوديا للفئات المحرومة: ندرس المواد العلمية بالفرنسية وأنا أكرهها([57]). تعكس الشهادة الأولى ما يسميه بورديو بالألفة مع الثقافة الشرعية، ويُنظر إلى هذه الألفة كنتاج لموهبة فردية أو جهد شخصي، وليس حصيلة تراكم طبقي يشرعن للامساواة، ويجعل من التفاوت الاجتماعي تفاوتا في الاستحقاق المدرسي. الصعوبة اللغوية ليست مشكلة فردية، بل هي انعكاس لبعد ثقافي أسري يميز بين الطبقات الاجتماعية.
رأس المال الاجتماعي كآلية للفرز الاجتماعي
يبرز دور الشبكات والعلاقات الاجتماعية بشكل جوهري في الوصول إلى المعلومة الاستراتيجية (التوجيه، المدارس الكبرى)؛ فبينما تستغلّ النخب علاقاتها المهنية الرسمية لتوجيه أبنائها: لديّ معارف في الأقسام التحضيرية، ما ساعدني في الحصول على معلومات مهمة لتوجيه ابني([58]). تظل الأسر المحرومة رهينة معلومات عشوائية أو غير رسمية: لم أسمع بخريطة مدرسية أو بكالوريا دولية إلا بعد حوار عابر مع إحدى جاراتي أستاذة([59]). تمكن العلاقات الاجتماعية الآباء من الاطلاع على الجانب الخفي للمدرسة، فهذه الأخيرة لا تمنع المعلومات الاستراتيجية الرسمية عن أحد، لكنها أيضا لا تضمن وصولها للجميع بشكل متساوٍ. من جهة أخرى يتم استثمار العلاقات الاجتماعية (الزبونية، المحسوبية) للولوج إلى مدارس محددة: أدرس شعبة اقتصاد، رفض مدير المدرسة القريبة من منزلنا تسجيلي لأنني حاصل على نقطة متوسطة في الاجتماعيات، وبنفس النقطة تم تسجيلي في هذه المدرسة البعيدة لأن خالي صديق الحارس العام([60]). تؤكد المعطيات الميدانية أن التباين في الرساميل الأسرية ليس اختلافًا كميًا فحسب، إنه تفاوت نوعي يعيد إنتاج الاستحقاق أو الإقصاء.
رابعا: الاستراتيجيات التعليمية الأسرية: الأنماط والآليات
يكشف الواقع الميداني عن تباين جذري في الاستراتيجيات التي تتبناها الأسر وفقا للموقع الطبقي والرساميل المتاحة.
استراتيجيات الأسر النخبوية: الاستباق والاستثمار الكثيف للرساميل
تمتاز الأسر المحظوظة بانسجام بنيوي مع المدرسة، مما يمنحها قدرة عالية على توجيه أبنائها منذ المراحل المبكرة وتوظيف رساميلها لتوريث الامتيازات؛ إذ لا تُعد الدروس الخصوصية في هذا السياق وسيلة للدعم والتدارك بل أداة للتميز: أشجع ابني على الدروس الخصوصية لإغناء تعلماته([61]). كما يخضع التوجيه لحسابات دقيقة تربط بين الشعبة وسوق العمل: أحرص على توجيه ابني لاختيار الشعب العلمية لأنها تحيل إلى تكوينات عليا مطلوبة في سوق الشغل ([62]). يسهم هذا التفوق في تكريس الشعور بالاستحقاق الفردي، مما يخفي دور الامتياز الاجتماعي: الذكاء الفطري والعمل الشخصي سبيل النجاح والتفوق، لديّ قناعة راسخة وهي من أراد استطاع([63]).
استراتيجيات الطبقة المتوسطة: التفاوض والرهانات المرحلية
تعيش هذه الطبقة تناقضا صارخا بين طموحها الثقافي ومواردها المادية المحدودة، مما يدفعها لتبني استراتيجيات قصيرة أو متوسطة المدى لتعويض النقص. يتركز الرهان لديها على اجتياز عقبة البكالوريا كبوابة وحيدة للمستقبل: تحدد البكالوريا المسار المهني للتلميذ، وهذا ما يدفعني كأب وممارس بقطاع التعليم لمساعدة ابني كي يحصل على معدل عالٍ([64]). تمارس هذه الأسر تفاوضا ماديا بمنح الأولوية للدروس الخصوصية لمواد بعينها: بإمكاني مراجعة الدروس مع ابني، يحتاج للدعم في مادة الفيزياء فقط([65]).
استراتيجيات الطبقات الشعبية: التفويض، الاغتراب واستبطان الهزيمة
تواجه هذه الطبقات انفصالا بنيويا بين رأس مالها الثقافي ومنطق المدرسة، مما ينتِج أنماطا من الاستلاب التعليمي. ونتيجة لغياب الشروط المادية والثقافية للمتابعة، تفوض هذه الأسر المهمة كليًّا للمدرسة: والديّ يسألونني فقط (واش النقطة لي جبتي مزيانة؟) أعتمد على نفسي لأن والدي لا يستطيع توفير خدمة الدروس الخصوصية، المهم ربي معايا([66]). قد تنزع هذه الطبقات نحو استراتيجيات لحظية تكتفي بالحد الأدنى من التعليم: ابني يعرف القراءة والكتابة وهذا يكفي، عليه أن يتعلم حرفة كي يضمن مستقبله([67])، مما يفسر استبطان الفشل إما كقدر وحتمية طبيعية: من الطبيعي وجود تلاميذ موهوبين وآخرين متأخرين (كسالى)([68])، أو باعتباره نقصًا في الموهبة: التلميذ الفاشل هو الذي لا يبذل أي جهد([69]). تظل هذه الفئة رهينة للقنوات الرسمية لاستقاء المعلومات: أستاذتي وضحت لي الفرق بين الشعب الدراسية([70]). إن تباين الاستراتيجيات التعليمية ليس مجرد خيارات فردية، بل هو ممارسات مشروطة بالرساميل المتاحة والموقع الطبقي.
خامسا: المدرسة العمومية المغربية وآليات شرعنة اللامساواة الاجتماعية
تكشف الدراسة أن المدرسة العمومية المغربية تُحوّل الاستعدادات الثقافية المكتسبة طبقيا إلى استعدادات فطرية، مما يجعل خطاب الاستحقاق -بتعبير فرانسوا ديبي- وهما خياليا يبرر اللامساواة.
آليات الانتقاء: الامتحانات واللغة والتوجيه
يعد رأس المال اللغوي مكونا جوهريا ضمن رأس المال الثقافي الأسري؛ وفي السياق المغربي، يتجسد هذا الرأس مال في الإتقان البارع للغة الفرنسية الأكاديمية، والتي تظل بوابة الولوج إلى الشعب العلمية والتقنية ذات القيمة الاجتماعية والمهنية الأعلى، وهي تمثل جوهر استراتيجيات التموقع للنخب. هذا التمايز اللغوي يلتقي بما أشار إليه برنشتاين حول تباين الشفرات اللغوية([71])؛ وبالتالي، يعمل كآلية مؤسسية قوية تساهم في إعادة إنتاج اللامساواة: أجد صعوبة في تحديد المطلوب مني يوم الامتحان رغم حفظي للدروس، فأنا ضعيفة في الفرنسية ([72]). بالمقابل، تستفيد النخب من تماهي لغتها الأسرية مع لغة المدرسة: الفرونسي فدارنا هي اللغة الثانية ([73]). وتكتمل هذه الدورة بآلية التوجيه، هذا الأخير يخضع لمنطق اجتماعي خفي؛ حيث يتركز أبناء الفئات الاجتماعية الأكثر حظا نحو المسالك الدولية ذات المردودية العليا. وفي المقابل، يتكدّس أبناء الطبقات الاجتماعية المحرومة داخل المسالك المهنية أو الشعب الأدبية؛ إما بدافع محدودية رأس المال الاقتصادي الذي يجعل اختيار شعبة بأقل تكلفة أمرا حتميا لإنهاء المرحلة الثانوية والبحث عن عمل، أو بدعوى الملاءمة مع سوق الشغل ومراعاة القدرات والمواهب، إن تهميش الشعب الأدبية ينبع من هيمنة منظومة ثقافية تعتبرها مجالا يتسم بعدم الإنتاجية، فتُصبح ملاذا رمزيا لمن يعجز عن الالتحاق بالمسارات العلمية الأكثر طلبا: اخترت الشعبة الأدبية لأنها سهلة ولا تتطلب مصاريف كثيرة ([74]).
خاتمة
أظهرت النتائج أن الأسر المحظوظة تتبنى استراتيجيات الاستباق والاستثمار المكثف للرساميل، حيث تحوّل الموارد المتاحة لديها إلى استحقاق مدرسي ممأسس تحت غطاء الموهبة والجهد الشخصي. في المقابل، تعيش الطبقة المتوسطة تناقضا بين الطموح والموارد المحدودة، فتتبنى استراتيجيات تعويضية تتأسس على التفاوض، حيث تضحي باحتياجاتها الأساسية لشراء أمل مدرسي. أما الفئات الاجتماعية المحرومة، فتواجه انفصالا بنيويا عن المدرسة العمومية، وتتبنى استراتيجيات التفويض المطلق لهذه الأخيرة، حيث تستبطن الفشل الدراسي كقدر طبيعي.
كما أبرزت النتائج دور المدرسة العمومية المغربية في شرعنة اللامساواة عبر آليات خفية (خطاب الجدارة، الامتحانات، اللغة، التوجيه) تجعل من الامتياز أو الحرمان الطبقي استحقاقا أو فشلا دراسيا.
لا تدعي هذه الدراسة التعميم الإحصائي، بل تقدم فهما معمقا للآليات كما تجسدت في العينة المدروسة. كما لا تنفي وجود حالات فردية ناجحة من الفئات المحرومة، بل ترى أن هذه الحالات الاستثنائية لا تتعارض مع القاعدة بل تؤكدها، فهي دليل واضح على عمق هذه اللامساواة.
أخيرا، تفتح هذه الدراسة سؤالا للبحث القادم؛ إذا كانت المدرسة العمومية المغربية تسهم في إعادة إنتاج التفاوت عبر الآليات المذكورة، فهل يمكن إصلاحها من الداخل (من خلال تعديل المناهج، وتنويع آليات التقويم…)، أم أن الإصلاح الحقيقي يستدعي بالضرورة إعادة توزيع جذرية للرساميل المتاحة خارج المدرسة؟
المراجع
- بورتيز، أليخاندرو. “رأس المال الاجتماعي: أصوله وتطبيقاته في علم الاجتماع الحديث،” ترجمة ثائر ديب، عمران، المجلد 7، العدد 27 (شتاء 2019).
- الجابري، محمد عابد. التعليم في المغرب العربي: دراسة تحليلية نقدية لسياسة التعليم في المغرب وتونس والجزائر. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 1989.
- دوركهايم، إميل. التربية والمجتمع. ترجمة علي أسعد وطفة. دمشق: دار معد للطباعة والنشر والتوزيع،1996.
- ساعف، عبد الله. السياسات اللغوية في المغرب: بين التوحيد والتعدد. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2010.
- العلمي، الخمار. “المدرسة والديمقراطية.” المدرسة المغربية. العدد 7-8 (تشرين الثاني/ نونبر 2017.
- غدنز، أنتوني. علم الاجتماع. ترجمة فايز الصياغ. الطبعة الرابعة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001.
- فاوبار، محمد. “سوسيولوجيا الإنتاج المعرفي الكولونيالي بشأن التربية والتعليم في المغرب.” عمران للعلوم الاجتماعية، السنة 5، العدد 17.
- فاوبار، محمد. المدرسة والمجتمع وإشكالية لا تكافؤ الحظوظ. تقديم عبد الكريم غريب. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2011.
- المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء: رؤية استراتيجية للإصلاح 2015-2030. الرباط: المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، 2015.
- منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة(يونسكو)، “تقرير رصد التعليم 2022، (باريس: يونسكو، 2022).
- وطفة، علي أسعد. تكافؤ الفرص الأكاديمية في جامعة الكويت: تأثيرات متغيرات الوسط الاجتماعي. سلسلة الإصدارات الخاصة، العدد 29. الكويت: جامعة الكويت، يناير 2011.
الأجنبية
- Althusser, Louis. “Idéologie et appareils idéologiques d’État (notes pour une recherche), ” La Pensée, no. 151 (Juin 1970).
- Boudon Raymond, L’inégalité des chances, (Paris : Armand Colin, 1973).
- Boulahcen, Ali. Sociologie de l’éducation : les systèmes éducatifs en France et au Maroc, étude comparative (Casablanca : Afrique Orient, 2010).
- Bourdieu, Pierre and Jean-Claude Passeron. La Reproduction : éléments pour une théorie du système d’enseignement (Paris : Les Éditions de Minuit, 1970).
- Bourdieu, Pierre. ” Stratégies de reproduction et modes de domination, ” Actes de la recherche en sciences sociales, vol. 105, no. (1994).
- Brighelli, Jean-Paul. L’école à deux vitesses (Paris : Éditions Archipoche, 2023).
- Dubet, François. L’école des chances : qu’est-ce qu’une école juste ? (Paris : Édition de Seuil et La République des Idées, 2004).
- Duru-Bellat, Marie. L’inflation scolaire : les désillusions de la méritocratie (Paris : Éditions du Seuil et la République des Idées, 2006).
- Ineduc. “Stratégies familiales d’éducation, “EspacesTemps.net, 18/1/2019, accessed on 8/1/2026, at : https://www.espacestemps.net/articles/stratégies-familiales-déducation/
- International Association for the Evaluation of Educational Achievement (IEA). (2016). Morocco: Monitoring Student Progress in Reading. In PIRLS 2016 Encyclopedia. Boston: TIMSS and International Study Center.
- Jourdain, Anne and Sidonie Naulin. La sociologie de Pierre Bourdieu, 2° éd. (Paris : Armand colin, 2011).
- Lahire Bernard, L’homme Pluriel, (Paris : Nathan, 1998).
- Marcel Mauss, Sociologie et Anthropologie, (Paris : Presses Universitaires de France, 1950) ، p. 147.
- Sainsaulieu, Renaud. “Sur la Reproduction de Pierre Bourdieu et Jean-Claude Passeron,” Revue française de sociologie, vol. 13, no 3 (1972).
- () François Dubet, L’école des chances : Qu’est-ce qu’une école juste ? (Paris : Éditions du Seuil et La République des idées, 2004), p. 23. ↑
- () المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء: رؤية استراتيجية للإصلاح 2015-2030 (الرباط: المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، 2015). ↑
- () الخمار العلمي، “المدرسة والديمقراطية،” المدرسة المغربية، العدد 7-8 (نونبر 2017)، ص 256. ↑
- () منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، تقرير رصد التعليم، (باريس، 2022). ↑
- () Jean-Paul Brighelli, L’école à deux vitesses, (Paris: Éditions Archipoche, 2023)، p. 18. ↑
- () International Association for the Evaluation of Educational Achievement (IEA). (2016). Morocco: Monitoring Student Progress in Reading. In PIRLS 2016 Encyclopedia. Boston: TIMSS and International Study Center.
- () Renaud Sainsaulieu, “Sur La Reproduction de Pierre Bourdieu et Jean-Claude Passeron,” Revue française de sociologie, vol. 13, no. 3 (1972), p. 400. ↑
- () محمد فاوبار. المدرسة والمجتمع وإشكالية لا تكافؤ الحظوظ. تقديم عبد الكريم غريب. (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2011)، ص 63. ↑
- () عبد الله ساعف، السياسات اللغوية في المغرب: بين التوحيد والتعدد، (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2010)، ص 142. ↑
- () Marcel Mauss, Sociologie et Anthropologie, (Paris: Presses Universitaires de France, 1950)، p. 147. ↑
- () إميل دوركهايم، التربية والمجتمع، ترجمة علي أسعد وطفة (دمشق: دار معد للطباعة والنشر والتوزيع، 1996)، ص 11. ↑
- () Louis Althusser, “Idéologie et appareils idéologiques d’État (notes pour une recherche),” La Pensée, no 151 (Juin 1970). ↑
- ()Ali Boulahcen, Sociologie de l’éducation : les systèmes éducatifs en France et au Maroc, étude comparative, (Casablanca : Afrique Orient, 2010), p. 37. ↑
- () محمد فاوبار، المدرسة والمجتمع وإشكالية لا تكافؤ الحظوظ، تقديم عبد الكريم غريب (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 2011)، ص 449. ↑
- () Boulahcen, p. 37. ↑
- () أنتوني غدنز، علم الاجتماع، ترجمة فايز الصياغ، الطبعة الرابعة، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)، ص 558. ↑
- () Anne Jourdain and Sidonie Naulin, La Sociologie de Pierre Bourdieu, 2e éd. (Paris : Armand Colin, 2011), p. 51. ↑
- () علي أسعد وطفة، “تكافؤ الفرص الأكاديمية في جامعة الكويت: تأثير متغيرات الوسط الاجتماعي،” سلسلة الإصدارات الخاصة، العدد 29 (الكويت: جامعة الكويت، يناير 2011)، ص 29. ↑
- () Pierre Bourdieu and Jean-Claude Passeron, La Reproduction : éléments pour une théorie du système d’enseignement, p. 89. ↑
- () Raymond Boudon, L’inégalité des chances, (Paris : Armand Colin, 1973), pp. 117-123. ↑
- () Bernard Lahire, L’homme Pluriel, (Paris : Nathan, 1998), pp. 39-45. ↑
- () François Dubet, pp. 37-52. ↑
- ()Bourdieu and Passeron, La Reproduction, pp. 19-20. ↑
- () Ibid. p. 100. ↑
- () Ibid. ↑
- () أليخاندرو بورتيز، “رأس المال الاجتماعي: أصوله وتطبيقاته في علم الاجتماع الحديث،” ترجمة ثائر ديب، عمران، المجلد 7، العدد 27، (شتاء 2019)، ص 123. ↑
- () Marie Duru-Bellat, L’inflation scolaire : Les désillusions de la méritocratie, (Paris : Éditions du Seuil et La République des idées, 2006), p. 33. ↑
- () Jourdain and Naulin, p. 100. ↑
- () Ibid. ↑
- () Pierre Bourdieu, “Stratégies de reproduction et modes de domination,” Actes de la recherche en sciences sociales, vol. 105, no. 1 (1994), pp. 5-6. ↑
- () Ineduc, “Stratégies familiales d’éducation, “EspacesTemps.net, 18/1/2019, accessed on 8/1/2026, at : https://www.espacestemps.net/articles/stratégies-familiales-déducation/ ↑
- () Ibid. ↑
- () Boulahcen, p. 15. ↑
- () محمد عابد الجابري، التعليم في المغرب العربي. دراسة تحليلية نقدية لسياسة التعليم في المغرب وتونس والجزائر، (المغرب، دار النشر المغربية، 1988)، ص17. ↑
- () المرجع نفسه، ص 18. ↑
- () المرجع نفسه، ص 18. ↑
- () المرجع نفسه، ص 18. ↑
- ()المرجع نفسه. ↑
- () Boulahcen, p. 50. ↑
- () Brighelli, p. 17. ↑
- () محمد فاوبار، “سوسيولوجيا الإنتاج المعرفي الكولونيالي بشأن التربية والتعليم في المغرب،” عمران للعلوم الاجتماعية، السنة 5، العدد 17، ص: 69-92. ↑
- () مقابلة 3، تلميذة في مدرسة عمومية في حي راقي، أجريت بتاريخ 9/3/2026. ↑
- () مقابلة11، تلميذ في مدرسة عمومية في حي راقي، أجريت بتاريخ 9/3/2026. ↑
- () مقابلة 13، تلميذ في مدرسة عمومية في حي شعبي، أجريت بتاريخ 12/3/2026. ↑
- () مقابلة 16، تلميذة في مدرسة عمومية في حي شعبي، أجريت بتاريخ 13/3/2026. ↑
- () مقابلة 18، تلميذ في مدرسة عمومية في حي شعبي، أجريت بتاريخ 8/3/2026. ↑
- () مقابلة 36، تلميذة في مدرسة عمومية في حي شعبي، أجريت بتاريخ 6/3/2026. ↑
- () مقابلة1، تلميذة في مدرسة عمومية بالوسط القروي، أجريت بتاريخ 14/3/2026. ↑
- () مقابلة33، تلميذة في مدرسة عمومية في حي راقي، أجريت بتاريخ 9/3/2026. ↑
- () مقابلة 9، أسرة تلميذ في مدرسة عمومية في حي راقي، أجريت بتاريخ 12/3/2026. ↑
- () مقابلة 6، تلميذ في مدرسة عمومية في حي شعبي، أجريت بتاريخ 15/3/2026. ↑
- () مقابلة 7، أسرة تلميذ في مدرسة عمومية في حي شعبي، أجريت بتاريخ 16/3/2026. ↑
- () مقابلة 5، أسرة تلميذ في مدرسة عمومية في حي راقي، أجريت بتاريخ 18/3/2026. ↑
- () مقابلة 41، تلميذ في مدرسة عمومية في حي شعبي، أجريت بتاريخ 10/3/2026. ↑
- () مقابلة 19، تلميذة في مدرسة عمومية في حي شعبي، أجريت بتاريخ 21/3/2026. ↑
- () مقابلة 8، تلميذة في مدرسة عمومية في حي راقي، أجريت بتاريخ 22/3/2026. ↑
- () مقابلة 20، تلميذة في مدرسة عمومية في حي شعبي، أجريت بتاريخ 17/3/2026. ↑
- () مقابلة 16، أسرة تلميذ في مدرسة عمومية في حي راقي، أجريت بتاريخ 24/3/2026. ↑
- () مقابلة 10، أسرة تلميذة في مدرسة عمومية في حي شعبي، أجريت بتاريخ 24/3/2026. ↑
- () مقابلة 9، تلميذ في مدرسة عمومية في حي شعبي، أجريت بتاريخ 26/3/2026. ↑
- () مقابلة 1، أسرة تلميذ في مدرسة عمومية في حي راقي، أجريت بتاريخ 25/3/2026. ↑
- () مقابلة 2، أسرة تلميذ في مدرسة عمومية في حي راقي، أجريت بتاريخ 30/3/2026. ↑
- () مقابلة 20، أسرة تلميذ في مدرسة عمومية في حي راقي، أجريت بتاريخ 25/3/2026. ↑
- () مقابلة 18، أسرة تلميذ في مدرسة عمومية في حي شعبي، أجريت بتاريخ 26/3/2026.. ↑
- () مقابلة 6، أسرة تلميذ في مدرسة عمومية في حي شعبي، أجريت بتاريخ 22/3/2026. ↑
- () مقابلة 23، تلميذ في مدرسة عمومية في حي شعبي، أجريت بتاريخ 4/4/2026.. ↑
- () مقابلة 23، أسرة تلميذ في مدرسة عمومية في حي شعبي، أجريت بتاريخ2/4/2026. ↑
- () مقابلة 15، أسرة تلميذ في مدرسة عمومية في حي شعبي، أجريت بتاريخ 6/4/2026. ↑
- () مقابلة 19، أسرة تلميذ في مدرسة عمومية في حي شعبي، أجريت بتاريخ 1/4/2026. ↑
- () مقابلة 49، تلميذة في مدرسة عمومية في حي شعبي، أجريت بتاريخ 27/3/2026. ↑
- () غدنز، ص 558. ↑
- () مقابلة 34، تلميذة في مدرسة عمومية في حي شعبي، أجريت بتاريخ 8/4/2026. ↑
- () مقابلة 45، تلميذة في مدرسة عمومية في حي راقي، أجريت بتاريخ 16/4/2026. ↑
- () مقابلة 27، تلميذ في مدرسة عمومية في حي شعبي، أجريت بتاريخ 14/4/2026. ↑




