آفاق العدالة الرقمية بالمغرب – الدكتور عبد الحي الحسني

آفاق العدالة الرقمية بالمغرب
” Prospects of Digital Justice in Morocco ”
الدكتور عبد الحي الحسني
دكتور في القانون الخاص
Abdelhay EL HASSANI
Prepared by Dr. Researcher in Private Law:
ملخص
“يناقش هذا المقال تطور النظام القضائي المغربي نحو الرقمنة، مستعرضًا الإطار التشريعي الذي بدأ بدستور 2011 لتعزيز استقلالية القضاء، مع الإشارة إلى قوانين المعاملات الإلكترونية وحماية البيانات الشخصية. موضحا أن العدالة الرقمية تهدف إلى تحسين كفاءة القضاء من خلال تقليل الكلفة والوقت و تعزيز الشفافية، ورغم التقدم المحرز تواجه العدالة الرقمية تحديات أبرزها نقص البنية التحتية التقنية المتطورة و المؤمنة والأطر المؤهلة، هادفتة لضمان سرية البيانات مشددة على أهمية التكيف المهني… خاصة المحامين، ويستعرض مقالنا هذا التجارب الدولية كالنماذج الأمريكية والصينية للاستفادة منها مع مراعاة الخصوصية المغربية. و في الختام يشير المقال إلى أن التحول الرقمي يشكل خطوة نحو عدالة أكثر فاعلية وشفافية، لكنه يتطلب إصلاحات جذرية لتحقيق نظام قضائي رقمي شامل معززا ثقة المواطنين
Abstract :
This article examines the evolution of Morocco’s judicial system towards digitalization, highlighting the legislative framework established by the 2011 Constitution to strengthen judicial independence. It also references laws governing electronic transactions and data protection. Digital justice aims to enhance judicial efficiency by reducing costs, saving time, and promoting transparency. Despite progress, digital justice faces significant challenges, including the lack of advanced and secure technical infrastructure and qualified personnel, with a focus on ensuring data confidentiality. The article emphasizes the need for professional adaptation, particularly among lawyers, to meet these demands. Drawing on international experiences such as the American and Chinese models, it suggests learning from these examples while preserving Morocco’s unique context. In conclusion, the article underscores that digital transformation represents a crucial step toward a more effective and transparent justice system. However, it calls for fundamental reforms to establish a comprehensive digital judiciary that reinforces citizens’ trust.
مقدمة:
يعد مرفق القضاء أحد المرافق التقليدية ورمزا لسلطتها وسيادتها، فهو حامي الحقوق والفاصل في المنازعات والضامن لتحقيق العدالة، لذلك أحاطه المشرع بسياج من الضمانات التي تكفل له قدرا من الاستقلال والاطمئنان يحول دون التسرع والوقوع في الخطأ، إلا أنه ورغم تلك الضمانات قد يقع المرفق القضائي في الخطأ، وهذا الخطأ ليس ككل الأخطاء لأنه يمس الشخص في حريته وماله وشرفه واحترامه، فقد يقع إنسان بريء ضحيته فتضيع حياته وحياة عائلته، كما أنه بعض الأحيان يفقد حياته في حالة الحكم عليه بالإعدام فيصاب المجتمع في قيمه، وبالتالي فإن مسؤولية الدولة عن أعمال القضاء ليست بحديثة اليوم، وانما جاءت نتيجة تطورات كبيرة، حيث أن المبدأ الذي كان سائدا هو عدم مسؤولية الدولة عن أعمالها في جميع الميادين بما في ذلك مسؤوليتها عن أعمال القضاء، وهذا يرجع إلى الفكرة التي كانت سائدة عن سيادة الدولة، وحجية الأمر المقضي به والرغبة غي حماية حرية القاضي وعدم عرقلة سير العدالة، فلم تكن الدولة مسؤولة عن أعمال القضاء إلا في حالات استثنائية.
وهذا ما كان معمول به في كل من فرنسا والمغرب، لكن سرعان ما أصبحت القاعدة هي مسؤولية الدولة عن الأعمال القضائية والاستثناء هو عدم المسؤولية، وبعد اليوم تقرير مسؤولية الدولة على أعمالها القضائية استكمالا لمبدأ مسائلة الدولة على أعمال السلطات الثلاث، بعد أن تقررت المسؤولية عن الأعمال الإدارية والتشريعية، وبالتالي كان لا بد من عدم الإبقاء على عدم مسؤولية الدولة عن أعمال القضاء.
ويعتبر القاضي منكرا للعدالة إذا رفض البث في المقالات أو أهمل إصدار الأحكام في القضايا الجاهزة ، بعد حلول دور تعيينها في الجلسة.
ويعرف القضاء في القانون بأنه: الولاية العامة في المنازعات الناشئة عن المعاملات والعقود والضمان، وكل ما يتعلق بالملكية والانتفاع، والأنكحة وروابط الأسرة، والجنايات سواء بين الأفراد وغيرهم، أو بين السلطة العامة والأفراد، ولو في الشؤون الدولية والسياسية والحزبية وغيرها مما يعتبر من أعمال الحكم أو السيادة، أو من أعمال ملائمة السلطة وتقديرها.
فإصلاح القضاء بالمغرب مرة بعدة محطات كانت أولها ارتقاء المشرع المغربي من خلال دستور 2011 بالقضاء إلى مصاف السلطة على غرار الجهازين التشريعي والتنفيذي، فضلا عن تكريس ضمانات لتحقيق مبدأ الاستقلالية مؤكدا أن جلالة الملك هو الضامن لذلك، وهو ما نص عليه الفصل 107 من الدستور بقوله:” السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية. الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية”.
والمحطة الثانية توجت بإصدار ميثاق لإصلاح منظومة العدالة، وذلك ما أكده خطاب صاحب الجلالة في افتتاح دورة المجلس الأعلى للقضاء بالرباط فاتح مارس 2002 عن إرادته في إصلاح القضاء بقوله” التعبئة الكاملة والقوية للقضاة ولكل الفاعلين في مجال
العدالة للمضي قدما بإصلاح القضاء نحو وجهته الصحيحة وانتهاء زمن العرقلة والتخاذل والتردد والانتظارية”، ولأجل ذلك ارتأى جلالة الملك إحداث هيئة عليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة القضاء بتاريخ 08 ماي 2012، للقيام بمهمة الإشراف.
وبالتالي خلصت هذه الهيئة إلى أن إصلاح القضاء مرتبط بستة أهداف إستراتيجية كبرى، انبثق عنها 36 هدفا فرعيا.
وقد تحققت بعض هذه الأهداف في الوقت الحاضر باستقلال النيابة العامة عن وزارة العدل ، وما زال العمل قائما لإنجاز أهداف أخرى بعيدة المدى كعصرنة الإدارة القضائية بحيث تمكنها من تسهيل أداء القضاء لمهمته على الوجه الأكمل وتلبية حاجيات المواطنين بناجعة وفعالية كما جاء في الهدف الرئيسي السادس المتعلق بتحديث الإدارة القضائية وتعزيز حكامتها، وخاصة فيما يتعلق بإرساء. بالإضافة إلى توفير الأنظمة المعلوماتية ومشروع المحكمة الرقمية.
ومجال رقمنة المحاكم في ظل جائحة كورونا اقتضت من جميع الدول السير من سرعة إلى سرعة أخرى للحيلولة دون توقف هاته الخدمات لهذا الجهاز المهام والحساس، وبلادنا المغرب في سبيله لمواكبة هذه التطورات قدم خطوات نذكر ما سبق أن ذكرناه ويتعلق الأمر بإصدار الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة في 30 يوليوز 2013، الذي وضع
الإطار والتصورات والأسس وخطط العمل من أجل إرساء محكمة رقمية في أفق سنة 2020، كذلك تم الشروع في حوسبة المحاكم وتكوين التقنيين والمهندسين في المجال الإلكتروني مند سنة 2014، وتم إحداث مجموعة من البوابات القضائية والقانونية ومجموعة من الخدمات القانونية عن بعد. فيما تم تعزيز البنية التشريعية ذات الصلة بالمجال الإلكتروني من جهة وبالحماية الجنائية لمستخدمي الإنترنيت من جهة أخرى، هذه البنية التشريعية ذات الصلة بالمجال الإلكتروني تمثلت في القانون 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومة، والقانون 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية ، والقانون 08.09 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي ، بالإضافة إلى مجموعة من التعديلات التي طالت مجموعة القانون الجنائي خاصة القانون 07.03 المتعلق بالإخلال بسير نظم المعالجة الآلية للمعطيات، حيث يحتوي هذا القانون على تسعة فصول من الفصل 3-607 إلى 11-607 من مجموعة القانون الجنائي، بالإضافة إلى القانون 03.03 المتعلق بمكافحة الإرهاب.
على الرغم من كل هذه المجهودات المبذولة يبقى حلم المحكمة الرقمية بعيد المنال إذا ما اتفقنا على أن المحكمة الرقمية تعني نظاما قضائيا معلوماتيا سيتم بموجبه تطبيق كافة
إجراءات التقاضي عن طريق المحكمة الإلكترونية بواسطة تجهيز الحاسوب المرتبطة بشبكة الإنترنيت، وعبر البريد الإلكتروني لغرض الفصل بسرعة في الدعاوى، وتسهيل إجراءاتها على المتقاضين، وكذا تنفيذ الأحكام إلكترونيا.
من خلال ما سبق يمكن أن عن آفاق العدالة الرقمية بالمغرب، وهل نحن جاهزون على مستوى البنية التشريعية بدخول هذا الورش؟ وإلى أي حد يمكن القول بأن المحاكمة عن بعد تكفل الحقوق والحريات وتضمن شروط المحاكمة العادلة؟
كل هذه التساؤلات سنحاول الإجابة عليها من التقسيم التالي:
المحور الأول: آفاق العدالة الرقمية بالمغرب
المطلب الأول: آفاق وتحديات العدالة الرقمية
المطلب الثاني: المتطلبات الفنية والقانونية للعدالة الرقمية
المحور الثاني: مكانة المحامي الرقمي في صلب العدالة الرقمية
المطلب الأول: العدالة الرقمية من منظور هيئة الدفاع
المطلب الثاني: ضمانات المحاكمة العادلة في ضل العدالة الرقمية
وبالتالي فإننا ارتأينا أن نتناول مستقبل القضاء من خلال تجربة العدالة الرقمية، وذلك من خلال آفاق العدالة الرقمية بالمغرب وتحدياتها ورهاناتها، وكذلك وباعتبار المحاماة لا مناص
عنها باعتبارها أجنحة العدالة ارتأينا أن نخصص لها محورا كاملا.
المحور الأول: آفاق العدالة الرقمية بالمغرب
سنتطرق من خلال هذا المحور إلى آفاق وتحديات العدالة الرقمية (المطلب الأول)، ثم إلى المتطلبات الفنية والقانونية (المطلب الثاني).
المطلب الأول: آفاق وتحديات العدالة الرقمية
إن المغرب تدخل كثيرا في مجال الإدارة الرقمية بوجه عام وليس فقط على مستوى العدالة الرقمية، فالمغرب لم يكن مفروضا عليه أن ينتظر حتى تأتي مثل هذه الجائحة، هذا الوباء الذي عطل العالم كله، كان عليه أن يستبق وأن تكون لديه السياسة الإستباقية، وأن يكون منسجما مع التوجهات التي أعلنها مند تسعينات القرن الماضي ، فالمغرب باشر في عملية التحول الرقمي مند نهاية التسعينات، وخاصة منذ سنة 1997 مع تحرير قطاع اتصالات المغرب، كما أن هذا الأمر اتضح بشكل جلي مع الإستراتيجية الوطنية للمغرب الرقمي التي وضعت المحاور الكبرى لسياسة التحول الرقمي في المغرب سنة 2013.
فالمغرب بدء منذ سنة 2007 في رقمنة النصوص التشريعية من خلال إطلاق الأمانة العامة لموقع متميز على مستوى نشر النصوص التشريعية فأصبح بود كثير من الأشخاص بمجرد أن يدخلوا إلى موقع الأمانة العامة أن يطلعوا على النصوص التشريعية التي تم
تبنيها مند مجيء سلطات الحماية سنة 1913، بل أصبح بالإمكان الإطلاع حتى على مشاريع القوانين، وإن كان هناك إشكالية تتعلق بكثير من القوانين التي لا يتم نشرها.
هناك في نفس السياق المتعلق بالرقمنة، المغرب حاول على مستوى المحاكم رقمنة الكثير من المحاكم لاسيما التجارية منذ العقد الأول من هذا القانون، وهذا ليس بإرادة مغربية بل بإرادة الشركاء الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي، على اعتبار أن رقمنة المحاكم التجارية هي الآلية والأداة المهمة جدا في تطوير التبادل الحر وفي تشجيع المستثمرين الأجانب إلى الدخول إلى المغرب، ليشمل الأمر بعد المحاكم التجارية، المحاكم الابتدائية، ومحاكم الاستئناف، ثم محكمة النقض.
فالآليات الإلكترونية التي يمكن من خلالها الأشخاص أن يتتبعوا الملفات، قامت بدور كبير لا ينبغي أن ننكره، فإذا عدنا إلى الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة سنجد أنه من المرتكزات الأساسية التي ركز عليها.
بعدها أعلنت وزارة العدل والحريات في مسماها القديم عن رهان المحكمة الرقمية للانتقال بالممارسة الإجرائية من مستواها التقليدي المادي إلى مستوى رقمي بهدف تحديث الإدارة القضائية والارتقاء بفعالية ونجاعة القضاء .لكن هذا الأمر مرتبط بتبني النصوص القانونية.
وبالتالي لاحظنا ما مدى مشروعية المحاكمات الجنائية عن بعد، المادة الثالثة من إعلان حالة الطوارئ ، وغيرها من الإشكالات التي أثارها هذا الموضوع.
فالعدالة الرقمية اليوم تعتبر رهانا كبيرا لا يهم فقط المحاكم، لا يهم فقط القضاة، لا يهم فقط المحامون… فهو يهم بالدرجة الأولى المتقاضين والمواطن بدرجة أساسية، لأن المحكمة الرقمية هي أحد الآليات المهمة التي تؤدي إلى تسيير الإجراءات والمساطر وتسهيلها وتحقيق تخفيف الكلفة وتسريع المسطرة.
فالمحكمة الرقمية اليوم تكرس الشفافية وتساهم في تخليق الحياة العامة، وتساهم كذلك في تجويد الخدمات وفي اقتناع المواطن، وتكريس ثقته بالعدالة.
فالمحاكمة عن بعد في زمن كورونا ساهمت في تحقيق هذا الأمر، ولو على مستوى القضايا التي لا زالت المحاكم تشتغل بشأنها خاصة فيما يتعلق بالاعتقال والتحقيق، وأيضا القضاء الاستعجالي.
المطلب الثاني: المتطلبات الفنية والقانونية للعدالة الرقمية
من أهم المتطلبات الفنية للعدالة الإلكترونية وجود أجهزة حاسوب وشبكة الإنترنيت وكذا خوادم لتخزين وحفظ المعلومات والمعطيات القضائية بالإضافة إلى ضرورة توفر برامج معلوماتية متطورة لها القدرة على معالجة البيانات ونقلها وتبادلها بشكل تفاعلي بين
مختلف الفاعلين، بالإضافة إلى ذلك فلتطبيق العدالة الرقمية لا بد من الأطر البشرية التي يجب أن تتوفر فيها الكفاءة العالية في استخدام البرامج الإلكترونية.
كما يتطلب الأمر كذلك وسائل تقنية للتشفير ، والتي تستهدف حماية سرية المعلومات والمعطيات عن طريق استخدام رموز خاصة تعرف باسم المفاتيح، وتشفير البيانات يستهدف المحافظة على سلامتها وتأمين خصوصيتها ولا يستخدمها إلا من وجهت إليه، وكذا لا بد من استخدام الكلمات السرية وأنظمة تأمين المعلومات من أجل حماية بيانات المتقاضين من أجل حماية بيانات المتقاضين وحقوقهم وأسرارهم.
وتمتاز العدالة الرقمية بما يسمى الأرشيف الإلكتروني عن طريق تسهيل عملية الاستنساخ في عدة أشكال، وبسرعة وبأقل تكاليف من نسخ الورق، كما يمكن تحويله آليا من مكان إلى مكان بفضل الإنترنيت يصبح حفظ ملفات المحكمة عبارة عن بنك للمعلومات الإلكترونية على مستوى الدولة، يحفظ الأرشيف على المدى الطويل، كما أنه لا يستغل حيزا مكانيا كبيرا، وهو بديل عن المستودعات الضخمة التي هي بحاجة إلى العنصر البشري واستثمارات إضافية.
ويجد نظام العدالة الرقمية قواعد قانونية في القانون 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، هذا القانون الذي حدد النظام المطبق على المعطيات القانونية التي يتم
تبادلها بطريقة إلكترونية وعلى المعادلة بين الوثائق المحررة على الورق وتلك المعدة على دعامة إلكترونية، وعلى التوقيع المؤمن والمشفر وكيفية المصادقة الإلكترونية .هذه المقتضيات ستساهم لا محالة في تنزيل نظام العدالة الرقمية في بلادنا.
ومن جهة أخرى، فإن العدالة الرقمية باعتبارها نظاما معلوماتيا تخضع للقواعد الحمائية المنصوص عليها في القانون 03.07 المتعلق بالجرائم الواقعة على نظم المعالجة الآلية للمعطيات، إذ عمد المشرع في هذا القانون إلى مواجهة الأفعال الجرمية المنصبة على المعلوميات، وهي جريمة الدخول أو البقاء غير المشروع في نظام المعالجة الآلية للمعطيات أو في جزء منها مع النص على ظرف مشدد إذا نتج عن الدخول أو البقاء حذف أو تغيير أو اضطراب في سيره، وجريمة عرقلة سير نظام المعالجة الآلية للمعطيات والإخلال به، وجريمة إدخال معطيات في نظام المعالجة الآلية للمعطيات أو إتلافها أو حذفها أو تغيير المعطيات أو طريقة معالجتها أو طريقة إرسالها وجريمة التزوير أو التزييف.
وما دامت المحكمة الرقمية تتضمن معطيات وبيانات خاصة، فهي بذلك تخضع للقانون رقم 08.09 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات طابع شخصي مسؤولية السهر عليها، مما يتطلب العمل على تحصين الأنظمة المعلوماتية وتأمين الخوادم بهدف تحقيق الحماية للمتعاملين في ميدان العدالة.
المحور الثاني: مكانة المحامي الرقمي في صلب العدالة الرقمية
سنتطرق من خلال هذا المحور إلى العدالة الرقمية من منظور هيئة الدفاع (المطلب الأول)، وبالنظر إلى الإشكالات التي تطرحها ضمانات المحاكمة العادلة في هذا المجال ارتأينا أن نخصص لها مطلبا مستقلا (المطلب الثاني).
المطلب الأول: العدالة الرقمية من منظور هيئة الدفاع
العدالة الرقمية تعني قيام الإدارة القضائية باعتماد التقنية في مجموع إجراءات المحاكمة القضائية، وذلك باستعمال وسائل التكنولوجية الحديثة في إدارة المحاكم والتواصل مع مساعدي القضاء وعلى رأسهم السادة المحامون والسادة المفوضون القضائيون والسادة الموثقون، بما يمكن أن يسهم في توفير الوقت والجهد وليس فقط اعتماد شبكة إنترنيت في حفظ الملفات وفي الإطلاع على مآلاتها وفي إعلان الأحكام وغيرها من الإجراءات المعمول بها حاليا.
وقد أثار إقرار المحاكمة عن بعد في القضايا الزجرية في ظل حالة الطوارئ الصحية وأمام انتشار وباء كوفيد 19، وذلك بعدم إحضار المتهم إلى المحاكم العديد من التساؤلات من طرف هيئة الدفاع، فمنهم من يطالب بالمحاكمة الحضورية وإحضار المتهم ليجيب عن أسئلة المحكمة وأسئلة الدفاع، وبمن ينتصر لإجراءات المحاكمة عن بعد شريطة نقل مرافعة الدفاع صوت وصورة حتى يتابعها المتهم من السجن والتأكد من ذلك ومن الدفوع المثارة من قبل الدفاع، وهنا يطرح إشكال فيما يتعلق بالقضايا التي يوجد فيها شهود يقيمون بدوائر قضائية مختلفة، هل يمكن للسيد قاضي التحقيق أو قاضي الحكم أن ينيب عنه قاضي تحقيق أو قاضي حكم آخر للاستماع إلى شاهد مثلا موجود بمدينة طنجة في قضية مدرجة أمام الدوائر القضائية لمدينة مراكش وذلك باستعمال تقنية Vision Conférence وإن كان ذلك يدعي تعديل المادة 117 من قانون المسطرة الجنائية وما يليها.
فالحضورية لا تعني حضور المتهم بعظمه ولحمه بل يمكن أن تتم كذلك باستعمال التقنية كما هو الشأن بالنسبة للمساطر الكتابية، حيث يدلي المحامي بمذكرات ومن غير ضرورة للحضور، فتقضي المحكمة في النازلة وتصدر حكمها بهذا الوصف حضوريا وعلنيا.
أما الوقوف في قفص الاتهام ففيه ملاحظة حسب ما تابعناه من خلال هذه المحاكمات الرقمية التي تمت خلال فترة الحجر الصحي، ذلك أن الكاميرا حسب تقنية Vision Conférence تظهر المتهم جالسا في طاولة لا يظهر منه إلا الجزء العلوي، والحال أن يتم استنطاقه وهو واقف في قفص الاتهام إلا إذا كان هناك مانع صحي احتراما لهيبة القضاء ومحراب العدالة.
فواقع العدالة الرقمية مرده إلى نقص الإمكانات البشرية كما سبق وذكرناه، وكذلك اللوجيستيكية والمعرفية للدخول في عالم العدالة الرقمية الحقيقية، لأن الرقمنة منظومة متكاملة تأسس لاقتصاد المعرفة واستغلال الثورة الرقمية في خدمة المعنيين بالعمل القضائي من بدايته إلى نهايته، وليس فقط الاقتصار على بعض الإجراءات التي تستخدم فيها التكنولوجية أو شبكة الإنترنيت.
السؤال الذي يطرح هنا هو آفاق العدالة الرقمية وانعكاساتها على مهنة المحاماة؟
قد تبنت العديد من التنظيمات الاقتصادية الإقليمية والاتحادات المهنية الأساليب الإلكترونية في تسوية منازعات التجارة الدولية، فجمعية المحكمين الأمريكيين طورت نظام القاضي الافتراضي الذي يتيح جريان التحكيم أو بعض أجزائه على شبكات الحواسيب الآلية، وأيضا تنتمي إليه المحاكم الإلكترونية الخاصة بالمنظمة الدولية لحماية الملكية الفكرية WIPO، ونستخلص من هذا النوع من التحكيم الإلكتروني أنه صورة من صور التحكيم في مجالات التجارة الإلكترونية والملكية الفكرية المتعلقة بالإنترنيت.
فاختيار المحامي الآن سيرتبط بمدى تكوينه القانوني ومدى تجهيز مكتبه بالوسائل الإلكترونية ومدى إتقانه للغات الحية، وبالتالي وجب على هيئات المحامين بمختلف ربوع المملكة بفرض تكوين على المحامين في هذا المجال.
المطلب الثاني: ضمانات المحاكمة العادلة في ظل العدالة الرقمية
حسب الفصل 120 من دستور 2011 الذي نص على أنه:” لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول. حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم”.
لا جدال أن ضمانات إقامة العدالة تشكل ركنا أساسيا لازما لحماية كافة حقوق الإنسان، لذلك كفل المشرع الدستوري لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، والتي تتطلب توافر العديد من الضمانات التي تجعل القضاء في خدمة العدالة عامة وفي خدمة المواطن خاصة، ومن هذه المقتضيات نجد حق كل متهم بارتكاب جريمة أن يتمتع أثناء النظر في قضيته بضمانات دنيا منها:
أن يناقش شهود الاتهام بنفسه أو من قبل غيره.
أن لا يكره على الشهادة ضد نفسه أو على الاعتراف بذنب.
إذا كانت إمكانية الخطأ واردة في العمل القضائي، فإن المحاكمة العادلة تقر تمتع الشخص الذي أنزل به عقاب نتيجة ذلك بتعويض وفقا للقانون.
كما يرتبط الحق في المحاكمة العادلة بحق جوهري متعلق بضمان الدستور المغربي الجديد لحقوق الدفاع أمام جميع المحاكم، والذي يعطي للشخص من الوقت ومن التسهيلات ما يكفيه لإعداد دفاعه وللاتصال بمحام يختاره بنفسه، وأن يخطر بحقه في وجود من يدافع عنه إذا لم لم يكن له من يدافع عنه، والإعداد للدفاع، يقتضي توفر الضمانات التي تسمح للمحامي بأن يمارس دوره في الدفاع عن موكله وفق ظروف قانونية مقبولة، ذلك أنه تعيين هذا المحامي لا ينبغي أن يقتصر على الحضور الشكلي، وأن أي عرقلة لمهمته تحول دون المساهمة في تحقيق المحاكمة العادلة.
وفي ظل هذه الجائحة أصدر السيد المنتدب للسلطة القضائية الكتاب عدد 3/151، والذي أشار بموجبه إلى ضرورة تأخير الملفات والقضايا المدنية والتجارية والإدارية، والاقتصار على عقد الجلسات المتعلقة بالمسائل الجنحية والجنائية.
كما أن المعاهدات والاتفاقيات الدولية كالعهد المدني حول الحقوق المدنية والسياسية ينادي بضمانات المحاكمة العادلة، وللشخص الحق في محاكمة عادلة وفق أيسر السبل وأسهلها، وبالتالي فمسألة المحكمة الرقمية لا بد منها إذا كنا نتطلع إلى السرعة والنجاعة والشفافية والمصداقية والتطور.
وبالتالي فشروط المحاكمة العادلة يجب أن تتوفر في المحاكمة الرقمية، ومن هذه الشروط، مبدأ الشرعية والمشروعية، ومبدأ العلانية ومبدأ الحضورية ، وحرية الشخص في اختيار محاميه، لكن هل باستطاعة دفاع الشخص أن يتواصل معه وأن يمكنه من حقوق الدفاع؟
وهل يمكن للقاضي الجنائي، وهو قاضي يبني قناعته على الصميم الوجداني أن يحصل
على هذه القناعة من خلال شخص يتحدث معه عبر شاشة؟
وقبل أن نختم لا بد أن نشير إلى نقطة تقييم هذه التجربة، تجربة العدالة الرقمية التي ستنعكس إيجابا على مستقبل القضاء ببلادنا.
حتى نقيم تجربة كيفما كانت لا بد لنا من اعتماد منهج المقارنة والمقاربة ومقارنتها بتجارب سابقة حتى تكون الدراسة موضوعية ونخرج بخلاصات تكون دقيقة. فالمحكمة الرقمية صناعة أمريكية بدأت في أمريكا منذ سنة 1991 الذي نادى بهذا المشروع هو نائب الرئيس الأمريكي Belle Clinton هدفه في ذلك هو أن تحاول الإدارة الفدرالية أن تقدم خدمات وتسهل ولوج المرتفقين إلى الإدارة الأمريكية في مجملها وخصوصا قطاع العدالة.
فخصوصية هذا النظام في أمريكا، فالذي يسير هذا النظام المعلوماتي ليست هي وزارة العدل، ولكن هي شركة خاصة مقرها الاجتماعي في مدينة سانتا بربرا في ولاية كاليفورنيا وهي التي تشتغل على مدار 24 ساعة لها مسؤولية تلقي المستندات ومسؤولية حفظها،وهي التي تسهل العلاقة ما بين المحامون والمحاكم وكذلك المرتفقين، والمحكمة في أمريكا مسؤوليتها بطبيعة الحال تبقى في الحفاظ على سرية الوثائق والمستندات التي تتسلمها.
لكن الوضع في المغرب يختلف، إذ أن وزارة العدل هي القائمة على المشروع وهي التي تتحمل مسؤولية تسلم الوثائق وتلعب هذا الدور الذي هو أكبر من أن تسير وتدبر هذا
المشروع.
بالإضافة إلى التجربة الأمريكية هناك التجربة الصينية، فالصين وصلت إلى درجة تغييب قاضي الموضوع، فخاضت تجربة القاضي الآلي، حيث أن نظام الروبوت يتم شحنه بمجموعة من القوانين الزجرية، وعلى العموم التجربة بدأتها في المخالفات وبعض القضايا الجنحية البسيطة، وكذلك شحنت النظام بظروف التخفيف بالنسبة للمخالفين والمتهمين، فيتم اقتياد الشخص الضنين إلى أمام هذا الكومبيوتر من طرف ما يسمونه معاون ويتم إدخال هاته المعطيات المنسوبة إليه، فيصدر النظام الحكم مقروء ومكتوبا. لكن وجهت لهذا النظام العديد من الانتقادات منها، أنه لا يمكن لهذا النظام الآلي أن يتفاعل ولا أن ينفعل مع المعطيات الواقعية للنازلة، على اعتبار أنه مجرد آلة يتم شحنها وحقنها بمجموعة من النصوص، وبالتالي لا يمكن أن تراعي ظروف كل نازلة على حدى، عكس قاضي الموضوع على اعتبار أن السلطة التقديرية الموكولة للسادة القضاة لها مساحة كبيرة وقد تضاهي في ذلك أكثر مما تقرره النصوص التشريعية، لأن ملائمة النصوص التشريعية، لأن ملائمة النصوص مع أحوال الناس، أي ملائمة النص مع الظروف التي ارتكبت فيها مع طبيعة الشخص، وذلك ما أسست له مجموعة من نظريات علم الإجرام مثلا والتي تأخذ بعين الاعتبار شخصية المجرم.
خاتمة:
إن آفاق العدالة الرقمية بالمغرب رهين بمدى تكريس المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، هذا الأخير هو تكريس لحقوق الإنسان التي لا ينازع المغرب فيها رسميا، والذي بدل مجهودات على مستوى تحديث قطاع العدالة، وعلى صعيد الانفتاح على العهود والمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان، لكنه بالموازاة مع ما أنجزه، وأخذا بعين الاعتبار لانتظارات المجتمع وفعالياته الحقوقية، تظل العدالة في المغرب مطبوعة باختلالات تتطلب إصلاحات عميقة. ومن أهداف هذه الإصلاحات بل وفي صلبها ينبغي أن تكون قضية تمتع الأشخاص بحقوقهم وحرياتهم حاضرة بقوة، وفي انسجام كامل مع أمن واستقرار المجتمع.
لائحة المراجع:
الكتب:
– وداد العيدوني:التنظيم القضائي المغربي، دراسة وفق آخر المستجدات، بدون دار نشر الطبعة الأولى 2016.
– عبد الرحمان الشرقاوي: التنظيم القضائي بين العدالة المؤسساتية والعدالة المكملة أو البديلة،مطبعة المعارف الجديدة-الرباط- الطبعة الرابعة 2018.
– كريم الحرش: الدستور المغربي الجديد للملكة المغربية، بدون دار نشر، طبعة 2012.
– محمد بنحساين: التنظيم القضائي المغربي، مطبعة تطوان، طبعة 2015
– سعاد حميدي: محاضرات في علم الإجرام، بدون دار نشر، طبعة 2017.
المقالات:
– الخامس فضيلي: العدالة الرقمية من النظرية إلى التطبيق، مقال منشور على موقع Juris.ma نشر بتاريخ 24 يناير 2018.






