استعمال علامة الغير كأداة للمنافسة غير المشروعة في الفضاء الالكتروني الباحث : محمد القاسمي

استعمال علامة الغير كأداة للمنافسة غير المشروعة في الفضاء الالكتروني
The Use of a third-party trademark as a tool for unfair competition in cyberespace
الباحث : محمد القاسمي
باحث في سلك الدكتوراه في القانون الخاص، مختبر القانون الخاص ورهانات التنمية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية فاس.
الملخص
لا تقف الاعتداءات على العلامات التجارية على شبكة الانترنت عند حد التزييف، وإنما امتدت أيضا إلى منافسة هذه العلامات على وجه غير مشروع ومخالف للقانون، والأعراف، والعادات التجارية، حيث أضحى المنافس يستعمل العلامة المملوكة للغير كأداة لمنافسته بشكل غير مشروع، وذلك بهدف إضعاف قدرته في الترويج لمنتجاته وخدماته.
وتتجلى الاستعمالات غير المشروعة للعلامة التجارية والتي تشكل منافسة غير مشروعة في المجال الالكتروني، في استعمال المنافس هذه العلامة كأداة لبث الخلط واللبس في ذهن الجمهور والاستحواذ عليهم، والاستفادة المالية من جراء هذا التضليل، بطرق تتوافق وهذا الفضاء، أو من خلال تشويه سمعة العلامة المميزة للمنافس، وذلك بادعاء أمور لا تمت للحقيقة بصلة من شأنها أن تسيئ إلى منتجات وخدمات التاجر المنافس، وأخيرا الادعاء الكاذب من طرف مالك العلامة نفسه، وذلك بإيراد معلومات هي غير موجودة في منتجاته وعرضها عبر الشبكة العنكبوتية، وذلك لأجل إحداث الاضطراب والبلبلة في السوق عبر الانترنت، وتضع مرتكبها في موقع متميز بشكل غير عادي بالنسبة لباقي المتنافسين.
ABSTRACT
Infringements on trademarks online do not merely extend to counterfeiting. They have also evolved into unfair competition against these trademarks, in violation of laws, norms, and commercial customs. Competitors have begun to exploit others’ trademarks as tools for unfair competition, aiming to undermine their ability to promote their products and services
Unlawful uses of trademarks constituting unfair competition in the digital realm manifest in various ways. Competitors may use these trademarks to confuse consumers, deceive them, and profit from such deception through methods tailored to the digital environment.
They might also tarnish the reputation of a competitor’s trademark by making false claims that harm the competitor’s products or services. Finally, a trademark owner might themselves make false claims about their products online, presenting information that is not accurate, to create market disruption and gain an unfair advantage over competitors.
المقدمة:
العلامة التجارية، باعتبارها حقا من حقوق الملكية الصناعية، هي شارة يتخذها الصانع أو التاجر أو مقدم الخدمة لتمييز منتجاته أو خدماته عن غيرها من المنتجات أو الخدمات المماثلة أو المشابهة لها، كما أنها أداة استراتيجية مهمة للمنافسة والتسويق، نظرا لاتصالها الوثيق بالتجارة والصناعة أكثر من باقي عناصر الملكية الصناعية الأخرى، كما تزايد الاهتمام بها مع تطور التجارة الداخلية والدولية، ثم انتقال نطاقها ليشمل التجارة الإلكترونية التي أصبحت عصب التجارة المعاصرة.
وكما أن العلامات التجارية في الواقع المادي تتعرض لمجموعة من الاعتداءات من طرف الأغيار غير المرخص لهم باستعمالها، فإن العلامة التجارية في المجال الالكتروني بدورها تتعرض لمجموعة من الاستعمالات غير المشروعة عبر شبكة الانترنت، خاصة عند استعمالها كأداة للمنافسة غير المشروعة، وذلك باستخدام وسائل وتقنيات تكنولوجية عالية وبطريقة لا تمت للمنافسة الشريفة بصلة، فكل مؤسسة تسعى للتعريف بوجودها من خلال استعمال شارات تميزها، تعرف لدى الجمهور من خلالها، فيحاول المنافس غير الشريف اعتماد تلك الشارات من أجل خلق اللبس والتضليل لدى جمهور المستهلكين، كما يسعى للتشهير والتشويه بالمؤسسة الحاملة للعلامة التجارية والتحقير بمنتجاتها عن طريق إعلانات متعددة ومتنوعة.
إن المنافسة غير المشروعة لا تختلف في تنظيمها وتحديد صورها على شبكة الانترنت على نظيرتها في الواقع المادي، بحيث أن الأمثلة المنصوص عليها في المادة 184 من القانون المتعلق بحماية الملكية الصناعية جاءت عامة تجعلها قابلة للقياس، إلا أن البيئة الإلكترونية أكسبتها بعض الخصوصية في شروط تطبيقها كما سنرى لاحقا.
ويكتسي موضوعنا أهمية بالغة سواء على المستوى النظري أو العملي:
فالأهمية النظرية، تتجلى في الاهتمام الدولي الذي حظيت به العلامة التجارية في الفضاء الالكتروني، خاصة مع المجهودات المبذولة من طرف الهيئات والمنظمات الدولية، وهو الأمر الذي لم يعمل المشرع المغربي على تبنيه، فغياب تنظيم تشريعي محكم وفعال قادر من جهة على ضبط أشكال وصور المنافسة غير المشروعة التي تتعرض لها العلامة التجارية في المجال الالكتروني، والتي تهدد الوضعية التنافسية للمؤسسات والشركات مالكة هذه العلامة، يجعل تطبيق النصوص القانونية المتعلقة بحقوق الملكية الصناعية وخاصة العلامة التجارية، على العلامة التجارية في المجال الالكتروني أمر لا غنى عنه.
أما أهميته العملية، فتتمثل في التأثير الذي أحدثته الثورة التكنولوجية على العلامة التجارية من خلال تزايد قيمتها، وتحقيق نمو معدلات أعلى على شبكة الانترنت مقارنة بنظيرتها التقليدية، هذا التأثير انعكس سلبا عليها سواء من حيث ازدياد مطامع الانتهازيين في الاعتداء عليها والاستفادة من شهرتها وقوتها، أو من حيث الخسائر المالية بالنسبة لمالكي هذه العلامات، مما يتطلب التدخل لتوفير حماية قانونية محكمة من الاعتداءات عليها في المجال الالكتروني.
وتتجلى الإشكالية الجوهرية لهذا الموضوع في :
ما هي أهم الاستعمالات غير المشروعة للعلامة التجارية والتي تشكل منافسة غير مشروعة في الفضاء الالكتروني ؟
انطلاقا من هذه الإشكالية يمكن تقسيم الموضوع إلى فقرتين :
الفقرة الأولى: استعمال علامة الغير كأداة لبث الخلط واللبس في ذهن الجمهور
الفقرة الثانية: تشوية سمعة العلامة والادعاء الكاذب من طرف مالك العلامة في المجال الالكتروني
الفقرة الأولى: استعمال علامة الغير كأداة لبث الخلط واللبس في ذهن الجمهور
إن إثارة الالتباس والخلط في ذهن المستهلك من الصور الأكثر شيوعا للمنافسة غير المشروعة، وفي المجال الالكتروني يكون الخلط بين مواقع إلكترونية تحمل علامات تجارية مشابهة، حيث أصبحت المواقع الآن تقوم بدور تمييز المؤسسة التجارية والمنتجات التي تسوقها شأنها في ذلك شأن العلامة التجارية في الواقع المادي، ومن ثم تتحقق هذه الحالة إذا قام منافس باتخاذ شارة مشابهة لعلامة المنافس كاسم نطاق، أو كاسم مستخدم على الشبكات الاجتماعية، أو كعنوان للبريد الالكتروني لبث الخلط واللبس في ذهن الزبائن(أولا)، كما أن الخلط و اللبس قد ينصرف حتى بخصوص استعمال علامة الغير ككلمات تلميحية (ثانيا).
أولا: الخلط الناتج عن اتخاد علامة مميزة لمؤسسة منافسة في المجال الالكتروني
نص المشرع المغربي على فعل الخلط واللبس كصورة من صور أعمال المنافسة غير المشروعة في البند الأول من المادة 184 من قانون الملكية الصناعية بقوله” تعتبر عملا من أعمال المنافسة غير المشروعة…. – جميع الأعمال كيفما كان نوعها التي قد يترتب عليها بأي وسيلة من الوسائل خلط مع مؤسسة أحد المنافسين أو منتجاته أو نشاطه الصناعي أو التجاري؛”.
الملاحظ أن الصياغة التي أتت بها هذه المادة جاءت عامة، ومن ثم يمكن تطبيقها في المجال الالكتروني، خاصة الخلط الناتج عن استعمال علامة مشابهة لعلامة المنافس كاسم موقع، أو كاسم مستخدم على الشبكات الاجتماعية، أو كعنوان للبريد الالكتروني، وتسويق المنافس من خلالها منتجات تماثل منتجات صاحب العلامة.
ولابد من القول أن الذي يشكل منافسة غير مشروعة ليس تزييف تلك العلامة واتخاذها موقعا إلكترونيا، أو اسم مستخدم على الشبكات الاجتماعية، أو كعنوان للبريد الالكتروني، بل احداث الخلط في أذهان الزبائن والاستحواذ عليهم عن طريق ذلك التزييف. ومن ثم إذا كان تزييف العلامة المملوكة للغير وفق الأشكال السابقة يمكن أن يشكل سببا لإقامة دعوى المنافسة غير المشروعة، فإنه يشترط فيها ألا تستند إلى فعل التزييف ذاته، ولكن إلى ما نتج عنه من استحواذ على زبائن مالك الحق الذي وقع تزييفه بمعنى؛ أنه في هذه الحالة نكون بصدد دعويين، دعوى التزييف والتي تؤطر فعل التعدي على علامة الغير ذاتها، ودعوى المنافسة غير المشروعة، وهي تؤطر فعل الاستحواذ على زبائن المنافس بوسائل غير مشروعة تتمثل في بث الخلط والالتباس في أذهانهم، بحيث لا يتم النظر إلى فعل التزييف، وإنما إلى فعل الاستحواذ على زبائن مالك العلامة التجارية.
ومن التطبيقات القضائية التي تظهر صورة اللبس والخلط في هذا الشأن، نجد الحكم الصادر في قضية GRYLAROCHE، فقد أشارت المحكمة في هذه القضية إلى أن المتعاملين على شبكة الإنترنت عندما يقصدون الموقع الالكتروني المتنازع عليه يصلون إلى موقع الشركة المنافسة لا إلى شركة GRY LAROCHE مالكة العلامة التجارية، مما يفقدها الكثير من الزبائن القارين أو المحتملين .
كما أدانت محكمة LILLE الابتدائية في 10 يوليوز 2001 تصرف الشركة C التي سجلت العنوان الالكتروني BOISTROPICAUX.COM معتدية بذلك على العلامة التجارية BOIS TROPICAUX التي تمتلكها شركة LE COMMERCE DU BOIS، واستندت المحكمة في حكمها للقول بوجود منافسة غير مشروعة إلى الخلط واللبس الذي نشأ في أذهان الجمهور نتيجة تسجيل عنوان إلكتروني مشابه للعلامة التجارية وممارسة أنشطة مماثلة من خلاله .
إذن للقول بوجود منافسة غير مشروعة في المجال الالكتروني لابد من وجود منافسة بين صاحب العلامة والتاجر المعتدي، وقيام هذا الأخير باستعمال علامة الغير كعنوان الكتروني أو اسم مستخدم على الشبكات الاجتماعية، أو كعنوان للبريد الالكتروني وتسويق منتجات تماثل منتجات صاحب العلامة، وما يؤذيه هذا التماثل من حدوث خلط وتضليل لجمهور المستهلكين. أما إذا تم فحص الموقع الالكتروني وتبين أنه لا يوجد تماثل أو تشابه بين المنتجات أو الخدمات التي تعرض فيه وتلك التي تمثلها العلامة التجارية، فإنه لا مجال للقول بوجود منافسة غير المشروعة، فاختلاف المنتجات و الخدمات يتنافى مع فكرة المنافسة.
وتطبيقا لذلك لا تستطيع شركة ATG التي تعمل في مجال مضاربات سباقات الخيل أن تتمسك بوجود منافسة غير مشروعة من جانب شركة ANDRESSENON TOMASSON GUNMARSON بسبب تسجيلها للعنوان الالكتروني ATG.COM، ويرجع فشلها في التمسك بالمنافسة غير المشروعة إلى اختلاف مجال الأنشطة التي تمارسها كل من الشركتين. فشركة ATG تعمل في مجال مضاربات سباقات الخيل، بينما تعمل الشركة الثانية في مجال المحاسبة التجارية .
لكن السؤال الذي يطرح هنا، هل إذا كان بالإمكان تحديد التشابه بين المنتجات من جهة والخدمات من جهة أخرى لعلامات تجارية مشابهة، هل يمكن الاعتراف بالتشابه بين المنتج والخدمة من جهة أخرى؟ بمعنى؛ إذا اتخذ المنافس علامة تجارية مشابهة لعلامة الغير كاسم موقع، أو كاسم مستخدم على الشبكات الاجتماعية، أو كعنوان للبريد الالكتروني، وذلك للترويج لمنتجاته عن خدمات صاحب العلامة، هل يؤذي ذلك إلى فعل الالتباس والخلط لدى الجمهور؟
الجواب نعم، حيث قضت المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي بأن ” المبادئ المطبقة على مقارنة المنتجات تنطبق أيضا على المقارنة بين الخدمات وبين المنتجات والخدمات، وبالتالي في ظروف معينة يمكن العثور على التشابه حتى بين السلع والخدمات، بحيث إذا كانت الخدمة أو المنتج متشابهين سيكون معيار تحديد التشابه هو رأي الجمهور-رؤية نفس العلامة مطبقة على المنتج وعلى الخدمة – من خلال معرفة هل ينتمون إلى نفس الشركة إذا كانت الإجابة بالإيجاب، فسيكون هناك تشابه بين المنتج والخدمة الأمر الذي يؤذي إحداث خلط ولبس لديهم”.
وتجب الإشارة، أنه إذا تعلق الأمر بعلامة مشهورة تم الاعتداء عليها إلكترونيا، واتخادها موقعا، أو على صفحة في مواقع التواصل، أو كعنوان للبريد الالكتروني، لكن تم استعمالها لتسويق منتجات أو خدمات غير مماثلة أو غير مشابهة للمنتجات أو الخدمات الأساسية المرتبطة بالعلامة المشهورة، فإنه لا يمكن القول بوجود فعل من أفعال المنافسة غير المشروعة، أولا لتخلف وضعية المنافسة المباشرة، وثانيا لتخلف خطر الخلط واللبس لدى الجمهور، لأن الأمر يتعلق بمنتجات مختلفة، ومن ثم فإن هذا الفعل يشكل في اعتقادنا سلوكا تطفليا يسعى من ورائه المتطفل استغلال السمعة والشهرة التي حققته تلك العلامة والترويج لمنتجات مخالفة لمنتجات العلامة الأصلية ، فهذا الفعل يعتبر تحايلا على مبدأ التخصيص ويتعارض مع اعتبارات العدالة التي تقتضي قيام المنافسة على الأمانة والشرف، كما يلحق ضررا بصاحبها، ويضيع عليه ثمار جهده والنفقات التي أنفقها .
فاستعمال علامة مشهورة من قبل الغير على سلع وخدمات غير مماثلة، ومن نوعية رديئة، والترويج لها على شبكة الانترنت، من شأنه الاساءة إلى سمعتها، وإضعاف قدرتها على التمييز ، فالقول بالفعل الطفيلي يؤذي إلى ضمان مشروعية المنافسة، ومنع استفادة الغير من شهرة العلامة والقيمة الاقتصادية التي تكتسبها.
ثانيا: الخلط الناتج عن اتخاذ علامة مميزة لمؤسسة منافسة ككلمات تلميحية
عرف أحد الفقهاء الكلمات المفتاحية بأنها ” عبارة عن كلمات أو رموز تستخدم من قبل مصممي المواقع الإلكترونية لوصف الموقع وإعطاء معلومات عامة عنه، توضح محتواه وما يتضمنه من معلومات وما يقدمه من خدمات، وهي مؤشرات غير ظاهرة للمستخدمين إذ تكون ضمن برمجة الموقع الالكتروني التي يضعها المصمم” .
فكل الشركات التجارية تعمل عند إنشاء أي موقع إلكتروني باختيار كلمات تلميحية تعبر عن موقعها بعناية كاسم علامتها التجارية، أو نوع المنتجات التي تروج لها، وذلك بهدف الوصول إليها بسرعة أكبر من طرف مستخدمي الشبكة العنكبوتية، فإذا وضع المستخدم هذه الكلمات في محرك البحث ك GOOGLE , OPER, LOOK SMART, ALTIVISTA يظهر له الإعلان الخاص بالمنتجات أو الخدمات المعلن عنها في المراتب الأولى، مما يضمن وصول هذا الموقع إلى أكبر عدد ممكن من المستخدمين.
ويشكل هذا الفعل منافسة غير مشروعة إذا قامت شركة حديثة النشأة في اتخاد علامة تجارية لشركة ذائعة الشهرة والسمعة ككلمات تلميحية، وذلك من أجل الظهور في خيارات البحث أمام مستخدمي شبكة الانترنت بشكل مستمر وعلى رأس قائمة، بشكل يسبق الموقع الأصلي للشركة المعتدى عليها، وهذا يعطيها فرصة أكبر لولوج المستهلك إلى موقعها قبل موقع الشركة صاحبة العلامة الأصلية، هذا الأمر يؤذي إلى استفادة المنافس من قوة العلامة التجارية، والاستحواذ على الزبائن المحتملين، وإبعاد علامتهم التجارية من على رأس القائمة.
ومثال ذلك ، إذا كانت شركة تبيع أجهزة حاسوب معينة وتسوقها عبر الشبكة العنكبوتية وقامت بوضع علامة IBM ضمن الكلمات التلميحية، لكن في الواقع لا تبيع حواسيب IBM وإنما حواسيب أخرى، فإذا قام المستخدم بالبحث في إحدى آليات البحث عن حواسيب IBM، فإنه سيظهر له اسم هذه الشركة متقدما على موقع شركة IBM الأصلية، فإذا ولج من أجل الشراء ولم يجد حواسيب IBM، وأرسل رسالة للشركة متسائلا عن السبب، فسترد عليه بأن لديها حواسيب مماثلة أو مشابهة وبثمن أقل من المنتج الأصلي.
ولعدم وجود قرارات قضائية وطنية في هذا الشأن، نجد أن القضاء الفرنسي في البداية اعتبر ان استخدام العلامة التجارية ككلمات تلميحية يشكل تقليدا بمفهوم المادتين L713.2و L713.3من ق.م.ف.ف، بحيث أن جميع الاستعمالات غير المرخص بها من مالك العلامة يعتبر تقليدا بشرط أن تكون العلامة مسجلة، وأن يتم استخدامها في إطار مبدأ التخصيص؛ أي أن يتعلق الأمر بمنتجات أو خدمات مماثلة أو مشابهة باستثناء العلامة المشهورة .
لكن بعد ذلك اتخذ القضاء الفرنسي موقفا مغايرا بشأن استخدام العلامات التجارية ككلمات تلميحية لعلامة تجارية أخرى، وقد اعتبر أن هذا الاستخدام يشكل منافسة غير مشروعة نتيجة إحداث هذا الفعل خلطا والتباسا في ذهن الجمهور، حيث قضت محكمة نانتر بشأن قضية شركتان تمارسان أعمالا مشابهة وهو بيع الأثاث، أن استخدام العلامة التجارية DE CARCOET لشركة LES ATELIERS KARCOET ككلمات تلميحية لموقع شركة ANTICLIME CREATIONS يعد منافسة غير مشروعة، بحيث يتم نقل المستخدم الذي يضع هذه العلامة إلى موقع الشركة المنافسة ما ينتج عنه تحويل وجذب الزبائن إلى موقعها، مما يحدث لبسا وتضليلا لدى جمهور المستهلكين واعتداء على العلامة، وينتج عنه الاضرار بصاحبها .
كما قضت محكمة باريس أن هذا الاستخدام ينطوي على منافسة غير مشروعة نتيجة ما أحدثه من خلط ولبس في ذهن الجمهور، حيث قامت الشركة الألمانية (NOTLER GMBH) باستعمال علامة الشركة الفرنسية (SFOB) ككلمات تلميحية لصفحة موقعها، والشركتان مختصتان في إنتاج الجبن الأبيض الطري مما يؤكد وجود منافسة بينهما. وبمجرد رفع الدعوى ألغت الشركة الألمانية هذه الكلمات من صفحة مصدر موقعها في 25 يناير 2001م، لكن الشركة الفرنسية استمرت في الدعوى فأصدر قاضي الأمور المستعجلة في 1 يوليو2001م الأمر بإلغاء الكلمات (SFOB, SFOB, SFOB) من موقع الشركة الألمانية، باعتبار أن هذا الاستعمال غير المشروع يؤدي إلى إحداث الخلط لدى جمهور المستهلكين المستخدمين لشبكة الانترنت، ومن ثم جلب الزبائن للموقع الآخر. وقد أيد مجلس استئناف باريس ذلك باعتبارها منافسة غير مشروعة .
نفس الاتجاه سايره القضاء الأمريكي حيث اعتبر أن هذا الفعل يشكل منافسة الشركة صاحبة الموقع الأصلي منافسة غير مشروعة. ففي قضية بين شركة (BROOKFIELD COMMUNICATIONS) ضد شركة (WEST COAST)، حيث ادعت الشركة الأولى بأن الشركة الثانية المدعى عليها استخدمت علامتها التجارية ككلمة تلميحية أو رمز تعريفي، فصدر الحكم في البداية لمصلحة المدعى عليها، إلا أنه تم الرجوع عن هذا الحكم من طرف محكمة الاستئناف، التي أصدرت قرارا لمصلحة الشركة المدعية، معتبرة أن ما قامت به الشركة المدعى عليها يعد تعديا على العلامة التجارية ومنافسة غير مشروعة وتضليلا للجمهور، حيث إن الأشخاص القادمين لموقع الشركة المدعى عليها ربما كانوا يقصدون زيارة موقع الشركة المدعية .
الفقرة الثانية: تشوية سمعة العلامة والادعاء الكاذب من طرف مالك العلامة في المجال الالكتروني
إن العلامة التجارية لا تعني تلك الرسومات والألوان والشعارات فقط، بل أكثر من ذلك، فهي تعني صورة المؤسسة وسمعتها وفلسفتها في العمل وثقافتها في الوسط التجاري، كما تؤثر بالدرجة الأولى على المستهلك، فهي لها دور بارز في حمايته من المخاطر التي يتعرض لها عبر الانترنت .
ومن هنا قد يتم التعدي على العلامة ومنافسة صاحبها منافسة غير مشروعة من خلال تشويه سمعتها في الفضاء الإلكتروني، كنشر معلومات وبيانات كاذبة لا تمت للحقيقة بصلة أو مغالطة الجمهور حول طبيعة المنتج أو الخدمة التي تميزه العلامة، إلى غير ذلك من صور التشويه التي تؤثر سلبا على مصداقية العلامة، وتؤدي إلى خسارة ثقة المستهلكين فيها (أولا)، كذلك قد يتم نشر إعلانات وبيانات كاذبة، ليس من المنافس، وإنما من صاحب العلامة نفسه، وذلك بإيراد معلومات مغلوطة حول منتجاته وخدماته، حيث يسعى من وراء ذلك جلب الزبائن إليه والاستحواذ عليهم (ثانيا).
أولا: تشويه سمعة العلامة في المجال الالكتروني
يقصد بتشويه سمعة العلامة في المجال الالكتروني، صدور ادعاءات من المنافس، لا تمت للحقيقة بصلة، من شأنها أن تسيء إلى التاجر المنافس سواء في شخصه أو صنعه، وذلك عن طريق إشاعة معلومات مثلا عن إفلاسه أو عن رداءة منتجاته، كالادعاء بكون مواصفات المنتوج غير مطابقة، مغشوشة، أو غير صالحة .
والمشرع المغربي لم ينص بشكل صريح على فعل تشويه سمعة العلامة التجارية في المجال الالكتروني في قانون الملكية الصناعية، وإن كانت الفقرة الثانية من المادة 184 من نفس القانون جاءت عامة، ويمكن في اعتقادنا تطبيقها في المجال الالكتروني كما هو الشأن في المجال المادي، حيث نصت” الادعاءات الكاذبة في مزاولة التجارة إذا كان من شأنها أن تسيء إلى سمعة أحد المنافسين أو منتجاته أو نشاطه الصناعي”.
ويشكل تشويه السمعة، أحد الصور الشائعة للمنافسة غير مشروعة، والأمثلة على ذلك كثيرة ومتنوعة لكن ما يهمنا فقط تلك التي تتم في المجال الالكتروني، ومن ثم سنقتصر الحديث عن حالتان، ويتعلق الأمر بتشويه سمعة العلامة من خلال إعلانات كاذبة (أ)، أو إعلانات مقارنة كاذبة (ب).
أ : تشويه علامة الغير عن طريق الاشهار الالكتروني الكاذب
في هذه الحالة يقوم المنافس بتشويه صورة علامة منافسه التجارية عن طريق ادراج رسائل مسيئة وبذيئة تسيء لمنتجاته وفي موقعه الذي يحمل علامته التجارية، فمثلا عند دخول مستخدمي الانترنت إلى موقع إلكتروني يروج لعلامة معينة قصد شراء منتجات أو خدمات مختلفة، يصادفون في الصفحة الرئيسية إعلانات أو رسائل تنقص من قيمة العلامة وتحط من المنتجات التي تروج لها. فعملية التشويه من المنافس تجعل مستخدمي الانترنت في حيرة من أمرهم، هل الأمر يتعلق فعلا بعلامة لا ترقى إلى مستوى التطلعات، وأن المنتجات التي يروج لها الموقع ليست بتلك الجودة التي يدعيها، أو المواصفات التي يروج لها، أم أن الأمر مجرد اشاعات مخالفة للحقيقة، ومن ثم فطبيعة المنتجات أو طريقة تصنيعها أو خصائصها أو صلاحيتها للاستعمال ليست كما جاء في الإشهار، وأنها فقط مجرد ادعاءات وافتراءات لا تمت للحقيقة بصلة ، الأمر الذي يحدث تشويشا وغموضا لدى المستهلكين خاصة إذا كانوا ممن اعتادوا على الشراء من هذه المواقع.
فالمنافس الذي يقوم بعملية التشويه سيحاول ايصالها للعالم، من خلال ذلك الإعلان، لأن كل زبون يدخل للموقع سيجد الرسالة نفسها، مما يؤثر سلبا على الخطة التسويقية للشركة صاحبة العلامة، والإساءة لسمعة المنتجات أو البضائع أو الخدمات التي تحملها العلامة التجارية .
كما قد يعمد المنافس إلى تشويه سمعة العلامة التجارية عن طريق الإشهار من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بإعلانات تمس جوهر العلامة التجارية وتمس بمنتجاتها وخدماتها، فعلى الرغم من الجهود التي تبذلها الشبكات الاجتماعية لتوفير بيئة تجارية إلكترونية آمنة قدر الإمكان، فالمنافس قد ينشئ حسابات ساخرة ووهمية تضر بالعلامات التجارية وتضلل ثقة المستهلكين في الشبكات الاجتماعية وشفافيتها والغاية من ذلك تشويه سمعة العلامة والتقليل من تأثيرها ، كما أن التشويه قد يتم من خلال إرسال رسائل لعموم المستخدمين عبر حساباتهم الشخصية بأن العلامة التجارية مغشوشة أو لا تتضمن العناصر الواجب توفرها فيها، أو أنها غير صالحة للاستعمال أو ضارة بالغير، إلى غير ذلك من الأساليب التي يترتب عليها عزوف الزبائن عن العلامة التجارية التي اعتادوا عليها.
ليس هذا فحسب، بل إن عملية التشويه تتم أيضا من خلال قيام المنافس باستخدام البريد الالكتروني والترويج السلبي للعلامة التجارية التي تعود لمنافسه، فيقوم بإرسال رسائل غير مرغوب فيها بشكل عشوائي لمستخدمي هذه الشبكة، وغالبا ما تتضمن هذه الرسائل معلومات وصور مغلوطة عن الشركة صاحبة العلامة وذلك بهدف الإنقاص من سمعتها وإضعاف قيمتها الاقتصادية، وغالبا ما يتم إرسال هذه الرسائل عن طريق ما يعرف بالبريد الإلكتروني غير المرغوب فيه (SPAM)، حيث يوحي لمن يتلقى هذه الرسائل، أن المرسل هي الشركة صاحبة العلامة، في حين أنها مرسلة من طرف أشخاص لا علاقة لهم بالعلامة – منافسين – يحاولون الحط من قيمتها فقط .
هذا الفعل الأخير منعه المشرع المغربي أيضا في المادة 24 من القانون 31.08 المتعلق بحماية المستهلك حيث نص على أنه “يمنع عند إرسال كل إشهار عن طريق البريد الالكتروني:
– تزييف أو إخفاء كل معلومة تمكن من تحديد مصدر الرسالة الموجهة عن طريق البريد الالكتروني أو مسار إرسالها.”
كما أنه وفي وقتنا الحالي أضحى التشهير والتشويه بسمعة العلامة، يتخذ بعدا آخر من خلال ظهور عدد متزايد من الأشخاص يسمون أنفسهم بالمؤثرين، يتم استعمالهم من قبل المنافسين لتشويه سمعة العلامة المميزة للمنافس.
فالمؤثر كما عرفته هيئة تنظيم الإعلانات المهنية الفرنسية ARPP بموجب توصية أصدرتها بتاريخ 7 يونيو 2017م هو ” كل فرد يعبر عن وجهة نظر أو يقدم المشورة، في مجال معين ووفق أسلوب أو معاملة خاصة به والتي يحددها الجمهور. “.
وتحدث المحامي العام MACIEJ SZPUNAR عن هذا الموضوع عام 2018م، في قضية KAMENOVA، حيث اعتبر المؤثر بدوره ” شخصا نشطا على الشبكة الاجتماعية وقادرا، من خلال وضعه أو موقعه أو تعرضه لوسائل الإعلام التأثير على عادات الاستهلاك وله دور كوسيط بين الشركات وعملائها المحتملين ” .
والمؤثر يقوم بعملية التسويق الرقمي المصطلح عليه باللغة الإنجليزية ب E-MARKETING ، المبنية على أساليب تساهم في عرض المنتجات أو البضائع، أو القيام بأعمال معينة قصد التشجيع على منتوج معين بالذات.
وقد ألزمت سلطة السوق والمنافسة البريطانية COMPETITION AND MARKET AUTHORITY المؤثر بتبيان العلاقة بينه وبين الشركة الآمرة من أجل أن يتم إنارة إرادة المتأثر، وأقرت قاعدة إنجليزية وهي القول مقابل الأداء”SAY ON PAY”، تفيد أنه يجب الإشارة بشكل واضح إلى الروابط التي تربط بين المؤثرين والشركات الآمرة؛ أي الشركات التي تأمر بإنجاز محتوى معين وبشكل معين، وهذا التوجه أخذته أيضا اللجنة الفدرالية للتجارة الأمريكية FEDERAL TRADE COMMISSION.
كما أن المشرع الفرنسي نحا نفس المنحى السالف، حيث ألزمت هيئة تنظيم الإعلانات المهنية للإشهار، المؤثرين بالكشف عن عقود الرعاية المبرمة بينهم وبين الشركات، ويجب أن يكون هذا الكشف بشكل واضح لا يغادر شك خواطر المتابعين أو المتأثرين، سواء عن طريق خطاب في النص المصاحب للمحتوى، أو عن طريق الإشارة في الفيديو وما إلى ذلك .
وفي هذا الإطار، قد يعمد المنافس – صاحب الشركة الآمرة كما أشرنا إليها سابقا– إلى استعمال هذا المؤثر لمحاولة تشويه منتجات منافسه، من خلال إشهار مدفوع الأجر، ومثال ذلك، ما كشفت عنه مؤثرة التجميل الأمريكية “مارلينا ستيل” من أن المعلنين عرضوا عليها ما يقارب 85 ألف دولار لتشويه سمعة منتجات أحد المنافسين .
فيكون من ثم قائما بالمنافسة غير المشروعة، المنافس الذي دفع المؤثر لتشويه سمعة العلامة والحط من قيمتها من خلال ذلك الإعلان، ففعل المنافسة غير المشروعة لا يشترط فيه أن يصدر مباشرة من المنافس، فتدبيره للفعل، بدفع الغير لإتيان الفعل غير المشروع يعتبر خطأ تقوم عليه مسؤوليته، أما المؤثر فمسؤوليته، هي مسؤولية تقصيرية، وقد تكون جنائية (إلى جانب المنافس) إذا اتسمت الأفعال بسمة جنائية (السب والقدف والتشهير…).
ب: الإشهار المقارن الكاذب
عرف المشرع المغربي الإعلان المقارن في المادة 22 من القانون 31.08 بأنه ” كل إعلان يقارن بين خصائص أو أسعار أو تعريفات السلع أو المنتوجات أو الخدمات إما بالإشارة إلى علامة الصنع أو التجارة أو الخدمة الخاصة بالغير أو تجسيدها… “.
أما المشرع الفرنسي فقد عرف بدوره الإعلان المقارن في المادة 122L/1 من قانون المستهلك الفرنسي بأنه ” ذلك الإعلان الذي يقارن صراحة أو ضمنا السلع أو الخدمات التي يقدمها المعلن مع تلك التي يقدمها منافس آخر” .
والإعلان المقارن مشروع في حذ ذاته إذا كان نزيها وصادقا ولم يكن من شأنه إيقاع المستهلك في الغلط ، إلا أنه مع ذلك، قد ينطوي أيضا على سلبيات عديدة قد تضر بالمستهلك كما قد تمس بالمهني المنافس، ومن ثم جاءت المادة 22 من القانون 31.08 ووضعت مجموعة من الشروط يتوجب على المعلن أن يحترمها قبل أن يقوم بإعلان مقارن :
” … لا يرخص به إلا إذا كان نزيها وصادقا وألا يكون من شأنه إيقاع المستهلك في الغلط.
يجب أن يكون الإشهار المقارن حول الخصائص، متعلقا بالخصائص الأساسية والهامة والمفيدة والتي يمكن التحقق منها، للسلع والخدمات من نفس الطبيعة والمتوفرة في السوق.
يجب أن يكون كل إشهار مقارن حول الأسعار أو التعريفات متعلقا بالمنتوجات أو السلع أو الخدمات المماثلة والمبيعة وفق نفس الشروط وأن يشير إلى المدة التي يحتفظ خلالها بالأسعار أو التعريفات المحددة من لدن المعلن باعتبارها خاصة به”.
بتحليل هذين الشرطين الأخيرين نستنج أن المشرع استهدف من ورائهما منع الإشهار المقارن المحط للقيمة، أي الإشهار الالكتروني الذي يهدف إلى النيل من قيمة وسمعة السلع والخدمات التي يعرضها المهني المنافس، فهو عبارة عن كذب وخداع يصبو إلى تشويه سمعة البضائع والخدمات التي تميزها العلامة التجارية وذلك بالتركيز على عيوبها ، مما قد يشكل منافسة غير مشروعة.
وهكذا، تختلف هذه الصورة عن سابقتها في أن الإعلان المقارن لا يهدف إلى الحط من منتجات العلامة بصورة صريحة، وإنما يعمد القائم به إلى إشهار منتجاته أو خدماته ومقارنتها بمنتجات منافسه المماثلة أو المشابهة، وإظهار هذه الأخيرة في وضع أسوء من المنتجات المعلن عنها.
وقد تتم الإشارة إلى المنافس في الإعلان المقارن بشكل صريح إذا تمت الإشارة إليه أو لعلامته التجارية بصفة مباشرة، ومثال ذلك قيام شركة MASTER CARD ببدأ حملتها الإعلانية في عام 1991م، بعرض مصور مدته ثلاثين ثانية لحاملي بطاقات شركة AMERICAN EXPRESS وهم مزدحمون في محاولات يائسة لإيجاد أماكن السحب الآلي ATM، وعند الوصول إليها قامت بسحب بطاقتهم. كما قد يكون الإعلان بشكل غير مباشر، فلا يتم التصريح بالمنافس أو علامته أو السلع والخدمات التي يروج لها، وإنما تتم الإشارة إليه أو إلى منتجاته بشكل ضمني، كتضمين بعض الكلمات التي من خلالها يتمكن المستهلك من تحديد المنافس المقصود .
فالإعلانات المقارنة الكاذبة في الشبكة العنكبوتية تتحقق من خلال الانتقاص والتشويه، ويتبين ذلك من الصياغة غير اللائقة أو العدائية للإعلان المقارن، كأن يصف أن منتجات منافسه مغشوشة أو خطرة، أو ملوثة للبيئة، أو الانتقاد الصريح للسلع والخدمات الخاصة بالمنافس .
كما أن الإعلانات المقارنة تتجلى أيضا عندما يتم ربط علامة تجارية مشهورة، وعلامة تجارية خاصة بالمعلن مما يؤذي إلى خفض قدرة العلامة المشهورة على تمييز السلع والخدمات، فإذا لاحظ المستهلكون بأن العلامة المشهورة تستخدم لتمييز منتجات أو خدمات سواء كانت مماثلة أو مخالفة عن المنتجات الأصلية التي تقوم بتمييزها العلامة التجارية، فإن ذلك سيؤذي إلى الإنقاص والإضعاف من قيمة العلامة التجارية المشهورة.
وقد اعتبر أحد الفقهاء أن المعلن في هذه الحالة، يحاول أن يظهر جودة منتجاته الخاصة بمقارنتها مع المنتجات التي تحمل علامة مشهورة، وذلك من أجل الاستفادة من سمعة وشهرة هذه الأخيرة بطريقة غير مشروعة، فهو في الحقيقة فضولي أو متطفل يستغل تلك الشهرة التي تتمتع بها العلامة، ويمكن تسمية هذا الأمر بالإعلان المتطفل أو الفضولي، وذلك للاستفادة من السمعة الجيدة للعلامة وجودة منتجاتها.
ثانيا: الادعاءات الكاذبة من طرف صاحب العلامة في المجال الالكتروني
نص المشرع المغربي على هذه الصورة بشكل عام في البند 3 من المادة 184 من القانون 17.97 بقوله ” يعتبر عملا من أعمال المنافسة غير المشروعة… البيانات والادعاءات التي يكون من شأن استعمالها في مزاولة التجارة مغالطة الجمهور في طبيعة البضائع أو طريقة صنعها أو مميزاتها أو قابليتها للاستعمال أو كميتها”.
فالادعاءات والبيانات في هذه الحالة تكون من طرف التاجر السيبراني صاحب العلامة نفسه بادعاء أمور هي غير موجودة في المنتجات أو السلع أو الخدمات التي يسوقها، فيقوم بعرض منتجاته أو سلعه أو خدماته في الفضاء الالكتروني، وتضمينها معلومات مغلوطة، فبعد أن يكثر الإقبال على منتوج المنافس من قبل مستخدمي الانترنت، يعمد التاجر غير الشريف إلى تضمين معلومات ذلك المنتوج المنافس المشابه في علامته، فيدعي بأن تلك المواصفات توجد في منتجاته أيضا، فالادعاءات الكاذبة في هذه الحالة لها أضرار وخيمة على المستهلك، خاصة عندما تكون المعلومات المضمنة فيه هي الدافع إلى التعاقد والمؤثر الرئيسي على إرادته.
وتتجلى الادعاءات الكاذبة في المجال الالكتروني، في أن يدعي التاجر السيبراني بوجود مميزات أو صفات معينة في المنتجات أو الخدمات التي يسوقها، تغير من طبيعتها مثلا، كتضمين العلامة بيانا ينتج عنه تصنيف المنتج ضمن طائفة لا ينتمي إليها في الحقيقة (ماء معدني، في حين هو ماء عادي، أو زيت ذرة في حين هي زيت نوار الشمس….)، أو ادعاءات تدفع المستهلك إلى الاعتقاد بوجود مزايا تتعلق بالجودة في ذلك المنتوج لا توجد حقيقة فيه، كاستعمال كلمة طرية (FRAIS) على منتجات هي في الحقيقة مجمدة أو مبتسرة (PASTEURISE)، أو الادعاء بأن المنتجات التي تحملها العلامة صالحة للاستخدام لمدة معينة، أو أنها تزن كمية معينة، والحالة أنها كلها ادعاءات وافتراءات لا تمت للحقيقة بصلة، وإنما التاجر السيبراني يحاول من خلال ذلك أن يجذب المستهلكين إلى سلعته، فالمستهلك الالكتروني عندما يجد إعلانا إلكترونيا حول سلعة معينة متوفرة فيها جميع المواصفات التي يريدها يسعى للتعاقد مع بائعها، فيكتشف بعد ذلك بأن تلك الصفات لا وجود لها.
فبإمعان النظر في هذه الأعمال نجد أنها ليست موجهة ضد تاجر بعينه، وإنما تمس حقوق المستهلكين، ولكن المشرع المغربي مع ذلك اعتبارها منافسة غير مشروعة، لأنها تحدث البلبلة والاضطراب والفوضى في السوق عبر الانترنت، وتضع مرتكبها في موقع متميز بشكل غير عادي بالنسبة لباقي المتنافسين ، لأن وضع معلومات لا تمت للحقيقة بصلة على منتجات لا تتوفر فيها تجعل مستخدمي الانترنت يلجون إلى موقعه من أجل الشراء اعتقاد منهم أن تلك المنتجات تتوفر فيه الخصائص المبينة في الإشهار، وخاصة إذا كانت تباع بثمن أقل من الثمن الأصلي، مما يفوت على التجار المنافسين العاملين في نفس القطاع بيع منتجاتهم الأصلية والحاملة لمعلومات صحيحة، فهذه الأعمال لا يقتصر آثرها على منافس معين، بل يكون من شأنها إحداث الاضطراب في سوق سلعة أو سلع معينة، من هنا أعطى المشرع المغربي للتجار المنافسين المتضررين من هذا الفعل إقامة دعوى المنافسة غير المشروعة.
وقد منع المشرع المغربي الإشهار الذي من شأنه أن يوقع المستهلك في الغلط حول طبيعة المنتج أو الخدمة وذلك في المادة 21 من القانون 31.08 المتعلق بحماية المستهلك حيث نص على أنه ” يمنع كل إشهار من شأنه أن يوقع في الغلط بأي وجه من الوجوه، إذا كان ذلك يتعلق بواحد أو أكثر من العناصر التالية: حقيقة وجود السلع أو المنتوجات أو الخدمات محل الإشهار و طبيعتها و تركيبتها ومميزتها الأساسية و محتواها من العناصر المفيدة ونوعها ومنشأها وكميتها وطريقة وتاريخ صنعها وخصائصها وسعرها أو تعريفتها وشروط بيعها وكذا شروط أو نتائج استخدامها وأسباب البيع أو تقديم الخدمات ونطاق التزامات المعلن وهوية الصناع والباعة والمنعشين ومقدمي الخدمات أو صفتهم أو مؤهلاتهم”.
هذا المنع نص عليه المشرع المغربي أيضا في المادة 2 (البند رقم 3 فقرة “ج”) من القانون 77.03 المتعلق بالاتصال السمعي البصري، حيث نص على أنه ” يمنع الإشهار الذي يتضمن مزاعم و بيانات أو تقديمات مغلوطة أو من شأنها أن توقع المستهلكين في الخطأ”.
الملاحظ أن صياغة المادة 21 من القانون 08.31، والمادة 2 من القانون 77.03، جاءت عامة، بحيث يمكن أن يتخذ الإشهار الذي يتضمن ادعاءات أو بيانات كاذبة صورا وأشكالا مختلفة. وبالتالي فإن الإعلان أو الإشهار الالكتروني الذي يخلق تصورا ومزاعم خاطئة عن المنتوج أو الخدمة، ويؤذي إلى وقوع المستهلك في الغلط حول طبيعة ذلك المنتوج أو الخدمة، يشكل إشهارا كاذبا بمفهوم المادتين 21 و2.
خاتمة:
حاولنا من خلال هذا البحث، تسليط الضوء على أهم الاستعمالات غير المشروعة للعلامة التجارية والتي تشكل منافسة غير مشروعة في المجال الالكتروني، من خلال تحليل النصوص القانونية العامة ولاسيما المادة 184 من قانون الملكية الصناعية ومدى ملائمتها مع الفضاء الالكتروني، وذلك إجابة على إشكالية البحث.
من ثم، فقد تبين أن هذه المادة يمكن العمل بها حتى عند منافسة مالك العلامة منافسة غير مشروعة في الفضاء الرقمي، لأن صياغتها جاءت عامة، فكما يمكن تطبيقها في الفضاء المادي عند منافسة علامة الغير منافسة غير مشروعة بوسائل تلائم هذا الفضاء، يمكن تطبيقها كذلك في الفضاء الرقمي عند منافسة مالك العلامة بوسائل تتلاءم وهذا الفضاء .
لائحة المراجع:
الكتب
بسام مصطفى عبد الرحمان طبيشات، الحماية القانونية للعلامات التجارية في ظل القانون الأردني والقانون المصري والاتفاقيات الدولية، جدار للكتاب العالمي للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1431ه- 2010م.
طارق فهمي غنام، العلامة التجارية ودورها في حماية المنتج و المستهلك، مركز الدراسات العربية للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1441ه – 2020م.
عبد الرحمان السيد قرمان، الاتجاهات الحديثة في حماية العلامة المشهورة دراسة مقارنة بين القانونين المصري والفرنسي في ضوء اتفاقية التربس وقواعد منظمة الويبو، دار النهضة العربية، دون ذكر رقم الطيعة، 2002.
فؤاد معلال، شرح القانون التجاري – نظرية التاجر والنشاط التجاري -، دار الآفاق المغربية، الطبعة السادسة 2022.
يونس بنونة، العلامة التجارية بين التشريع والاجتهاد القضائي- وفقا الأخر التعديلات بمقتضى ظهير 14/2/2006، المطبعة غير مذكورة، 2006.
المقالات
أحمد سامي مرهون المعموري، الحماية المدنية المترتبة عن الإعلان التجاري المقارن دراسة مقارنة، مجلة كلية الحقوق المجلد 14، العدد 1B، 2012.
التيس ايمان، حماية المستهلك من الاشهارات الخادعة على ضوء القانون رقم 08.31، مجلة القضاء المدني، العدد 4 2013، ص 109.
أحمد السيد لبيب، الإعلانات التجارية المقارنة، مجلة البحوث القانونية و الاقتصادية، العدد 54، أكتوبر.
حسن السوسي، الجوانب القانونية لظاهرة المؤثرين عبر الشبكات الرقمية- أية حماية للمتأثرين؟، مقال منشور بالموقع الالكتروني www.revuealmanara.com.
سامية بولعسل، هدى ملواح، العلامة التجارية كأداة لحماية المستهلك الالكتروني – شركة SAMSUNG نموذجا-، الملتقى الوطني الثالث حول المستهلك والاقتصاد الرقمي: ضرورة الانتقال وتحديات الحماية، منظم بالمركز الجامعي عبد الحفيظ بوالصوف ميلة، 23 و 24 أبريل 2018.
عيسى نهى خالد، العلامة التجارية المشهورة دراسة مقارنة، مجلة جامعة بابل، العلوم الانسانية، المجلد 21، العدد ، 2013.
فؤاد معلال، التمييز بين التزييف والمنافسة غير المشروعة في مجال الملكية الصناعية من خلال التعليق على قراري محكمة الاستئناف التجارية بفاس عدد 1022 الصادر بتاريخ 21/06/2007 وعدد 427 الصادر بتاريخ 08/03/2007، المجلة المغربية للقانون الاقتصادي، العدد الثالث 2010.
مصطفى موسى العطيات، أوجه الحماية القانونية لأسماء نطاقات الانترنت الأردنية، مجلة البلقاء للبحوث والدراسات، المجلد 23،عدد 1، 2020.
أطروحات ورسائل
بوترفاس حفيظة، حماية العلامة التجارية في المجال الالكتروني، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة أبو بكر بلقايد، كلية الحقوق والعلوم السياسية تلمسان الجزائر،2017/2016م.
أنس طارق ضامن المومني، الحماية المدنية لأسماء النطاقات، رسالة لنيل شهادة الماستر في القانون الخاص، جامعة الشرق الأوسط كلية الحقوق، 2022.
فتيحة حزام، دعوى المنافسة غير المشروعة كآلية لحماية العلامات التجارية على شبكة الأنترنيت، مجلة التواصل، المجلد 27، عدد خاص 2021.
محمد سالم اشمير، تأثير العنوان الالكتروني على علامة الخدمة، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة الحسن الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سطات، السنة الجامعية 2009-2010.
محمد موسى أحمد هلسة، منازعات العلامات التجارية وأسماء النطاق في النظام القانوني الفلسطيني (دراسة مقارنة)، رسالة ماجستير في القانون، كلية الدراسات العليا في جامعة بيرزبت –فلسطين-، 2010.
وسام عامر شاكر سوداح، التنظيم القانوني لأسماء النطاق ، رسالة لنيل شهادة الماستر في القانون الخاص، كلية الدراسات العليا في جامعة النجاح الوطنية في نابلس-فلسطين-، 2016.
مراجع باللغة الفرنسية
Adrien Cohen-Boulakia, L’usage D’un Signe Distinctif Concurrent Comme Mot clé Sur Google, Article publié sur le site web village de la justice à 13 mai 2019.
Mireille buydens, L’application des droits de propriété intellectuelle, organisation mondiale de la propriété intellectuelle, 2014.
Romaine Darrier Et Henri de charon, Concurrence Déloyale, Youtubeurs et influenceurs : Que dit le droit ?, article publié sur le site Web Village De La Justice à 18 Février 2020, vu le 15/10/2023.






