التحكيم الدولي والتنمية الاقتصادية في المغرب الدكتورة : سارة بوعزة
التحكيم الدولي والتنمية الاقتصادية في المغرب
الدكتورة : سارة بوعزة
دكتورة في القانون الدولي و العلوم السياسية من جامعة الحسن الثاني/كلية الحقوق، المحمدية
مختبر الدراسات السياسية والحكامة الترابية
هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 59 الخاص بشهر غشت / شتنبر 2025
رابط تسجيل الاصدار في DOI
https://doi.org/10.63585/KWIZ8576
للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

التحكيم الدولي والتنمية الاقتصادية في المغرب
الدكتورة : سارة بوعزة
دكتورة في القانون الدولي و العلوم السياسية من جامعة الحسن الثاني/كلية الحقوق، المحمدية
مختبر الدراسات السياسية والحكامة الترابية
ملخص
يناقش هذا المقال دور التحكيم الدولي في تعزيز التنمية الاقتصادية بالمغرب، مع التركيز على تطور النظام القانوني المغربي في هذا المجال. يبدأ المقال بتسليط الضوء على عالمية التحكيم كآلية لحل النزاعات التجارية الدولية، ثم يتعمق في تحليل الإطار القانوني المغربي الجديد (القانون 95-17) وأثره على جذب الاستثمارات.
يستعرض المقال تاريخ التحكيم الدولي ودور منظمات مثل الأونسيترال (UNCITRAL) لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي في توحيد معاييره، كما يدرس التحديات التي تواجه تطبيقه في المغرب، بما في ذلك نقص الوعي القانوني والممارسات الاحتيالية. ويختتم بتحليل لدور المحكمة المغربية للتحكيم والآفاق المستقبلية للتحكيم الاستثماري في ضوء الميثاق الجديد للاستثمار.
International Arbitration and Economic Development in Morocco
DR : Sara BOUAZZA
Dr. in international law and political science
Laboratory for Political Studies and Territorial Governance – EPGOT-Labo
Abstract
This article discusses the role of international arbitration in promoting economic development in Morocco, focusing on the evolution of the Moroccan legal system in this field. The article begins by highlighting the universality of arbitration as a mechanism for resolving international commercial disputes, and then goes on to analyze the new Moroccan legal framework (Law 95-17) and its impact on attracting investments.
The article reviews the history of international arbitration and the role of organizations such as UNCITRAL and the United Nations Commission on International Trade Law (UNCITRAL) in standardizing it, and examines the challenges facing its application in Morocco, including lack of legal awareness and fraudulent practices. It concludes by analyzing the role of the Moroccan Court of Arbitration and the future prospects of investment arbitration in light of the new investment charter.
مقدمة
في عالم متقلب محكوم بالتغيير المتواصل، ألغيت فيه الحدود وأصبح عالمياً موحدا، صرنا معه وفيه نستخدم نفس التقنيات، ونتنقل في نفس المركبات، ونرتدي نفس الملابس، ونشاهد نفس الأفلام، وصرنا في كل مكان وفي نفس الزمان نتلقى نفس المعلومات. لكن السؤال الذي يتبادر إلى أذهاننا في خضم ذلك هو: هل لدينا نفس القاضي في هذا العالم الذي صار موحدا؟ إن مهمة التحكيم نفسها هي تقديم قاضٍ فريد، متحلل من التبعات الوطنية، يمارس مهمته التحكيمية بغض النظر عن المكان الذي يحكم فيه.
إن اختيار موضوع هذا المقال «التحكيم الدولي والتنمية الاقتصادية في المغرب» يعود إلى حقيقة أن هذه الهيئة القضائية أصبحت في حد ذاتها خيارًا يلعب دورًا مهمًا في تسوية النزاعات في الأعمال التجارية والاستثمار الدولية، وبالأخص في المغرب. تبدأ هذه الدراسة من الفرضية التالية: ماذا يمكن أن تقدمه ولاية قضائية مثل التحكيم للمغرب، موازاة مع استثمار يعزز القطاعات الحيوية المختلفة في استراتيجية للنمو والتعاون في إفريقيا؟
إن هدف الوصول إلى حصة 65% من الاستثمارات الخاصة بحلول عام 2035 يتطلب، من بين أمور أخرى، تشريعًا بشأن التحكيم من شأنه طمأنة المستثمرين الأجانب. وارتباطا بذلك، دعا الملك محمد السادس، في خطابه أمام البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية الحادية عشرة، إلى «تعزيز قواعد المنافسة النزيهة، وتفعيل آليات الوساطة والتحكيم لحل النزاعات» من أجل «تعزيز ثقة أولئك الذين يرغبون في القيام باستثمارات منتجة في بلدنا[1]». وقد تميز التحكيم، الذي يعتبره الكثيرون بحق جزءًا من التراث غير المادي للمملكة، بدخول القانون الجديد 95-17 حيز التنفيذ منذ عام 2022، الذي يفصل لأول مرة بين الأحكام المتعلقة بهذه الوسيلة البديلة لحل النزاعات وقانون الإجراءات المدنية.
يعد التحكيم صورةً فريدة من صور العدالة، تعود جذورها إلى عصورٍ قديمة. ويمكن تعريفه بأنه آلية تقرر بموجبها أطراف العقد أو النزاع سحب النزاع من اختصاص المحاكم الرسمية، وتكليف هيئة تحكيمية يختارونها بأنفسهم، تعرف بـ «المحكمين”. ويكون اللجوء إلى التحكيم بناء على اتفاقٍ بين الأطراف، يعدّ تعبيرا عن إرادتهم الحرة. حيث يبرم الأطراف “اتفاق التحكيم” الذي يلتزمون به، ويأخذ أحد الشكلين: إما “شرط تحكيم” يُدرج في العقد الأصلي، أو “اتفاق تحكيم مستقل” يُبرم بعد نشوء النزاع.
ويجوز اللجوء إلى التحكيم في جميع العقود التي تتمتع فيها الأطراف بحرية التصرف في حقوقها، مما يشمل تقريبًا جميع أنواع العقود. فإذا كانت العقود التجارية هي المجال الأكثر شيوعا للتحكيم، فإنه يمتد أيضا إلى العقود المدنية، بما في ذلك تسوية النزاعات المالية الناجمة عن الطلاق أو الميراث، بل وحتى عقود العمل وعقود الاستهلاك، مع ملاحظة أن الطرف الضعيف في هذين العقدين (العامل أو المستهلك) يحق له التنازل عن التحكيم بعد وقوع النزاع.
وتجري إجراءات التحكيم -على غرار القضاء التقليدي -عبر مرحلتين رئيسيتين: تبادل المذكرات الكتابية، ثم جلسات المرافعة، ليصدر في النهاية “حكم تحكيمي” يعتبر قرارًا قضائيا كاملا، لا يقبل الطعن عادة، ويكون قابلا للتنفيذ في جميع الدول الأطراف في “اتفاقية نيويورك” المؤرخة في 10 يونيو 1958، والتي يبلغ عددها 156 دولة.
لم تعد فعالية التحكيم بحاجة إلى إثبات، سواء في الدعاوي القضائية الداخلية أو الدولية. فبالنسبة للنزاعات الداخلية، فالتحكيم هو وسيلة شائعة لحل المنازعات، وبالنسبة للنزاعات الدولية، فإن الأمر أكثر منهجية، لدرجة أن التحكيم قد أصبح العدالة الحصرية، بعد أن كان يُعتبر العدالة الطبيعية للتجارة الدولية.
أحيانًا لا تُبرم هذه العقود من قبل مشغلين خاصين، بل من قبل الدول نفسها. فإذا فسد العقد، يتم اللجوء إلى تحكيم خاص يُسمى “الاستثماري” الذي يشهد مواجهة بين دولة ومستثمر أجنبي. إن القواعد مختلفة قليلاً حيث أنها تعتمد في الأساس على اتفاقية واشنطن بتاريخ 18 مارس 1965 المعروفة اليوم باسم “CIRDI»، والتي تشير إليها آلاف المعاهدات الثنائية للاستثمار في جميع أنحاء العالم.
في إفريقيا، من المتوقع أن يصبح التحكيم الدولي الطريقة العادية لحل نزاعات التجارة الدولية، نظرًا لأن الاقتصادات الإفريقية، على غرار الاقتصاد المغربي، تقوم بتحويل لصالح تكثيف الاستثمارات الخاصة. وهذا ما أكدته المديرة لشؤون إفريقيا في محكمة التحكيم الدولية التابعة لغرفة التجارة الدولية، ديامانا دياوارا، مشيرة إلى أن 22% من النزاعات التي تديرها المحكمة الدولية اليوم في القارة الإفريقية هي “نزاعات محلية”. القارة الأفريقية ممثلة حاليًا بشكل أقل من مناطق أخرى من العالم في إجراءات غرفة التجارة الدولية، ولكن الاتجاه في تزايد حيث شهدت الفترة بين 2020 و2021 زيادة بنسبة 13% في الإجراءات القادمة من القارة الأفريقية[2]، وهو ما تأكد في عام 2022، على الرغم من عدم وجود الأرقام النهائية بعد من ناحية أخرى، تلاحظ المديرة لشؤون إفريقيا في محكمة التحكيم الدولية أن عدد الممارسين الأفارقة للتحكيم المشاركين في إجراءات محكمة التحكيم الدولية لا يزال ضعيفًا جدًا، إذ لا يمثل اليوم سوى 4% من المحكمين القادمين من القارة الأفريقية، بينما في عام 2020، كانوا يمثلون أقل من 1% من المحكمين في المحكمة. وعلى نحو مماثل فإن نشاط التحكيم الدولي، وبغض النظر عن الاقتصاد الأساسي الذي يسمح بتشغيله، يشكل في حد ذاته اقتصادًا كبيرًا للنشاط القانوني، ومن هنا تأتي أهمية تعزيز الكفاءة في هذا القطاع.
ويعتبر إنشاء المحكمة المغربية للتحكيم هو المثال الأول على رد فعل العالم القانوني تجاه هذه المشاكل المتعلقة بتطوير التحكيم في المغرب والمساهمة بشكل عملي في تطوير الممارسات الجيدة للتحكيم.
نعتزم تحديد أهداف هذا البحث، من خلال اقتراح أفكار مبتكرة، ودراسة السيناريوهات الممكنة بشأن الفرضية الأولية. ومن هنا نلجأ إلى البحث الوثائقي كأداة تحليلية تسمح بمعالجة البيانات المتاحة حول الموضوع . على مدى العقود القليلة الماضية، التزم المغرب بتعزيز جاذبيته كولاية قضائية ملائمة للتحكيم. وقد تم إدخال إصلاحات كبيرة في نظام التحكيم الخاص بها من خلال القانون رقم 95-17 بشأن التحكيم والوساطة الاتفاقية (“القانون رقم 95-17” أو “القانون الجديد”). وظهرت مفاهيم جديدة مثل سلطة القاضي في إلغاء فرض غرامات على الأطراف بسبب طلبات الإلغاء التعسفية واللجوء إلى آليات حل النزاعات عبر الإنترنت، وتم إدخالها لتعزيز مصداقية المغرب كفضاء للتحكيم الدولي بشكل أكثر تحديدًا.
تدور محاور هذا المقال حول سؤال مركزي: إلى أي مدى يمكن إعتبار أن التحكيم الدولي يعمل على تحسين مناخ الأعمال، من خلال ضمان ولاية قضائية مواتية وطموحة للاستثمار لتعزيز نهج إدماج النسيج الاقتصادي المغربي في الاقتصاد العالمي؟
تدعونا هذه الإشكالية إلى طرح عدة تساؤلات:
من هم الفاعلون في هذا الشأن، وماهي آليات التحكيم المتبعة في المغرب، وما هي الأولويات والوسائل التي يستخدمونها؟ كيف تعمل هذه الولاية القضائية فعليًا وما هي حدودها وقيودها وتحدياتها؟
ما ماذا يمكن أن يضيف التحكيم الدولي وما مدى مساهمته في التنمية الاقتصادية في المغرب؟
I – – التنمية الاقتصادية المعززة من خلال التحكيم
من المؤكد أن تعدد الأدوات الدولية الخاصة بالتحكيم قد ساهم في تحقيق استقرار قانوني، وتفاهم متبادل بين الأطراف، ومعرفة بالآليات، وتوحيد الإجراءات، مما يشكل عوامل متعددة للتنمية الاقتصادية.
١-نشأة التحكيم الدولي
أ-الدور الرئيسي للجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي
تمثل حالة لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (UNCITRAL) بشكل خاص ما قدمه التحكيم للتنمية الاقتصادية العالمية. بالتأكيد، إن هذه اللجنة ليست سوى الشكل الحديث لأقدم منظمة تأسست في عام 1926 تحت إشراف عصبة الأمم (SDN) ، وهي الأونيدرويت، والتي تتعايش اليوم مع الأونسيترال.
إن تلك المهمة الموكلة إلى التحكيم هي بالضبط ما أخذته على عاتقها لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (UNCITRAL)، تحت إشراف الأمم المتحدة هذه المرة، وبطريقة أكثر فعالية حتى اليوم، ليس فقط لأنه لم تندلع حرب عالمية ثالثة، بل لأن التحكيم بفضل عمل UNCITRAL قد تم تبسيطه وتعميمه وتأمينه.
في هذا الصدد، يجب علينا أن نذكر أن لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي لعبت دورًا حاسمًا في مجال التحكيم الدولي، ولنتذكر أن الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أوضحت صراحة في قرارها الذي أنشأ UNCITRAL في عام 1966 أن هذه اللجنة يجب أن تأخذ “في الاعتبار مصالح جميع الشعوب، وخاصة تلك الخاصة بالدول النامية”، وأن هذا الجهاز أوجد لتطوير التجارة الدولية. ومن ثم يمكننا القول إن الأونسيترال جعلت من التنمية الاقتصادية مهمتها ومن التحكيم وسيلتها لتحقيق ذلك. [3]
ب-: انطلاق عملي للتحكيم الدولي UNCITRAL
إذا كانت الأعمال الأولى تركزت على مسائل مادية، لا سيما البيع الدولي أو النقل البحري، فإن التحكيم هو الذي ستتألق فيه لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي، سواء من خلال قواعد التحكيم الخاصة بها، التي تُستخدم اليوم في كل مكان، أو من خلال قانونها النموذجي الذي ألهم العديد من القوانين الوطنية، ناهيك عن اتفاقية نيويورك التي كانت هي صانعتها.
ومن الواضح أن هذا التطور في التحكيم لعب دورًا مهمًا في التنمية الاقتصادية العالمية، حيث إن اللجوء إلى التحكيم ضروري لإنهاء العمليات الاقتصادية الكبيرة، إذ لا يرغب أي من المشغلين في مواجهة عدالة الآخر ليس لأنه يشك في تحيزها المسبق، ولكن لأنه يعتبر أنه من غير العادل تبني أساليب وردود أفعال وثقافة المتعاقد الأجنبي المفترض، ولأنه من الأفضل دائمًا اللعب على أرض محايدة. ومن هنا فإن اللجوء إلى التحكيم هو شرط أساسي للاستثمار، وبالتالي للتنمية الاقتصادية[4].
بالتأكيد، هناك العديد من العوامل الأخرى التي يمكن أن تفسر مثل هذا التطور في الاقتصاد العالمي، منها العوامل السياسية. لكن لا يمكننا إلا أن نلاحظ تزامناً ـ وهو ليس صدفة ـ بين ظهور قانون تحكيم محدث وبين النمو الاقتصادي.
تظهر الأمور غالبًا في نفس الوقت، وفي ارتباط بمجموعة من العوامل التي تساهم في النمو الاقتصادي، هناك دائمًا قانون تحكيم عملي يساهم بالتأكيد في التنمية الاقتصادية، ولكي يكون فعالا، يجب تنظيمه بقانون يكون هدفه الرئيسي هو الفعالية.[5]
السؤال المطروح هو ما إذا كان هذا القانون يمكن أن يكون فضفاضًا لدرجة أنه يصبح في الواقع بلا قوة قانونية، أي شكلاً من أشكال الليبرالية المطلقة أو التساهل المطلق. ثم تنتقل التساؤلات إلى ما إذا كان التحكيم يرافق السوق الاقتصادية ويعززها فقط، أم أنه قادر على تعديلها وتخفيفها وتنظيمها.
٢-ما يعد به التحكيم للتنمية الاقتصادية
التحكيم هو العدالة الطبيعية في الشؤون الدولية. لكن هذه الأمور تتطور في عالم معولم يعتمد على منهج وأيديولوجية. وتتمثل الطريقة في إلغاء الحدود، من خلال تجميع الدول في كيانات متكاملة أو من خلال اتفاقيات بشأن حركة الأشخاص أو البضائع. إن التحكيم الدولي يتوافق تمامًا مع هذه الطريقة بل ويشكل نوعًا من النموذج المثالي، حيث أننا نعلم أن المحكم الدولي ليس مرتبطًا بأي إقليم، ويتجاوز الحدود.
أ-التجارة الدولية المنظمة بواسطة التحكيم
العولمة ليست مجرد عولمة الاقتصاد، بل هي أيضًا وفي نفس الوقت إلغاء القيود التي تفرضها الدولة، وإزالة العوائق التي تعترض النشاط الاقتصادي. فالليبرالية كإيديولوجية تؤدي إلى إلغاء القيود، وفرض قانون الأقوى، وطغيان الأسواق. والليبرالية تهاجم سلطة الدولة، وتقوض أسسها، وتضعف القانون لصالح الاقتصاد.
يقع التحكيم الدولي بذلك في موقف متناقض لأنه يمثل الجانب القانوني لهذه الإيديولوجية الاقتصادية. يفترض التحكيم الدولي أيضًا تجاوز الحدود وظهور حلول خارج الدولة. إنه العدالة الخاصة في الشؤون الدولية، وبالتالي فهو لا يهتم بالدولة ولا بالحدود.
لكن هل يجب أن يكون التحكيم أداة لليبرالية في أكثر أشكالها تطرفًا؟ هل يجب أن يكون المحكم لأنه قاض بلا حدود، أن يكون بلا قيم، وبلا مرجعيات؟ هل قاضي التجارة الدولية هو في المقام الأول قاضٍ، أم هو في المقام الأول قاضٍ في خدمة الأطراف؟ بعبارة أخرى، هل الليبرالية القانونية ممكنة فقط في ظل الليبرالية الاقتصادية؟
بالنسبة لنا، الجواب هو لا، لأن الليبرالية القانونية ليست مرتبطة بأي شكل من الأشكال حتمًا بالليبرالية الاقتصادية. إنهما لا يستندان إلى نفس المنطق، ولا يسعيان إلى نفس الأهداف. ربما يكونان متعارضين. تدافع الليبرالية الاقتصادية عن قانون الأقوى، بينما تروج الليبرالية القانونية قبل كل شيء لتنوع النماذج.[6] السوق من جهة، والعالمية العقلانية من جهة أخرى. آدم سميث من جهة، ومونتسكيو من جهة أخرى. كارل شميت من جهة، وفيليب فوشار من جهة أخرى. تفهم الليبرالية القانونية على أنها تطلع للتحرر من التبعية للدول والحكومات، ولكن مع الالتزام باحترام القيم الأساسية.
ب-المحكم الدولي كوسيلة للتوجه العابر للحدود
كتب البروفيسور الراحل فيليب فوشار قائلا: «الحكام الدوليون ليسوا منفذين لهذه الليبرالية المطلقة التي تسعى العولمة إلى فرضها»[7]. يجب أن يكون هؤلاء المحكمون على العكس من ذلك مهتمين بالمصالح العامة للمجتمع، وأن يكونوا أدوات لأخلاقيات الأعمال العالمية، وأن يعملوا كحراس للممارسات الجيدة. فهم في الواقع لا يفتقرون إلى الأدوات القانونية للقيام بذلك، مقارنة بالعديد من الفاعلين الآخرين في التجارة الدولية. فبالإضافة إلى الطابع الإلزامي لأحكامهم التحكيمية، يمكنهم تفعيل النظام العام العابر للحدود (أو الدولي الحقيقي)، أو القوانين الإلزامية، أو الطابع القابل لتنفيذ الأحكام لتجنب إضفاء الطابع الرسمي على الممارسات المشتبه فيها.[8]
هذا هو أحد أهداف قانون التجارة، وهو مجموعة من المبادئ والقواعد والأعراف التجارية الدولية المنفصلة عن أي قانون وطني. ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ أن مروجي قانون التجارة Lex Mercatoria ، برثولد غولدمان، فيليب كاهن، فيليب فوشار، واليوم إريك لوكين، لا ينتمون إلى التيار الفكري الليبرالي (بالمعنى الاقتصادي)، بل يدافعون بدلاً من ذلك عن نوع من التدخل الحكومي في الاقتصاد. وهذا هو كل الغموض في المسألة لأنها تتعلق بتدخل يؤثر على جوهر القرار، وليس على الطريقة التي يتم بها اتخاذه، والذي يجب أن يكون حرا ليكون عادلا وفقًا لإرادة الأطراف التي تختار التحكيم الدولي.
هذا التدخل من المحكم قد يأخذ شكلين: الأول إيجابي، إذ يجب عليه احترام وتطبيق قانون المنافسة أو قانون مكافحة الاحتكار؛ والثاني سلبي، حيث يجب عليه التأكد من أن ممارسات غسل الأموال، واستغلال النفوذ، والفساد، وما إلى ذلك، تكون بلا تأثير. يوجد واجب اليقظة لدى المحكم والتساؤل حول ما يُطلب منه البت فيه. فهو مدين بواجب اليقظة. فكلما كان أكثر يقظة، زادت مساهمته في التنمية الاقتصادية المتناغمة. يجب أن يكون الحكم هو المسؤول المفوض والفاعل المنظم للتجارة الدولية. وهذا هو ما يمكنه التأثير على التنمية الاقتصادية. لأن المحكم يمكنه أيضًا أن يكون مترجمًا للقيم العليا التي يلزم أخذها في الاعتبار. هذا ما كان فيليب فوشار يسميه «الأخلاق العالمية للتحكيم» الوحيدة القادرة على مكافحة «العولمة بلا إيمان ولا قانون». فهل ينبغي لنا أن نختزل التنمية الاقتصادية في مجرد مراقبة مؤشر، وتعليق على منحنى، وفحص معدل؟ إن اعتبار تقدم التبادلات الاقتصادية بالضرورة نعمة لا يعدو أن يكون سوى فرضية.[9]
– II – دور التحكيم الدولي في التنمية الاقتصادية في المغرب
عند اتخاذ قرار اللجوء إلى التحكيم، تختار الأطراف إجراءً خاصًا لتسوية النزاعات بدلاً من إجراء قضائي. يقدم التحكيم مزايا للمستثمرين، مقارنة مع الإجراءات المرفوعة أمام محاكم الدولة.[10]
١-نشأة التحكيم في المغرب وآليات تطبيقه
شهد المغرب، على مر التاريخ، العديد من الأشكال البديلة لحل النزاعات: التوافق لحل النزاعات من قبل زعماء القبائل.
أ-تطور مفهوم التحكيم في المغرب
على الرغم من أن اللجوء إلى المحاكم هو الأكثر شيوعًا اليوم، فإن الأشكال التقليدية والعرفية لحل النزاعات التي سبقت النظام القضائي لا تزال تلعب دورًا في تسوية النزاعات: ممارسة التحكيم في النزاعات المدنية من قبل المحكمين، «أمغار»، الذين يتم تعيينهم من قبل مختلف الأطراف، اعتماد الصلح في حل النزاعات المدنية والعائلية من قبل القادة الدينيين، «الأئمة»، الوساطة في النزاعات التجارية من قبل التجار الأكفاء، «الأمين»، إلخ،
وقد دمج النظام القضائي المغربي العديد منها في التشريع الحالي. مثل الوساطة في حالات الطلاق من قبل قضاة متخصصين في قانون الأسرة، والتحكيم في بعض أنواع النزاعات المتعلقة بالضرائب أو تعيين مفوض-وسيط في حالة التسوية القضائية أو الإجراء الودي.
هذه الألفة مع أشكال الوساطة والتحكيم ودمجها في النظام القضائي تظهر أن البيئة الوطنية هي، في النهاية، مواتية ومنفتحة على الأساليب البديلة لحل النزاعات، مع الإشارة إلى أن هذه البيئة تحتاج أيضًا إلى دعم كبير من حيث التدريب والتثقيف والتوعية والتفسير والتواصل.
في هذا السياق، يجب أن يتطور هذا النظام القضائي في المغرب بالانطلاق من تقاليدنا وعاداتنا، والسؤال هو كيف يمكن تطويره ومنحه صبغة حداثية لكي ينتشر بشكل أكثر انسجامًا في المشهد الاقتصادي لبلدنا، تحديدًا من أجل تعزيز مناخ الثقة القانونية، وهو أمر ضروري لجذب الاستثمارات الإنتاجية، كما نرى على سبيل المثال مع إنشاء التحكيم عبر الإنترنت الذي يتطور حاليًا.
ب-خصائص التحكيم الدولي
التحكيم هو إجراء «توافقي» لا يمكن أن يحدث إلا إذا وافقت الطرفان عليه، وهو تحكيم «محايد»، حيث يمكن للأطراف اختيار وسطاء من جنسية مناسبة وكذلك محكمين متخصصين في القانون أو حتى في مهن محددة تتعلق بقضيتهم. إن التحكيم، هو أيضًا قبل كل شيء، إجراء «سري» حيث إن جلساته ليست علنية. والأكثر من ذلك، أنه يتجاوز ذلك التنازع في الاختصاص بين المحاكم، خاصة في المسائل الدولية، حيث يضمن أمانًا فيما يتعلق بالنزاعات القانونية ويفتح الطريق للتنفيذ القسري «exequatur» الذي يسهل تنفيذ الأحكام التحكيمية في الخارج، وذلك بفضل الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها عدة دول، بما في ذلك المغرب. ومع ذلك، يتبين أن التحكيم هو أسرع وأقل تكلفة من الإجراءات الأخرى.
كما أن هناك العديد من المزايا الأخرى للتحكيم مثل البنود التحكيمية التي أصبحت أكثر شيوعًا في العقود التجارية، وخاصة الدولية، بفضل المرونة والسرعة التي توفرها للمستثمرين.
٢-ممارسة التحكيم في المغرب
في المغرب، وبالاستفادة من تجربة محكمة التحكيم الدولية التابعة لغرفة التجارة الدولية، أنشأت غرفة التجارة الدولية في المغرب هيئة تحكيم مستقلة تسمى” محكمة التحكيم المغربية“، والتي يتم تعيين أعضائها من قبل لجنة مخصصة مكونة من رئيس غرفة التجارة الدولية في المغرب (غرفة التجارة الدولية في المغرب)، ورئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب ورئيس الغرفة الفرنسية للتجارة والصناعة في المغرب. وتعتزم غرفة التجارة الدولية بالمغرب، من خلال هذه المؤسسة، تعزيز تسوية المنازعات بين الشركات المغربية و/أو المؤسسات الدائمة للشركات الأجنبية عن طريق هيئة قضائية خاصة، وفي الوقت نفسه تعزيز عمل محكمة التحكيم الدولية التابعة لغرفة التجارة الدولية لتسوية المنازعات الدولية.
يتميز التحكيم في المغرب، باعتباره وسيلة خارج نطاق القضاء لحل النزاعات، بوظيفته البديلة التي تهدف إلى تخفيف العبء عن المحاكم، التي تواجه زيادة في الطلب القضائي، وهو ما يجعله يكافح لتقديم حلول سريعة وفعالة.
أ-المحكمة المغربية للتحكيم
يعتبر الحكم الصادر عن المحكمة المغربية للتحكيم نهائيا ويكتسب حجية الأمر المحكوم به فور صدوره. وتلتزم الأطراف، من خلال إخضاع نزاعاتهم لقواعد المحكمة المغربية للتحكيم(CMA) ، بتنفيذ الحكم دون تأخير ويُعتبرون قد تنازلوا عن جميع طرق الطعن.
عند اللجوء إلى التحكيم في المحكمة المغربية للتحكيم CMA) )، يكون لدى الأطراف خيار اختيار مقر التحكيم، ولغة التحكيم، والقانون الواجب التطبيق على الموضوع وقواعد الإجراءات. يجوز لهن إعفاء المحكمين من تطبيق القواعد القانونية، وذلك بتمكينهم من الفصل في النزاع وفقاً لمبادئ العدالة والإنصاف بوصفهم محلفين. ويجوز للأطراف أن تضمن بنفسها الدفاع عن مصالحها أو اللجوء إلى المساعدة من مستشارين لهذا الغرض. [11]
إن التحكيم هو أسرع وأقل تكلفة من الإجراءات القانونية. إذ تُستبعد من الإجراءات التحكيمية والطعون في الضمان، والتدخلات، وأي حادثة أو طعن آخر من شأنه أن يطيل مدتها وبالتالي يزيد من تكلفتها. وتُحدد رسوم التحكيم وفقًا للجدول االملحق بلائحة غرفة التجارة الدولية.
وقد اعتمدت اللجنة المؤقتة، بصفتها كمحكمين، على شخصيات من خلفيات متنوعة تتمتع بسمعة طيبة ومشهود لها بالكفاءة في مجال تخصصها.
ب-شروط اللجوء إلى التحكيم في غرفة التجارة الدولية
لتحقيق هذه الغاية ولتجنب أي نزاع بشأن صحة و/أو مضمون هذه الاتفاقية ، يمكن للأطراف إدراج شرط التحكيم في عقودهم للإشارة بوضوح إلى نيتهم اللجوء إلى التحكيم بموجب اتفاقية التحكيم الدولية وتوصي المحكمة المغربية للتحكيم (CMA)الأطراف باستخدام إحدى الصيغ التالية:
الصيغة الأولى: جميع النزاعات الناشئة عن هذا العقد أو المتعلقة به سيتم الفصل فيها نهائيًا وفقًا لقواعد محكمة التحكيم المغربية التابعة للغرفة التجارية الدولية المغرب من قبل محكم أو أكثر يتم تعيينهم وفقًا لهذه القواعد. إذا تبين أنه لا يمكن مباشرة إجراءات التحكيم أو تنفيذها أو إتمامها تحت إشراف محكمة التحكيم المغربية لأي سبب من الأسباب، فسيتم تطبيق أحكام المواد 306 وما يليها من قانون الإجراءات المدنية.
الصيغة الثانية: جميع النزاعات الناشئة عن هذا العقد أو المتعلقة به سيتم البث فيها نهائيًا وفقًا لقواعد محكمة التحكيم المغربية التابعة للغرفة التجارية الدولية المغرب بواسطة محكم أو أكثر يتم تعيينهم وفقًا لهذه القواعد. إذا تبين أن إجراءات التحكيم لا يمكن أن تُدار أو تُستكمل تحت إشراف المحكمة المغربية للتحكيم لأي سبب كان، فإن الأطراف تتفق على اللجوء إلى التحكيم في محكمة التحكيم الدولية التابعة لغرفة التجارة الدولية.
ومع ذلك، فإن غياب مثل هذا الشرط في العقد الأصلي لا يمنع من اللجوء إلى التحكيم لدى المحكمة المغربية للتحكيم (CMA) بموجب اتفاقية التحكيم الدولية، ويمكن اتخاذ هذا الخيار في أي وقت، في إطار اتفاق تحكيم، يتم إبرامها بعد نشوء النزاع.
ج-حدود ممارسة التحكيم في المغرب
يبدو أن تطور التحكيم في المغرب لا يتماشى مع التطور الاقتصادي. ولعل الجانب الأكثر إثارة للخوف هو الافتقار إلى الفهم العميق بآليات التحكيم في بلادنا، ليس فقط من جانب الفاعلين الاقتصاديين (الذين يقال عنهم أنهم غير ملزمين دائما بمتابعة التطورات التشريعية)، ولكن أيضا من جانب المجتمع القانوني.
أما الملاحظة الثانية، وهي الوجه الآخر من العملة نفسها، فتتعلق باللجوء التلقائي للتحكيم. فحقيقة أن شروط التحكيم أصبحت بنودا نمطية في العقود، يتم إدراجها كغيرها من البنود دون قياس نطاقها، فتؤدي إلى مواقف مثيرة في كل مكان، بحيث أنه عندما نجري مناقشات مع القضاة الوطنيين، خاصة قضاة المحاكم التجارية، يوضحون لنا أنهم يتلقون نزاعات على أساس عقود تتضمن شروط التحكيم، ويحيل أحد الطرفين الأمر إلى المحكمة التجارية ولا يحتج المدعى عليه بشرط التحكيم، في حين أنه سواء بموجب القانون السابق رقم 08. 05، أو القانون رقم 95.17، الذي دخل حيز التنفيذ مؤخرًا، يجب أن يكون الدفاع غير مقبول إذا كان العقد يحتوي على شرط التحكيم. وهذا يعني أن قرار الطرفين باللجوء إلى التحكيم لم يُنفَّذ فعليًّا عند نشوب النزاع، لأنه في أغلب الأحيان يتم إدراج شرط التحكيم دون أي معرفة بآليات التحكيم.
وتتعلق الملاحظة الثالثة بالممارسة الاحتيالية للتحكيم. فاليوم، هناك أشخاص يدعون الانتماء إلى عالم التحكيم، وهم يشوهون الممارسة العامة لهذه الطريقة في تسوية المنازعات في بلدنا. ومن الأهمية بمكان أن نوضح للفاعلين الاقتصاديين أن هذا الأمر يعد انحرافا ولا يعكس الممارسة العامة للتحكيم.
-III– دور التشريعات المغربية في تطوير التحكيم في المغرب
يمتاز التحكيم المؤسسي من جانبه بميزة توفير هذا الإطار: فقواعد التحكيم هي عبارة عن مدونة للمسطرة المدنية، وهي علنية وتوزعها مؤسسات التحكيم على الأطراف. وبالتالي، من مصلحة الأطراف أن يكونوا على دراية بقواعد مؤسسة التحكيم التي سيخضعون لها في حالة نشوب نزاع ناشئ عن تنفيذ عقدهم. وهذه القواعد هي ضمانة للأطراف، لأنها علنية ولأنها تحتوي على معلومات عن القواعد الإجرائية التي ستستخدم.
أ-بعض السمات الجديدة للقانون 95-17
أدخل القانون 95-17 الجديد أحكاماً جديدة تهدف، على سبيل المثال، إلى توسيع نطاق التحكيم الداخلي ليشمل المنازعات المدنية، والسماح بتنظيم التحكيم والوساطة التقليدية لأول مرة في نص مستقل عن قانون الإجراءات المدنية، والسماح باستخدام البريد الإلكتروني لإبرام اتفاق التحكيم، وما إلى ذلك. ومن أجل تعزيز تسوية المنازعات خارج المحاكم، وسّع القانون 95-17 نطاق التحكيم الداخلي ليشمل المنازعات المدنية. أما المستجد الآخر المذكور فيتعلق بخيار عدم إخضاع المحكم لرقابة جهة قضائية وتثبيت قائمة المحكمين بنص تنظيمي، كما هو منصوص عليه في المادة 12 من القانون الجديد، مع ترك الإمكانية للأطراف ورئيس المحكمة، حسب الحالة، لتعيين محكم أو أكثر من خارج القائمة (المادة 13) .
ينظم القانون الجديد إجراءات التحكيم التي صارت سارية المفعول ابتداءً من تاريخ نفاذه، بينما تظل إجراءات التحكيم التي بدأت قبل هذا التاريخ خاضعة لأحكام قانون المسطرة المدنية السابق.[12]
ويختص رئيس المحكمة الإدارية الابتدائية التي سينفذ قرار التحكيم في دائرة اختصاصها، أو رئيس المحكمة الإدارية الابتدائية بالرباط عندما يتعلق قرار التحكيم بكامل التراب الوطني، بالبت في طلب تنفيذ قرار تحكيم يتعلق بنزاع يكون طرفه شخص خاضع للقانون العام (المادة 68).
وثمة ميزة جديدة أخرى تتعلق بالتحكيم الدولي، فإذا كانت الأطراف قد اتفقت على تطبيق القانون المغربي المتعلق بالتحكيم، فتمنح صلاحية تعيين هيئة التحكيم لرئيس المحكمة التجارية الابتدائية بالدار البيضاء بدل رئيس المحكمة التجارية بالرباط، باعتبار أن معظم المعاملات التجارية الدولية تتم في الدار البيضاء التي تحتضن مقر المحكمة التجارية بالدار البيضاء (الفقرة 3 من المادة 72). كما يراعي القانون الجديد 95-17 التطورات التكنولوجية التي تسمح بإبرام اتفاق التحكيم، وإجراء التبادلات والطلبات والمرافعات بالوسائل الإلكترونية، أو إمكانية إصدار قرار التحكيم بنفس الوسيلة فضلا عن عقد جلسات التحكيم وجلسات الاستماع عن طريق تقنية التداول بالفيديو.
ب-مساهمة التحكيم” المؤسسي “في ممارسة التحكيم
إن أغلب عمليات التحكيم التي تتم في المغرب ـ وهي عمليات تحكيم محلية ـ هي عمليات تحكيم” مخصصة“، أي أنها إجراءات تحكيم تتم خارج مؤسسات التحكيم الدائمة وينظمها الأطراف أنفسهم. من ناحية أخرى، يمنح التحكيم المخصّص الأطراف حرية تنظيم إجراءاتهم الخاصة ويمنح المحكّم أو هيئة التحكيم صلاحيات هائلة لتسيير الإجراءات التي تكون هي الضامن لها.
وبالعودة إلى التحكيم المخصص، فعندما يصل النزاع بين الطرفين إلى طريق مسدود، يتعين عليهما طلب حكم من القاضي. يتعلق العنصر الرئيسي الأول بتشكيل هيئة التحكيم أو تعيين المحكم الوحيد. فإذا لم يتمكن الطرفان من الاتفاق، يتعين على القاضي القيام بذلك. ثم تأتي بعد ذلك المسائل المتعلقة بجوهر الموضوع وبالمسائل الفنية واللغة (اللغة العربية هي اللغة المفترضة إذا لم يتم تحديد لغة إجراءات التحكيم)، والمشاركة الفعالة للأطراف في الإجراءات والرسوم التي يجب أن يتم الاتفاق عليها مع هيئة التحكيم. وقد يستغرق ذلك أيامًا أو أسابيع أو حتى شهورًا، وبالتالي فإن مؤسسة التحكيم تقدم خدمة لجميع الأطراف الذين اختاروا اللجوء إلى قواعدها.
كما أن اللجوء إلى التحكيم المؤسسي يتيح للأطراف، بمجرد صياغة شرط التحكيم، إمكانية الرجوع إلى قواعد التحكيم التي تعمل كإطار عمل يتضمن شروطا معيارية متاحة لهم من أجل تجنب أي مشاكل تتعلق بالشروط المرضية، أوتعيين مؤسسة غير موجودة، وما إلى ذلك.
ج-التحكيم الاستثماري في المغرب في ضوء القانون 95-17 وميثاق الاستثمار الجديد
التحكيم الاستثماري هو تحكيم بين المستثمر الأجنبي والدولة المضيفة. وهو تحكيم يقوم على علاقة غير متكافئة ويسعى دائمًا إلى تحقيق التوازن بين الطرفين. ويخضع هذا التحكيم لاتفاقية واشنطن المؤرخة 18 مارس 1965، والمعروفة باسم” اتفاقية المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار“، ويتميز بطبيعة إجراء الإحالة الأحادية الجانب، حيث أن المستثمر، سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا هو الذي يحيل القضية إلى هيئة التحكيم، بينما تظل الدولة هي المدعى عليها.
وفي المغرب، تنص المادة 37 من الفصل السادس من مشروع قانون الإطار 03-22 المتعلق لميثاق الاستثمار في المغرب على ضرورة التوصل إلى تسوية ودية خارج المحكمة بين الدولة المغربية والمستثمر، قبل اللجوء إلى المحاكم أو التحكيم. وتكمن المشكلة في هذه المادة في أن المغرب لا يدرج في اتفاقياته بنود الوساطة. فالتسوية الودية تشير إلى عدة إجراءات (بما في ذلك التوافق والتشاور والوساطة)، ولكن بما أن الوساطة قد أدرجت في القانون الجديد 95-17، فلا توجد حالياً أي معاهدة بهذا الشأن تتضمن شرط للوساطة. وعلى سبيل المثال، تتضمن المادة 15 من معاهدة الاستثمار الثنائية بين المغرب واليابان، التي دخلت حيز النفاذ في أبريل 2022، بنداً للتشاور، وتنص المادة 26 من معاهدة الاستثمار الثنائية بين المغرب ونيجيريا لعام 2016 على التفاوض والتشاور، بينما تنص اتفاقية التعاون وتيسير الاستثمار بين المغرب والبرازيل لعام 2019 على إجراء لمنع المنازعات تحت مسؤولية اللجنة المشتركة. ومع ذلك، تنص المادة 30 من معاهدة الاستثمار الثنائية النموذجية المغربية المنشورة في 2019 مع الأونكتاد على بند الوساطة، وعلاوة على ذلك، إذا نظرنا إلى المادة 30 من نموذج معاهدة الاستثمار الثنائية المغربية، نجد نفس الأحكام المنصوص عليها في المواد 86 و87 و88 من القانون 95-17.
خاتمة
لا يمكن للمحكمين، بموجب موقعهم المتميز كقضاة للتجارة الدولية، أن يكونوا متفرجين سلبيين على عالم غير متوازن، يطلب منهم فقط الدعم والمساعدة، بل على العكس من ذلك، يمكنهم أن يكونوا أداة لشكل جديد من أشكال التنظيم من خلال التقاضي، وهو ما يؤثر بالضرورة على السوق الاقتصادية العالمية، بل وعلى إنتاج المعايير نفسها، وقد أوضح موير وات، مدعيًا أنه بهذا المسلك” يتم تخريبها“[13]. إن المحكمين هم بالفعل لاعبون في السوق العالمية، والدليل على ذلك أن التنمية الاقتصادية لم تحدث دون تطور التحكيم. فالتحكيم لم يمكّن من هذا النمو الاقتصادي فحسب، بل استفاد أيضًا في المقابل من تطور السوق الذي عززه. فقد أصبح هو الآخر سوقًا، بالمعنى الاقتصادي، بل وأصبح سوقًا مزدهرة له قواعده الخاصة ومنطقه الخاص، ومن ثم صار له اقتصاده الخاص.
قائمة المراجع
المراجع
وزارة العدل (2000). دليل المحاكم التجارية: الاختصاص والمسطرة. مطبعة فضالة المحمدية. ص 19
المجلس الاقتصادي والاجتماعي (2022). تقرير حول التحكيم كرافعة للاستثمار بالمغرب.
وثائق قانونية ودراسات دولية
القانون المغربي رقم 95-17 (2022). بشأن التحكيم والوساطة الاتفاقية. الجريدة الرسمية رقم 7068
اتفاقية نيويورك (1958). بشأن الاعتراف وتنفيذ الأحكام التحكيمية الأجنبية
الظهير الشريف رقم 1-74-447 الصادر في 28 سبتمبر 1974 المتعلق بقانون المسطرة المدنية، الجريدة الرسمية عدد 3230 بتاريخ 11 رمضان 1394 (30 سبتمبر 1974)، ص 2741
Alland, D., & Rials, S. (dir.). (2003). Dictionnaire de la culture juridique. Presses Universitaires de France, 60
Born, G. (2021). International Commercial Arbitration (3ᵉ éd.). Kluwer,55
Cadiet, L. (dir.). (2004). Dictionnaire de la justice. Presses Universitaires de France, 45-50
Clay, T. (2012). L’arbitre (2ᵉ éd.). Dalloz,40
Fouchard, P. (1965). L’arbitrage commercial international. Dalloz,34
Gaillard, E. (2019). Aspects philosophiques de l’arbitrage international. Pedone,76
Muir Watt, H. (2008). Droit international privé (5ᵉ éd.). PUF, 52
UNCITRAL (2023). Digest of Case Law on the Model Law on Arbitration. United Nations,55
- مقتطف من خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس خلال إنعقاد الدورة التشريعية بالبرلمان 14أكتوبر2022 ↑
- مداخلة ديامانا دياوارا مديرة خدمات تسوية المنازعات في أفريقيا في غرفة التجارة الدولية (ICC) أثناء إنعقاد أشغال اليوم الدراسي حول التحكيم يوم 8 نوفمبر/تشرين الثاني2022 تحت شعار “التحكيم في المغرب: استمرارية أم إصلاح؟ https://lematin.ma/express/2022/arbitrage-maroc-nouveautes-enjeux-obstacles/383076.html ↑
- UNCITRAL (2023). Digest of Case Law on the Model Law on Arbitration. United Nations, 55 ↑
- Gaillard, E. (2019). Aspects philosophiques de l’arbitrage international. Pedone.76 ↑
- Cadiet, L. (dir.). (2004). Dictionnaire de la justice. Presses Universitaires de France, 45-50 ↑
- Alland, D., & Rials, S. (dir.). (2003). Dictionnaire de la culture juridique. Presses Universitaires de France, 60 ↑
- Fouchard, P. (1965). L’arbitrage commercial international. Dalloz, 34 ↑
- Born, G. (2021). International Commercial Arbitration (3ᵉ éd.). Kluwer, 55 ↑
- Clay, T. (2012). L’arbitre (2nd ed.). Dalloz, 40 ↑
- المجلس الاقتصادي والاجتماعي (2022). تقرير حول التحكيم كرافعة للاستثمار بالمغرب ص 47 ↑
- وزارة العدل. (2000). دليل المحاكم التجارية: الاختصاص والمسطرة. مطبعة فضالة المحمدية. (ص. 19) ↑
- الظهير الشريف رقم 1-74-447 الصادر في 28 سبتمبر 1974 المتعلق بقانون المسطرة المدنية، الجريدة الرسمية عدد 3230 بتاريخ 11 رمضان 1394 (30 سبتمبر 1974)، ص 2741 ↑
- Muir Watt, H. (2008). Droit international privé (5ᵉ éd.). Presses Universitaires de France, 52 ↑





