المغرب يشدد الخناق: تفعيل القانون لمواجهة التجاوزات الأخلاقية على الإنترنت. – غزلان مبروك
المغرب يشدد الخناق:
تفعيل القانون لمواجهة التجاوزات الأخلاقية على الإنترنت.
من انجاز غزلان مبروك
خريجة ماستر المهن القانونية و القضائية

ملخص:
شهد الفضاء الرقمي المغربي مؤخراً حملة قضائية وأمنية حازمة لضبط التجاوزات الأخلاقية والقانونية، مؤكدة أن حرية التعبير مقيدة بحدود القانون والنظام العام. الإجراءات لم تستهدف الأشخاص، بل الأفعال المجرمة كـ الإخلال العلني بالحياء، التشهير، والنصب الرقمي، واستغلال القاصرين. هذه الخطوات ترسخ مبدأ سيادة القانون على العالم الافتراضي وتؤكد أن الشهرة ليست حصانة من المساءلة الجنائية. يجب أن يكون ما حدث بمثابة “ضوء أحمر” لصناع المحتوى لإعادة تعريف المسؤولية الرقمية والالتزام بـ ميثاق أخلاقي يراعي القيم الوطنية وحماية الجمهور. في المقابل، تبرز ضرورة المسؤولية المجتمعية المشتركة، حيث يُطلب من الأسر تطبيق الثقافة الرقمية، وعلى المستخدمين ممارسة “المقاطعة الإيجابية” ودعم المحتوى الهادف. الهدف النهائي هو استعادة التوازن، والارتقاء بـ المحتوى المغربي ليصبح رافداً للمعرفة والإيجابية، مؤكدًا على نموذج العدالة الرقمية الذي يوازن بين الحرية والمحاسبة.
L’espace numérique marocain a récemment été le théâtre d’une ferme campagne judiciaire et sécuritaire visant à réguler les dépassements éthiques et légaux, affirmant que la liberté d’expression est limitée par les cadres de la loi et de l’ordre public. Ces actions ne ciblaient pas les individus, mais plutôt les actes incriminés tels que l’atteinte publique aux bonnes mœurs, la diffamation, l’escroquerie numérique et l’exploitation des mineurs. Cette démarche consacre le principe de la souveraineté de la loi sur le monde virtuel et confirme que la notoriété ne constitue pas une immunité face à la responsabilité pénale. Les événements récents doivent servir de “feu rouge” aux créateurs de contenu pour redéfinir la responsabilité numérique et adhérer à un pacte éthique respectant les valeurs nationales et protégeant le public. En parallèle, l’importance de la responsabilité sociétale partagée est soulignée, exhortant les familles à inculquer la culture numérique et les utilisateurs à pratiquer le “boycott positif” en soutenant le contenu constructif. L’objectif final est de rétablir l’équilibre et d’élever le contenu marocain pour qu’il devienne une source de savoir et de positivité, confirmant un modèle de justice numérique qui concilie liberté et obligation de rendre des comptes.
مقدمة:
شهدت الساحة الرقمية العالمية، والمغربية على وجه الخصوص، خلال العقد الأخير، طفرة غير مسبوقة في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، التي تحولت من أدوات للتواصل إلى منابر مؤثرة لتشكيل الرأي العام وإنتاج المحتوى. هذه “الثورة الرقمية” أفرزت فضاءً افتراضياً، كان يُنظر إليه في البداية كمنطقة حرة أو حيث تتمدد حريات التعبير والنشر بشكل يكاد يكون مطلقاً.
ومع ذلك، لم يلبث هذا الفضاء أن كشف عن وجهه الآخر، بوصفه بيئة خصبة لظهور سلوكيات منافية للآداب العامة، ومُخالفة للنظام العام، ومُهددة للنسيج القيمي للمجتمع. لقد بات انتشار ما يُصطلح عليه بـ “المحتوى الهابط” أو “المُخلّ”، الذي يستغل حاجة الجمهور إلى الإثارة والفضول لتحقيق مكاسب مادية غير مشروعة، يمثل تحدياً وجودياً لسلطة القانون وأخلاقيات المهنة الرقمية.
في هذا السياق، لم يعد السؤال يدور حول مشروعية استخدام هذه المنصات، بل حول حدود ممارسة الحقوق الدستورية كالحق في التعبير والنشر، في مواجهة المبادئ الأساسية لحماية المجتمع. إن التشريع المغربي، المنبثق من منظومة قيمية راسخة، يقرّ هذه الحريات ضمن نصوصه الدستورية والاتفاقيات الدولية المصادق عليها، لكنه في الوقت ذاته، يضع لها قيوداً واضحة تُفعل عند المساس بالحقوق الفردية أو المصلحة العامة.
أكدت الأحداث الأخيرة بشكل قاطع أن مبدأ سيادة القانون يمتد ليشمل كافة الأنشطة الممارسة في العالم الافتراضي. فالقانون الجنائي المغربي، بمواده المنظمة للتشهير، والقذف، والمساس بالحياة الخاصة، والإخلال العلني بالحياء، والنصب والاحتيال، يظل الإطار المرجعي الناظم لكل فعل إجرامي، سواء ارتُكب في الفضاء المادي أو الرقمي.
وفي هذا الصدد، لم يعد ممكناً الاستناد إلى حجة “الحرية المطلقة” كدفاع عن التجاوزات الصارخة. بل إن التكييف القانوني لهذه الأفعال قد استكمل شروطه الأركان، سواء المادية أو المعنوية، لتندرج تحت طائلة المسؤولية الجنائية الكاملة. وتأتي الحملة الأخيرة التي استهدفت عدداً من صناع هذا النوع من المحتوى، لا بوصفها تقييداً للحرية، بل بوصفها تفعيلاً لمبدأ المساءلة والمحاسبة المنصوص عليه دستورياً، لترسخ بذلك مفهوم “المواطنة الرقمية المسؤولة”.
إن تحول التعامل مع هذه التجاوزات من مجرد استياء شعبي أو تنديد مجتمعي إلى تطبيق صارم للقوانين الجنائية والإجرائية، يمثل نقطة تحول مفصلية. إنه يؤسس لمرحلة جديدة، يتم فيها وضع حد للالتباس القانوني حول طبيعة الجرائم المرتكبة على المنصات الرقمية، ويؤكد على أن الشهرة أو الشعبية لا تشكلان حصانة أو عذراً مُخففاً أمام خرق مقتضيات التشريع الجاري به العمل. هذه الإجراءات ليست سوى تأكيداً على أن النظام العام والقيم الأخلاقية للمملكة هي خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها تحت أي مسمى.
و تتمثل إشكالية الموضوع على النحو الثالي :ما هي طبيعة العلاقة التي يجب أن تحكم التفاعل بين الشهرة الرقمية والمحاسبة القانونية؟ وهل يمثل هذا التشدد في تطبيق القانون رادعاً فعالاً كافياً لإحداث تحول نوعي نحو محتوى رقمي ملتزم وأخلاقي في المغرب؟
و للإحاطة بجوانب هذه الإشكالية من مختلف زوايا ها النظرية و العلمية إرتايت اعتماد التقسيم الثالي:
أولا حملة “تطهير” المحتوى وتأكيد سيادة القانون: ترسيخ العدالة الرقمية
الخطوات الأخيرة التي اتخذتها السلطات المغربية، ممثلة في الأجهزة الأمنية والقضائية، لم تكن مجرد رد فعل عابر، بل هي تفعيل ممنهج ومقصود لمبدأ سيادة القانون على العالم الافتراضي. إنها رسالة واضحة لا تقبل التأويل: لا أحد فوق القانون، ولا حتى أولئك الذين يتمتعون بـ “حصانة رقمية” زائفة يمنحهم إياها العدد الهائل من المتابعين. هذه الإجراءات تضع حدًا للوهم بأن المنصات الرقمية تقع خارج نطاق الولاية القضائية للدولة.
إن طبيعة هذه الخطوات تؤكد أن الهدف الأساسي لم يكن استهداف الأشخاص بذواتهم كصناع محتوى، بل استهداف الأفعال والتجاوزات المرتكبة التي تُشكل خرقًا صريحًا لمقتضيات قانون العقوبات المغربي. وقد جاءت هذه الملاحقات لتؤكد على أن التجريم لا يرتبط بالوسيلة، بل بالفعل الإجرامي نفسه، مما يُرسخ مبدأ تكافؤ الجريمة بين الفضاء المادي والرقمي.
وتحديداً، تركزت المتابعات القانونية على تكييف الأفعال المرتكبة رقمياً مع مواد قانون العقوبات، وبشكل خاص تلك المتعلقة بـ:
- الإخلال العلني بالحياء والآداب العامة الفصول 483) و 490 وما يليه(: ويشمل ذلك نشر محتوى يتضمن إيحاءات جنسية صريحة أو بذيئة، أو بث مشاهد منافية للحياء، وهو ما يتعارض بشكل مباشر مع النظام العام والأخلاق الحميدة التي يقوم عليها المجتمع المغربي. التكييف هنا يرى في “البث المباشر” أو “النشر العام” على منصات التواصل بمثابة “العلنية” التي يتطلبها النص القانوني لإثبات الجريمة.
- التشهير والقذف والمساس بالحياة الخاصة وما يليه): استغلال المنصات الرقمية كوسيلة للابتزاز، أو لتصفية الحسابات الشخصية، أو فضح خصوصيات الأفراد بدون وجه حق. إن السرعة الانتشارية للمعلومة على الإنترنت تضاعف من جسامة الضرر الناتج عن التشهير الرقمي، مما يبرر التشدد في تطبيقه، خاصة أن النشر يتجاوز الأضرار الآنية ليصبح سابقة دائمة في السجل الرقمي للضحية.
- النصب والاحتيال الرقمي: ويتمثل في استخدام الشهرة والمتابعة كوسيلة لخداع الجمهور، أو جمع التبرعات دون ترخيص، أو الترويج لمنتجات بطرق احتيالية وممارسة أعمال غير مشروعة. هنا، يتم استغلال “حسن نية” المتابعين والإيهام بوجود مشروع أو خدمة، وهو ما يتطابق مع الأركان القانونية لجريمة النصب.
- استغلال الأطفال والقاصرين الفصل 460 وما يليه): وهي أخطر التهم وأكثرها جسامة، وتشمل تعريض القاصرين للخطر، أو استغلال ضعفهم، أو استخدام صورهم وأصواتهم في محتوى يُدر الربح على حساب سلامتهم الأخلاقية والنفسية. هذا الجانب يعكس التزام الدولة المغربية بحماية الطفولة وفقاً للاتفاقيات الدولية المصادق عليها، ويشدد على تطبيق عقوبات رادعة لضمان سلامة هذه الفئة الحيوية.
إن تفعيل هذه المواد القانونية يؤكد أن الجرائم الإلكترونية تُعامل معاملة الجرائم التقليدية، وأن التحدي الوحيد كان في تكييف الوسيلة الرقمية مع النص القانوني الموجود. وهذا التفعيل يبعث برسالة حاسمة مفادها أن الشهرة والمتابعة لا تشكلان درعاً واقياً أو عذراً مُخففاً من المساءلة، بل قد تكونان عاملاً مشدداً للعقوبة نظرًا للضرر الواسع الذي يلحق بالجمهور. هذه الخطوات تمثل تعزيزًا لـ هيبة القانون في مواجهة فوضى العالم الرقمي.
ثانيا المسؤولية الرقمية: ضوء أحمر لصناع المحتوى
إن ما حدث مؤخراً يجب أن يُنظر إليه كـ جرس إنذار قيمي وأخلاقي لكل صانع محتوى في المغرب وخارجه. لقد أدت المنافسة الشرسة على “الترند” و”الباوز” (Buzz) إلى طغيان ثقافة العرض الرخيص على الإبداع الحقيقي والقيمة المضافة. أصبح الهدف الأسمى للبعض هو تحقيق أعلى نسب مشاهدة بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو تدمير الذوق العام، الإساءة إلى القيم الاجتماعية، وتشويه صورة الفرد والمجتمع.
تستوجب هذه المرحلة الانتقالية إعادة صياغة جوهرية لمفهوم “صانع المحتوى المسؤول”. المؤثر الحقيقي هو ليس من يجمع الملايين من المتابعين فحسب، بل هو من يترك أثراً إيجابياً ومستداماً، من يساهم في التنوير والتعليم، وليس مجرد ضجيج فارغ. إن المسؤولية الرقمية ليست ترفاً، بل هي ميثاق شرف غير مكتوب يفرض على المؤثرين واجبات أخلاقية وقانونية تجاه جمهورهم، وتتطلب الالتزام الراسخ بالمحاور التالية:
1. الوعي القانوني كشرط للوجود الرقمي:
يجب أن يكون الإلمام بحدود حرية التعبير في التشريع المغربي هو نقطة الانطلاق. فالحرية تقف عند حدود الإضرار بالآخرين أو بالنظام العام. وعلى صانع المحتوى أن يعي جيداً طبيعة الجرائم الرقمية، وأن أي فعل إجرامي افتراضي (كالتشهير أو النصب) سيتم تكييفه ومعاقبته وفقاً لقانون العقوبات. هذا الوعي يحوّل المؤثر من مجرد ناقل للمعلومات إلى ناشط رقمي ملتزم.
2. الالتزام الأخلاقي والقيمي:
يتعين على صناع المحتوى تقديم مواد تُراعي القيم الدينية، الاجتماعية، والهوية الوطنية للمغرب. هذا لا يعني تقييد الإبداع، بل توجيهه نحو الإيجابية. فالمحتوى الهادف يمكن أن يكون جذاباً ومسلياً في نفس الوقت، لكنه يستبدل السطحية بالعمق والابتذال بالرقي.
3. حماية الجمهور والفئات الهشة:
يُعدّ هذا الجانب من أعمق جوانب المسؤولية. يجب على صناع المحتوى الامتناع التام عن استغلال متابعة فئات هشة مثل الأطفال والقاصرين والمراهقين لمصالح شخصية أو تجارية. حماية هؤلاء الأفراد من المحتوى غير اللائق أو استغلالهم في مشاهد تُدر الربح هو واجب أخلاقي وقانوني لا يمكن التهاون فيه.
ثالثاً: دور المجتمع في “الفلترة” الإيجابية: نحو رقابة شعبية واعية
إن تصحيح مسار الفضاء الرقمي لا يمكن أن يقتصر على التدخل القانوني فقط؛ فالدولة لا يمكن أن تكون الرقيب الوحيد. يجب أن يكون هناك تكامل بين الردع القانوني والرقابة المجتمعية الواعية. إنها مسؤولية مشتركة يجب أن يضطلع بها المجتمع بأكمله:
1. دور الأسرة كمؤسسة للثقافة الرقمية:
تعد الأسرة هي الحصن الأول. لا يكفي منع الأبناء من استخدام الإنترنت، بل يجب ممارسة الرقابة الإيجابية التي تقوم على التوجيه لا المنع. يجب تزويد الأبناء بـ “الثقافة الرقمية” اللازمة لتعليمهم كيفية التمييز بين المحتوى الذي يضيف قيمة والمحتوى الذي يهدد أخلاقهم وسلوكهم. وعلى الآباء أن يكونوا نموذجاً في استهلاك المحتوى الهادف.
2. دور المستخدم كـ “مستهلك واعٍ ومبلغ مسؤول”:
الجمهور هو القوة الدافعة للمحتوى. كل نقرة مشاهدة، وكل تعليق، وكل اشتراك، هو دعم مادي ومعنوي لذلك المحتوى. يجب على المستخدمين ممارسة “المقاطعة الإيجابية” بدعم القنوات والمحتوى الذي يرتقي بالذوق العام ويخدم المصلحة، وفي المقابل، استخدام آليات الإبلاغ الرسمي عن المحتوى المسيء والضار والمخالف للقانون دون تردد.
3. دور المنصات التقنية العالمية:
على المنصات نفسها (يوتيوب، تيك توك، إنستغرام، وغيرها) أن تتحمل مسؤوليتها الأخلاقية والاجتماعية. عليها أن تلتزم بتطبيق سياساتها المجتمعية بصرامة أكبر، خاصة فيما يتعلق بمحاربة “إثارة الكراهية”، “التحرش”، و”المحتوى الجنسي الصريح”، وتقديم آليات شفافة ومُبسطة للإبلاغ عن المحتوى المخالف للقوانين المحلية للدول التي تعمل فيها.
4. دور الإعلام والمؤسسات التعليمية:
يجب على الإعلام التقليدي والمؤسسات التعليمية دمج التوعية الرقمية ضمن برامجها. على المدارس والجامعات تنظيم ورش عمل حول “الأخلاق في الفضاء السيبراني” لغرس حس المسؤولية الرقمية لدى الأجيال الجديدة.
خاتمة
إن الحملة الأخيرة لمكافحة التجاوزات الأخلاقية على الإنترنت هي خطوة ضرورية نحو استعادة التوازن المنشود في الفضاء الرقمي المغربي. لا يجب أن تُفهم هذه الإجراءات كـ “نهاية للمحتوى”، بل كـ “نهاية لفوضى المحتوى”. إنها فرصة سانحة للارتقاء بـ “المحتوى المغربي” ليصبح رافداً حقيقياً للمعرفة، الثقافة، والفن الأصيل، بدلاً من أن يكون مصدراً للسطحية والابتذال.
يجب أن نتذكر دائمًا أن الإنترنت هو مجرد أداة، واستخدامه الجيد يعكس قوة وقيم مجتمعنا. لكي يكون هذا الانعكاس جميلاً ومفيداً، يجب أن نختار جميعاً أن نكون جزءاً من الحل، من خلال صناعة، واستهلاك، وتشجيع المحتوى الذي يرتقي بنا وبوطننا، ويضمن لأجيالنا القادمة بيئة رقمية آمنة ومحفزة على الإبداع المسؤول. المغرب اليوم يؤسس لنموذج للعدالة الرقمية التي تجمع بين حرية التعبير وحتمية المساءلة.





