النظام العام في قانون حوادث الشغل الباحث : خليل بلوزة
النظام العام في قانون حوادث الشغل
Public Policy in the Legal Regime of Occupational Accidents
الباحث : خليل بلوزة
طالب باحث بسلك الدكتوراه، مختبر البحث قانون الأعمال كلية العلوم القانونية والسياسية، جامعة الحسن الأول بسطات
هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 60 الخاص بشهر أكتوبر/ نونبر 2025
رابط تسجيل الاصدار في DOI
https://doi.org/10.63585/EJTM3163
للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

النظام العام في قانون حوادث الشغل
Public Policy in the Legal Regime of Occupational Accidents
الباحث : خليل بلوزة
طالب باحث بسلك الدكتوراه، مختبر البحث قانون الأعمال كلية العلوم القانونية والسياسية، جامعة الحسن الأول بسطات
ملخص :
يحاول هذا البحث مقاربة مفهوم النظام العام وإبراز تجلياته في قانون حوادث الشغل الذي أضفى على قواعده طابعًا آمرًا يضمن الحد الأدنى من التعويضات ويحمي حقوق الأجير وذويه ، ومن خلال تحليل عدد من القرارات القضائية، يتضح كيف جرى توظيف النظام العام لإبطال الاتفاقات والشروط المنافية لقانون حوادث الشغل ، بما يعكس طابعه الحمائي، غير أن التطبيق العملي أبرز تباينًا في المواقف القضائية، بين اتجاه يُكرّس النظام العام كأداة للحماية، واتجاه آخر يتشبث بالقيود الإجرائية، ولا سيما قاعدة التقيد بطلبات الأطراف وهو ما يثير الإشكال حول مدى فعالية النظام العام في تحقيق غايته الاجتماعية والقدرة على إيجاد الموازنة بين إلزامية القواعد الحمائية ومتطلبات الشكل الإجرائي.
Abstract :
This study explores the concept of public policy within the Law of Occupational Accidents, which confers an imperative character on its provisions to secure minimum compensation and protect the rights of employees and their beneficiaries. By examining judicial decisions, the research highlights how public policy has been applied to invalidate unlawful agreements, underscoring its protective nature. Yet, divergent judicial approaches between strengthening protection and strict adherence to procedural limits such as the principle of limitation to parties’ claims raise questions about the effectiveness of public policy in achieving its social purpose and balancing substantive protection with procedural formality.
مقدمة
إن الخوض في موضوع النظام العام أشبه بمغامرة في الرمال المتحركة[1]،لكونه مفهومًا متحركًا يتجاوز حدود القاعدة القانونية [2]، إذ لا يُقارب كقاعدة قانونية جامدة أو مبدأ نظري مغلق، بل كأداة تشريعية وظيفية تُعبر من خلالها السلطة التشريعية عن إرادتها في تقييد مبدأ سلطان الإرادة[3]، وحماية المصالح التي تعتبرها الدولة ذات طبيعة أساسية، مما يجعل من النظام العام أداة لإعادة التوازن بين حرية التعاقد ومتطلبات العدالة الاجتماعية[4].
فالنظام العام ليس مجرد تقنية قانونية تستهدف الحفاظ على البنية الشكلية للنظام، بل هو تجلٍّ لإرادة المشرع في فرض قواعد آمرة لا يجوز الإتفاق على مخالفتها[5]، حماية لقيم جوهرية تتجاوز المصالح الفردية، وتُعلي من شأن المصلحة العامة[6]، باعتبارها التعبير القانوني عن الإرادة الجماعية في تنظيم المجتمع، وإذا كان النظام العام، في مفهومه الكلاسيكي ،قد نشأ في كنف القانون الخاص[7] كقيد على الحرية التعاقدية[8]، فإنه سرعان ما تجاوز تلك الوظيفة التقنية ليغدو أداة تشريعية ذات وظيفة اجتماعية واقتصادية، تُجسّد تحوّل القانون من مجرد وسيلة لتنظيم العلاقات إلى أداة لإعادة التوازن وتحقيق العدالة الاجتماعية.
إن بلورة الطابع الحمائي الذي يقوم عليه التشريع الاجتماعي[9] لا يتحقق إلا من خلال استدعاء صريح لفكرة النظام العام (المطلب الأول) وإضفاءها على قواعد قانون حوادث الشغل) المطلب الثاني) .
المطلب الأول: مفهوم النظام العام
يُعتبر النظام العام من أبرز المفاهيم القانونية التي استعصت على الفقه من حيث ضبط معالمه أو صياغة تعريف جامع له، إذ ظل الفكر القانوني يتأرجح بين مساعي التأصيل النظري وبين التسليم بصعوبة الإحاطة بهذا المفهوم، ولعل ما ورد في أحد الأحكام الإنجليزية الشهيرة يلخص هذه الإشكالية بدقة حين جاء فيه، إنك إذا حاولت تعريف النظام العام، فكأنما تمتطي حصانًا جامحًا لا تدري على أي أرض سيلقيك[10].وبهذا فإن مفهوم النظام العام لايستقر على تعريف موحّد أو دلالة قارة[11]، مما يجعله ينفد الى عمق النصوص القانونية ويتجاوز الإطار النصي الضيق ليحيل على مجموعة من القيم الأساسية التي تشكل كيان الدولة وتحدد معالم هويتها، فهو نسبي الطبيعة و يتفاعل دائما مع متغيرات الزمان والمكان[12] على نحو يجعله منفلتًا من محاولات التبويب المنهجي[13].
إن المكانة التي يوليها الفقه للنظام العام جعلته يتبوأ مرتبة سامية، فهو مفهوم مركزي، إلا أن تعريفه يبقى غير واضح [14]،وقد حاول الفقيه عبد الرزاق السنهوري تعريف النظام العام بأنه مجموع من القواعد التي تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة للبلاد في أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يمنحها طابع السمو والإلزام بحيث لا يجوز للأفراد الاتفاق على ما يخالفها أو التحلل من مقتضياتها، لأنها تمثل الأساس الذي تُبنى عليه حماية المجتمع واستقراره[15] .
يُعدّ النظام العام في القانون المغربي من الركائز الجوهرية التي تسمو على مبدأ سلطان الإرادة، إذ يُرسّخ قواعد آمرة غايتها حماية المصالح التي يعتبرها المشرّع أساسية لضمان تماسك النظام القانوني واستقراره. ويظهر هذا الأثر بوضوح في مجال التصرفات القانونية، حيث يؤدي كل اتفاق يمس القواعد ذات الطبيعة النظامية إلى البطلان المطلق، وهو ما أكده الفصل 62 من قانون الالتزامات والعقود عندما ربط صحة التصرف بمدى توافق محله وسببه مع مقتضيات النظام العام[16]،ويأتي الفصل 1100 أيضا ليكرّس هذا السمو من خلال حظر الصلح في كل ما يمكن أن يمس بقواعد النظام العام[17]، حمايةً للمصلحة العامة وتكريسًا لاستقرار البنية القانونية، بما يعطي المناعة القانونية لهذه القواعد من حيث تجاوزها أو الاتفاق على مخالفتها، صونًا للقيم الجوهرية التي يقوم عليها التنظيم القانوني وحمايةً للحقوق غير القابلة للتصرف.
وانسجامًا مع هذا الامتداد، لا يقتصر أثر النظام العام على مجال التصرفات القانونية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى المجال القضائي ، حيث يُقيّد مبدأ سلطان الإرادة بعلو القواعد الآمرة التي تُلزم القاضي بإعمالها حمايةً للمصلحة العامة واستقرار النظام القانوني ، ومن هنا برز مبدأ الإثارة التلقائية في الدعوى قائمًا بقوة النص لا بإرادة الخصوم، تكريسًا لمنطق قانوني يعلو على الاعتبارات الإجرائية ،وقد تبنّى المشرّع المغربي هذا التوجه في الفصل الثالث من قانون المسطرة المدنية حين ألزم المحكمة بالبت وفق القوانين الواجبة التطبيق على النازلة ولو لم يثرها الأطراف، بما يُجسد أولوية القاعدة الآمرة ويؤسس لسموها القضائي والإجرائي في آن واحد[18].
وبهذا يتضح أثر النظام العام في ضبط العلاقات القانونية وصيانة المصلحة العامة، غير أنّ الانتقال إلى مجال قانون حوادث الشغل يفتح النقاش حول موقع هذا المفهوم داخله، ومدى احتفاظه بطابعه الحمائي وسموه التقليدي، أم أنّه يكتسب خصوصيات جديدة تفرضها طبيعة المخاطر المهنية وخصوصية العلاقة الشغلية ؟
المطلب الثاني: إضفاء صبغة النظام العام على قانون حوادث الشغل
يُمثّل إضفاء صفة النظام العام على قانون حوادث الشغل أحد أهم مظاهر تدخل المشرّع لتكريس الحماية الاجتماعية، عبر الحدّ من سلطان الإرادة كلما تعلق الأمر بمراكز قانونية وُصِمت بالهشاشة، وفي مقدمتها الأجير الذي يظلّ، بحكم طبيعة العلاقة الشغلية، الطرف الأضعف في معادلة التعاقد، وقد جسّد القانون حوادث الشغل رقم 18.12 هذا التوجه بوضوح حين رفع مقتضياته إلى مرتبة القواعد الآمرة التي يترتّب على مخالفتها البطلان المطلق، في تكريسٍ لسمو الوظيفة الاجتماعية للقانون على حساب مبدأ سلطان الإرادة.
غير أنّ المشرّع لم يستحضر مفهوم النظام العام في صورته التقليدية التي تروم حماية المصلحة العامة وتنظيم العلاقات في بعدها المجرد، بل تجاوز هذا الإطار إلى صياغة أكثر تخصيصًا تمثّلت في النظام العام الاجتماعي[19] هذا الأخير لا يكتفي بإرساء قواعد آمرة بوصفها قيودًا صارمة، بل يضع حدًّا أدنى يضمن للأجير وذوي حقوقه الحقوق الأساسية، مع قدر من المرونة يسمح بتجاوز هذا الحدّ متى كان في مصلحتهم. وهكذا يتحوّل النظام العام الاجتماعي من سياج قانوني جامد إلى أرضية لانطلاق نحو حماية أوسع، ليعكس فلسفة التشريع الاجتماعي التي تمزج بين الإلزام القانوني وسموّ الكرامة الإنسانية داخل النسيج الإقتصادي[20] .
وتعكس المادة الأولى[21]من القانون رقم 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل توجّهًا تشريعيًا واضحًا نحو إقرار نظام قانوني قائم على حماية فئة الأجراء باعتبارهم الحلقة الأضعف في العلاقة الشغلية ويتجلى ذلك من خلال استعمال خاص لمفهوم النظام العام، الذي يُمكّن المشرع من فرض مجموعة من القواعد الآمرة، لا بوصفها تنظيمًا عامًا للعلاقات، بل باعتبارها تعبيرًا عن إرادة جماعية تهدف إلى بلورة الطابع الحمائي[22].
فالفقرة الأولى من المادة المذكورة تُقر بأن الأضرار الناتجة عن حوادث الشغل تخول للمصاب أو لذوي حقوقه الحق في مصاريف وتعويضات يتحمّلها المشغل أو مؤمّنه، وفقًا لشروط ومساطر محددة حصريًا بموجب هذا القانون، وهذه الصياغة لا تترك مجالًا للاتفاق المخالف، ولا تخضع للمساومة، مما يؤكد أن المشرع لا يتعامل مع هذه الحقوق على أنها محل تراضٍ بين الطرفين، بل كمراكز قانونية محصّنة بقوة النظام العام وهي قواعد تتسم بطبيعة آمرة، لأنها تتصل بمصلحة اجتماعية عليا تتعلّق بسلامة العامل، وبالاستقرار الأسري والاجتماعي.[23]
غير أن خصوصية هذه المادة لا تتوقف عند البُعد الإلزامي، بل تتجاوز ذلك إلى تكريس نظام معياري مزدوج، فمن جهة، يُحدد النص حدًا أدنى من الحماية لا يمكن المساس به ومن جهة أخرى، يُفسح المجال أمام إمكانية استفادة الأجير من مقتضيات أكثر فائدة، متى وردت في النظام الداخلي للمقاولة أو في عقد الشغل أو الاتفاقيات الجماعية أو التأمين، وهذه الإمكانية ذات الطابع التكميلي لا تُفهم باعتبارها استثناءً من القاعدة، بل امتدادًا للمنطق الحمائي الذي يحكم فلسفة القانون، بحيث يظل سقف الحماية تصاعديا ومفتوحًا في اتجاه الارتقاء لا النزول[24].
ويُعد هذا النهج التشريعي من خصائص النظام العام الحمائي[25]، الذي يختلف عن النظام العام التقليدي في كونه لا يسعى فقط إلى تنظيم النظام الاجتماعي وفقًا لمصلحة عامة مجردة، بل يهدف إلى حماية طرف معيّن داخل علاقة قانونية غير متكافئة، وهو ما ينطبق تمامًا على حالة الأجير المتضرر من حادثة شغل، وبالتالي، فإن المشرع لا يمنح هذا الأخير “حقًا” بالمعنى التقليدي، بل يضعه داخل إطار قانوني آمِر لا يقبل التنازل ولا التفاوض، ويُقيّد الإرادة الفردية لصالح الحماية الاجتماعية.
ومن ثَم، فإن المادة الأولى من قانون 18.12 تُجسد على نحو دقيق ما يُعرف في الفقه المعاصر بالنظام العام الحمائي (ordre public de protection) , أي ذلك النوع من القواعد التي تُرسي ضمانات دنيا لا يمكن النزول عنها، مع الإبقاء على إمكانية تحسينها إذا ما ارتفعت في اتجاه مصلحة الطرف الضعيف.[26]
وتشكل المادة الثانية من القانون رقم 18.12 تجليًا صريحًا لمفهوم النظام العام الحمائي في المجال الاجتماعي، مؤسسة لقاعدة قانونية آمرة تُعلي من الحماية المقررة لفائدة الأجير، ومنع أي خرق لغايات المشرع عبر وسائل تعاقدية ظاهرها الاتفاق، وباطنها الالتفاف على روح النص التشريعي.
وقد نصّت المادة بشكل واضح على أن كل اتفاقية مخالفة لأحكام هذا القانون التي تدخل في دائرة النظام العام فهي باطلة بقوة القانون، وهي صياغة تحمل أبعادًا قانونية دقيقة من حيث البنية والوظيفة. فعبارة تُعتبر باطلة بقوة القانون هي جزاء قانوني يترتب تلقائيًا بمجرد أن يكون الالتزام أو العقد مخالفًا لقاعدة آمرة ، فيُعدّ منذ نشأته معدوم الأثر وكأنه لم يكن، ولا يحتاج هذا الجزاء إلى حكم قضائي منشئ له، إذ يقتصر دور القضاء على كشف حالة البطلان وتأكيدها عند عرض النزاع ، مع تمتّعه بسلطة إثارته من تلقاء نفسه حتى في غياب طلب الأطراف، باعتباره مرتبطا بالنظام العام [27]، بخلاف البطلان النسبي[28] الذي يتوقف على إثارة الدفع به من الطرف المتضرر وهذا ما يُبرز الطبيعة النظامية لهذه القواعد، التي يتجاوز أثرها حدود العلاقة التعاقدية لتطال المجتمع باسره .
وتُفصح المادة الثانية عن أمثلة دقيقة لمجالات الحماية، حيث تُعتبر باطلة بوجه خاص كل اتفاقية يُباشر بموجبها المشغّل اقتطاعات من أجور الأجراء أو المستخدمين قصد تغطية التأمين الكلي أو الجزئي عن حوادث الشغل، أو تلك التي ترمي إلى تخفيف الأعباء المالية التي يتحملها المشغّل في حال عدم إبرام عقد تأمين. وهذه الفقرة تكشف بوضوح عن فلسفة تشريعية تُقرّ بمسؤولية المشغّل القانونية الكاملة عن الخطر المهني، وترفض تحميل الأجير أي جزء من التبعات المترتبة عن المخاطر التي يُفترض أن تُؤمن على نفقته أو مسؤولية مؤسسته[29].
إن جوهر هذه المادة يتمثل في منع نقل عبء الخطر من المشغّل إلى الأجير، بما يحافظ على المبدأ الجوهري الذي يقوم عليه النظام العام الحمائي ومنع استغلال التفاوتات بين أطراف العلاقة التعاقدية، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالسلامة الشخصية والصحية للأجير، فالمشرع هنا لا يحظر فقط مضمون الاتفاقيات المخالفة، بل يُسقِطها تلقائيًا، ويمنع حتى التفكير في إمكانية تضمينها ضمن النطاق التعاقدي، ما دام الأمر يتعلق بمقتضيات من صميم النظام العام.
وصفوة القول ان المشرع حاول تجاوز حدود التدخل الآني لحماية الأجير عند وقوع الخطر بل سعى إلى تشكيل هالة قانونية وقائية مسبقًا[30]، وردع أي ممارسات من شأنها تكريس الهشاشة أو تجريد الحماية القانونية من جوهرها، كما وضع بين يدي القاضي، متى اقتضى الأمر، وسيلة فعّالة لإبطال أي شرط مخالف دون حاجة لإثبات الضرر أو تبريره، طالما أن سبب البطلان مرده مخالفة النظام العام وهنا يثور التساؤل حول مدى حدود حرص القضاء على تطبيق هذا النهج في الممارسة العملية؟
المبحث الثاني : النظام العام في قانون حوادث الشغل بين القيد والحماية
يُعدّ إضفاء صبغة النظام العام على قواعد قانون حوادث الشغل خيارًا تشريعيًا يعكس إرادة المشرّع في توفير حماية خاصة لفئة مهنية توصف بالهشاشة، من خلال تبنّي قواعد آمرة لا يجوز الاتفاق على مخالفتها أو التنازل عنها. وتستمد هذه الصبغة قوتها من طبيعة العلاقة التبعية التي تميز رابطة الشغل، وما تثيره من اختلال في موازين القوة بين الأجير والمشغّل، خاصة في الحالات التي تسفر فيها علاقة الشغل عن إصابة مهنية (المطلب الأول).
غير أن هذه الحماية النظامية، وإن كانت مكرّسة تشريعيًا، فإن تفعيلها على مستوى الواقع لا يخلو من قيود، سواء على مستوى النصوص المنظمة أو على مستوى الممارسة القضائية، مما يثير التساؤل حول مدى نفاذ النظام العام في هذا المجال وحدود فعاليته (المطلب الثاني).
المطلب الأول: تجليات تطبيق النظام العام في قانون حوادث الشغل
يعد النظام العام أحد الأسس الرئيسية التي يقوم عليها قانون حوادث الشغل، حيث لم يترك المشرّع مجالًا لحرية الإرادة في تعديل أو تجاوز مقتضياته، بل أحاط هذا القانون بمجموعة من القواعد الآمرة التي تستهدف حماية المصاب وذوي حقوقه بشكل لا يقبل التفريط أو التنازل، فالغرض من إضفاء هذه الصبغة النظامية لم يكن مجرد ضبط العلاقة المهنية، بل فرض حماية قانونية تستجيب لواقع الهشاشة الذي يطبع وضعية الأجير حال تعرضه لحادثة شغل.
وتتجلى هذه الصبغة في مظاهر متعددة، سواء على مستوى إلزامية التأمين، أو وجوب التصريح بحادثة الشغل، أو في طبيعة التعويض ووسائل إثبات الحادثة، حيث تتدخل القاعدة القانونية لإقصاء كل ما من شأنه المساس بحقوق المصاب أو تفريغ الحماية من مضمونها. وبهذا المعنى، فإن تجليات النظام العام في هذا القانون لا تُعد مجرد مظاهر شكلية، بل تمثل آليات تشريعية قاطعة تعكس إرادة المشرّع في فرض حماية اجتماعية ملزمة.
يشكّل الحق في التعويض عن حادثة الشغل أحد المرتكزات الأساسية التي يقوم عليها الطابع الحمائي لقانون حوادث الشغل، ليس بوصفه امتيازًا شخصيًا للمصاب، بل باعتباره حقًا قانونيًا مقرّرًا بقوة النظام العام، لا يملك الأجير التنازل عنه، ولا يجوز الاتفاق على إسقاطه. فالغاية من تقرير هذا الحق لا تنحصر في تعويض الضرر فحسب، بل تمتد إلى تكريس توازن تشريعي في علاقة مهنية مختلة بطبيعتها، تجعل من تدخل المشرّع ضرورة اجتماعية وأخلاقية.
وقد أكدت محكمة النقض[31] هذا التصور في أحد قراراتها التي أرست من خلاله مبدأ مفاده أن الحق في التعويض لا يجوز التنازل عنه، ولو كان ذلك بمحض إرادة الأجير، لأنه حق يحكمه النظام العام ولا يخضع لسلطة الأطراف، ويتجلّى هذا من خلال الاجتهاد القضائي الاجتماعي، كما عبّر عنه القرار الصادر بتاريخ 25 مارس 2010[32]،” أن أي اتفاق على توصل المصاب بتعويض يقل عما هو مقرر في القانون يعتبر باطلاً وعديم الأثر. مما يجعل صفة ما ننعته الوسيلة على القرار ذلك أن الاتفاق الذي تم في النازلة بين الطرفين، والذي بموجبه يشهد المدعي بتوصله بمبلغ أربعة آلاف درهم مقابل تنازله عن حقوقه المرتبطة بحادثة الشغل، والذي لم يتم تفعيله، يجعله اتفاقًا باطلاً لانطوائه على مساس بالنظام العام، ولعدم تقيده بمقتضيات قانونية آمرة، ولما اعتبره نزاعًا، وما اعتبره منازعة في النزاع يكون قد خرق مقتضيات قانونية آمرة، ولما انتهى إليه سندًا قانونيًا فوجب نقضه وإبطاله.”
وبهذا فإن الحق في التعويض عن الأضرار الناشئة عن حادثة الشغل يكتسي حصانة تشريعية مطلقة، تجعله بمنأى عن كل تصرف إرادي من شأنه الانتقاص منه أو التفريط فيه. فالاتفاقات التي يتنازل بموجبها المصاب عن حقوقه ليست سوى محاولات باطلة بحكم القانون، لانطوائها على مساس بقواعد آمرة ذات طبيعة حمائية، وضعتها الإرادة التشريعية صونًا لسلامة الأجير وضمانًا لاستقراره الاجتماعي. ويستمد هذا البطلان قوته من كونه بطلانًا مطلقًا وآليًا، نافذًا بذاته دون توقف على إثارة الأطراف، وملزمًا للقاضي بالتصدي له من تلقاء نفسه كلما تبينت المخالفة، إعمالًا لعلوية النظام العام الحمائي على حرية التعاقد.
ويعكس أيضا القرار الصادر بتاريخ 6 يناير 2021[33]، امتداد هذا التوجه القضائي إلى مواجهة الصيغ الالتفافية التي تُفرغ الحماية القانونية من مضمونها، إذ اعتبرت المحكمة أنّ مجرّد توقيع الأجير على وثيقة ظاهرها التنازل، في غياب ثبوت مقابل فعلي، لا يصلح سندًا لحرمانه من التعويض المقرر قانونًا. بل إن الحكم الذي يُبنى على مثل هذا التنازل يعد قاصر التعليل، ومعيبًا بمساسه بمقتضيات النظام العام، الأمر الذي يبرر نقضه، وهكذا، يتجلى أنّ القضاء لا يقف عند حد إبطال الاتفاقات الصريحة المخالفة، بل يمارس دورًا يقظًا في تحصين البنية الحمائية للقانون، بما يكرّس تفوق المصلحة الاجتماعية على الاعتبارات التعاقدية البحثة في مجال التعويض عن حوادث الشغل.
كما يتجلّى الطابع النظامي لهذا القانون في الجانب الإجرائي، حيث لم يكتف المشرّع بتقرير قواعد موضوعية حمائية، بل فرض إلزامية مسطريه تعكس البُعد المؤسساتي للحماية القانونية. ومن أبرز هذه الإلزاميات وجوب إحالة ملفات حوادث الشغل على النيابة العامة[34] قبل البت فيها[35]، وهو ما يدلّ على أن المشرع يُدرِك أن حماية الأجير لا تكتمل إلا بإشراك سلطة عمومية قائمة على صيانة المصلحة العامة.
وقد أفرز الواقع القضائي تطبيقات صارمة لهذا المبدأ، حيث اعتبرت محكمة النقض “.. أن ملف النازلة لم يتم تبليغه إلى النيابة العامة رغم أن الأمر يتعلق بحادثة شغل تخضع لمقتضيات ظهير 06/02/1963 الذي يُعتبر من النظام العام، وأن الملف بعدم إحالته على مقتضيات الفصل 9 من قانون المسطرة يشكل خرقًا للفصل المذكور، وبالتالي يتعين نقض القرار، وبغض النظر عن باقي الوسائل.“ [36]
وبهذا تمسك القضاء بمبدأ إلزامية إحالة قضايا حوادث الشغل على النيابة العامة باعتبارها قاعدة آمرة من النظام العام، ليس على سبيل الشكلية الفارغة، وإنما كضمانة جوهرية لتفعيل البعد الحمائي الذي يميز هذا الفرع من القانون ، فقد أبرز القرار أن إحالة الملف على النيابة العامة وتقديم هذه الأخيرة لمستنتجاتها الكتابية يشكلان إجراءً إلزاميا وتقوم به الحجة القانونية الكاملة ما لم يثبت العكس، مما يكرّس ضرورة احترام هذه المسطرة لكونها إجراء شكليًا لا مناص منه ، وتعبير عن حضور النيابة العامة كفاعل أصيل في صون النظام العام وضمان حسن تطبيق القانون في مجال التعويض عن حوادث الشغل .
وفي نفس المقام كرست محكمة النقض في قرار لها لفلسفة النظام العام الحمائي في بعده الشكلي ، من خلال إقراره بأن إحالة قضايا حوادث الشغل على النيابة العامة وإدلاء هذه الأخيرة بمستنتجاتها المؤدية إلى التطبيق السليم للقانون، يشكلان إجراءً جوهريًا تحيطه قرينة قانونية قاطعة على صحته، ما لم يُقم الدليل العكسي على خلاف ذلك[37]، وقد شدّد القرار على أن ما يورده الحكم أو القرار القضائي في هذا الصدد يفترض فيه الصدق والموثوقية، ولا يسوغ المجادلة فيه إلا بإثبات بيّن وصريح ومن ثم فإن الإحالة على النيابة العامة لا تُختزل في كونها مجرد شكلية مسطريه، بل ترقى إلى مرتبة ضمانة أساسية، تستمد مشروعيتها من طبيعتها الآمرة، وتجسّد حضور القضاء كحارس يقظ لسلامة النظام العام الاجتماعي وصيانة آلياته من كل طعن أو تشكيك لا سند له.
وإذا كانت النيابة العامة تُجسّد حضور الدولة في الدعوى القضائية حمايةً للنظام العام، فإن الحق في التعويض عن حادثة الشغل يُجسّد، بدوره، حضور الإرادة التشريعية فوق الإرادة التعاقدية. فهذا الحق لا ينبع من اتفاق بين المشغّل والأجير، بل يُستمد من قاعدة آمرة تقررت لحماية الطرف الضعيف، وتُعبّر عن التزام تشريعي بضمان الحد الأدنى من الكرامة والعدالة الاجتماعية[38].
ويُفهم من هذا أن الإرادة الفردية، وإن كانت محترمة في إطار القواعد العامة، تفقد أثرها في المسائل التي تلامس النظام العام[39]، خاصة عندما يتعلق الأمر بحق أُقرّ لضمان الحد الأدنى من الأمن الاجتماعي. فليس التعويض امتيازًا يتكرّم به المشغّل أو يساوم عليه المصاب، بل هو حق قانوني لصيق بشخصه، وواجب على المشغّل، تفرضه القاعدة الآمرة ولا يملك الأطراف الاتفاق على إسقاطه أو تعطيله. ومتى وُجد التنازل، فإن القضاء مطالب برفضه تلقائيًا دون حاجة إلى تمسك أحد الأطراف بالبطلان.
وليس من قبيل المبالغة القول إن الحق في التعويض في هذا السياق قد انفصل عن الإرادة التعاقدية وأصبح من النظام العام الموضوعي، الذي لا يخص الأطراف وحدهم، بل يعني المجتمع ككل، لما له من أثر مباشر على التوازن الاجتماعي ومبادئ العدالة المهنية. ولذلك، فإن القاضي لا يملك سلطة التصرف في هذا الحق، بل يقع عليه واجب تفعيله تلقائيًا كلما ثبتت شروطه القانونية، دون أن يُؤثر في ذلك سكوت المصاب، أو تنازله، أو حتى محاولات الالتفاف التي قد تُصاغ في ظاهرها ضمن توافق إرادي.
غير أن ما خلصنا إليه من خلال استقراء القرارات القضائية، التي أكدت الطابع الآمر لحق المصاب في التعويض وعدم قابليته للتنازل، لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تكريسًا مطلقًا لهيمنة النظام العام في مجال حوادث الشغل، أو دليلًا قاطعًا على نفاذه بشكل مجرد دون عائق، ذلك أن القوة الإلزامية لهذه القواعد، وإن كانت تستند إلى نصوص صريحة، فإنها تظل من حيث الممارسة رهينة بعوامل متعددة، قد تحدّ من امتدادها أو تُفرغها، في بعض الأحيان، من مضمونها الفعلي.
فالواقع القضائي لا يخلو من تفاوتات في التفعيل، سواء بسبب التأويلات القضائية المتباينة، أو لاعتبارات مسطريه، أو حتى نتيجة لقصور تشريعي خصوصًا في بعض الجوانب، حين تتقاطع نصوص مختلفة وتتطلب تكييفًا خاصا، الأمر الذي يطرح إشكالية عميقة تتعلق بـحدود نفاد سلطة النظام العام داخل قانون المتعلق بتعويضات حوادث الشغل؟
المطلب الثاني: حدود نفاذ النظام العام في قانون حوادث الشغل
لا جدال في أن المشرع قد أضفى على قواعد قانون حوادث الشغل طابعًا آمرا من صميم النظام العام، باعتباره تعبيرًا عن إرادة تشريعية سامية تروم إلى حماية المصاب وذوي الحقوق من الإرادة الفردية وخلل موازين القوة داخل العلاقة الشغلية، والتي قد يصل مداها في حالة حادثة شغل، مما يزداد الضعف والهوة بين الأجير والمشغل.
وقد أكدت الاجتهادات القضائية، كما سلف ذكره على تكريس عدم قابلية التنازل عن الحق في التعويض، وتفعيل قاعدة الإحالة على النيابة العامة باعتبارها آلية إجرائية ذات بعد نظامي إلا أن هذا الإقرار بسمو النظام العام لا يعني بالضرورة أن تفعيله يتم دومًا ، ذلك أن السلطة المفترضة للنظام العام قد تصطدم في الواقع بعدة حدود، بعضها تشريعي يتعلّق بمرونة بعض النصوص أو غياب الدقة في التكييف القانوني، وبعضها الآخر مسطري أو قضائي، يرتبط بتفاوت التأويلات القضائية التي أحيانا قد تكريس مبدأ سمو الإرادة التعاقدية ومنح العقد قوة مُلزمة مطلقة، بحيث يُتعامل معه كما لو كان قاعدة آمرة قائمة بذاتها، بل ويُضفى عليه طابع النظام العام الوطني والدولي[40]. وهنا يثار الإشكال كانت الإرادة الفردية بما تفرزه من التزامات تعاقدية، تُمنح هذه القوة شبه المطلقة، فإلى أي حد يمكن للنظام العام الاجتماعي أن يضع حدودًا لها متى مسّت بحقوق الأجير الجوهرية؟
فالمسألة لا تتعلق فقط بوجود قاعدة آمرة، وإنما بحدود الإلتزام القاضي بها، وحدود تمسك الأطراف بحقوقهم الناشئة عنها، وحدود تفعيل آلياتها في ساحة التقاضي وهو ما يدفعنا إلى التساؤل، هل تظل القاعدة النظامية على قوتها الإلزامية في كل ظرف، أم أن سلطتها قد تنكسر أمام اعتبارات واقعية والقيود الإجرائية التي تُضعف من حضورها وفعاليتها؟
وتثير القواعد الآمرة في مجال حوادث الشغل إشكالية دقيقة تتعلق بمدى سلطة المحكمة في تجاوز القيود الإجرائية ،كالتقيد بحدود طلبات الأطراف[41]أو الالتزام بمبدأ “لا يضار المستأنف من استئنافه”، وذلك متى تعلق الأمر بحقوق تحميها إرادة المشرع باعتبارها من النظام العام ففي مثل هذه الحالات، لا يُنظر إلى حكم المحكمة كحَكَم محايد فحسب، بل كفاعل إيجابي ملزم بالتدخل من تلقاء نفسه لإعمال النصوص الحمائية، حتى في غياب الدفع أو الطلب الصريح من الأجير، وهذا ما أكده قرار للمجلس الأعلى عدد 164 بتاريخ 11/02/1985 على عدم تطبيق مبدأ “لا يضار المستأنف من استئنافه”[42]، إذا استأنف المشغل، أو مؤمنه دون أن يستأنف الأجير أو ذوي حقوقه ،حيث أنه بمقتضى الفصل 347 من ظهير 06/02/1963 بشأن أحداث الشغل ، فإن ما هو مقرر في دعوى الإيراد العمري، يكتسي صبغة النظام العام، ولما كانت محكمة الاستئناف قد طبقت قاعدة حسابية قانونية لا دخل لإرادة الأطراف في تغيرها ، ولا تخضع لسلطة المحكمة في تعديلها، متى كانت الأجرة الأساسية ونسبة العجز الدائم، غير محل منازعة من أي طرف، وطبقت مقتضيات الفصل 83 من نفس القانون الذي يعتبر من النظام العام، فإن لها أن تقضي من تلقاء نفسها بالإيراد العمري المستحق للمصاب، طبقا للكيفية الحسابية المنصوص عليها في القانون، كقاعدة آمرة، ولو لم يطلبه المصاب، ولا يعاب عليها مادامت لم تخرج في قضائها عما هو وارد في النص القانوني يكتسي صبغة النظام العام [43]“.
وفي نفس المقام قضت محكمة الاستئناف بمراكش في قرار لها عدد 816 بتاريخ 01/07/1997، في الملف الاجتماعي عدد 1295/95/ “حيث ثبت صحة ما عابه الوسيلة”، ذلك أن القرار المطعون فيه قضى برفع الإيراد المحكوم به ابتدائيا، بعدما تبين للمحكمة أن المحكمة الابتدائية أخطأت في طريقة احتساب نسبة العجز، وفي اعتبار الأجرة، الحقيقة رغم أن المصاب في الحادثة المطلوب في النقض لم يستأنف، وعللت المحكمة ما قضت به “بأن قاعدة لا يضار أحد باستئنافه، لا تطبق لتعارضها مع قواعد ظهير 02/06/1963، المتعلقة بالنظام العام، وأن المحكمة ملزمة بتطبيق القانون الواجب التطبيق، مع أن الفصل 3 من قانون المسطرة المدنية، الذي يلزم المحكمة بالبت في حدود طلبات الأطراف، لا يميز بين الطلبات التي تطبق عليها القواعد المعتبرة من النظام العام، وبين غيرها من المقتضيات القانونية”[44].
إلا ان هذا التوجه القضائي الذي سمح بتجاوز نطاق طلبات الأطراف تحت ذريعة الطابع الحمائي للنظام العام الاجتماعي، قد أثار نقاشاً حول مدى انسجامه مع قاعدة آمرة صريحة كالفصل 3 من قانون المسطرة المدنية، فهل يُعقل أن يتحول الاعتبار الحمائي إلى مبرر لتوسيع سلطات المحكمة خارج ما عُرض عليها؟ أم أن صرامة الفصل 3 من قانون المسطرة المدنية تظل الضمانة الأساسية لتحقيق الأمن الإجرائي وصيانة نسبية الطلبات؟
وفي هذا السياق، قضت محكمة النقض بتاريخ 09 أبريل 2024، على ما يلي” لكن حيث ان المقرر قانونا أن المحكمة ملزمة بتطبيق القانون الواجب التطبيق على النازلة المعروضة عليها ولو لم يطلبه الأطراف، وبالبت في حدود طلبات الأطراف طبقا لما هو منصوص عليه في الفصل 3 من ق.م.م ولو تعلق الامر بقضية من النظام العام كما في نازلة الحال علما ان المحكمة في اطار مبادئ النظام العام تقضي بمستحقات الأجير المصاب ولو لم يستطع تحديدها، والمحكمة إنما قضت للطالب في حدود طلبه المسطر في مقاله، والذي لا يمكن للمحكمة أن تتجاوزه لكي لا تحكم بما لم يطلب منها، وبذلك جاء الحكم المطعون فيه مؤسسا قانونا وطبقا للقانون تطبيقا سليما وما بالوسيلة على غير أساس..[45].
يشكّل هذا القرار محل التعليق نموذجًا دالًا على التفاعل المعقّد بين الطبيعة الآمرة لقواعد النظام العام، ولا سيما في مجال التعويض عن حوادث الشغل بمقتضى القانون رقم 18-12، وبين القيود الإجرائية الجوهرية التي ترسم حدود السلطة القضائية، وفي مقدمتها قاعدة التقيد بحدود طلبات الأطراف المنصوص عليها في الفصل 3 من قانون المسطرة المدنية.
فالقرار ينطلق من مسلمة أساسية مفادها أن القاضي ملزم بتطبيق القانون الواجب التطبيق على النزاع المعروض عليه، ولو لم يثره الأطراف، متى تعلق الأمر بمقتضيات من النظام العام، غير أن محكمة النقض أوضحت بجلاء أن هذه السلطة ليست مطلقة، إذ يظل القاضي ملزمًا بالحكم في إطار الطلبات الواردة في المقال الافتتاحي، باعتبارها الإطار العام للدعوى وضمانة جوهرية على احترام مبدأ المواجهة وحقوق الدفاع.[46]
والحال أن الأجدر بالمحكمة، انسجامًا مع الطبيعة الحمائية لقانون حوادث الشغل، أن تُعمل المقتضى الصريح للمادة 137 من القانون رقم 18.12، التي تُلزم المقاولة المؤمِّنة بأداء مختلف المصاريف والتعويضات المضمونة قانونيًا داخل أجل الثلاثين يومًا الموالية لتاريخ التوقيع على محضر الصلح. فهذا النص يقطع بأن التعويضات المستحقة للأجير أو لذوي حقوقه لا ترتبط بمدى دقة الطلبات أو شمولها، وإنما تظل قائمة حتى في حال وقوع خطأ أو سهو في تقديرها، لكونها حقوقًا مقررة بقوة القانون، لا يجوز أن تقل عن الحد الأدنى المقرر تشريعًا، باعتبارها التزامًا آمراً يدخل في صميم النظام العام الاجتماعي[47].
وهذا التوجه يجد ما يعززه في الاجتهاد القضائي التونسي، الذي اعتبر أحكام القوانين الاجتماعية من النظام العام، وأجاز للمحكمة إثارتها تلقائيًا دون توقف على دفع الخصوم، بل ذهب أبعد من ذلك حين مد نطاق تطبيق هذه النصوص إلى الحوادث السابقة على دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، إعمالًا لقاعدة تطبيق القانون الأصلح للأجير. وبذلك، فإن ا لقضاء التونسي يرسخ فكرة محورية، مفادها أن الحقوق الاجتماعية المقررة للأجير لا تستمد مشروعيتها من حدود طلبات الأطراف، وإنما من طبيعتها النظامية والحمائية التي تجعلها التزامات قانونية واجبة الأداء بقوة القانون[48].
وعليه فان إضفاء صبغة النظام العام على أحكام قانون التعويض عن حوادث الشغل يتعين أن يُوجَّه نحو تكريس الحماية الكاملة للأجير أو ذوي حقوقه، باعتبارهم الطرف الضعيف في العلاقة الشغلية، وضمان حصولهم على مختلف المصاريف والتعويضات المضمونة قانونًا كحد أدنى لا يقبل الإنقاص، وهو ما كرّسه المشرع المغربي من خلال المادة الثانية والمادة 137 من القانون رقم 18.12 التي استبعدت كل اتفاق أو إجراء من شأنه المساس بحقوق الأجير. ومن هذا المنطلق، فإن من اللازم أن يمتد البطلان ليشمل حتى الطلبات الناقصة أو الخاطئة التي تقل عن الحقوق المقررة قانونًا، على نحو ما استقر عليه القضاء التونسي الذي أجاز للمحكمة تصحيح تلك الطلبات تلقائيًا واعتبر القوانين الاجتماعية من النظام العام.
خاتمة :
وهكذا، يتضح أن النظام العام في قانون حوادث الشغل لا يُجسَّد في مجرد نصوص آمرة تُفرض على القاضي والمتقاضي فحسب، بل يشكّل منظومة قانونية متكاملة، ذات وظيفة اجتماعية تُعلي من شأن الحماية القانونية للطرف الضعيف، وتُؤطر سلوك القضاء والمشغّل والمشرع على حدّ سواء. فالقواعد التي تحظر التنازل عن الحق في التعويض، وتبطل أي اتفاق يمس بجوهر الحماية، لا تنبع من إرادة المشرّع كسلطة تقنينية فقط، بل من اختيار مجتمعي يروم صيانة الكرامة الإنسانية، وضمان الحد الأدنى من التوازن داخل علاقات الشغل.
وفي الوقت نفسه، تكشف إلزامية إحالة القضايا على النيابة العامة، والجزاء المترتب على إغفال ذلك، أن النظام العام لا يُحيل فقط إلى مضمون القاعدة، بل يمتد إلى بنيتها الإجرائية، ويُلزم القاضي نفسه بالتدخل التلقائي كلما تعلّق الأمر بمصلحة محمية قانونًا. فليس النظام العام أداة للحد من سلطان الإرادة فحسب، بل هو بوصلة توجه العمل القضائي والتشريعي نحو تحقيق العدالة الاجتماعية.
إذا كان تدخل النظام العام في منازعات حوادث الشغل يُبرّر، في كثير من الأحيان، تجاوز القاضي لإرادة الأطراف حمايةً للمصلحة العامة، ولا سيما حين يتعلق الأمر بالتنازل عن الحق في التعويض، وهو ما اعتبرته محكمة النقض في مناسبات عدة مخالفًا لقاعدة آمرة لا يجوز الاتفاق على خلافها، فإن هذا التدخل لا يُمكن أن يُقرأ في معزل عن الضوابط الإجرائية التي تنظّم عمل القضاء.
فالقاضي، وإن كان مؤتمَنًا على إنفاذ مقتضيات النظام العام، لا يجوز له أن يقضي بما لم يُطلب منه، وإلا خرق مبدأ الحياد، وأخل بضمانات التقاضي العادل، كما تنص على ذلك القواعد الشكلية وعلى رأسها الفصل الثالث من قانون المسطرة المدنية.
وقد أكدت محكمة النقض هذا التقييد بوضوح في أحد قراراتها، حين اعتبرت أن قضاء المحكمة بأكثر مما طلبه المدعي يُشكّل خرقًا لمبدأ التقيد بحدود الطلبات، ويؤدي إلى بطلان الحكم لكونه تجاوزًا للسلطة القضائية. ورغم أن نية القاضي في تلك الحالة قد تكون متجهة نحو تفعيل حماية قائمة على النظام العام، فإن تجاوزه للطلبات المقدمة يُضعف من حجية الحكم، بل يُفرغ مقتضيات النظام العام من قوتها الإلزامية .
غير أن هذا التقييد الذي تبنته محكمة النقض، باعتبار أن قضاء المحكمة بما لم يُطلب منها يُشكل خرقًا لمبدأ التقيد بحدود الطلبات، يظل توجهًا يُضعف الدور الحمائي للقضاء الاجتماعي ويجعل النظام العام مجرد قاعدة شكلية قابلة للتجريد من مضمونها، فالحماية لا تتحقق بتغليب الشكل على الجوهر، وإنما بتكريس سلطة القاضي في ضمان الحد الأدنى المقرر قانونًا ولو بتجاوز الطلبات الناقصة أو الخاطئة. ومن ثم، فإن الأولى أن يسير الاجتهاد المغربي على نهج القضاء التونسي الذي اعتبر القوانين الاجتماعية من النظام العام، وأجاز للمحكمة تصحيح الطلبات تلقائيًا وتطبيق القانون الأصلح للأجير، تكريسًا للبعد الحمائي الذي يشكل الغاية الأساسية لتشريع التعويض عن حوادث الشغل.
إن هذه المفارقة تبرز محدودية فعالية النظام العام حين يتقاطع مع القيود الإجرائية، إذ كيف لقاعدة آمرة صيغت أصلاً لحماية الأجير وتمكينه من التعويض، أن تُقيَّد عمليًا بسبب غياب طلب صريح أو نتيجة تجاوز شكلي؟ وهل يُعقل أن تكون إرادة الحماية، وهي جوهر النظام العام، أضعف من الشكل الإجرائي، حتى في الحالات التي يتعلق فيها الأمر بحق غير قابل للتنازل؟
لائحة المراجع
أولا: المراجع باللغة العربية
1-المراجع العامة
-أبو بكر مهم، المدخل لدراسة: دراسة وفق آخر المستجدات التي عرفتها الترسانة القانونية المغربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2018.
-إدريس العلاوي العبداوي، النظرية العامة – شرح قانون الالتزامات والعقود، نظرية الالتزام، الطبعة الأولى، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1999.
-بلال العشيري، الاجتهاد القضائي في مادة حوادث الشغل والأمراض المهنية، الطبعة الثانية، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، 2015.
-سعيد بعزيز، حماية الأجير من الإصابة المهنية في ضوء القانون رقم 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل، منشورات دار الأمان، الرباط، 2023.
-عبد اللطيف خالفي، الوسيط في مدونة الشغل، الجزء الأول: علاقات الشغل الفردية، المطبعة والوراقة الوطنية، الطبعة الأولى، 2004.
-عبد الواحد العلمي، الشرح في القانون الجديد المتعلق بالمسطرة الجنائية، الجزء الأول، الطبعة الأولى، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2006.
-عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني: الجزء الأول، مصادر الالتزام، دار الشروق، القاهرة، 2010.
-محمد الكشبور، “تأصيل قاعدة لا يضار أحد باستئنافه”، تعليق على قرار المجلس الأعلى عدد 816 بتاريخ 1 يوليوز 1997، ملف اجتماعي عدد 95/1/4/1295، مجلة التعليق على قرارات قضائية.
-مأمون الكزبري، نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي، المجلد الأول: مصادر الالتزام .
-الأطاريح الجامعية 2
-حسناء جبران، النظرية العامة للعقد ومقتضيات حماية المستهلك، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة الحسن الأول – كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بسطات، 2019–2020.
-جميلة العماري ، أبعاد سلطان الإرادة في التشريعين المغربي والمقارن، أطروحة دكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، 2001.
-أبو جعفر عمر المنصوري ، فكر النظام العام والآداب العامة في القانون والفقه مع التطبيقات القضائية، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الثاني، عين الشق – الدار البيضاء، 2003.
– ;خالد مجاهد، مفهوم النظام العام في العقد، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة الحسن الثاني – كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، عين الشق – الدار البيضاء، 2005–2006.
ثانيا: المراجع باللغة الفرنسية
1-Ouvrages généraux
-Carbonnier, Jean, Droit civil – Introduction, Paris, PUF, 2004.
-Dabin, Jean, Théorie générale du droit, Bruxelles, Bruylant, 1969.
-Lyon-Caen, Gérard, Droit social, Paris, Litec, 15ᵉ éd., 1990.
-Malaurie, Philippe et Aynès, Laurent, Les obligations, 11ᵉ éd., Paris, LGDJ, 2020.
-Malaurie, Philippe et Aynès, Laurent, Les obligations, 12ᵉ éd., Paris, LGDJ – Lextenso, 2022.
-Miaille, Michel, Droit et société : Introduction critique au droit, Paris, LGDJ, 1994.
-Pélissier, Jean ; Supiot, Alain ; Jeammaud, Antoine, Droit du travail, Paris, Dalloz, 21ᵉ éd., 2014.
-Pélissier, Jean ; Supiot, Alain ; Jeammaud, Antoine, Droit du travail, Paris, Dalloz, 26ᵉ éd., 2022.
-Pélissier, Jean ; Supiot, Alain ; Jeammaud, Antoine, Droit du travail, Paris, Dalloz, 2006.
-Rawls, John, A Theory of Justice, Cambridge (Mass.), Harvard University Press, 1971.
-Rivero, Jean et Waline, Jean, Droit administratif, Paris, Dalloz, 21ᵉ éd., 2018.
-Rivero, Jean et Waline, Jean, Droit administratif, Paris, Dalloz, 23ᵉ éd., 2019.
-Terré, François, « Rapport introductif », in Revet, Thierry (coord.), L’ordre public à la fin du XXᵉ siècle, Paris, Dalloz, 1996.
-Terré, François ; Simler, Philippe ; Lequette, Yves, Droit civil – Les obligations, 12ᵉ éd., Paris, Dalloz, 2018.
-Terré, François et al., Les obligations, 12ᵉ éd., Paris, Dalloz, 2021.
2-Thèses
-Malaurie, Philippe, L’ordre public et le contrat (Étude de droit civil comparé : France, Angleterre, U.R.S.S.), Thèse de doctorat, Université de Paris, 1953.
Farjat, Georges, L’ordre public social en droit du travail, Thèse de doctorat, Université de Paris, 1960-
-Boden, Didier, L’ordre public : limite et condition de la tolérance, Thèse de doctorat, Université Paris I Panthéon-Sorbonne, 2002
- – يقصد بالإرادة التي تتجه إلى إحداث أثر قانوني ما يُصطلح عليه في فقه القانون بـ”التصرف القانوني” وهي كما يرى بعض الفقه تجلٍ لإرادة العقل وأساس لها. يُراجع في هذا الصدد:
الدكتور إدريس العلاوي العبداوي، النظرية العامة – شرح قانون الالتزامات والعقود، نظرية الالتزام الطبعة الأولى مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1999، ص. 88. ↑ - – العدالة الاجتماعية هي مبدأ يهدف إلى توزيع الحقوق والواجبات والموارد داخل المجتمع بشكل منصف، بما يضمن تكافؤ الفرص وصون الكرامة الإنسانية، مع مراعاة حماية الفئات الهشّة وتحقيق التوازن بين المصلحة الفردية والصالح العام لصيانة الحقوق ذات البُعد الاجتماعي هو اتجاه تشريعي وفلسفي حديث يسعى إلى تجاوز التصور الفردي والليبرالي التقليدي للحقوق، والتركيز بدلًا من ذلك على الحقوق التي تمس شرائح اجتماعية واسعة، وتُشكّل أساسًا للعدالة الاجتماعية والتوازن داخل المجتمع. ويُعدّ هذا المفهوم من تجليات تحوّل القانون من أداة لتنظيم الإرادات الفردية إلى وسيلة لحماية القيم الجماعية وضمان كرامة الفئات الضعيفة.
-John Rawls, A Theory of Justice, Harvard University Press, 1971, p. 3
-وفي نفس السياق
-“Le droit moderne ne se contente plus de garantir les libertés individuelles : il tend à assurer la protection des droits sociaux indispensables à la dignité humaine.”
Jean Rivero et Jean Waline, Droit administratif, Dalloz, 21e édition, 2018, p. 12
انظر أيضا في نفس المقام
Michel Miaille, Droit et société : Introduction critique au droit, LGDJ, 1994, p. 9-
“Le droit devient l’instrument de la régulation sociale, garant des intérêts collectifs et protecteur des couches les plus vulnérables.” ↑
- – « L’ordre public implique l’existence de normes auxquelles il est interdit de déroger, même par accord exprès des parties. »
François Terré et al., Les obligations, Dalloz, 12ᵉ éd., 2021, p. 27 ↑
- – المصلحة العامة هي الغاية الأساسية التي يسعى القانون لتحقيقها، وتتمثل في المنافع التي تعود بالنفع على المجتمع ككل أو على فئة واسعة منه، وتبرر تدخل الدولة لتنظيم العلاقات الاجتماعية.
« L’intérêt général désigne la finalité d’utilité collective visée par le droit, justifiant l’intervention de l’autorité publique pour préserver le bien commun »
-Jean Rivero et Jean Waline, Droit administratif, 23ème édition, Dalloz, 2019, p. 312. ↑
- – القانون الخاص هو مجموعة القواعد القانونية التي تنظم العلاقات بين الأفراد، حيث تكون الدولة طرفًا كأي شخص عادي إذا دخلت في علاقة قانونية خارج إطار السلطة.
-أبو بكر مهم، المدخل لدراسة القانون: دراسة وفق آخر المستجدات التي عرفتها الترسانة القانونية المغربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2018، ص. 114
انظر أيضا تعريف:
Jean Carbonnier, Droit civil – Introduction, PUF, 2004, p. 8″Le droit privé régit les rapports entre personnes privées, qu’elles soient physiques ou morales, en dehors de toute prérogative de puissance publique.” ↑
- – «La liberté contractuelle est le droit pour chacun de contracter ou de ne pas contracter, de choisir son cocontractant et de déterminer librement le contenu et la forme du contrat dans les limites fixées par l’ordre public. »
-Philippe Malaurie et Laurent Aynès, Les obligations, 11ᵉ éd., LGDJ, 2020, p. 48. ↑ - عبد اللطيف خالفي، الوسيط في مدونة الشغل، الجزء الأول، علاقات الشغل الفردية، المطبعة والوراقة الوطنية، الطبعة الأولى 2004. من الصفحة 37 إلى الصفحة 56، حيث تناول المؤلف تطور التشريع الاجتماعي بالمغرب، مبرزًا السياق التاريخي والاقتصادي الذي رافق تحوّل قانون الشغل من مجرد آلية تنظيمية إلى نظام قانوني حمائي يُعلي من مبدأ النظام العام الاجتماعي، ويؤسس لتدخل تشريعي لصالح الطرف الضعيف في علاقة الشغل. ↑
- -Rapport conseukker OILON. Cass re 9، 21 avril 1931، 1، P. 377
“Public policy is a very unruly horse, and when you once get astride it you never know where it will carry you.” ↑
- -وبالنسبة لغموض مفهوم النظام العام وصعوبة ضبطه تعريفًا. ويكفي الاستشهاد بأطروحة فيليب مالوري، الذي أحصى اثنتين وعشرين تعريفًا فقهيًا وقضائيًا، ليُبرز حجم التباين والتعقيد المحيط بهذا المفهوم
-Philippe MALAURIE, L’ordre public et le contrat (Etude de droit civil comparé. France, Angleterre, U.R.S.S.) préf. Paul Esmein, éd. Matot-Braine, 1953, v. spéc. Le paragraphe no 99, p. 69 et l’appendice, p. 261-263.
بسبب غموض مفهوم النظام العام خص أحد الباحثين جزءا من أطروحته لرصد استعمالاته الفقهية المتعددة: –
-le flou qu’il entretient sont tels qu’à l’occasion d’une thèse pourtant consacrée à la seule exception d’ordre public international, il a été jugé nécessaire de dédier la première partie tout entière à une recension des usages, tous les usages, de l’expression dans la littérature juridique.
Didier BODEN, L’ordre public : limite et condition de la tolérance, Thèse dactyl., Université Paris I Panthéon- Sorbonne, 2002. ↑
- -ان مفهوم النظام العام والآداب العامة يجب صيانتهما وحمايتهما، لان تطبيقهما وحدودهما تختلف زمانا ومكانا، فهما مفهومان يتطوران باستمرار، فما يكون من الاعمال والتصرفات في المكان والزمان منافيا للنظام العام والآداب العامة، قد يكون غير مناف لهما في مكان وزمان لاحق.
الكزبري، مأمون، نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي، المجلد الأول: مصادر الالتزام، بدون ذكر المطبعة أو الطبعة أو سنة النشر، ص. 160. ↑
- –“Il est vrai que la notion se présente d’emblée comme rétive à la systématisation. On souligne tout d’abord la relativité de la notion : lié à l’idée d’essence d’une société, l’ordre public est nécessairement tributaire de considérations de Lieu et de temps.”
François TERRÉ, « Rapport introductif », in Thierry Revet (coord.), L’ordre public à la fin du XXème siècle, Dalloz, 1996, p. 3-12, p. 4. ↑
- -أورده خالد مجاهد، مفهوم النظام العام في العقد، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، عين الشق – الدار البيضاء، 2005-2006، و ص. 119.
عن:
– Malaurie (ph) : L’ordre public et le contrat (Étude de droit civil comparé France, Angleterre, U.R.S.S.), th. Paris. 1953.
Farjat (G) : L’ordre public économique. Th. Dijon. L.G.D.J 1963.-
Hauser (J) : Ordre public et bonnes mœurs, in Rep. dr. civ. Dalloz, 2ème éd. –
Ripert (J) :Le règle morale dans les obligations civiles, 4ème éd. Paris 1949. N°22et suiv 39.-Gherstin (J) : La formation du contrat. Op cit. N° 104, p 85, note 33.-
-أما في الفقه المغربي فانظر:
(محمد): مفهوم النظام العام في قانون الشغل، دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، رسالة السلك الثالث، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط، سنة 1985
العماري (جميلة): أبعاد سلطان الإرادة في التشريعين المغربي والمقارن، دكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، 2001.
المنصوري (أبو جعفر عمر): فكر النظام العام والآداب العامة في القانون والفقه مع التطبيقات القضائية، دكتوراه في القانون الخاص، عين الشق، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، 2003.
– Lanalde (Jean-Manuel) : La constitutionalisation de l’ordre public, in Roder (Marie-Joël) : L’ordre public : ordre public ou ordres publics, ordre public et droit fondamentaux, Bruylant, Bruxelles, 2001. P : 213. ↑
- – عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني: الجزء الأول، مصادر الالتزام القاهرة: دار الشروق، 2010)، ص 342. ↑
- – ينص الفصل 62 من ظهير الالتزامات والعقود، الظهير الشريف المؤرخ في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913)، الجريدة الرسمية عدد 46 بتاريخ 12 شتنبر 1913. على ما يلي:
“الالتزام الذي لا سبب له أو المبني على سبب غير مشروع يعد كأن لم يكن ، ويكون السبب غير مشروع إذا كان مخالفًا للأخلاق الحميدة أو للنظام العام أو للقانون.” ↑
- – – ينص الفصل 1100 من ظهير الالتزامات والعقود المغربي أنه:
لا يجوز الصلح في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية أو بالنظام العام أو بالحقوق الشخصية الأخرى الخارجة عن دائرة التعامل، ولكن يسوغ الصلح على المنافع المالية التي تترتب على مسألة تتعلق بالحالة الشخصية أو على المنافع التي تنشأ من الجريمة. ↑
- – “يتعين على المحكمة أن تبت في حدود طلبات الأطراف ولا يسوغ لها أن تغير تلقائيا موضوع أو سبب هذه الطلبات وتبت دائما طبقا للقوانين المطبقة على النازلة ولو لم يطلب الأطراف ذلك بصفة صريحة”
الفصل 3 من قانون المسطرة المدنية المغربي، الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.447 بتاريخ 11 رمضان 1394 (28 سبتمبر 1974)، الجريدة الرسمية عدد 3230 مكرر بتاريخ 30 سبتمبر 1974، ص. 2741. ↑
- – يُعَدّ النظام العام الاجتماعي من المفاهيم الحديثة في الفقه القانوني، إذ برز في الخمسينيات ضمن الفقه الفرنسي مع كلٍّ من GALLAND وBRUN، اللذين عرّفاه بأنه «نظام حمائي موازٍ للنظام العام العمومي، مُعدّ لحماية الأجير عبر منع أي شروط تقلّ عن الحدّ الأدنى الذي تفرضه النصوص الآمرة، مع السماح في المقابل بكل ما يمنحه مزايا أوسع.
-Galland et Brun, Droit du travail, Éditions Techniques, Paris, 1955, p. 42
وفي 1960، قام الفقيه FARJET بتكريس دراسة معمقة لهذا المفهوم في أطروحته للدكتوراه، معتبرًا أن الصياغة المعتمدة لتبريره ما تزال غامضة وتستدعي مزيدًا من التحليل، وقد حظي هذا المفهوم بقبول واسع في الفقه الفرنسي، ليُصبح ركيزة أساسية في النقاشات المتعلقة بقانون الشغل وفلسفة حمايته.
-FARJET, L’ordre public social en droit du travail, Thèse de doctorat, Université de Paris, 1960, p. 15 ↑
- –« L’ordre public social est un ordre public particulier : il fixe un minimum de protection auquel il est possible de déroger par des dispositions plus favorables au salarié. Il n’est pas un ordre figé mais un socle évolutif de garanties sociales.» Jean Pélissier, Alain Supiot, Antoine Jeammaud, Droit du travail, Dalloz, 21e édition, 2014, p. 43 ↑
- تنص المادة الأولى من قانون رقم 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل انه:
تخول الأضرار الناتجة عن حوادث الشغل للأشخاص المستفيدين من أحكام هذا القانون والمحددة فئاتهم في المواد من 5 إلى 9 أدناه أو لذوي حقوقهم الحق في مصاريف وتعويضات يتحملها المشغل أو مؤمنه.
ويتم التعويض عن الأضرار المذكورة طبق الشروط والكيفيات والمساطر المنصوص عليها في هذا القانون.
لا تحول أحكام هذا القانون دون استفادة الأشخاص المصابين بحوادث الشغل أو ذوي حقوقهم من أحكام أكثر فائد تتضمنها مقتضيات النظام الأساسي، أو الداخلي للمقاولة، أو عقد الشغل، أو اتفاقية الشغل الجماعية ،أو عقد التأمين.
ويتوقف عقد الشغل بحكم القانون خلال فترة العجز المؤقت الناتجة عن الإصابة بحادثة شغل طبقا لمقتضيات المادة 32 من القانون رقم 65.99 بمثابة مدونة الشغل ↑
- -حجاجي محمد أمين، قرارية قويدر، النظام الاجتماعي بين الحماية الاجتماعية للعامل وتداعيات العولمة الاقتصادية، مجلة القانون والعلوم السياسية، المجلد 06 العدد 01 سنة 2020 ص 39. ↑
- -وقد ذهب بعض فقهاء القانون الاجتماعي مثل Gérard Lyon-Caen و Jean Pelissierإلى أن قواعد التعويض عن حوادث الشغل تمثل “امتدادًا لسياسة تشريعية حمائية”، تجعل من الحق في التعويض التزامًا مفروضًا على رب العمل ومؤمنه، بصرف النظر عن إرادة الأطراف، وذلك اتساقًا مع فلسفة القانون التي تعلي من شأن الإنسان باعتباره قيمة مركزية في المنظومة الإنتاجية، لا مجرد أداة ضمنها.
-Jean Pélissier, Alain Supiot, Antoine Jeammaud, Droit du travail, Dalloz, 2006, p. 892 ↑
- –تذهب بعض الكتابات الفقهية الفرنسية إلى أن النظام العام الحمائي في مجال علاقات العمل يتسم بـ «الأثر المزدوج” بحيث يضع حدًا أدنى إلزاميًا للحماية لا يجوز النزول عنه، وفي الوقت نفسه يتيح الرفع من مستوى هذه الحماية إذا كانت هناك نصوص او اتفاقات أكثر فائدة للأجير.
ويُعرف هذا النموذج بـ «ordre public social à effet minimum et extensible »، أي أن قاعدة النظام العام الاجتماعي تؤسس لحد أدنى إلزامي مع سقف مفتوح تصاعديًا، بما ينسجم مع الفلسفة الحمائية للقانون الاجتماعي.
– Jean Pélissier, Alain Supiot, Antoine Jeammaud, Droit du travail, Dalloz, 2006, p. 115 ↑
- – يُلاحظ أن النظام العام الحمائي يتلائم في تطبيقه أكثر مع جزاء البطلان النسبي، بخلاف النظام العام التوجيهي الذي يرتبط بالبطلان المطلق، وهو الاتجاه الذي تبنّته محكمة النقض الفرنسية في قرارها الصادر بتاريخ 2 أكتوبر 2007.
انظر: حسناء جبران، النظرية العامة للعقد ومقتضيات حماية المستهلك، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة الحسن الأول – كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بسطات، السنة الجامعية 2019–2020، ص. 403. ↑ - – L’ordre public de protection se distingue de l’ordre public classique en ce qu’il vise la sauvegarde d’intérêts privés jugés essentiels, notamment ceux des travailleurs.
Il s’agit d’un mécanisme juridique qui impose des règles impératives pour empêcher que la partie faible ne subisse les effets d’un déséquilibre contractuel, même avec son accord.
Cette conception limite la force obligatoire du contrat au profit d’une protection minimale garantie par la loi.Gérard Lyon-Caen, Droit social, Paris, Litec, 15ᵉ édition, 1990, p. 215 ↑
- – البطلان المطلق ذو الطبيعة الآلية يُطبق بقوة القانون، دونما حاجة إلى تدخل القاضي للتصريح به أو إلى طلب من أحد الأطراف، وذلك عملاً بمقتضيات الفصل 306 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على أن: الالتزام الباطل بقوة القانون لا يمكن أن ينتج أي أثر، إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذاً له. ويكون الالتزام باطلاً بقوة القانون: 1- إذا كان ينقصه أحد الأركان اللازمة لقيامه؛ 2- إذا قرر القانون
ويُضاف إلى ذلك ما قرره الفصل 62 من نفس القانون بأن: الالتزام الذي لا سبب له أو المبني على سبب غير مشروع يعد كأن لم يكن. ويكون السبب غير مشروع إذا كان مخالفاً للأخلاق الحميدة أو للنظام العام أو للقانون.
علاوة على مقتضيات الفصل 3 من قانون المسطرة المدنية انه: يتعين على القاضي أن يبت في حدود طلبات الأطراف ولا يسوغ له أن يغير تلقائيا موضوع أو سبب هذه الطلبات ويبت دائما طبقا للقوانين المطبقة على النازلة ولو لم يطلب الأطراف ذلك بصفة صريحة.
– ذهب مأمون الكزبري إلى أن البطلان المطلق هو جزاء لمخالفة قاعدة من النظام العام، ويتميز بطبيعته الآمرة التي تجعل آثاره تترتب تلقائيًا منذ نشأة العقد المخالف، بحيث يعتبر كأن لم يكن دون حاجة إلى تدخل القضاء لإنشائه، ويجوز لكل ذي مصلحة وللقاضي إثارته من تلقاء نفسه. ويرى أن هذا النوع من البطلان لا يرمي إلى حماية مصلحة خاصة، بل إلى حماية المصلحة العامة وصيانة النظام القانوني في مجموعه.”
-الكزبري، مأمون، نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي، المجلد الأول مصادر الالتزام، الصفحة. 160.
انظر أيضا في الفقه الفرنسي:
-La nullité absolue constitue la sanction de la violation d’une règle d’ordre public. Elle vise à protéger l’intérêt général plutôt que les intérêts privés des parties. Ses effets se produisent de plein droit dès la formation de l’acte irrégulier, lequel est réputé n’avoir jamais existé. La nullité absolue peut être invoquée par toute personne y ayant intérêt et peut être relevée d’office par le juge, même en l’absence de demande des parties, car elle touche aux fondements mêmes de l’ordre juridique.
-Terré, François, Simler, Philippe et Lequette, Yves, Droit civil – Les obligations, 12ᵉ édition, Paris, Dalloz, 2018, P 495 et suive. ↑
- – يُقصد بالبطلان النسبي ذلك الجزاء الذي يترتب عند مخالفة قاعدة قانونية وُضعت لحماية مصلحة خاصة، غالبًا ما تكون مصلحة أحد المتعاقدين، كحالة القاصر أو من شاب رضاه عيب كالغلط أو التدليس أو الإكراه. ولا يمكن التمسك بهذا البطلان إلا من قبل الطرف الذي شُرع لمصلحته، كما لا يجوز للقاضي إثارته من تلقاء نفسه لعدم تعلقه بالنظام العام. ويتميز البطلان النسبي بإمكانية تصحيح العقد أو إجازته بعد زوال سبب البطلان، مما يجعل أثره غير آلي بخلاف البطلان المطلق.
الكزبري، مأمون، نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي، المجلد الأول: مصادر الالتزام الصفحة. 165-166 ↑
- -تنص المادة الثانية من قانون رقم 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل انه: تعتبر باطلة بحكم القانون كل اتفاقية مخالفة لأحكام هذا القانون التي تعتبر من النظام العام، وبصفة خاصة كل اتفاقية ي باشر المشغل بموجبها اقتطاعات من أجور الأجراء أو المستخدمين للتأمين الكلي أو الجزئي عن حوادث الشغل أو للتخفيف من التكاليف التي يمكن أن يتحملها تطبيقا لأحكام هذا القانون في حالة عدم إبرامه لعقد تأمين. ↑
- -يمثل التدخل الوقائي القانوني إحدى أهم تجليات النظام العام الحمائي، إذ لا يقتصر دور المشرّع على معالجة الإخلال بعد وقوعه، بل يمتد ليمنع ابتداءً كل اتفاق أو شرط تعاقدي من شأنه نقل عبء الخطر من المشغّل إلى الأجير. ويتجلى هذا البعد الوقائي في إسقاط المقتضيات المخالفة تلقائيًا دون حاجة إلى حكم قضائي منشئ، ما دامت العلة في البطلان مرتبطة بمخالفة قاعدة آمرة من صميم النظام العام
لاستزادة أنظر
-Malaurie, Philippe, et Aynès, Laurent, Les obligations, 12ᵉ éd., Paris, LGDJ – Lextenso, 2022, n° 108, p. 92.
« L’ordre public de protection joue un rôle préventif, interdisant dès l’origine toute clause transférant la charge du risque de l’employeur vers le salarié. Les stipulations contraires sont frappées de nullité de plein droit, sans nécessité d’un jugement constitutif, la cause résidant dans la violation d’une règle impérative. Comme le soulignent Malaurie et Aynès,»
et Terré, Simler et Lequette, « La nullité absolue… joue un rôle prophylactique autant que répressif »². Reste à savoir si la jurisprudence applique cette rigueur. »
-Terré, François, Simler, Philippe et Lequette, Yves, Droit civil – Les obligations, 12ᵉ éd., Paris, Dalloz, 2018, n° 497, p. 450. ↑
- المجلس الأعلى سابقا ↑
- -قرار محكمة الاستئناف الاجتماعية (غير منشور)، عدد 273، بتاريخ 25/03/2010، الملف الاجتماعي عدد 566/1/5/2009. ↑
- -القرارعدد 2/34 الصادر بتاريخ 06/01/2021 في الملف الاجتماعي عدد 204/2/5/2019 (غير منشور، أورده محمد سعد الجرندي، الدليل العملي لظهير حوادث الشغل ،قراءة تحليلية ونقدية لمقتضيات القانون 18.12 ، الطبعة الأولى ،مطبعة النجاح الجديدة ،سنة 2025، الصفخة 20. ↑
- – النيابة العامة (Ministère public) هي سلطة قضائية تتكوّن من قضاة يمارسون وظيفة الاتهام والدفاع عن المصلحة العامة، ويكلفون بالسهر على احترام سيادة القانون وحماية النظام العام، من خلال تحريك الدعوى العمومية وتتبع تنفيذ الأحكام، إضافةً إلى صلاحيات خاصة في بعض المنازعات المدنية متى تعلق الأمر بحقوق مرتبطة بالنظام العام.
للاستزادة راجع عبد الواحد العلمي، الشرح في القانون الجديد المتعلق بالمسطرة الجنائية، الجزء الأول، الطبعة الأولى، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2006، الصفحة 83. ↑ - – ينص البند الأول من الفصل 9 من قانون المسطرة المدنية، الصادر بموجب الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.447 بتاريخ 11 رمضان 1394 (28 شتنبر 1974)، والمنشور في الجريدة الرسمية عدد 3230 مكرر بتاريخ 13 رمضان 1394 (30 شتنبر 1974)، الصفحة 2741، على ما يلي:
“يجب أن تبلغ إلى النيابة العامة الدعاوى الآتية
1-القضايا المتعلقة بالنظام العام والدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية والهبات والوصايا لفائدة المؤسسات الخيرية وممتلكات الأحباس والأراضي الجماعية؛ ↑
- – محكمة النقض، الغرفة الاجتماعية، القرار عدد 975، الصادر بتاريخ 25 نونبر 2010، في الملف الاجتماعي عدد 2009/2/5/1613، غير منشور، ↑
- – حكمة النقض (الغرفة الاجتماعية)، القرار عدد 975، الصادر بتاريخ 25 نونبر 2010، في الملف الاجتماعي عدد 2009/2/5/1613، غير منشور
“…لكن من جهة أولى، وخلافًا لما ورد بالسبب الأول المعتمد في النقض، فإن الثابت من القرار المطعون فيه أنه قد نص على ما يلي : « وحيث أُحيل الملف على النيابة العامة فأدلت بمستنتجاتها المؤدية إلى تطبيق القانون » ، وتصريحات الأحكام موثوق بها ما لم يُثبت ما يخالفه، مما يبقى ما ورد بالقرار المطعون فيه لا يشكل تحريفًا لوقائع الدعوى، وما بالسبب الأول على غير أساس…” ↑
- – دهب بعض الفقه الى ان العدالة الاجتماعية هي ضرورة ملحة لاستفادة المجتمع من صفات الانسان وأخلاقه داخل إطار علاقة تتسم بالعدل.
أورده خالد مجاهد، مفهوم النظام العام في العقد، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، عين الشق – الدار البيضاء، 2005-2006، الصفحة.15. ↑
- -فلا وجود للتعارض بين تدخل المشرع في العقود من زاوية المذهب الإرادي والتمسك ببعض المصالح الجماعية التي تبرر هذا التدخل كإعادة تقسيم الخيرات، وتنظيم ساعات الشغل… فالحرية الفردية هي التي تشكل خطرًا على المجتمع والأفراد عند التعاقد، تخضع لما حدده المشرع واعتبره عادلاً، بمعنى آخر يجب أن تتوافق إرادة الأطراف المصرح عنها مع الإرادة الجماعية. أورده خالد مجاهد، مفهوم النظام العام في العقد، مرجع سابق الصفحة 3و4. ↑
- – حيث إن قاعدة العقد شريعة المتعاقدين تُعدّ من النظام العام الوطني والدولي، وإن كان هناك استثناء لهذه القاعدة يتمثل في حالات الصورية والوضع الظاهر والانعدام الضمني للعقد، إذ يمكن في هذه الحالات اعتبار الشخص طرفًا في العقد حتى وإن لم يكن موقعًا عليه.
القرار عدد 2/397 الصادر بتاريخ 09 أبريل 2024، محكمة النقض (الغرفة المدنية)، ملف تحكيم ↑
- – ينص الفصل 3 من قانون المسطرة المدنية انه:
يتعين على القاضي أن يبت في حدود طلبات الأطراف ولا يسوغ له أن يغير تلقائيا موضوع أو سبب هذه الطلبات ويبت دائما طبقا للقوانين المطبقة على النازلة ولو لم يطلب الأطراف ذلك بصفة صريحة. ↑
- -مبدأ «لا يضار المستأنف من استئنافه» هو قاعدة إجرائية كرّسها الفقه والاجتهاد القضائي، ومقتضاها أن من يباشر طريق الطعن بالاستئناف لا ينبغي أن تتدهور وضعيته القانونية بسبب هذا الطعن. وبعبارة أخرى، لا يجوز لمحكمة الاستئناف أن تصدر في مواجهته حكمًا أشد أو أقصى مما قضت به محكمة الدرجة الأولى، ما لم يتقدم الطرف المقابل بدوره باستئناف مضاد يفتح للمحكمة مجال مراجعة أوسع.
-للاستزادة راجع محمد الكشبور، “تأصيل قاعدة لا يضار أحد باستئنافه”، تعليق على قرار المجلس الأعلى عدد 816 بتاريخ 1 يوليوز 1997، ملف اجتماعي عدد 95/1/4/1295، منشور في مجلة التعليق على قرارات قضائية. ↑
- – بلال العشيري، الاجتهاد القضائي في مادة حوادث الشغل والأمراض المهنية، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط (الطبعة الثانية 2015) الصفحة 218 ↑
- – بلال العشيري، الاجتهاد القضائي في مادة حوادث الشغل والأمراض المهنية، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط (الطبعة الثانية 2015) الصفحة 222 ↑
- – محكمة النقض، الغرفة الاجتماعية، القرار عدد 2/397، الصادر بتاريخ 9 أبريل 2024، في الملف الاجتماعي عدد 2549/5/2021، غير منشور. ↑
- – مبدأ المواجهة هو قاعدة أساسية في المحاكمة العادلة، تقوم على تمكين كل طرف في الخصومة من العلم بجميع الحجج والدفوع والوثائق التي يقدمها الطرف الآخر، ومنحه فرصة حقيقية للرد عليها ومناقشتها أمام المحكمة الهدف منه هو ضمان الشفافية والمساواة في عرض الحجج، ومنع عنصر المفاجأة الذي قد يخلّ بتوازن المراكز القانونية.
أما حقوق الدفاع فهي مفهوم أوسع، وتشمل كل الضمانات الإجرائية التي تكفل للطرف الدفاع عن مصالحه وحقوقه في جميع مراحل الدعوى، مثل: الحق في الاطلاع على الملف، تقديم الطلبات والدفوع، استدعاء ومناقشة الشهود، الاستعانة بمحام، والطعن في الأحكام…
لاستزادة انظر عبد الكريم الطالب، الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية، الطبعة العاشرة، مكتبة المعرفة، مراكش، 2023. ↑
- –تنص المادة 137 من القانون رقم 18.12 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل على ما يلي:
«يجب على المقاولة المؤمِّنة أن تقوم بأداء مختلف المصاريف والتعويضات المضمونة قانونيًا داخل أجل الثلاثين يومًا الموالية لتاريخ التوقيع على محضر الصلح.» ↑ - -سعيد بعزيز ،حماية الأجير من الإصابة المهنية في ضوء القانون رقم 18.12 متعلق بالتعويض عن حوادث الشغل الطبعة الأولى ،منشورات دار الآمان الرباط ، سنة 2023 ،314. ↑
- وهو ما أكد عليه الدستور المغربي في الالتزام الثامن من التصدير، بموجب الظهير شريف رقم 1.11.91 الصادر في27 من شعبان 1432 (29يوليو2011) بتنفيذ نص الدستور، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، بتاريخ28 شعبان 1432 (30يوليو2011)، ص 3600. ↑
- الأمن السيبراني هو “مجموعة من التدابير والإجراءات ومفاهيم الأمن وطرق إدارة المخاطر والأعمال والتكوينات وأفضل الممارسات والتكنولوجيات التي تسمح لنظام معلومات أن تقاوم أحداثا مرتبطة بالفضاء السيبراني، من شأنها أن تمس بتوافر وسلامة وسرية المعطيات المخزنة أو المعالجة أو المرسلة، والخدمات ذات الصلة التي يقدمها هذا النظام أو تسمح بالولوج إليه”. وهو ما جاء في الفقرة الأولى من لمادة الثانية من الظهير الشريف رقم 1.20.69 الصادر في 4 ذي الحجة 1441 (25 يوليو 2020) بتنفيذ القانون رقم 05.20 المتعلق بالأمن السيبيراني، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 6904 بتاريخ 30 يوليو 2020 ص 4160 ↑






