أخلاقيات العمل الصحفي في تغطية الكوارث الإنسانية والطبيعية (دراسة مقارنة بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي) الأستاذة الباحثة : فاطمة حمد خالد آل ثاني
أخلاقيات العمل الصحفي في تغطية الكوارث الإنسانية والطبيعية
(دراسة مقارنة بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي)
Journalistic Ethics in Covering Humanitarian and Natural Disasters
)A Comparative Study Between Traditional Media and Digital Media)
الأستاذة الباحثة : فاطمة حمد خالد آل ثاني
هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 59 الخاص بشهر غشت / شتنبر 2025
رابط تسجيل الاصدار في DOI
https://doi.org/10.63585/KWIZ8576
للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

أخلاقيات العمل الصحفي في تغطية الكوارث الإنسانية والطبيعية
(دراسة مقارنة بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي)
Journalistic Ethics in Covering Humanitarian and Natural Disasters
)A Comparative Study Between Traditional Media and Digital Media)
الأستاذة الباحثة : فاطمة حمد خالد آل ثاني
مستخلص:
تناولت هذه الدراسة موضوع أخلاقيات العمل الصحفي في تغطية الكوارث الإنسانية والطبيعية، من خلال مقارنة منهجية بين الإعلام التقليدي (كالصحف الورقية والتلفزيون) والإعلام الرقمي (كالصحافة الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي). سعت الدراسة إلى الإجابة عن السؤال الرئيس المتمثل في: “إلى أي مدى تلتزم وسائل الإعلام التقليدية والرقمية بأخلاقيات العمل الصحفي أثناء تغطية الكوارث، وما أوجه التشابه والاختلاف بينهما؟”، وانبثقت عنه أسئلة فرعية تتعلق بأبرز المعايير الأخلاقية في مثل هذه التغطيات، ومدى تأثير الوسيط الرقمي على سلوكيات النشر، وانعكاسات ذلك على الوعي المجتمعي. اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، مستندة إلى تحليل محتوى تغطيات إعلامية مختارة لعدد من الكوارث التي وقعت بين عامي 2022 و2024 في عدد من الدول العربية، بالإضافة إلى مراجعة الأدبيات وجمع آراء مهنية من المشتغلين في الحقل الصحفي. هدفت الدراسة إلى تقييم مدى الالتزام بالمعايير المهنية، وتحديد أوجه القصور والانتهاك في كلا النمطين الإعلاميين، مع تقديم مقترحات لتعزيز التغطية الإعلامية المسؤولة. توصلت الدراسة إلى عدد من النتائج، من أبرزها: أن الإعلام الرقمي أتاح سرعة الوصول والتفاعل، لكنه زاد من معدلات الانتهاك الأخلاقي بسبب غياب الرقابة المؤسسية، و أن الإعلام التقليدي أكثر تحفظاً في عرض الصور والمحتوى الحساس، لكنه يعاني من بطء التفاعل مقارنة بالرقمي. كما أوصت الدراسة بـضرورة صياغة مدونات سلوك محدثة تلائم طبيعة الإعلام الرقمي، وتعزيز التكوين الأخلاقي للصحفيين من خلال برامج تدريبية متخصصة في التغطية الإنسانية. تمثل هذه الدراسة إسهاماً أكاديمياً ومهنياً في مجال الإعلام الأخلاقي، وتدعو إلى مواءمة القيم الإنسانية مع تطورات الوسائط الإعلامية.
الكلمات المفتاحية:
أخلاقيات الإعلام – الكوارث الإنسانية – الإعلام الرقمي – الإعلام التقليدي – تغطية الأزمات
Abstract:
This study addressed the ethics of journalistic work in covering humanitarian and natural disasters through a systematic comparison between traditional media (such as print newspapers and television) and digital media (such as online journalism and social media platforms). The study sought to answer the main question: “To what extent do traditional and digital media adhere to journalistic ethics during disaster coverage, and what are the similarities and differences between them?” Sub-questions focused on the key ethical standards applicable in such coverage, the impact of digital media on publishing behaviors, and the reflections of these practices on public awareness. The study relied on a descriptive-analytical methodology, based on content analysis of selected media coverage of several disasters occurring between 2022 and 2024 across various Arab countries, in addition to literature review and collecting professional opinions from journalists. The study aimed to assess the degree of adherence to professional standards and identify shortcomings and violations in both media types, while proposing recommendations to enhance responsible media coverage. The findings highlighted that digital media facilitated rapid access and interaction but increased ethical violations due to the lack of institutional oversight, whereas traditional media showed more restraint in presenting sensitive images and content but suffered from slower responsiveness compared to digital media. The study recommended the development of updated codes of conduct tailored to the nature of digital media and strengthening the ethical training of journalists through specialized programs focused on humanitarian coverage. This research contributes academically and professionally to the field of media ethics and calls for aligning human values with the evolving media landscape.
Keywords:
Media ethics – Humanitarian disasters – Digital media – Traditional media – Crisis coverage
مقدمة:
شهد المجال الإعلامي تحولات جذرية خلال العقود الأخيرة، لا سيما مع بروز الإعلام الرقمي وسيطرة شبكات التواصل الاجتماعي على تدفق الأخبار والمعلومات، خصوصاً في أوقات الكوارث الإنسانية مثل الحروب، الزلازل، الفيضانات، والأوبئة. في مثل هذه الظروف، يتزايد الاعتماد على وسائل الإعلام لنقل الحقائق وتوجيه الرأي العام، إلا أن ذلك غالباً ما يتم وسط ضغوط كبيرة قد تخل بمواثيق الشرف الصحفي وأخلاقيات المهنة.
وفي خضم التنافس على السبق الصحفي وسرعة التغطية، تظهر إشكالات عديدة تتعلق بعرض صور الضحايا، نشر معلومات غير دقيقة، أو استخدام عبارات تحريضية تُفاقم الأزمة. الإعلام الرقمي، رغم ما يوفره من حرية وسرعة، زاد من تعقيد هذه الإشكالات، إذ بات المجال مفتوحاً أمام جهات غير مهنية للمشاركة في صناعة الخطاب الإعلامي دون ضوابط واضحة.
من هذا المنطلق، تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على واقع أخلاقيات العمل الصحفي أثناء الكوارث الإنسانية والطبيعية، من خلال مقارنة بين الإعلام التقليدي (كالصحف الورقية والتلفزيون) والإعلام الرقمي (مثل الصحافة الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي)، سعياً لتقييم مدى التزام كل منهما بالمعايير الأخلاقية، وتحليل أوجه القصور والنجاح في التعامل مع مثل هذه التغطيات الحرجة.
مشكلة الدراسة:
تتمثل المشكلة الرئيسية في التساؤل التالي:
إلى أي مدى تلتزم وسائل الإعلام التقليدية والرقمية بأخلاقيات العمل الصحفي أثناء تغطية الكوارث الإنسانية والطبيعية، وما أوجه التشابه والاختلاف بينهما في هذا السياق؟
ويتفرع من هذه الإشكالية عدد من التساؤلات الفرعية:
- ما هي أبرز المعايير الأخلاقية الواجب مراعاتها عند تغطية الكوارث الإنسانية والطبيعية؟
- كيف تتعامل المؤسسات الإعلامية التقليدية مع هذه المعايير مقارنةً بالإعلام الرقمي؟
- ما مدى تأثير المنصات الرقمية على ممارسات النشر أثناء الأزمات؟
- هل تسهم هذه التغطيات في التوعية والدعم، أم أنها تكرّس الإثارة والمتاجرة بالمآسي؟
أهداف الدراسة
تهدف هذه الدراسة إلى:
- تحليل مدى التزام وسائل الإعلام المختلفة بأخلاقيات العمل الصحفي خلال تغطية الكوارث الإنسانية والطبيعية.
- مقارنة الأساليب المستخدمة في الإعلام التقليدي مقابل الإعلام الرقمي في تغطية الكوارث.
- رصد الانتهاكات الأخلاقية الشائعة في التغطيات الإعلامية، وتحديد أسبابها وسياقاتها.
- اقتراح توصيات مهنية لتعزيز التغطية الأخلاقية المسؤولة في حالات الكوارث.
أهمية الدراسة
تبرز أهمية هذه الدراسة من خلال:
- البُعد المهني: إذ تُسهم في رفع وعي الصحفيين وصناع المحتوى بمسؤولياتهم الأخلاقية أثناء الأزمات، حيث تكون المعلومات حساسة والتأثير مضاعف.
- البُعد الأكاديمي: تقدم إطاراً علمياً مقارناً بين الإعلام التقليدي والرقمي في سياق محدد، وهو التغطية الإنسانية، مما يثري الأدبيات البحثية في الإعلام الأخلاقي.
- البُعد المجتمعي: نظراً لدور الإعلام في تشكيل مواقف الجمهور أثناء الكوارث، فإن تعزيز الممارسات الأخلاقية يسهم في دعم التضامن، وتفادي التحريض أو نشر الإشاعات.
منهجية الدراسة:
اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي لدراسة أخلاقيات العمل الصحفي في تغطية الكوارث الإنسانية والطبيعية دراسة مقارنة بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي .
كما تستند إلى مراجعة الأدبيات ومواقع التواصل الاجتماعي لتوضيح الأطر النظرية والتطبيقية لمقارنة بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي من حيث اخلاقيات العمل الصحفي في تغطية الكوارث .
حدود الدراسة:
- الزمانية: تشمل تغطيات حدثت بين عامي 2022 و2024.
- المكانية: تركز على على تغطيات وسائل إعلام عربية (وقد تُمثل غزة ، السودان، المغرب) .
- الموضوعية: تقتصر على الدور الإعلامي التقليدي والإعلام الرقمي من حيث اخلاقيات العمل الصحفي في تغطية الكوارث.
أدوات جمع البيانات:
- تحليل محتوى تغطيات إعلامية مختارة.
عينة الدراسة:
- مواد إعلامية تقليدية: مقالات وتقارير من صحف ورقية أو قنوات رسمية.
- مواد إعلامية رقمية: منشورات من مواقع إخبارية أو وسائل التواصل الاجتماعي.
هيكل الدراسة:
المبحث الأول: المفهوم النظري والقانوني للعمل الصحفي والإعلامي
المطلب الأول: المفهوم الأخلاقي والقانوني للعمل الصحفي والإعلامي
المطلب الثاني: تغطية الكوارث الإنسانية في الإعلام
المطلب الثالث: الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي: خصائص وتفاعلات
المبحث الثاني: مقارنة بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي في تغطية الكوارث.
المطلب الأول: الفروق بين المحتوى التقليدي والرقمي
المطلب الثاني: مقارنة بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي في تغطية الكوارث
المطلب الثالث: التغطية الإعلامية التقليدية لكارثة زلزال المغرب
الخاتمة.
النتائج والتوصيات.
المصادر والمراجع.
المبحث الأول:
المفهوم النظري والقانوني للعمل الصحفي والإعلامي
المطلب الأول: المفهوم الأخلاقي والقانوني للعمل الصحفي والإعلامي
الفرع الأول: مفهوم أخلاقيات العمل الصفحي
تشير أخلاقيات العمل الصحفي إلى منظومة من المبادئ والمعايير المهنية التي تُعنى بتقنين سلوك المشتغلين بالصحافة، وتوجيه أدائهم بما يحقق التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية. وتهدف هذه الأخلاقيات إلى تعزيز الثقة بين وسائل الإعلام والجمهور من خلال الالتزام بقيم الحقيقة، والدقة، والموضوعية، والعدل، ولا سيما عند تغطية القضايا ذات الحساسية العالية، مثل الكوارث الإنسانية.([1])
وتُعد المواثيق الصحفية الدولية والوطنية مرجعًا رئيسيًا في تحديد هذه الأخلاقيات، ومن أبرزها “مدونة المبادئ الأخلاقية للاتحاد الدولي للصحفيين”، و”ميثاق الشرف الصحفي العربي”، اللذان يركزان على عدة قواعد أساسية، من أهمها:
- الدقة والصدق: الحرص على جمع المعلومات من مصادر موثوقة والتحقق منها قبل النشر، وتجنب التضليل أو التهويل.
- الاستقلالية: التحرر من التأثيرات الخارجية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية، والحفاظ على حرية القرار التحريري.
- الحياد والإنصاف: تغطية الأحداث بطريقة متوازنة، مع تمثيل وجهات النظر المتنوعة دون تحيّز.
- احترام الخصوصية: الامتناع عن نشر تفاصيل تمس الحياة الشخصية للأفراد دون مبرر مهني واضح، خصوصًا في حالات المرض أو الوفاة أو الكوارث.
- رفض التمييز: الامتناع عن بث أو تبرير أي محتوى ينطوي على تمييز على أساس الجنس أو اللون أو العرق أو الدين أو الخلفية الثقافية.
- المسؤولية تجاه المجتمع: النظر في الآثار الاجتماعية والنفسية المحتملة للمواد المنشورة، خاصة تلك التي تتناول مشاهد العنف أو المعاناة.([2])
وتبرز أهمية هذه القواعد الأخلاقية على نحو خاص في أوقات الكوارث، حينما يكون الصحفي أمام مفترق طرق بين ضرورة إيصال الحقيقة للرأي العام، وبين واجب احترام كرامة الضحايا وتجنّب استغلال مآسيهم لتحقيق سبق صحفي. إن احترام أخلاقيات المهنة في مثل هذه السياقات لا يُعد مجرد التزام قانوني أو مؤسسي، بل هو تعبير عن وعي مهني وإنساني عميق بالدور الاجتماعي للإعلام.
الفرع الثاني: تعريف الأخلاقيات الإعلامية.
تشكل الأخلاقيات الإعلامية أحد المرتكزات الأساسية للعمل الإعلامي المهني، وهي تُفهم بوصفها نسقًا من القيم والمعايير السلوكية التي توجه أداء الصحفيين والعاملين في الحقل الإعلامي، بما يضمن التزامهم بمسؤولياتهم تجاه الجمهور والمجتمع على حد سواء. وتهدف هذه الأخلاقيات إلى تنظيم التفاعل بين الوسائل الإعلامية والجمهور، من خلال ضمان تقديم محتوى مهني يتسم بالصدق والدقة والموضوعية، ويعزز من الثقة العامة بالمؤسسة الإعلامية.
ولا تُعد الأخلاقيات الإعلامية مجرد التزام قانوني، بل هي إطار معياري يستند إلى منظومة من المبادئ الإنسانية العالمية، مثل احترام الكرامة البشرية، وحق الأفراد في الخصوصية، ومراعاة الآثار الاجتماعية للمحتوى الإعلامي، خاصة في السياقات الحساسة كالكوارث الإنسانية، أو النزاعات، أو القضايا الأخلاقية الشائكة.
وتتمثل أبرز القيم التي تؤطر الأخلاقيات الإعلامية في الموضوعية، والإنصاف، والامتناع عن نشر خطاب الكراهية، أو المعلومات المضلّلة، إلى جانب مراعاة التوازن بين الحق في المعرفة وواجب حماية الضحايا والمتضررين من التغطية الإعلامية الضارة. وقد صيغت هذه المبادئ في مواثيق مهنية مثل “مدونة المبادئ الأخلاقية للاتحاد الدولي للصحفيين” (2019)، و”ميثاق الشرف الصحفي” المعتمد في العديد من الدول.
وبذلك تُعد الأخلاقيات الإعلامية بوصلة مهنية وأخلاقية ترشد الإعلامي نحو تغطية مسؤولة وإنسانية، خاصة في أوقات الأزمات، حيث يكون الإعلام مطالبًا ليس فقط بنقل الحقائق، بل بفعل ذلك دون المساس بكرامة الإنسان أو استغلال معاناته.
الفرع الثالث: الفرق بين القانون الإعلامي والممارسة الأخلاقية.
يُعد التمييز بين القانون الإعلامي والأخلاقيات الإعلامية من المفاهيم الجوهرية في فهم طبيعة العمل الصحفي، إذ إن كلاهما ينظّم أداء وسائل الإعلام، لكن من منطلقين مختلفين في الجوهر والغرض والوسيلة. فالقانون الإعلامي يُعنى بتنظيم العمل الصحفي من خلال قواعد ملزمة تُسنّها السلطات التشريعية، ويخضع لمبدأ العقوبة في حال الخرق، بينما تنبثق الممارسة الأخلاقية من التزام داخلي طوعي يستند إلى معايير مهنية ومعنوية يختار الصحفي الامتثال لها بدافع الضمير المهني والمسؤولية الاجتماعية([3]).
أولاً: القانون الإعلامي
هو مجموعة من التشريعات الرسمية التي تحدد الحقوق والواجبات المتعلقة بحرية التعبير والنشر، وتُعنى بضبط العلاقة بين وسائل الإعلام من جهة، والمجتمع والدولة من جهة أخرى. ويتضمن هذا القانون ما يتعلق بحقوق النشر، وقضايا القذف والتشهير، وضوابط البث، وحقوق الملكية الفكرية، بالإضافة إلى اللوائح التي تنظم التراخيص الإعلامية وعمل المؤسسات الإعلامية ضمن الأطر القانونية الوطنية والدولية.
ثانيًا: الأخلاقيات الإعلامية
هي مجموعة من المبادئ والقيم السلوكية التي تهدف إلى توجيه العمل الصحفي نحو المصلحة العامة، دون الإخلال بكرامة الإنسان أو الإساءة للحقيقة. وتستند إلى مواثيق شرف صحفية يتم وضعها من قبل المؤسسات الإعلامية أو النقابات المهنية، مثل مدونات السلوك الأخلاقي أو الميثاق العالمي لأخلاقيات الصحافة. وهي لا تستلزم عقوبة قانونية مباشرة عند انتهاكها، لكنها تؤثر على مصداقية الصحفي ومكانته المهنية.
الفرق الجوهري بين الاثنين أن القانون يحكم بـ”الحق والباطل” بموجب نصوص قانونية واضحة، بينما تحكم الأخلاق بـ”الصواب والخطأ” بناءً على معايير مهنية وسياقية. فالصحفي قد يلتزم بالقانون دون أن يكون عمله أخلاقيًا، كما في حالة نشر صور ضحايا الكوارث بطريقة تفتقر إلى الاحترام، رغم عدم وجود مخالفة قانونية صريحة.
وعليه، فإن الصحافة المسؤولة لا تكتفي بالامتثال للقانون، بل ترتقي إلى الممارسة الأخلاقية التي تضع كرامة الإنسان، والحقيقة، والمصلحة العامة فوق المكاسب الآنية أو السبق الصحفي، خاصة في تغطية الأزمات والكوارث الإنسانية.
الفرع الرابع: مصادر القيم الأخلاقية في الإعلام (مواثيق الشرف، القوانين، الأعراف المهنية)
تستند الأخلاقيات الإعلامية إلى جملة من المصادر التي تشكل المرجعية المهنية والأخلاقية للصحفيين والمؤسسات الإعلامية، وتساعدهم في اتخاذ قرارات رشيدة، خصوصًا عند التغطية في بيئات شديدة الحساسية كالاضطرابات السياسية أو الكوارث الإنسانية. وتنقسم هذه المصادر إلى ثلاث فئات رئيسية: مواثيق الشرف الإعلامي، والتشريعات القانونية، والأعراف والتقاليد المهنية، ويكمل بعضها بعضًا في صياغة معايير العمل الصحفي المسؤول.
أولًا: مواثيق الشرف الإعلامي
تُعد مواثيق الشرف من أهم المصادر المعيارية للأخلاقيات المهنية، وهي وثائق معتمدة من قبل النقابات أو الهيئات الإعلامية تهدف إلى وضع قواعد سلوكية موحدة تُلزم الصحفيين بالمهنية، والنزاهة، والاحترام. ومن أبرز هذه المواثيق: “مدونة المبادئ الأخلاقية للاتحاد الدولي للصحفيين” (2019)، و”ميثاق الشرف الصحفي” في مصر، و”ميثاق العمل الصحفي العربي” الصادر عن جامعة الدول العربية.
تشمل هذه المواثيق مبادئ مثل: احترام الحقيقة، مراعاة الكرامة الإنسانية، الالتزام بالحياد، وعدم التحريض، وتجنّب انتهاك الخصوصية، وغيرها من المعايير التي تعزز ثقة الجمهور بالمؤسسة الإعلامية.
ثانيًا: القوانين والتشريعات
رغم أن القانون لا يُعد مصدرًا أخلاقيًا بالمعنى القيمي، إلا أنه يمثل إطارًا ملزمًا يحدد الحدود الدنيا للسلوك المقبول في العمل الإعلامي. تشمل القوانين الإعلامية موضوعات كحرية التعبير، وقوانين النشر، والتشهير، وحماية المعلومات الشخصية، وحظر خطاب الكراهية. وغالبًا ما تُستخدم هذه القوانين كوسيلة للضبط الخارجي، إلا أنها تسهم أيضًا في تعزيز القيم الأخلاقية من خلال ترسيخ ثقافة المساءلة والانضباط المهني.
ثالثًا: الأعراف والتقاليد المهنية
تشكل الأعراف الصحفية تراكمًا تاريخيًا من الممارسات المهنية التي جُرّبت وثبتت فاعليتها في مختلف البيئات الإعلامية. وتنبع هذه الأعراف من التجارب اليومية للمؤسسات الإعلامية، وتتجلى في أنماط غير مكتوبة لكنها معروفة ومتداولة، مثل الامتناع عن نشر صور صادمة لضحايا الكوارث، أو عدم إقحام القضايا الإنسانية في الحملات السياسية أو الإعلانية. ورغم أنها ليست ملزمة قانونيًا، إلا أن الخروج عنها قد يُعرض الصحفي لفقدان سمعته المهنية أو الثقة العامة.
إن التكامل بين هذه المصادر الثلاثة يُنتج منظومة أخلاقية مرنة لكنها راسخة، تُمكّن الصحفي من التعامل مع تعقيدات الواقع الإعلامي بطريقة متوازنة، تراعي مقتضيات المهنة وتُعلي من شأن المسؤولية الإنسانية. فالأخلاقيات لا تُختزل في القوانين، بل تتجاوزها إلى ضمير حيّ تحركه مواثيق الشرف وتجارب المهنة.
المطلب الثاني: تغطية الكوارث الإنسانية في الإعلام
الفرع الأول: الخصوصية الأخلاقية لتغطية الكوارث: التعامل مع الألم، الاحترام، والكرامة.
تعتبر تغطية الكوارث الإنسانية من أكثر المهام الصحفية تعقيدًا، حيث تتطلب موازنة دقيقة بين نقل الحقيقة والمصداقية، وبين احترام الأفراد المتضررين والمحافظة على كرامتهم. وتبرز الخصوصية الأخلاقية في هذا السياق من خلال المعايير التي يجب على الصحفيين اتباعها عند تغطية الأحداث الكارثية التي تتضمن معاناة بشرية، مثل الحروب، والكوارث الطبيعية، والأزمات الإنسانية.
أولًا: التعامل مع الألم والمعاناة الإنسانية
يجب أن يراعي الصحفي في تغطيته للكوارث الإنسانية مشاعر الألم والمعاناة التي يمر بها الضحايا. فالأحداث الكارثية قد تؤدي إلى صدمات نفسية، ونقل صور أو تقارير حساسة قد يزيد من وطأة هذا الألم. وبالتالي، تُعد المسؤولية الاجتماعية عن كيفية تقديم تلك الأخبار من أولويات الصحفي، خاصة في السياقات التي تكون فيها المشاهد مؤلمة للغاية. ويجب أن يتم نقل هذه الصور والمشاهد بدقة دون تهويل، مع الحذر من نشر ما يُمكن أن يؤدي إلى زيادة الألم أو إثارة مشاعر الصدمة لدى المتضررين.
ثانيًا: الاحترام للضحايا وعائلاتهم
من أهم الخصوصيات الأخلاقية التي يجب مراعاتها في تغطية الكوارث هو احترام حقوق الضحايا وعائلاتهم. وهذا يشمل عدم استغلال معاناتهم لأغراض تجارية أو سياسية، والامتناع عن نشر تفاصيل خاصة قد تُعرّضهم للمزيد من الأذى أو الخجل. كما يجب تجنب التصوير أو الإبلاغ عن المشاهد الجسدية التي قد تُعتبر انتهاكًا للخصوصية، مثل صور الجثث أو الأشخاص في حالات انكسار نفسي شديد. كما يُعد الاحترام للخصوصية جزءًا من الالتزام بالمعايير الأخلاقية التي تضمن تقديم المعلومة دون المساس بالكرامة الإنسانية.
ثالثًا: الحفاظ على الكرامة الإنسانية
الكرامة الإنسانية هي العنصر الأساسي الذي يجب أن يكون في قلب التغطية الصحفية للكوارث. فعند نقل الأنباء المتعلقة بالكوارث، يجب على الإعلام أن يتجنب تسليع الألم أو التجرد من الإنسانية في سبيل تقديم سبق صحفي. إذ يجب أن يتم التركيز على نقل الحقائق بأسلوب يراعي الكرامة الإنسانية ويُظهر الاحترافية في التعامل مع الضحايا. ويستوجب الأمر أيضًا ألا يتم استخدام الكوارث لتحقيق مصالح شخصية أو تجارية، بل ينبغي على الصحافة أن تلعب دورًا مسؤولًا في توعية الجمهور حول كيفية التعامل مع الأزمات دون تعميق الخلافات أو تأجيج المشاعر السلبية.
الفرع الثاني: المسؤوليات المهنية أثناء الأزمات: تجنب الإثارة، ضمان الدقة، مراعاة مشاعر الجمهور.
تواجه وسائل الإعلام في أوقات الأزمات مسؤوليات مهنية وأخلاقية كبيرة، إذ تتطلب الظروف الاستثنائية مثل الكوارث الطبيعية أو النزاعات السياسية أو الأزمات الإنسانية اتخاذ قرارات صحفية دقيقة وحساسة. الإعلام في هذه الأوقات لا يقتصر على نقل الأخبار فحسب، بل يلعب دورًا رئيسيًا في تشكيل الوعي العام وتوجيهه، مما يفرض على الصحفيين ضرورة الحفاظ على مستوى عالٍ من المسؤولية المهنية في معالجة الأحداث.
أولًا: تجنب الإثارة والتضخيم
من أولى المسؤوليات التي تقع على عاتق الصحفيين في حالات الأزمات هي تجنب استخدام أساليب الإثارة أو التضخيم في تقديم المعلومات. أحيانًا قد يسعى بعض الإعلاميين إلى جذب الانتباه من خلال العناوين المثيرة أو الصور القاسية التي قد تثير الهلع أو الفزع بين الجمهور. إلا أن هذه الأساليب، رغم قدرتها على زيادة المشاهدات أو التفاعل، قد تؤدي إلى تفشي الخوف وتعزيز الذعر في المجتمع، مما يجعل الإعلام غير مسؤول في تقديم صورة مشوهة للحدث. على الصحفي أن يكون ملتزمًا بتقديم الحقائق بموضوعية وحياد، والابتعاد عن تحريف الأحداث أو المبالغة فيها.
ثانيًا: ضمان الدقة والمصداقية
الدقة في تقديم المعلومات هي عنصر أساسي في الإعلام المهني، ولا سيما أثناء الأزمات. في مثل هذه الظروف، تصبح الشائعات و الأخبار الكاذبة أكثر انتشارًا، ويؤدي نشرها دون تحقق إلى التضليل و التشويش على الحقائق. من هنا، ينبغي على الصحفيين أن يتحققوا من صحة المعلومات عبر المصادر الموثوقة والمعترف بها قبل نشرها. إن التسرع في نشر الأخبار دون التأكد من صحتها قد يؤدي إلى تفشي المعلومات المغلوطة، الأمر الذي يعرض الإعلام والمجتمع لخطر مضاعف. لذا، فإن التحقق الدقيق من المصادر يصبح أساسًا في الحفاظ على المصداقية الإعلامية وضمان تقديم صورة دقيقة للحدث.
ثالثًا: مراعاة مشاعر الجمهور
أحد أبرز التحديات التي يواجهها الصحفيون أثناء تغطية الأزمات هو مراعاة التأثير النفسي الذي قد تتركه الأخبار على الجمهور. فالتقارير حول المعاناة الإنسانية أو مشاهد العنف قد تثير مشاعر الحزن أو الغضب، وقد تؤدي إلى تأثيرات سلبية على الصحة النفسية للجمهور. في هذه الحالات، يجب على الصحفيين توخي الحذر الشديد في اختيار الصور و المقاطع الفيديو التي يتم نشرها، بحيث لا تساهم في زيادة المعاناة أو الاضطراب النفسي. من الأهمية بمكان أن يوازن الصحفي بين نقل الحقيقة والاحترام ل الكرامة الإنسانية، مع التأكد من أن المواد الإعلامية لا تُستغل لإثارة مشاعر سلبية أو تعزيز الفوضى.
الفرع الرابع: التحديات المرتبطة بسرعة الحدث والحاجة للمصداقية:
في ظل تسارع الأحداث وتدفق المعلومات بشكل لحظي، تواجه وسائل الإعلام تحديًا مركزيًا يتمثل في الموازنة بين سرعة النشر وموثوقية المحتوى. ففي بيئة إعلامية باتت تعتمد على السرعة كعامل تنافسي أساسي، أصبح الصحفيون مطالبين بالتصرف السريع لنقل المستجدات، دون أن يفقدوا بوصلتهم المهنية المتمثلة في الدقة والتحقق. هذا التحدي لا يقتصر فقط على الجانب العملي، بل يمتد ليشكل اختبارًا أخلاقيًا يعكس مدى التزام الصحفي بمسؤوليته تجاه الجمهور.
أولًا: ضغط الزمن والسباق الإعلامي
في خضم الكوارث أو الأزمات المفاجئة، تشهد غرف الأخبار ما يمكن تسميته بـ “حالة استنفار” حيث يسابق الصحفيون الزمن للحصول على المعلومات ونشرها قبل غيرهم. هذا السباق غالبًا ما يؤدي إلى التسرّع في النشر، وهو ما قد يفتح الباب واسعًا أمام الأخطاء، بل وربما التضليل. المشكلة هنا ليست في السرعة بحد ذاتها، بل في غياب آليات التحقق السريع التي تضمن أن ما يُنشر ليس مجرد مادة خام غير موثوقة، بل معلومة دقيقة تخدم الجمهور ولا تضلله.
ثانيًا: انتشار الإشاعات والمعلومات الزائفة
مع وجود وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح تداول الأخبار الزائفة يتم بسرعة مذهلة، وفي أحيان كثيرة تجد المؤسسات الإعلامية نفسها تحت ضغط جماهيري يدفعها لتأكيد أو نفي معلومات لم تُتح لها فرصة التحقق منها بعد. الانسياق وراء العناوين الرائجة أو ما يعرف بـ trending topics قد يغري بعض وسائل الإعلام بتكرار ما يتم تداوله، فقط بهدف البقاء في صدارة التفاعل، لكن هذا السلوك يعرض المصداقية الإعلامية لخطر التآكل. فالمصداقية لا تُبنى على المواكبة السطحية، بل على الصرامة في نقل الحقائق.
ثالثًا: مسؤولية التحقق و”الوقوف ضد التيار”
في كثير من الحالات، يكون الموقف المهني الصائب هو التأني، حتى عندما يبدو الجميع يسير في اتجاه معاكس. فالمؤسسات الإعلامية المسؤولة تفضّل أن تتأخر قليلًا في النشر على أن تسهم في نشر معلومة غير دقيقة أو مشوشة. هذه الروح المهنية تتطلب شجاعة، خصوصًا في أوقات تتزايد فيها الضغوط من الجمهور، والإدارات التحريرية، وحتى من المنافسين. إلا أن التحقق من الوقائع قبل نشرها ليس ترفًا، بل هو جوهر الممارسة الإعلامية الرصينة.
المطلب الثالث: الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي: خصائص وتفاعلات
الفرع الأول: الفرق الجوهري في طبيعة الوسيط (مؤسسات مقابل أفراد).
يُشكل اختلاف طبيعة الوسيط الإعلامي أحد أبرز التحولات المفصلية بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي، وهو اختلاف لا يقتصر على الجانب التقني فحسب، بل يمس جوهر العملية الاتصالية بأبعادها التنظيمية والمهنية والاجتماعية. ففي الإعلام التقليدي، يتوسط المؤسسات الإعلامية المحترفة—كالإذاعات، والصحف، والقنوات الفضائية—نقل المحتوى إلى الجمهور، وتخضع هذه المؤسسات لمنظومة تحريرية معقدة تتضمن قواعد للتدقيق والتحرير، وعمليات رقابة ذاتية قبل النشر، ما يمنحها مستوى عالٍ من الاحتراف والانضباط المهني([4]).
في المقابل، قلب الإعلام الرقمي هذه المعادلة رأسًا على عقب، حيث أتاحت الوسائط الجديدة، خصوصًا منصات التواصل الاجتماعي، للأفراد العاديين فرصة ممارسة العمل الإعلامي بأنفسهم دون الحاجة إلى الانتماء لمؤسسة رسمية. وأصبح بمقدور المستخدم أن ينشئ المحتوى، ويبثّه لحظيًا لجمهور واسع، دون المرور بمراحل الإنتاج الصحفي التقليدي. وقد أدى هذا التحول إلى بروز ما يُعرف بـ “الصحافة المواطنية”، حيث يؤدي الفرد دورًا إعلاميًا كاملاً – من الرصد إلى التحليل والنشر- متجاوزًا بذلك الوسيط المؤسساتي ([5]) .
هذا التحول من الوسيط المؤسسي إلى الوسيط الفردي أحدث ثغرة واضحة في مبدأ الضبط والتحرير، إذ تراجع الدور الرقابي، وازدادت مساحة حرية التعبير غير المقنّنة، ما أدى إلى انتشار المعلومات المغلوطة أحيانًا، وغياب التوازن المهني في كثير من التغطيات. ومع ذلك، أوجد هذا الشكل من الإعلام فرصًا غير مسبوقة لتوسيع المشاركة المجتمعية وتعزيز صوت الأفراد في القضايا العامة، لكنه في الوقت نفسه حمّلهم مسؤولية مضاعفة تتعلق بالدقة، والمصداقية، واحترام المعايير الأخلاقية للعمل الإعلامي.
الفرع الثاني: سرعة النشر مقابل عمق التحقق
يمثل التوتر القائم بين سرعة النشر وعمق التحقق إحدى أبرز الإشكاليات المهنية التي تواجه الإعلام المعاصر، خصوصًا في بيئة الإعلام الرقمي التي تتسم بإيقاع متسارع، وتنافس شديد على السبق الإخباري. ففي حين يُعتبر “السبق الصحفي” من معايير التميز المهني في الإعلام التقليدي، فإن الرقمي ذهب إلى مدى أبعد، حيث أصبحت السرعة مكونًا جوهريًا في المعادلة الاتصالية، بل أحيانًا تتجاوز الاعتبارات الأخلاقية والمهنية المرتبطة بالتحقق من صحة المعلومات .
في الإعلام التقليدي، تخضع الأخبار قبل نشرها لمراحل تحريرية متدرجة، تشمل المراجعة، والتدقيق، والتحقق من المصادر، وهو ما يعزز المصداقية ويقلل من احتمال الخطأ أو التضليل. وتؤكد الدراسات أن هذا العمق في التحقق لا يعني بالضرورة البطء، بل يُعد دليلاً على التزام الصحفي بمعايير الجودة والمهنية .أما في الإعلام الرقمي، وخاصة على منصات التواصل الاجتماعي، فإن آلية النشر الفوري تدفع المستخدمين، وحتى بعض المؤسسات الإعلامية، إلى التعجيل ببث المحتوى، أحيانًا دون التحقق الكافي، مما يؤدي إلى انتشار معلومات غير دقيقة أو مضللة.
وقد أظهرت أزمة جائحة “كوفيد-19” مثالًا حيًا على هذا التوتر، حيث تسابقت المنصات الرقمية في نقل الأخبار العاجلة والتحديثات، في حين حذّرت المنظمات الإعلامية المهنية من مخاطر “الانتشار قبل التحقق”، مشددة على ضرورة العودة إلى المصادر الرسمية، وتبنّي سياسة “الدقة أولًا” بدلاً من “السرعة أولًا”.
إن الجمع بين السرعة والتحقق لم يعد خيارًا بل ضرورة ملحّة في زمن الأخبار الفورية، وهو ما يفرض على الصحفيين امتلاك أدوات رقمية للتحقق السريع، إلى جانب ترسيخ ثقافة المراجعة التحريرية حتى في البيئات الرقمية. كما أن الجمهور ذاته أصبح أكثر وعيًا، ويطالب بمحتوى موثوق، لا مجرد محتوى سريع، وهو ما يعيد ترتيب أولويات المؤسسات الإعلامية في ظل هذا التحول العميق.
الفرع الثالث: حضور الرقيب (التحريري أو القانوني) في الإعلام التقليدي مقابل الانفتاح في الإعلام الرقمي
يُعد حضور الرقيب – سواء كان تحريريًا داخليًا أو قانونيًا خارجيًا – من السمات الأساسية التي تميز الإعلام التقليدي عن نظيره الرقمي. ففي الإعلام التقليدي، تُمارس المؤسسات الإعلامية رقابة تحريرية صارمة من خلال هيئات تحريرية متخصصة تتولى فحص المواد الإعلامية قبل نشرها، لضمان التزامها بالسياسات التحريرية، والمعايير المهنية، والقوانين الناظمة للعمل الصحفي. كما أن الرقابة القانونية تمثل عاملًا مؤثرًا، إذ تخضع وسائل الإعلام التقليدية لمنظومة من التشريعات المرتبطة بالنشر، مثل قوانين الصحافة والمطبوعات، والتشهير، وأمن الدولة، ما يحدّ من هامش المناورة ويعزز من مركزية القرار التحريري ([6]) .
في المقابل، يتسم الإعلام الرقمي، وخاصة عبر المنصات الاجتماعية، بانفتاح غير مسبوق في نشر المحتوى، حيث لا توجد آليات رقابة تحريرية واضحة، ولا يخضع الأفراد، في الغالب، لذات الأنظمة القانونية والتنظيمية التي تُفرض على المؤسسات التقليدية. هذا الانفتاح أتاح حرية تعبير واسعة، لكنه فتح الباب أيضًا أمام مشكلات خطيرة مثل نشر خطاب الكراهية، والمعلومات المضللة، وانتهاك الخصوصية، وهو ما دعا بعض الدول إلى التفكير في تقنين البيئة الرقمية عبر تشريعات خاصة بـ “الإعلام الإلكتروني” و”الجرائم المعلوماتية”([7]) .
إن غياب الرقيب في الفضاء الرقمي لا يعني غياب الرقابة تمامًا، بل تحوّلها من مؤسسات رسمية إلى “رقابة مجتمعية” أو خوارزمية، تتم عبر التبليغات الجماعية، أو عبر سياسات المنصات الرقمية ذاتها. ومع ذلك، لا تزال الفجوة بين الانضباط المهني في الإعلام التقليدي والانفتاح شبه الكامل في الرقمي تثير أسئلة أخلاقية وتنظيمية جوهرية، تستدعي إعادة التفكير في نماذج الحوكمة الإعلامية في عصر الإنترنت.
الفرع الرابع: الدراسات السابقة
1- تناولت دراسة “الأخلاقيات الإعلامية في تغطية الكوارث: دراسة تحليلية لمضامين التغطية الصحفية لزلزال المغرب 2023″ للباحث د. عبد الرزاق بن عمر (مجلة علوم الإعلام والاتصال، جامعة الجزائر، 2024) تحليلًا لمضامين التغطية الإعلامية لزلزال الحوز من منظور أخلاقي، من خلال دراسة خمس صحف مغربية إلكترونية ومطبوعة. وخلصت الدراسة إلى أن غالبية المحتوى الإعلامي ركزت على الجوانب المأساوية دون مراعاة كافية لمشاعر الضحايا، مع بروز واضح لاستخدام الإثارة، خصوصًا في العناوين والصور، ما يعكس ضعف الالتزام بمواثيق الشرف الصحفي. كما أظهرت الدراسة أن الإعلام الرقمي تميز بسرعة التغطية لكنه عانى من غياب التحقق والتوثيق، في مقابل التزام أكبر بالدقة والتحرير لدى الإعلام التقليدي رغم تأخره الزمني. وأوصت الدراسة بضرورة وضع مدونات سلوك أكثر إلزامًا عند تغطية الكوارث، خصوصًا في الوسائط الرقمية، مع التركيز على التدريب الأخلاقي للصحفيين لضمان تغطية مهنية ومسؤولة.
2- تناولت دراسة بعنوان “الممارسة الأخلاقية في الإعلام التقليدي والرقمي: دراسة مقارنة في البيئة العربية” للباحثة أ. د. صفاء عبد القادر (مجلة الإعلام العربي، جامعة القاهرة، 2022)، الفروق في الالتزام بالمعايير الأخلاقية بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي عند تغطية الأزمات، من خلال تحليل تغطيات إعلامية لقضية اللاجئين السوريين. وأظهرت الدراسة أن وسائل الإعلام التقليدي تميزت بدرجة أعلى من المصداقية والانضباط المهني، نظرًا لوجود رقابة تحريرية مؤسسية، في حين برزت حرية التعبير كميزة في الإعلام الرقمي، لكنها اقترنت بضعف التحقق وتفشي بعض أشكال التحيز والسطحية في تناول القضايا. كما أكدت الدراسة أن غياب الرقيب في البيئة الرقمية أسهم في نشر محتوى غير منضبط أخلاقيًا، رغم ظهور بعض التجارب الرقمية التي قدمت تغطيات إنسانية مؤثرة. وأوصت الباحثة بأهمية إدماج الأخلاقيات الرقمية في المناهج الجامعية وتوسيع مظلة الرقابة المهنية غير القمعية، بما يحقق توازنًا بين حرية التعبير والمسؤولية الإعلامية.
3- تناولت دراسة “الأخلاقيات الصحفية في الإعلام العربي: دراسة تحليلية للممارسات الصحفية في وسائل الإعلام العربية” التي أعدها د. محمد أحمد المصري (2022) تحليل ممارسات الصحفيين في وسائل الإعلام العربية، مع التركيز على أربع قضايا رئيسية تتعلق بالأخلاقيات الصحفية: الموضوعية، الدقة، التوازن بين الحقائق والآراء، واحترام خصوصية الأفراد. استخدمت الدراسة منهجية تحليل المحتوى لدراسة مئات من المقالات الصحفية التي تناولت قضايا حساسة مثل الحروب والكوارث. وأظهرت النتائج وجود فجوة بين الأخلاقيات الصحفية في الإعلام التقليدي مقارنة بالإعلام الرقمي، حيث تميل بعض وسائل الإعلام إلى المبالغة في العناوين لجذب الانتباه، مما يؤثر سلبًا على مصداقية الإعلام. وأوصت الدراسة بتعزيز التدريب المهني وتطوير مدونات سلوك موحدة بين وسائل الإعلام المختلفة، مع التأكيد على ضرورة مراعاة الحياد والموضوعية في التغطية الصحفية.
4- تناولت دراسة “المقارنة بين الإعلام الرقمي والإعلام التقليدي: تأثير وسائل الإعلام الحديثة على الصحافة التقليدية” التي أعدها د. سامي الجندي (2021) التحولات التي شهدها قطاع الإعلام نتيجة للتطورات التكنولوجية، حيث قامت الدراسة بمقارنة خصائص الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي من حيث الوصول إلى الجمهور، سرعة نشر المعلومات، التأثير الاجتماعي، والرقابة. استخدمت الدراسة منهجية المقارنة بين الصحافة التقليدية (مثل الصحف والتلفزيون) والصحافة الرقمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقامت بتحليل تأثير كل منهما على الجمهور المستهدف. وجدت الدراسة أن الإعلام الرقمي يتميز بسرعة الانتشار والوصول المباشر للجمهور، بينما الإعلام التقليدي يظل يحتفظ بمصداقيته العالية وموثوقيته بفضل العمليات التحريرية المعقدة. كما أظهرت الدراسة أن الإعلام الرقمي قد يعاني من نقص في التحقق من المعلومات والمصداقية بسبب غياب الرقابة التحريرية الصارمة. وقد أوصت الدراسة بضرورة دمج الجوانب الإيجابية للإعلام الرقمي مع الأنظمة المهنية في الإعلام التقليدي لتعزيز فعالية الإعلام بشكل عام.
الفرع الخامس: بيان أوجه الاتفاق والاختلاف بين الدراسات السابقة وهذه الدراسة الحالية
أولاً: أوجه الاتفاق:
- تركيز على الأخلاقيات الصحفية: تشترك جميع الدراسات في التأكيد على أهمية الالتزام بالأخلاقيات الصحفية في تغطية الكوارث الإنسانية. على سبيل المثال، دراسة د. عبد الرزاق بن عمر ودراسة أ. د. صفاء عبد القادر، وكذلك دراستنا الحالية، تبرز أهمية التوازن والحياد في تقديم الأخبار، والابتعاد عن الإثارة أو تحريف الحقائق. الجميع يتفق على ضرورة مراعاة مشاعر الضحايا وتجنب التركيز على الجوانب السلبية بشكل يؤثر على صورة الأزمة. وأهمية الالتزام بالمبادئ الأخلاقية خلال تغطية الكوارث، كاحترام خصوصية الضحايا، وتجنّب الإثارة أو التهويل وضرورة تقديم تغطيات متوازنة تحفظ كرامة الإنسان([8]).
- تغطية الكوارث: جميع الدراسات السابقة والدراسة الحالية تؤكد على التحديات الأخلاقية التي تواجه الإعلام أثناء تغطية الكوارث الإنسانية. كما يسلط الضوء على الطريقة التي يتم بها نقل المعاناة البشرية من خلال وسائل الإعلام، ويشير إلى الحاجة الماسة لضمان احترام كرامة الضحايا وتقديم معلومات دقيقة وموثوقة ، مؤكدًا على الحاجة إلى إعلام واعٍ يعزز التضامن ويكشف أوجه القصور دون استغلال المعاناة ([9]) .
- مقارنة بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي: تتفق جميع الدراسات في ضرورة مقارنة الفرق بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي في سياق تغطية الأزمات والكوارث. الدراسة الحالية ودراسات أخرى أكدت أن الإعلام التقليدي يتمتع بمؤسسات راسخة تلتزم بمعايير تحريرية صارمة، بينما الإعلام الرقمي يقدم سرعة في نقل الأخبار، لكنه قد يفتقر إلى التحقق الكافي من المعلومات.
ثانياً: أوجه الاختلاف:
- تحديد الأبعاد الميدانية: الدراسات السابقة ركزت بشكل أساسي على تحليل المحتوى الإعلامي لزلزال المغرب (2023)، بينما دراستنا الحالية تهدف إلى دراسة أوسع مقارنة بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي عبر عدة كوارث أو أزمات إنسانية على مستوى أوسع. دراستنا تهدف إلى استكشاف الأبعاد المهنية والأخلاقية في الإعلام بصفة عامة بينما دراسات سابقة تناولت أحداثًا معينة.
- التركيز على وسائل الإعلام الرقمية: دراستنا تركز بشكل أكبر على دور وسائل الإعلام الرقمية، وتحدياتها في التحقق من المعلومات والانتشار السريع للمحتوى، وهو ما قد يغيب في بعض الدراسات السابقة التي قد تكون أكثر تركيزًا على الإعلام التقليدي أو على المقارنة العامة بينهما في سياقات أقل تخصيصاً.
- توصيات التطبيق المهني: في حين أن الدراسات السابقة أكدت على ضرورة تعزيز التدريب المهني على الأخلاقيات الصحفية في الإعلام التقليدي والإلكتروني، فإن دراستنا الحالية تذهب أبعد في توجيه توصيات محددة تخص توظيف الأدوات الرقمية بشكل أكثر فاعلية في الأزمات، وكذلك تحسين التنسيق بين الإعلام التقليدي والإلكتروني في التعامل مع الكوارث الإنسانية.
المبحث الثاني:
مقارنة بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي في تغطية الكوارث
المطلب الأول: الفروق بين المحتوى التقليدي والرقمي
تُعد دراسة “أخلاقيات العمل الصحفي في تغطية الكوارث الإنسانية والطبيعية: دراسة مقارنة بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي” دراسة وصفية تحليلية ذات طابع مقارن، تسعى إلى رصد وتحليل أساليب التغطية الإعلامية للكوارث، وذلك من خلال التركيز على الفروقات المنهجية والأخلاقية بين الوسيطين التقليدي والرقمي. ولغرض إضفاء بعد تطبيقي على هذه الدراسة، تم توظيف نموذج تغطية حرب غزة 2023 بوصفه مثالًا حيًا يعكس طبيعة التباينات في الأداء الإعلامي. فقد اعتمدت الدراسة على المنهج المقارن في تحليل الفروق بين ما بثته القنوات الفضائية الكبرى مثل قناة الجزيرة والبي بي سي، من حيث الالتزام بمعايير النشر والتوازن، مقابل ما تناقلته المنصات الرقمية مثل تويتر وتيك توك من محتوى لحظي نشره نشطاء وصحفيون مواطنون يوثقون لحظات القصف والانتهاكات.
كما تم استخدام منهج تحليل المحتوى لدراسة عينة من النصوص والتقارير الإعلامية المكتوبة والمرئية، مع التركيز على جوانب الإثارة، والمصداقية، واحترام الضحايا، والتوازن في العرض، بما يُمكّن من تقييم مدى الالتزام بالمعايير الأخلاقية والمهنية في كل وسيط على حدة. وقد أظهرت البيانات الأولية وجود تباين ملحوظ في طريقة المعالجة، حيث بدا الإعلام الرقمي أسرع وأكثر تفاعلية، لكنه في بعض الأحيان أقل تحريًا وتدقيقًا من الإعلام التقليدي الذي حافظ على درجة أعلى من المهنية وإن جاء أبطأ في نقل الحدث.
المطلب الثاني: مقارنة بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي في تغطية الكوارث:
الفرع الأول: الاعلام التقليدي في تغطية حرب غزة:
لقد تم تحليل تغطية حرب غزة 2023 في أربع صحف، اثنتان منها قطرية واثنتان من صحف عربية أخرى، لتقييم مدى التزامها بالمعايير الأخلاقية في الإعلام. تم التركيز على كيفية تعامل هذه الصحف مع الأزمات الإنسانية من خلال معايير مثل الالتزام بالمهنية، احترام الكرامة الإنسانية، تجنب التحريض أو التهويل، الدقة والشفافية، ونسبية المصدر.
في السطور التالية، سيتم عرض نتائج التحليل لكل من هذه الصحف، مع تسليط الضوء على مدى التزامها بالقيم الأخلاقية في معالجة أحداث الحرب.
أولاً: صحيفة الراية القطرية
تناولت صحيفة الراية القطرية تغطية حرب غزة 2023 بأسلوب مهني ملتزم بالإطار الأخلاقي الصحفي، حيث ظهرت الاحترافية واضحة في تنوع مصادر المعلومات وتقديم وجهات نظر متعددة من خلال الاتصال بمصادر رسمية وعالمية كالأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية. كما تمت مراعاة احترام الكرامة الإنسانية في طريقة تقديم الأخبار، حيث تجنب المقالات استخدام الصور الجرحى أو القتلى بشكل صادم، واستبدلتها بشهادات حية من سكان غزة تم تسليط الضوء عليها في تقارير مفصلة حول الأوضاع الإنسانية. وفيما يتعلق بـ تجنب التحريض أو التهويل، اتسمت المقالات بلغة هادئة ومحايدة، حيث كانت العناوين واضحة وغير مبالغ فيها، مثل “الدمار في غزة يتصاعد” أو “الاستجابة الإنسانية في مناطق الحرب”. أما بالنسبة لـ الدقة والشفافية، فقد اعتمدت الصحيفة على مصدر الأخبار الرسمي ودونت الحقائق مع التأكيد على المعلومة “حسب آخر المستجدات”، مما يعكس مصداقية كبيرة في التعامل مع الأخبار. مع مراعاة نسبية المصدر، كانت الصحيفة تتبع المصادر الموثوقة دون الوقوع في تحيز واضح لأي طرف من أطراف النزاع.
ثانياً: صحيفة الشرق القطرية
من خلال تغطية الشرق القطرية لحرب غزة 2023، أظهرت الصحيفة التزامًا كبيرًا بـ المهنية، حيث أكدت على توخي الحذر في نقل المعلومات وتوضيح الفروق بين التقارير المعتمدة من وكالات الأنباء الرسمية والمصادر المستقلة. كما أبدت الصحيفة احترامًا كبيرًا للكرامة الإنسانية، حيث تم التركيز في معظم التقارير على الحالة الإنسانية، ومنحت مساحات أكبر لتسليط الضوء على معاناة المدنيين بدلًا من استخدام صور أو عناوين قد تثير الفزع. فيما يخص تجنب التحريض أو التهويل، استُخدمت لغة رصينة تميل إلى الحياد، حيث كانت العناوين خالية من أي كلمات قد تُعزز الانقسامات السياسية أو الإثارة العاطفية، مثل “عواقب الحرب تتزايد في غزة” بدلاً من العناوين المبالغ فيها. أما عن الدقة والشفافية، فقد حرصت الصحيفة على تحديث الأخبار بناءً على معلومات متوفرة من مصادر متعددة، وكان يتم دائمًا توضيح حالة عدم اليقين عندما يتعلق الأمر بالأرقام أو التفاصيل غير الدقيقة. في ظل نسبية المصدر، كانت الصحيفة تعتمد على مصادر موثوقة كالمنظمات الدولية الحكومية والأممية، مما يعزز مصداقيتها ويضمن الحياد في سرد الأحداث.
ثالثاً: صحيفة القدس العربي
تناولت القدس العربي الحرب في غزة من منظور الالتزام بالمهنية، حيث كانت التقارير التي نشرتها الصحيفة تستند إلى مصادر متعددة مثل الأمم المتحدة ووكالات الأنباء العالمية، مما يعكس حرصها على تقديم تغطية متنوعة ومعتمدة. أما بالنسبة لـ احترام الكرامة الإنسانية، فقد تم تجنب نشر صور الجثث أو المشاهد التي قد تسبب الأذى النفسي، مع التركيز على تقديم شهادات حية من سكان غزة وتحليلها بشكل يبرز معاناتهم الإنسانية. فيما يخص تجنب التحريض أو التهويل، تجنبت الصحيفة اللغة المبالغ فيها أو العناوين التي قد تثير الفوضى أو التوترات، بل استُخدمت لغة محايدة تدعو للتفكير والتأمل في تداعيات الحرب. في جانب الدقة والشفافية، كانت الصحيفة واضحة جدًا في ذكر حدود المعلومات المتاحة، مما يضمن للقراء وعيًا كاملاً بحالة الأخبار التي يتم تناولها. كما ركزت الصحيفة على نسبية المصدر، باستخدام تصريحات من مصادر متنوعة على المستوى الدولي والمحلي، وهو ما يزيد من مصداقية الأخبار.
رابعاً: صحيفة الشرق الأوسط
عند تناولها لتغطية حرب غزة 2023، أظهرت الشرق الأوسط التزامًا قويًا بـ المهنية في تقديم التقارير من خلال الاعتماد على مصادر موثوقة، حيث استُخدم تحليل منظمات حقوق الإنسان العالمية والتقارير الصحفية الميدانية للمزيد من الدقة. فيما يخص احترام الكرامة الإنسانية، تجنب نشر صور أو مقاطع مرعبة لأحداث العنف، وبدلاً من ذلك، ركزت على تقديم تفاصيل إنسانية عن الضحايا والأضرار، مما يعكس حساسية عالية تجاه مشاعر الجمهور. وفيما يتعلق بـ تجنب التحريض أو التهويل، تم الحرص على استخدام لغة حيادية ومُعتدلة، دون التضخيم أو الإغراق في تصوير الوضع بكلمات مثيرة للانتباه أو تهويلية. وبالنسبة لـ الدقة والشفافية، فإن الصحيفة كانت دقيقة في نقل الحقائق، مع توفير التوضيحات اللازمة للمعلومات غير الواضحة أو المؤكدة، وهو ما يعزز الثقة في التغطية الإعلامية. كما حرصت الصحيفة على نسبية المصدر من خلال إشارات واضحة إلى المؤسسات الدولية والحكومية التي تقدم تصريحات مؤكدة، مما يعكس نزاهتها.
الفرع الثاني: نموذج لمواقع إلكترونية عربية في تغطية حرب غزة:
أولاً: موقع الجزيرة نت
تُظهر تغطية موقع الجزيرة نت لحرب غزة حرصًا ملحوظًا على الدقة من خلال الاعتماد على مراسلين ميدانيين وشهادات مباشرة، مما يضفي على تغطيتها طابعًا واقعيًا يعكس تفاصيل الغارات والضحايا وردود الفعل الدولية بشكل سريع ومدعوم بالأدلة، مثل الصور والفيديوهات والتقارير الطبية. كما تتسم التغطية بدرجة جيدة من الشفافية، حيث تُذكر مصادر المعلومات بوضوح، سواء أكانت فلسطينية أو إسرائيلية أو دولية، إلا أن انحياز القناة المعلن للإنسان الفلسطيني يُعد عاملًا مؤثرًا على تصور الحياد لديها.
من ناحية المهنية، تلتزم الجزيرة عمومًا بالمعايير الصحفية من حيث التوثيق والتوازن النسبي، رغم أن بعض العناوين تميل إلى الطابع الدرامي والعاطفي، وهو ما قد يُفسَّر أحيانًا على أنه وسيلة لجذب القرّاء أكثر من كونه نقلًا موضوعيًا.
وفي ما يخص احترام الكرامة الإنسانية، تبدي القناة اهتمامًا واضحًا بإبراز معاناة المدنيين، وتراعي عمومًا المعايير الأخلاقية من خلال تجنّب إظهار الوجوه أو الصور الصادمة، رغم وجود بعض الاستثناءات التي تُنشر فيها صور قاسية بهدف توثيق الواقع، مما يُثير الجدل حول التوازن بين الحقيقة والاحترام.
أما من ناحية التهويل، فتُلاحظ بعض العبارات العاطفية مثل “مجزرة” أو “إبادة جماعية” والتي تُستخدم بكثرة، وقد يُنظر إليها على أنها شكل من أشكال التهويل، وإن كانت الأحداث أحيانًا تبرر هذا التوصيف. وأخيرًا، تعتمد الجزيرة على مصادر فلسطينية بشكل رئيسي وتعرض الردود الإسرائيلية بشكل مقتضب وفي سياق نقدي، ما يعكس توجهًا تحريريًا منحازًا نسبيًا، لكنه يمكن تفسيره كموقف داعم للعدالة الإنسانية وليس تحريفًا للوقائع([10]).
ثانياً: موقع BBC Arabic:
تتميز BBC Arabic بالدقة العالية في تغطية حرب غزة، حيث تعتمد على مصادر موثوقة مثل الأمم المتحدة، الصليب الأحمر، الجيش الإسرائيلي، والوزارات الرسمية، ونادرًا ما تُنشر معلومات دون تحقق أو توثيق. على سبيل المثال، عند نقل أخبار من وزارة الصحة في غزة، يُشار إلى أن الأرقام قد لا تكون قابلة للتحقق بشكل مستقل. كما تعتمد الشفافية كسياسة تحريرية واضحة، حيث يتم ذكر مصادر المعلومات دائمًا وتُعرض الروايات المختلفة للطرفين، مما يساعد القارئ على فهم المشهد من زوايا متعددة. ومع ذلك، قد يُفهم أحيانًا استخدام عبارات مثل “تقول حماس” أو “يزعم الجيش الإسرائيلي” كتقليل من صدقية الطرف الفلسطيني. من الناحية المهنية، تلتزم BBC بمهنية صارمة، مبتعدة عن اللغة العاطفية أو الانحياز، وتستخدم لغة محايدة مع تقارير سياقية معمقة، مستندة إلى القواعد التحريرية الغربية.
كما تتجنب نشر صور صادمة للجثث أو المصابين، مركزة على صور أكثر حيادية مثل آثار الدمار والطواقم الطبية، مما يعكس احترامًا عاليًا للكرامة الإنسانية. فيما يخص التهويل، لا تلجأ BBC إلى الإثارة أو العناوين المبالغ فيها، بل تظل موضوعية في نقل الأخبار.
أما بالنسبة لنسبية المصدر، فالموقع يحافظ على توازن واضح في عرض الروايات ويعطي حيزًا متساويًا تقريبًا للطرفين ، لكن هذا قد يُنتقد من قبل البعض لاعتباره مساواة بين المعتدي والضحية في نظر الجمهور العربي ([11]).
ثالثاً: موقع العربية للأخبار نت
تغطي العربية الأخبار بشكل دقيق من حيث الوقائع، ولكن في بعض الحالات، يُلاحظ اعتمادها على روايات الجيش الإسرائيلي أو وكالات غربية أكثر من الميدان الفلسطيني، مما يُنتج تغطية جزئية أحيانًا. على الرغم من أنها تذكر المصادر بشكل عام، إلا أنها لا توضح دومًا خلفية أو مدى حياد هذه المصادر، خاصة عندما تنقل روايات إسرائيلية رسمية. تتميز التغطية الصحفية بطابع رسمي ومنسق، لكنها أحيانًا تبدو منحازة ضمنيًا للخطاب السياسي لبعض الأنظمة، ما قد يحد من الاستقلالية المهنية. بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما تتجنب نشر صور صادمة، لكنها لا تُبرز معاناة المدنيين بنفس الزخم، مما قد يوحي بغياب التركيز على البُعد الإنساني.
نادرًا ما تستخدم اللغة العاطفية أو التهويلية، حيث تكون اللغة تقريرية، لكنها قد تحمل أحيانًا إشارات ضمنية تقلل من خطورة الوضع الإنساني في غزة. وأخيرًا، تميل إلى إبراز الرواية الإسرائيلية أو الغربية أولًا، وغالبًا ما يتم عرض الجانب الفلسطيني بشكل ثانوي، مما يُظهر انحيازًا ضمنيًا في ترتيب الأولويات الخبرية([12]) .
رابعاً: موقع “الميادين”
موقع “الميادين” يُعتبر من الوكالات الإخبارية الكبرى في العالم العربي، لكنه أحيانًا لا يلتزم بشكل كامل بالمعايير الصحفية الدقيقة. رغم حرصه على تغطية الأحداث بدقة، إلا أن بعض التقارير قد تنشر دون تحقق كامل من مصادرها، خاصة عندما تتعلق بالشهادات أو الأخبار المستعجلة. كما يميل الموقع إلى إبراز الرواية الفلسطينية بشكل مكثف، في حين يُقلل من التركيز على الروايات الإسرائيلية أو الغربية، ما يُقلل من الشفافية. بالإضافة إلى ذلك، يُستخدم في تغطية الأحداث لغة قوية وعاطفية تُظهر انحيازًا واضحًا للقضية الفلسطينية، مما يؤثر على مهنية التقرير الصحفي. الموقع أيضًا يعرض صورًا مؤلمة ومعبرة عن معاناة الفلسطينيين، وهو ما يُفهم أحيانًا كاستغلال عاطفي بعيدًا عن السياق المهني. كما يتم استخدام عبارات تهويلية مثل “المجزرة” أو “الإبادة”، دون تقديم تفاصيل متوازنة أو تحليل دقيق.
أخيرًا، الميادين تُظهر انحيازًا للرواية الفلسطينية وتُقلل من تغطية الرواية الإسرائيلية، مما يُفقدها نسبية المصدر ويدفع البعض لانتقاد تغطيتها للواقع بشكل غير متوازن([13]) .
الفرع الثالث: تغطية الحرب في السودان
تُعد الحرب الدائرة في السودان منذ 15 أبريل 2023 من أسو الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة، كما نقلت عنها الجزيرة نت وصحيفة سبق الإلكترونية. وقد أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 11 مليون شخص، مع معاناة نحو 26 مليونًا من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بحسب ما ورد في تقارير العربية.نت ومجلة المجلة.
أولاً: الأوضاع الإنسانية الكارثية
1- المجاعة وسوء التغذية: كما أفاد تقرير نُشر في مجلة المجلة، يواجه حوالي 26 مليون شخص خطر المجاعة، ويعاني 3.8 ملايين طفل من سوء التغذية الحاد. وأشارت الجزيرة نت إلى أن الأوضاع في مخيم زمزم بدارفور مأساوية، حيث يُسجّل وفاة طفل كل ساعتين نتيجة الجوع، وهو ما أكدته أيضًا صحيفة سبق الإلكترونية والعربية.نت.
2- النزوح الجماعي: ذكرت صحيفة سبق الإلكترونية أن أكثر من 11 مليون شخص قد اضطروا إلى مغادرة منازلهم، من بينهم ما يقرب من 2.95 مليون لاجئ عبروا إلى دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان، وهو ما يشكل أحد أكبر أزمات النزوح في أفريقيا.
3- انهيار البنية التحتية الصحية: وفقًا لتقارير صحيفة سبق الإلكترونية، فإن تدمير المستشفيات وانقطاع الخدمات الصحية أديا إلى تفشي أمراض خطيرة مثل الكوليرا والملاريا والحصبة، مع تعرّض أكثر من 3.4 ملايين طفل دون سن الخامسة لخطر الإصابة بأمراض وبائية.
ثانياً: التغطية الإعلامية العربية
واجهت وسائل الإعلام العربية صعوبات جمّة في تغطية الحرب في السودان، منها انقطاع الاتصالات وصعوبة الوصول إلى مناطق النزاع. كما أوضح تقرير لـالجزيرة نت، فإن هذه التحديات ساهمت في ضعف الحضور الإعلامي للأزمة السودانية مقارنة بأزمات أخرى في المنطقة. وقد نقلت الجزيرة نت عن صحيفة الجارديان البريطانية وصفها للأزمة بأنها “أزمة حاضرة، وأزمة تم تجاهلها بالكامل”.
تُبرز الحرب في السودان، كما ورد في تقارير العربية.نت وDW عربية، حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة، مع انهيار متواصل في البنى التحتية الصحية والغذائية والنزوح الجماعي. كما تؤكد هذه التغطيات ضرورة تعزيز حضور وسائل الإعلام العربية في المشهد السوداني، لتسليط الضوء على معاناة المدنيين، وحشد الدعم الإقليمي والدولي لتخفيف آثار الأزمة.
الفرع الرابع: التزام المواقع الإلكترونية بالمعايير الصحفية في تغطية النزاع في السودان”
أولاً: موقع “سكاي نيوز عربية”
إن موقع “سكاي نيوز عربية” من المواقع الإخبارية البارزة التي تتناول النزاع في السودان، لكنه أيضًا يواجه بعض الانتقادات في ما يتعلق بالالتزام بالمعايير الصحفية. رغم حرصه على تقديم تغطية مهنية في بعض الحالات، إلا أنه يلاحظ في بعض التقارير تركزًا كبيرًا على القضايا الإنسانية مع تقليل التركيز على الجوانب السياسية والتاريخية للنزاع. في بعض الأحيان، يتم نقل تقارير دون تحقق دقيق من صحة الشهادات أو من مصادر محايدة، مما يحد من مصداقية بعض الأخبار. كما قد تظهر التغطية لغة عاطفية في بعض الأحيان، خصوصًا عند الحديث عن المدنيين المتضررين، ما قد يؤدي إلى تهويل أو تحفيز العواطف بعيدًا عن الواقع الميداني. بالإضافة إلى ذلك، يلاحظ أن الرواية العسكرية أو الرسمية للحكومة السودانية تُقدم بشكل أقل مقارنة بتسليط الضوء على الضحايا المدنيين، مما يقلل من توازن التقرير.
ثانياً: موقع “السوداني”
يعد واحد من أبرز المواقع الإخبارية السودانية، ورغم تقديمه تغطية شاملة للأحداث السودانية، إلا أن هناك بعض الملاحظات التي تؤثر على دقة وحيادية تغطيته. يُلاحظ أن الموقع يميل إلى إبراز الرواية الحكومية السودانية بشكل أكبر، مما يقلل من التركيز على الآراء المعارضة أو الأطراف غير الحكومية في النزاع. هذا التوجه يعزز الانقسام داخل الجمهور ويقلل من شمولية التغطية. كما أن بعض الأخبار قد تنقل دون تحديد كامل للمصادر أو الخلفية، مما يثير تساؤلات حول دقة وموثوقية الأخبار. بالإضافة إلى ذلك، يركز الموقع بشكل رئيسي على الجوانب العسكرية والسياسية للأزمة السودانية، ما يؤدي إلى إغفال الجوانب الإنسانية أو الاقتصادية التي تؤثر بشكل كبير على المدنيين.
في بعض الأحيان، يتم استخدام لغة متحيزة في التغطية، مما قد يؤثر على مصداقية الموقع. يعتمد “السوداني” عادة على المصادر الرسمية من الحكومة أو الجيش السوداني، مما يقلل من التوازن ويُغفل الروايات الأخرى الهامة لفهم الصورة الكاملة. علاوة على ذلك، يغفل الموقع في بعض الأحيان تقديم تحليل شامل للسياق الإقليمي والدولي، ما يؤدي إلى نقص في الفهم الكامل لأبعاد الصراع. هذه العوامل مجتمعة تُظهر التحديات التي يواجهها الموقع في الحفاظ على الشفافية والمصداقية في تغطيته للأحداث السودانية.
ثالثاً: موقع “بي بي سي عربي”
ويعد من أبرز المواقع الإخبارية التي تحظى بثقة كبيرة على المستوى العربي والدولي، ويشتهر بالتزامه الكامل بالمعايير الصحفية العالمية. وقد انعكس هذا الالتزام بوضوح في تغطيته لأحداث حرب السودان، حيث اعتمد الموقع على مصادر موثوقة ومتنوعة، من بينها تقارير الأمم المتحدة، الصليب الأحمر، ومنظمات إنسانية وحقوقية عاملة ميدانيًا، ما ساهم في تقديم صورة دقيقة ومستقلة لما يجري في السودان من تطورات إنسانية وأمنية وسياسية.
من الناحية المهنية، حرصت “بي بي سي عربي” على تقديم تغطية متوازنة وغير منحازة، حيث استعرضت مختلف وجهات النظر من أطراف النزاع، بما في ذلك الجيش السوداني، قوات الدعم السريع، والأطراف المدنية المتأثرة. كما قدمت تقارير معمقة وتحقيقات ميدانية، تناولت جذور الصراع وأبعاده الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما وفّر للقراء فهمًا شاملاً للخلفية المعقدة للحرب.
في الجانب الإنساني، أولى الموقع اهتمامًا كبيرًا لتسليط الضوء على معاناة المدنيين، خصوصًا ما يتعلق بالنزوح، انقطاع الخدمات الأساسية، والانتهاكات الحقوقية. استخدم الموقع لغة مهنية خالية من التهويل، مع عرض صور موثقة تراعي الكرامة الإنسانية دون اللجوء إلى استثارة عاطفية مفرطة. كما رافق التغطية تحليل للآثار الإقليمية والدولية للصراع، مما ساعد في وضع الأحداث في سياقها الأشمل.
بهذا النهج التحريري، أثبت “بي بي سي عربي” التزامه بمعايير الدقة، الشفافية، المهنية، واحترام الكرامة الإنسانية في تغطيته لحرب السودان، مما يعزز مكانته كمصدر إعلامي رائد في العالم العربي.
رابعاً: موقع “الجزيرة”
وهو مصدر إعلامي يقدّم صورة شاملة ومتعددة الأبعاد في تغطية الحرب السودانية ، حيث اهتمت ليس فقط بالتصريحات الرسمية أو البيانات العسكرية، بل سعت أيضًا إلى إظهار الروايات المدنية والإنسانية، من خلال تقارير ميدانية مباشرة، وشهادات حية من المدنيين المتضررين، ومتابعة يومية لتطورات النزوح، وسوء الأوضاع المعيشية في مناطق الاشتباك. وقد ساعد هذا النهج في تقديم سردية صحفية متكاملة لا تقتصر على طرف واحد.
يتميّز الموقع بالاعتماد على مصادر موثوقة ومتنوعة، مثل منظمات الأمم المتحدة، تقارير منظمات حقوق الإنسان، وبيانات من طرفي النزاع، ما يعزز دقته وحياديته. كما يُظهر شفافية واضحة في عرض المعلومات، حيث يُحدد مصدر البيانات أو التحليلات، ويُميّز بين الأخبار المؤكدة والتقارير غير المؤكدة أو قيد التحقق.
فيما يخص الجانب المهني، تبتعد “الجزيرة” عن اللغة التهويلية أو الاستعطافية الزائدة، وتركّز على تقديم تغطية سردية دقيقة بلغة صحفية مسؤولة. كما أنها تسعى إلى احترام الكرامة الإنسانية، فتُعرض الصور والمشاهد بعناية دون مبالغة أو استغلال للمأساة، مع التركيز على البُعد الإنساني للأزمة كعامل أساسي في التغطية.
بذلك، تُظهر “الجزيرة” التزامًا واضحًا بالمعايير الصحفية في تغطية حرب السودان، من حيث الدقة، الشفافية، المهنية، واحترام الكرامة الإنسانية، ما يجعلها من أبرز المواقع التي يُعتمد عليها لفهم تعقيدات الأزمة السودانية.
المطلب الثالث: التغطية الإعلامية التقليدية لكارثة زلزال المغرب:
تُعتبر الكوارث الطبيعية من أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات الإنسانية عبر التاريخ، إذ تحمل في طياتها آثارًا مدمرة تمتد من فقدان الأرواح إلى تدمير الممتلكات والبنية التحتية. وفي 8 سبتمبر 2023، ضرب زلزال مدمر منطقة مراكش والمناطق المحيطة في المغرب، مسجلًا قوة بلغت 6.8 درجات على مقياس ريختر. هذا الزلزال أودى بحياة المئات من الأشخاص، وأدى إلى إصابة الآلاف، فضلًا عن تدمير العديد من المباني والمرافق الحيوية.
إن هذا الحدث الكارثي لم يكن مجرد اختبار لقوة الطبيعة، بل كان اختبارًا لمدى استعداد المغرب لمواجهة مثل هذه الأزمات والتعامل مع تداعياتها. فقد أظهرت استجابة الحكومة المغربية والمجتمع الدولي أهمية التنسيق الفعّال في مرحلة ما بعد الكارثة، بالإضافة إلى دور المواطنين في دعم بعضهم البعض في مثل هذه الظروف العصيبة. في هذا السياق، لا تقتصر الآثار المترتبة على الزلزال على الجانب الإنساني فقط، بل تمتد لتشمل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، حيث يؤثر هذا الحدث بشكل مباشر على نمو الاقتصاد المحلي ويعرقل بعض المشاريع التنموية التي كانت في طور التنفيذ.
الفرع الأول: مواقف الصحف العربية والمغربية من زلزال المغرب 2023 في ضوء الالتزام المهني والأخلاقي
أولاً: صحيفة الراية القطرية
تناولت صحيفة “الراية” القطرية تغطية زلزال المغرب 2023 بشكل يعكس التزامًا واضحًا بالمعايير الصحفية المهنية. فقد اعتمدت الصحيفة على مصادر متنوعة وموثوقة، بما في ذلك التصريحات الرسمية من الحكومة المغربية والمنظمات الدولية المعنية، مما يعكس حرصًا على تقديم صورة شاملة ومتوازنة للأحداث. في سياق احترام الكرامة الإنسانية، تم تجنب عرض صور صادمة للمصابين والضحايا، واكتفى الموقع بنقل شهادات من المتضررين تبرز الأبعاد الإنسانية للأزمة.
وفيما يتعلق بتجنب التحريض أو التهويل، ركزت الصحيفة على لغة حيادية ومباشرة في تغطيتها للأحداث، حيث كانت العناوين والمواد الصحفية موضوعية ومقيدة بالوقائع دون مبالغات. على صعيد الدقة والشفافية، اهتمت الصحيفة بتوثيق الأخبار بشكل دقيق، مع التأكيد المستمر على تطورات الوضع “وفقًا لأحدث المعلومات المتوفرة”. أما بالنسبة لنسبية المصدر، فقد سعت الصحيفة إلى تقديم جميع المعلومات من مصادر متعددة دون الانحياز لأي جهة، مما حافظ على توازن التغطية واستقلالية الإعلام([14]) .
ثانياً: صحيفة العربي الجديد اللندنية
سلطت صحيفة “العربي الجديد” اللندنية الضوء بشكل واسع على كارثة زلزال المغرب 2023، حيث قدمت تغطية شاملة لا تقتصر على الأبعاد الجغرافية والجيولوجية فقط، بل تشمل أيضًا الأبعاد الإنسانية والاجتماعية. من خلال تقارير مفصلة، تم تسليط الضوء على معاناة المتضررين الذين فقدوا منازلهم وعائلاتهم في المناطق التي تضررت بشكل كبير، خاصة في القرى الجبلية والمناطق النائية. أظهرت الصحيفة صورًا ميدانية لحياة اللاجئين في المخيمات المؤقتة، معبرة عن تأثير الزلزال على حياتهم اليومية، بما في ذلك غياب الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء، وصعوبة الحصول على الغذاء والمأوى إضافة إلى ذلك، تطرقت “العربي الجديد” إلى تحليل الجيولوجيين والخبراء في مجال الزلازل حول أسباب الزلزال القوي، وركزت على كيفية تأثيره على البنية التحتية في المناطق المتأثرة. عبر مقاطع الفيديو والتقارير الخاصة، ناقشت الصحيفة التأثيرات الطويلة الأمد على الاقتصاد المحلي والحياة الاجتماعية في المناطق المتضررة، بما في ذلك تداعيات انهيار الطرق والخدمات الصحية.
تم عرض كل هذه العناصر بشكل متوازن ومهني، مع مراعاة استخدام لغة محايدة وعدم التهويل أو التحريض، حيث كانت الصحيفة حريصة على تقديم الحقائق كما هي دون تضخيم الأبعاد الإنسانية للمأساة.كما حرصت “العربي الجديد” على تقديم تحديثات دقيقة وواضحة بشأن جهود الإنقاذ والإغاثة التي تبذلها السلطات المغربية والمنظمات الإنسانية، مع تقديم معلومات موثوقة من المصادر الرسمية والحقوقية.
ثالثاُ: صحيفة الصحافة المغربية
قدّمت صحيفة “الصحافة” المغربية تغطية إعلامية متزنة لزلزال المغرب 2023، تميزت بالالتزام الصارم بالمعايير المهنية والأخلاقية في العمل الصحفي. منذ اللحظات الأولى للكارثة، نشرت الصحيفة تقارير دقيقة اعتمدت على بيانات رسمية صادرة عن الجهات الحكومية المحلية، إلى جانب تصريحات موثقة من مسؤولي الحماية المدنية والمنظمات الإنسانية العاملة في الميدان، مما عزز من مستوى الدقة والشفافية في نقل الأحداث وفيما يتعلق بـالكرامة الإنسانية، اتسمت تغطية “الصحافة” بحس عالٍ من المسؤولية، إذ امتنعت عن نشر صور الجثث أو المشاهد الصادمة التي قد تسيء لمشاعر القرّاء أو تؤذي أسر الضحايا، واستعاضت عنها بلقطات توثيقية عامة وشهادات حية من ناجين، أُبرزت فيها مشاعر الألم والخسارة من دون استغلالها عاطفياً ومن حيث تجنب التحريض أو التهويل، جاءت عناوين الأخبار ومضامينها بلغة موضوعية خالية من المبالغة أو الإثارة، مثل: “ارتفاع حصيلة الضحايا والسلطات تواصل عمليات الإنقاذ”، أو “الزلزال يضرب مناطق الأطلس والجهات تستنفر فرق الإغاثة”، مما يدل على وعي واضح بأهمية تهدئة الرأي العام لا إثارة الذعر كما حافظت الصحيفة على الاحترافية الصحفية في تحرير تقاريرها، حيث تم الجمع بين التغطية الإخبارية الفورية والتقارير التحليلية التي شرحت أسباب الزلزال وتداعياته، بالإضافة إلى الجهود الوطنية والدولية المبذولة لمساعدة المتضررين. واعتمدت بشكل واضح على نسبية المصدر، إذ أتاحت مساحة للمصادر الرسمية والميدانية على حد سواء، وحرصت على عدم الاكتفاء برواية واحدة، بل نقلت شهادات من السكان المحليين والجهات الإنسانية، مما أضفى على التغطية توازنًا ومصداقية عالية.
رابعاً: صحيفة الشرق القطرية:
صحيفة “الشرق” القطرية قدمت تغطية إعلامية متكاملة لزلزال المغرب 2023، اتسمت بالالتزام الواضح بالمعايير المهنية والإنسانية في العمل الصحفي. فقد اعتمدت الصحيفة على الدقة والشفافية في نقل المعلومات، حيث استندت إلى بيانات رسمية من الحكومة المغربية، وتقارير منظمات إغاثة دولية مثل الصليب الأحمر والهلال الأحمر، مما عزز مصداقيتها في تقديم أخبار موثوقة ومدققة واحترمت “الشرق” الكرامة الإنسانية في معالجتها للحدث، حيث تجنبت استخدام الصور القاسية أو المشاهد التي قد تُعد انتهاكًا لخصوصية الضحايا، وبدلاً من ذلك ركزت على إبراز الأبعاد الإنسانية من خلال نشر قصص المتضررين ومشاهد التضامن المحلي والدولي كما أن الصحيفة حافظت على الاحترافية في صياغة تقاريرها الإخبارية، فجمعت بين التغطية اللحظية وتحليلات متخصصة من خبراء جيولوجيين ومسؤولين في فرق الإنقاذ، ما أضفى عمقًا على التناول الصحفي. وحرصت على تجنب التحريض أو التهويل، فجاءت العناوين والتقارير بلغة هادئة وموضوعية مثل: “قطر تعلن تضامنها الكامل مع المغرب بعد الزلزال المدمر” و”الفرق الإغاثية الدولية تواصل عمليات البحث تحت الأنقاض” أما في جانب نسبية المصدر، فقد أتاحت الصحيفة المجال لعرض معلومات من مصادر متنوعة، من بينها جهات رسمية مغربية، منظمات غير حكومية، وشهادات مباشرة من الأهالي، ما أعطى التغطية طابعًا متوازنًا يُراعي مختلف زوايا الحدث دون تحيز ([15]) .
الفرع الثاني: نماذج من تغطية إعلامية لزلزال المغرب في مواقع إلكترونية عربية ومغربية
أولاً: موقع هسبريس (Hespress) – المغرب
موقع “هسبريس”، كواحد من أكبر المواقع الإخبارية المغربية، قدم تغطية متكاملة لزلزال المغرب منذ اللحظات الأولى للحدث. التزمت الصحيفة بالمهنية من خلال نشر أخبار دقيقة وسريعة، مدعومة بتقارير ميدانية وشهادات من السكان المتضررين. كما أظهرت احترامًا واضحًا للكرامة الإنسانية، إذ امتنعت عن نشر صور صادمة لضحايا الزلزال، واكتفت بعرض مشاهد توثق جهود الإنقاذ والمساعدة. تجنبت الصحيفة التهويل أو الإثارة، فكانت عناوينها موضوعية مثل: “الزلزال يهز الحوز ويخلف خسائر كبيرة”. وقدمت “هسبريس” تقاريرها مع توثيق للمصدر وتحديثات مستمرة، مما يعكس الدقة والشفافية، واعتمدت على تصريحات من مسؤولين حكوميين، والدرك، وأفراد من الهلال الأحمر المغربي، ما يعكس نسبية المصدر وتنوعه.
ثانياً: موقع العربي الجديد
ركز “العربي الجديد” في تغطيته على البعد الإنساني والاجتماعي للكارثة، حيث سلط الضوء على ظروف الإيواء في المخيمات، وتبعات الزلزال على الحياة اليومية للناجين. التزمت الصحيفة بلغة معتدلة خالية من التحريض أو الإثارة، وحرصت على عرض شهادات حية بأسلوب إنساني لا يستغل المأساة. كما قدّمت تحليلات من خبراء جيولوجيين لتفسير طبيعة الزلزال وأسبابه، وهو ما أضفى طابعًا علميًا ومهنيًا على التغطية. التزمت “العربي الجديد” بالشفافية، حيث أرفقت تقاريرها بالمصادر الرسمية والمنظمات الدولية، مع نقل تصريحات من الهلال الأحمر والسلطات المحلية، ما يعكس التزامًا بنسبية المصدر والدقة.
ثالثاً: موقع الراية القطرية
تناولت “الراية” القطرية الزلزال من منظور إخباري وإنساني، حيث أبرزت الجهود القطرية الرسمية والإغاثية في دعم المغرب، مع التركيز على المساعدات التي أُرسلت إلى المناطق المنكوبة. أظهرت تغطيتها التزامًا مهنيًا واضحًا من خلال توثيق الأخبار من مصادرها الأصلية، مثل وزارة الخارجية القطرية ومنظمات الإغاثة. التزمت الصحيفة باحترام الكرامة الإنسانية، حيث تجنبت نشر صور صادمة، وفضلت عرض تقارير مصورة حول توزيع المساعدات الإنسانية.
كما حرصت على تجنب التحريض أو التهويل، فجاءت التغطية بلغة مسؤولة وعناوين دقيقة مثل “قطر تواصل إرسال المساعدات لمتضرري الزلزال”. اعتمدت على مصادر متنوعة شملت تقارير من الميدان وتصريحات رسمية، ما يُظهر احترامًا لمبدأ نسبية المصدر.
رابعاً: موقع SNRT News – المغرب
قدمت SNRT News، باعتبارها منصة رسمية، تغطية دقيقة ومنظمة للكارثة، حيث اعتمدت على البيانات الحكومية الرسمية والمؤسسات المعنية بإدارة الكوارث. اتسمت التغطية بالمهنية العالية، إذ نشرت تقارير فورية إلى جانب تحليلات لاحقة حول تأثير الزلزال على البنية التحتية والسكان. التزمت القناة الرسمية بالمعايير الأخلاقية، حيث لم تُنشر صور تنتهك الكرامة الإنسانية، وحرصت على أن تكون الصور المعروضة توثيقية وإنسانية. كما استخدمت لغة إعلامية معتدلة، خالية من الإثارة، وسعت لطمأنة الجمهور بدلاً من إثارة القلق. تنوعت المصادر بين الجهات الرسمية، والخبراء، وشهادات من الميدان، مما عزز نسبية المصدر والتوازن في نقل الصورة الكاملة.
الخاتمة:
شهدت تغطية الكوارث الإنسانية والطبيعية، تباينًا واضحًا بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي من حيث السرعة، التحقق، الضوابط الأخلاقية، والتفاعل مع الجمهور، وهو ما يعكس طبيعة كل وسيط إعلامي. فقد تميز الإعلام الرقمي بسرعة كبيرة في نقل الأحداث لحظة بلحظة، مستفيدًا من تقنيات البث المباشر ومنصات التواصل الاجتماعي التي أتاحت للمستخدمين والمواطنين الصحفيين نشر المعلومات والصور بشكل فوري.
لكن في المقابل، عانى هذا النوع من التغطية من ضعف في التحقق من المعلومات، وظهرت فيه العديد من الأخبار الكاذبة أو غير المؤكدة، ما أثار تساؤلات حول المصداقية. أما الإعلام التقليدي، فقد اتسم بدرجة أعلى من التحقق والموثوقية، إذ يعتمد على مؤسسات تحريرية تتبع إجراءات صارمة في مراجعة المحتوى، إلا أن ذلك انعكس على بطء نسبي في نقل الأحداث.
من الناحية الأخلاقية، التزمت وسائل الإعلام التقليدية عمومًا بضsوابط النشر، وتجنبت عرض صور صادمة أو مثيرة، بينما كان الإعلام الرقمي أكثر انفتاحًا في عرض مشاهد القصف والضحايا، دون مراعاة كافية لأثرها النفسي على الجمهور.
كما أن الإعلام الرقمي أتاح تفاعلاً فوريًا واسع النطاق مع الجمهور، على عكس التقليدي الذي ظل تواصله محدودًا. توضح هذه المقارنة الفوارق المهنية والأخلاقية العميقة بين الوسيطين، وتؤكد أهمية تعزيز التوازن بين سرعة النشر ودقة المعلومة، خصوصًا في التغطيات الإنسانية الحساسة.
نتائج الدراسة :
توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج المهمة التي تعكس واقع التغطية الإعلامية للكوارث الإنسانية والطبيعية، من خلال مقارنة الأداء الأخلاقي بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي في ثلاث حالات محددة: حرب غزة، الحرب في السودان، وزلزال المغرب، وقد تمثلت النتائج فيما يلي:
- تفاوت الالتزام بالمعايير الأخلاقية بين الإعلام التقليدي والرقمي
كشفت الدراسة عن تفاوت ملحوظ في مستوى الالتزام بالضوابط الأخلاقية، حيث ظهر الإعلام التقليدي أكثر تحفظًا من حيث نشر الصور الصادمة واحترام خصوصية الضحايا، بينما برزت في الإعلام الرقمي تجاوزات متعددة نتيجة ضعف الرقابة والمهنية.
- تفوق الإعلام الرقمي في السرعة والتفاعل وضعف الالتزام الأخلاقي
أظهرت التغطية الرقمية تفوقًا كبيرًا في سرعة النشر والتفاعل مع الجمهور، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، غير أن هذا التفوق ترافق مع قصور واضح في التحقق من المعلومات، وانتشار الأخبار المضللة، وتوظيف محتوى يفتقر للمعالجة الأخلاقية.
- اختلال العدالة الإعلامية في تغطية الكوارث
بيّنت الدراسة أن حجم التغطية وتفاعل وسائل الإعلام الدولية اختلف باختلاف طبيعة وموقع الكارثة، حيث كانت التغطية الإعلامية للحرب في السودان أقل كثافة مقارنة بحرب غزة وزلزال المغرب، مما يطرح تساؤلات حول العدالة الإعلامية في تغطية الكوارث الإنسانية.
- ضعف التأهيل الأخلاقي للعاملين في الإعلام الرقمي والمواطنين الصحفيين
أكدت الدراسة أن الكثير من الصحفيين العاملين في المنصات الرقمية، فضلًا عن الجمهور المشارك في التغطية، يفتقرون إلى التدريب الكافي في مجال أخلاقيات العمل الصحفي، ما أسهم في انتهاكات متعددة خلال التغطيات.
- تأثير التوجهات السياسية للمؤسسات الإعلامية على نزاهة التغطية
لاحظت الدراسة أن تغطية بعض الكوارث، وخاصة الحرب في غزة، اتسمت بالتحيز وغياب التوازن نتيجة لتأثير المواقف السياسية للمؤسسات الإعلامية على معالجة الحدث، وهو ما أضعف مصداقية المحتوى الإعلامي.
- دور الإعلام الرقمي في نقل الرواية الإنسانية وتعزيز التضامن
رغم الملاحظات السلبية، لعب الإعلام الرقمي دورًا فاعلًا في تسليط الضوء على المعاناة الإنسانية، ونقل شهادات مباشرة من الضحايا والمتضررين، ما ساعد في تحريك الرأي العام وحشد أشكال متنوعة من التضامن المحلي والدولي.
- غياب الإطار القانوني المنظّم للتغطية الإعلامية الرقمية للكوارث
أظهرت الدراسة وجود فراغ تشريعي فيما يخص تنظيم التغطية الإعلامية في الفضاء الرقمي، لا سيما أثناء الكوارث، وهو ما أتاح انتشار ممارسات غير مهنية دون وجود آليات فعّالة للمساءلة أو التنظيم.
- حفاظ الإعلام التقليدي على المهنية مقابل محدودية الانتشار
حافظ الإعلام التقليدي في الغالب على مهنية التغطية الإخبارية من حيث التحقق من المصادر واحترام الضوابط التحريرية، إلا أنه افتقر إلى المرونة وسرعة الوصول التي يتمتع بها الإعلام الرقمي، خصوصًا لدى الشرائح الشبابية.
توصيات الدراسة:
استنادًا إلى النتائج التي توصلت إليها الدراسة، تُقدَّم التوصيات التالية لتعزيز التزام المؤسسات الإعلامية بالأخلاقيات المهنية، خصوصًا في تغطية الكوارث الإنسانية والطبيعية:
- إعداد مواثيق شرف إعلامية خاصة بالكوارث الإنسانية
توصي الدراسة بضرورة تطوير مواثيق أخلاقية تفصيلية تُعنى بتغطية الكوارث، تتضمن ضوابط واضحة للتعامل مع الصور، ونشر المعلومات، واحترام كرامة الضحايا وخصوصيتهم، وذلك لتكون مرجعًا للصحفيين والمؤسسات الإعلامية بمختلف أنواعها.
- إدماج أخلاقيات التغطية الرقمية في المناهج والتدريب الإعلامي
تؤكد الدراسة على أهمية إدراج مساقات خاصة بأخلاقيات الصحافة الرقمية في كليات الإعلام، وتنظيم دورات تدريبية للعاملين في المنصات الرقمية، بما يضمن رفع مستوى الوعي المهني والأخلاقي لدى الصحفيين الجدد والمواطنين الصحفيين.
- تعزيز آليات التحقق من المعلومات في الإعلام الرقمي
تدعو الدراسة إلى تطوير أدوات وتقنيات رقمية تتيح التحقق السريع من المعلومات المتداولة خلال الأزمات، مع تشجيع المنصات الإعلامية على تبني سياسات واضحة لمكافحة الشائعات والمعلومات المضللة.
- سنّ تشريعات وقوانين تنظم التغطية الإعلامية الرقمية
توصي الدراسة بضرورة ملء الفراغ التشريعي في مجال الإعلام الرقمي من خلال إصدار قوانين تُنظّم تغطية الكوارث، وتفرض ضوابط على نشر المحتوى الحساس، مع ضمان احترام حرية التعبير وعدم تقييدها تعسفيًا.
- تعزيز دور النقابات والهيئات التنظيمية في الرقابة الأخلاقية
تشدد الدراسة على أهمية تفعيل دور النقابات الصحفية والمجالس الإعلامية في مراقبة الأداء الإعلامي، ومساءلة المؤسسات والأفراد عند ارتكاب انتهاكات أخلاقية، خاصة خلال الكوارث التي تتطلب حساسية مهنية عالية.
- دعم الإعلام المحلي في مناطق النزاع والكوارث
توصي الدراسة بتوفير الدعم الفني والمادي لوسائل الإعلام المحلية في المناطق المتأثرة بالكوارث، لضمان تقديم تغطية مهنية ومتوازنة، بدلًا من الاعتماد الكلي على روايات الإعلام الدولي.
- تشجيع الشراكة بين الإعلام التقليدي والرقمي
توصي الدراسة ببناء جسور تعاون بين مؤسسات الإعلام التقليدي ومنصات الإعلام الرقمي، بما يسمح بتبادل الخبرات والمصادر، وتحقيق تغطية شاملة تراعي السرعة والمهنية معًا.
- حماية الصحفيين العاملين في مناطق الكوارث والنزاع
تؤكد الدراسة على ضرورة توفير الحماية القانونية والميدانية للصحفيين العاملين في البيئات الخطرة، وتوفير آليات دعم نفسي واجتماعي لهم بعد التغطية، نظرًا لطبيعة الضغوط التي يتعرضون لها.
المصادر والمراجع:
- الاتحاد الدولي للصحفيين. (2019). مدونة المبادئ الأخلاقية للصحفيين . https://www.ifj.org
- عبد العزيز، سعيد محمد. (2017). أخلاقيات الإعلام: المبادئ والقواعد المهنية. القاهرة: دار الفكر العربي.
- عبد الرحمن، محمد فؤاد. (2018). مدخل إلى التشريعات الإعلامية وأخلاقيات المهنة. القاهرة: دار النشر الجامعي.
- النغيمشي، عبد الرحمن بن عبد الله. (2017). الإعلام الجديد: دراسة في تكنولوجيا الاتصال والمجتمع. الرياض: مكتبة العبيكان.
- حمزة، محمد عبد الحميد. (2020). التحول الرقمي في الإعلام: المفاهيم والتطبيقات. القاهرة: عالم الكتب.
- العبادي، محمد عبد الكريم. (2015). الإعلام والتشريعات في الوطن العربي. عمان: دار وائل للنشر.
- خليل، نسرين محمد. (2021). الإعلام الجديد وتحديات الضبط القانوني: دراسة في ضوء التشريعات العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
- عبد الحميد عبد العزيز حنفي، جيهان (2023). ” التماس الجمهور المصري للمعلومات أثناء وقوع الكوارث الطبيعية وعلاقته بالرضا عن أداء وسائل الإعلام التقليدية والرقمية”. مجلة البحوث الإعلامية.
المعهد المغربي لتحليل السياسات (2024). ” زلزال الأطلس الكبير: الكارثة، الأزمة، والإستجابة الحكومية”. تقرير تحليلي، نُشر في 9 مارس 2024
- موقع الجزيرة نت – تغطية الحرب في السودان https://www.aljazeera.net
- موقع العربية – https://www.alarabiya.net
- موقع سكاي نيوز عربية https://www.skynewsarabia.com
- تقرير بي بي سي عربي حول تغطية الكوارث https://www.bbc.com/arabic
- صحيفة السوداني الموقع الالكتروني https://www.alsudaninews.com
- صحيفة الشرق القطرية الموقع الإلكتروني https://al-sharq.com
- صحيفة الراية القطرية الموقع الإلكتروني https://www.raya.com
- العربي الجديد، تغطية الأزمات والنزاعات في العالم العربي، 2023.
- الصحافة المغربية – عدد خاص بزلازل الأطلس الكبير، أكتوبر 2023.
- المركز الدولي للصحفيين (ICFJ)، معايير التغطية الأخلاقية للأزمات والكوارث، إصدار 2022.
مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) – Sudan Emergency: Displacement Report (2023) تحليل لحركة النزوح الجماعي بسبب الحرب.
- – لاتحاد الدولي للصحفيين. (2019). مدونة المبادئ الأخلاقية للصحفيين. https://www.ifj.org ↑
- – عبد العزيز، سعيد محمد. (2017). أخلاقيات الإعلام: المبادئ والقواعد المهنية. القاهرة: دار الفكر العربي. ↑
- – عبد الرحمن، محمد فؤاد. (2018). مدخل إلى التشريعات الإعلامية وأخلاقيات المهنة. القاهرة: دار النشر الجامعي. ↑
- – النغيمشي، عبد الرحمن بن عبد الله. (2017). الإعلام الجديد: دراسة في تكنولوجيا الاتصال والمجتمع. الرياض: مكتبة العبيكان. ↑
- – حمزة، محمد عبد الحميد. (2020). التحول الرقمي في الإعلام: المفاهيم والتطبيقات. القاهرة: عالم الكتب. ↑
- – العبادي، محمد عبد الكريم. (2015). الإعلام والتشريعات في الوطن العربي. عمان: دار وائل للنشر. ↑
- – خليل، نسرين محمد. (2021). الإعلام الجديد وتحديات الضبط القانوني: دراسة في ضوء التشريعات العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. ↑
- – عبد الحميد عبد العزيز حنفي، جيهان (2023). “التماس الجمهور المصري للمعلومات أثناء وقوع الكوارث الطبيعية وعلاقته بالرضا عن أداء وسائل الإعلام التقليدية والرقمية”. مجلة البحوث الإعلامية، المجلد 68، العدد 2، الصفحات 1083-1168. ↑
- – المعهد المغربي لتحليل السياسات (2024). “زلزال الأطلس الكبير: الكارثة، الأزمة، والإستجابة الحكومية”. تقرير تحليلي، نُشر في 9 مارس 2024 ↑
- – https://www.aljazeera.net/ ↑
- – https://www.bbc.com/arabic ↑
- – https://www.alarabiya.net/ ↑
- – https://www.almayadeen.net/ ↑
- – https://www.raya.com/ ↑
- – https://www.al-sharq.com/ ↑





