ثوابت العقيدة السياسية للدولة وسؤال الاستمرارية – الدكتور : محمد لكموش
ثوابت العقيدة السياسية للدولة وسؤال الاستمرارية
الدكتور : محمد لكموش
دكتور في القانون العام/تخصص القانون الدستوري وعلم السياسة
رابط DOI
https://doi.org/10.63585/GWTF4454
ملخص الدراسة:
تهدف هذه الدراسة لفهم أعمق لسياقات إنتاج العقيدة السياسية للدولة، انطلاقا من تشخيص المرتكزات والمحددات الثابتة لها؛
فكل دولة تقوم على عقل والذي من خلاله تنتج عقيدتها السياسية، هذه العقيدة المتكونة من مجموعة من الأفكار والمبادئ والقيم التي تحدد مواقفها في الواقع السياسي؛
وفي النموذج المغربي موضوع الدراسة تقوم العقيدة السياسية على ثوابت تستمد مشروعيتها من الهوية الوطنية وثوابتها الدينية، إلا أنه وبفعل الظروف والتحولات الداخلية والخارجية التي يعرفها كل نظام سياسي، التي تخضع لها الممارسة السياسية، يطرح على عقل الدولة سؤال مدى قدرة النظام على ضمان ثوابته في ظل التغيرات والتحولات التي تعرفها بناء الدولة الحديثة والحداثية؟، وبالتالي مدى قدرتها على التأقلم مع فواعل تغيرات المجتمع في علاقته مع محيطه؟.
الكلمات المفاتيح:
العقيدة السياسية، ثوابت العقيدة السياسية فوق دستورية، الانتقال الديمقراطي في روايات متعددة، تحديات استمرار العقيدة السياسية، واقع الدولة المسقبلية.
The Constants of the State’s Political Doctrine and the question of continuity
Dr : Mohamed Lagmouch
Doctor of Public Law/ Specialized in Constitutional Law and Political Science
Abstract: This study aims at understanding more deeply the contexts of production of the state’s political doctrine, based on a diagnosis of its concrete foundations and determinants.
Every state is based on dogma; through which it produces its political doctrine. This doctrine consists of a set of ideas, principles, and values that determine its positions in political reality.
In the Moroccan model, the subject of this study, the political doctrine is based on constants that derive their legitimacy from national identity and religious constants. However, due to internal and external circumstances and transformations witnessed by every political system, and to which the political practice is subject, a question is asked to the dogma of the state about the extent of the system’s ability to guarantee its constants in light of the changes and transformations in the construction of the modern and modernist state? And, consequently, the extent of its ability to adapt to the effects of society’s changes in its relationship with its environment?
Keys words: The political doctrine, the constants of the supra-constitutional political doctrine, the democratic transition in multiple narratives, the challenges of the continuation of the political doctrine, the reality of the future state.
مقدمة:
تهدف كل دولة إلى ضمان نظام حكمها واستقراره، وذلك بفضل السلطة السياسية التي تسعى دائما إلى خلق أسس ومرتكزات سياسية تعمل كعناصر توحيدية تروم الحفاظ على النظام وضمان استمراريته، ويشكل البعد الديني أحد هذه المرتكزات الذي يضمن إمكانية تحقيق الإندماج المجتمعي؛
فعلى امتداد اثني عشر قرنا، لم يعرف المغرب تغييرا على مستوى شكل النظام وأسس مرجعية السلطة ولا القدرة على التشكيك في أحقية الإمام في ممارسته، بل وظلت الثقافة السياسية محكومة بمرجعية القداسة؛
ففي المغرب لا بد من التوضيح أن العقيدة السياسية للحكم هي في جوهرها عقيدة دينية أي أن ثوابتها سابقة عن وجود الدولة أو بشكل آخر هي فوق دستورية، والتي تمت دسترتها في سياق استقلال الدولة عن الحماية، حيث يمكن الحديث عن مرحلتين للعقيدة السياسية الأولى في عهد الملكية الأولى في عهد الملك الحسن الثاني تعود لأول دستور لسنة 1962 إلى غاية دستور 1996، والمرحلة الثانية تبتدأ مع الملكية الثانية في عهد الملك محمد السادس والتي تؤرخ مع دستور 2011 من خلال تسليط الضوء على التغيرات والتجديد الذي طرأ على هذه العقيدة السياسية؛
فموضوع العقيدة السياسية من المواضيع ذات الأهمية بالنسبة لكل نظام سياسي، باعتبارها تشكل القاعدة المركزية التي يتأسس عليها كل نظام سياسي من خلال الأسس والمرجعيات التي يقوم عليها؛
وفي خضم هذه التحولات، لنا أن نطرح إشكال مدى قدرة النظام على ضمان ثوابته في ظل التغيرات والتحولات التي تعرفها بناء الدولة الحديثة والحداثية؟ وبالتالي مدى قدرتها على التأقلم مع فواعل تغيرات المجتمع في علاقته مع محيطه؟.
سنحاول في هذه الدراسة تسليط الضوء على ثوابت العقيدة السياسية للدولة المتمثلة في الهوية الوطنية (المبحث الأول)، وقدرتها على الاستمرار في ظل الإصلاحات الدستورية (المبحث الثاني).
وقبل الدخول في الموضوع لا بد من وقفة حول مفهوم العقيدة والعقيدة السياسية ومجموعة من المفاهيم المرتبطة بهما؛
مفهوم العقيدة السياسية
تشير مفردة العقيدة في دلالتها اللغوية إلى تعليم، نظرية، منهج، وفي معناها العام ترمز إلى مجموعة من المقومات الفكرية والعقائدية والتصورات والمعتقدات، والآراء والأفكار التي توجه الفعل والسلوك وترمي إلى تفسير الوقائع والأحداث المختلفة.[1]
فكل دولة تقوم على عقيدة شاملة والتي هي مجموعة التعاليم، والقيم السامية، والمبادئ السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، والاجتماعية، والمعنوية، والعلمية التي نبعت من حضارة الشعب ورسخت في وجدانه وضميره.[2]
أما بالنسبة للعقيدة السياسية للدولة فهي مجموعة الأفكار والمبادئ والقيم الدينية كانت أم فلسفية التي تحدد المواقف في الواقع السياسي وتحكم له أو عليه وتقدم تصور عن النظام السياسي[3].
من هنا تتضح حاجة جميع التنظيمات السياسية إلى عقيدة تكون بمنزلة المرجعية والأساس والهدف الأول الذى من خلاله تستطيع الترويج لتوجهاتها، واكتساب أكبر عدد من المؤمنين بمشروعها بصورة تدفعهم للقناعة بالنظام السياسي، والقبول بسياساته، كما أن تلك العقيدة تدفع جانبا من المواطنين لممارسة دور أكبر في الترويج السياسي لكيان التنظيم، وتسعى السلطات السياسية في جميع الدول إلى صناعة أذرع تكون أداة لبسط نفوذها وإحكام تنظيم قيادتها للأفراد، وغالبا ما يكون ذلك من خلال الترويج لعقيدة معينة تؤسس لمشروعية السلطة وما تمارسه من إجراءات؛ حيث يكون دور تلك العقيدة توحيد المفاهيم، وضبط التحركات، وتهيئة بيئة مناسبة لاستقرار الحكم، والتركيز على توجيه الطاقات نحو العمل والإنتاج في إطار أخلاقي متزن يبتعد بالمجهود عن مناحي السفسطة والتشكك، وتشرذم الأفكار، وانقسام الرؤى والتوجهات.[4]
المبحث الأول: ثوابت العقيدة السياسية ما فوق دستورية
تتشكل هوية كل دولة من مجموعة من القيم والتصورات، التي تميز كل مجتمع عن الآخر تبعًا لخصوصياته التاريخية والحضارية، فكل شعب من الشعوب البشرية يتميز بثقافة تجعله يتفرد بخصائصه ومكوناته التاريخية والثقافية، من هذا المنطلق أضحت تحظى بمكانة استراتيجية هامة في سُلم أولويات الوحدة الوطنية للدول، حيث توليها قيمة خاصة واهتمام مستمر لدورها في المحافظة على الأمن والاستقرار الاجتماعيين فيها.
وتجدر الإشارة إلى أن دستور 1996 وعلى غرار دستور 1962 قارب موضوع الهوية في مكونين أساسيين، وهما الإسلام والعربية، وهو ما لم يعكس التعدد اللغوي والتنوع الثقافي الذي يحظى به المغرب، أما بالنسبة لدستور 2011 فقد جاء في ظروف داخلية وخارجية مختلفة، عرفت تصاعد خطاب الهويات والحقوق اللغوية والثقافية، كما كانت لظروف الربيع العربي التي تميزت بمطالب هوياتية، من خلال حركة 20 فبراير التي تميزت بمشاركة الحركة الأمازيغية، حيث طالبت بدسترة اللغة والثقافة الأمازيغية؛
المطلب الأول: ثوابت الهوية الوطنية في دساتير 1962-1996
شدد الملك الحسن الثاني أن التحدي الذي سيواجه المغرب في أفق القرن العشرين هو مسألة الهوية والوحدة الوطنية باعتبارهما: “ في مقدمة الشروط التي يرتهن بها مستقبل المغرب في أفق القرن الواحد والعشرين، وعلى أساس تفعيلهما في حياتنا يتحقق الاستمرار للشخصية المغربية في سياق التطور، والثقافة الإسلامية الأصيلة بقيمها ولغتها هي الأساس المرجعي لهذه الهوية .. وفي مقدمة التحديات لمسألة الهوية والوحدة الترابية، التفتح الحضاري والثقافي الذي فرضته العولمة واليوم وقد أصبحت قضية المحافظة على هويتنا وأصالتنا ووحدتنا الوطنية قضية حيوية في خضم التفتح الحضاري والثقافي الذي لا مناص منه.”
وقد حافظ الملك محمد السادس على استمرار توظيف الشرعية الدينية للنظام السياسي بالمغرب، من خلال مؤسسة إمارة المؤمنين التي يؤطرها عقد البيعة الشرعية، فأكد في بداية عهده على طابع الاستمرارية هذا، معلنا بذلك على الهوية الإسلامية للنظام السياسي المغربي، كما أوضح بأن الهوية العربية الإسلامية، هي الهوية الحضارية للمغرب.
وفي شهر أكتوبر من سنة 2001 دشن الملك محمد السادس مرحلة جديدة في التطرق لمسألة الهوية عبر الإقرار بتعدد الروافد والمكونات للهوية المغربية الموحدة حيث قال :” إننا نريد ، في المقام الأول ، التعبير عن إقرارنا جميعا بكل مقومات تاريخنا الجماعي ، وهويتنا الثقافية الوطنية ، التي تشكلت من روافد متعددة ، صهرت تاريخنا ونسجت هويتنا ، في ارتباط وثيق بوحدة أمتنا ، الملتحمة بثوابتها المقدسة ، المتمثلة في دينها الإسلامي الحنيف السمح، وفي الذود عن حوزة الوطن ووحدته ، وفي الولاء للعرش ، والالتفاف حول الجالس عليه، والتعلق بالملكية الدستورية الديمقراطية الاجتماعية… “.
وبناءً على ما سبق، يتضح على أن مسألة الهوية الوطنية حاضرة في فكر المؤسسة الملكية باعتبارها الفاعل الأساسي في النظام السياسي المغربي بشكل كبير، سواء من خلال الجهود التي قام بها الراحل الحسن الثاني في ترسيخ مكونات وثوابت الهوية المغربية والدفاع عنها من جهة، أو من خلال حضور مسألة الهوية في فكر الملك محمد السادس عملا بمبدأ الاستمرارية والتشبث بالثوابت الوطنية، من أجل استشراف مستقبل أكثر انفتاحا، في إطار هوية وطنية متعددة الروافد، ومبادئ منفتحة ومتسامحة.[5]
أولا: ثوابت الهوية الوطنية في دستور 2011
بعد النقاش العمومي الذي واكب مشروع دستور 2011، جاء الدستور الجديد حاملا معه تصورات مختلفة حول الهوية بصفة عامة، والتعدد اللغوي والتنوع الثقافي مخالفة للدساتير السابقة، حيث حسمت هذه الوثيقة مسألة تعدد روافد مكونات الهوية المغربية، حيث أشارت في ديباجتها أن: “المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية – الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية. كما أن الهوية المغربية تتميز بتبوء الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها.”
وفيما يتعلق بالتعدد اللغوي، نص الفصل الخامس من دستور 2011: ” تظل العربية اللغة الرسمية للدولة. وتعمل الدولة على حمايتها وتطويرها، وتنمية استعمالها.
تعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة، بدون استثناء. يحدد قانون تنظيمي مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وكيفيات إدماجها في مجال التعليم، وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، وذلك لكي تتمكن من القيام مستقبلا بوظيفتها، بصفتها لغة رسمية.
تعمل الدولة على صيانة الحسانية، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الهوية الثقافية المغربية الموحدة، وعلى حماية اللهجات والتعبيرات الثقافية المستعملة في المغرب، وتسهر على انسجام السياسة اللغوية والثقافية الوطنية، وعلى تعلم وإتقان اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم؛ باعتبارها وسائل للتواصل، والانخراط والتفاعل مع مجتمع المعرفة، والانفتاح على مختلف الثقافات، وعلى حضارة العصر.”
فبعد تهميش اللغة الأمازيغية وباقي مكونات الثقافة المغربية، في دساتير المملكة من دستور 1962 إلى 1996، جاء الملك محمد السادس ليصحح الوضع، وذلك من خلال الاعتراف بالمكون الأمازيغي، وبالتنوع الثقافي في المغرب، حيث جاء في خطابه في أجدير، بمناسبة تأسيس المعهد الملكي للثقافة للأمازيغية، وذلك بتاريخ 17 أكتوبر 2011: ” ولأن الأمازيغية مكون أساسي للثقافة الوطنية، وتراث ثقافي زاخر، شاهد على حضورها في كل معالم التاريخ والحضارة المغربية، فإننا نولي النهوض بها عناية خاصة في إنجاز مشروعنا المجتمعي الديمقراطي الحداثي، القائم على تأكيد الاعتبار للشخصية الوطنية ورموزها اللغوية والثقافية والحضارية”، فبعد تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، الذي أسندت له مهمة تأهيل اللغة والثقافة الأمازيغيتين، ثم إدماجهما بشكل تدريجي، في مجالي التعليم والإعلام، لكن مع تسجيل مجموعة من المشاكل والصعوبات في هذا المجال.
بعد ذلك، جاءت الوثيقة الدستورية لسنة 2011، لتثمين هذا المسار، من خلال ترسيمه دستوريا، فدسترة اللغات والثقافة المغربية المتنوعة هو اعتراف بمكونات الهوية المغربية المتعددة، والاعتراف هو مطمح جل الحركات الاجتماعية.[6]
ثانيا: الثوابت الدينية
لقد عمد الخطاب الإيديولوجي للدولة الربط بين الملكية والدين الإسلامي وجعل من الملكية والإسلام رمز الوحدة المغربية، فضلا على أن مفهومي _ البيعة وإمارة المؤمنين _ يتحركان داخل المجال الديني والمجال السياسي في المجتمع المغربي مستمدين أسسهما وصياغتهما من العمل في زمن النبوة وزمن الخلفاء الراشدين.
ومن أجل الوقوف على هذه الثوابت يجعلنا لزاما وأبدا العودة إلى الإسهام الفكري للمتربع على العرش، فهو الذي يرسم معالم الدولة وعقيدتها.
الفقرة الأولى: الإسلام
يعتبر الإسلام أهم مكون قامت عليه الأمة المغربية مند أربعة عشر عشر قرنا، وَسَمها بطابع خاص، وساهم في صُنع انصهارها بطريقة متميزة حضاريا وتاريخيا، وهو ما انعكس على الحياة العامة وحياة الأفراد.
” فالإسلام هو الذي كرس اللحمة بين التركيبتين الأساسيتين لمجتمعنا: العنصر البربري (أمازيغ) والعنصر العربي، فتداخلت ثقافتهما مع بعضهما وتجانس العنصر البشري لتخرج الثقافة المغربية للوجود وتبرز العبقرية المغربية…”.[7]
وقد أكد الملك الراحل الحسن الثاني على المرجعية الإسلامية في الحكم منذ أول خطاب له حيث قال : “وإنني أعاهد الله وأعاهدكم على أن أضطلع بمسؤولياتي ، وأؤدي واجبي طبق مبادئ الإسلام وقيمه السامية، وتقاليدنا القومية العريقة ، ومقتضيات مصلحة الوطن العليا…“[8].
وقد أكد أيضا أن: ” الإسلام كان دائما هو عمادنا وشعار حياتنا لدرجة أن تشريعنا الذي ينم عن العلاقات بين رعايانا مقتبس من جوهره من روح الإسلام وتعاليمه ويكفي مثالا على ذلك ما يتضمنه قانون العقود والالتزامات من مقتضيات لضبط العلاقات بين الأطراف في مجتمعنا.”[9]
الفقرة الثانية: المَلكية
لقد سعت الملكية إلى بناء الهوية الحضارية للدولة، فالعرش العلوي كان دائما يعتبر نفسه الوريث الوحيد لأربعة عشر قرنا من التاريخ السياسي السلالي المغربي(وريث الملكية الإدريسية الفاسية).
فالملكية هي التي “صنعت المغرب” يقول الملك الحسن الثاني، ويضيف: ” إن تاريخنا كله يلهج وينادي بحقيقة تقول، لولا ملكية شعبية لما كان المغرب أبدا، ومنذ اثني عشر قرنا وما زالت نفس الحقائق قائمة،…، وإن الشعب المغربي اليوم أكثر من أي وقت مضى في حاجة إلى ملكية شعبية إسلامية تحكم…”.[10]
أولا: إمارة المؤمنين
تعني إمارة المؤمنين أن رئيس الدولة يدبر شئون الدين والدنيا، وهي النظام الأصلي في الإسلام على هدي النبوة. تاريخيا أول من تسمى بهذا الاسم هو خليفة الرسول الثاني عمر بن الخطاب، ويستمد هذا المفهوم مصدره من التراث السياسي الإسلامي، وهو الشيء الذي تم توظيفه بكثافة داخل الخطاب السياسي الرسمي، خصوصا في اللحظات التي تتعرض فيها علاقة الملك بالمعارضة السياسية لهزات عنيفة.
وقد حافظ لقب أمير المؤمنين على استمراريته وتجذره في الوعي السياسي والديني لدى المغاربة، حتى تمت دسترته سنة 1962 من خلال الفصل 19، ليخرج بالتالي من دائرة الارتباط الرمزي والأخلاقي بالتقاليد الدينية، ويأخذ أبعادا أخرى تجعل الحامل للقب أمير المؤمنين، أي “الملك” يتمتع بسند إضافي يضمن له شرعية دينية بوصفه قائما على أمور الجماعة المؤمنة (….) واعتمادا على وظيفته الدينية السامية، ينصب أمير المؤمنين/ الملك نفسه راعيا للإجماع بين أفراد وجماعات مكونة لمجتمع مسلم يربط بين مكوناته اعتقاد راسخ بأحادية السلطة، وعليه يتمتع أمير المؤمنين بسلطات لا تحد، لأنها تمارس وفق القرآن والسنة… وتشتمل صلاحيات دينية وأخرى دنيوية.[11]
ومن صلاحية إمارة المؤمنين إقرار ما فيه مصلحة البلاد والعباد في المسائل الاجتهادية حفاظا على وحدة الوطن وسعيا لتوطيد أركان استقراره، فإقرار المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، وطريقة الجنيد يدخل تحت قاعدة “تقييد السلطان للمباح أو الإلزام به” وقاعدة “تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة” لأن المغاربة لما بايعوا أمير المؤمنين فوضوا له هذه الصلاحية التي تخدم مصالحهم.
فالبنسبة للمذهب المالكي ظل منذ اعتماده بشكل رسمي في المغرب شعارا من شعارات الدولة المغربية، باعتباره مظهرا من مظاهر الوحدة الدينة التي أسهمت في تكوين الشخصية المغربية المتشبعة بقيم التسامح والتعايش مع الآخر.
أما بالنسبة لعلاقة إمارة المؤمنين بالعقيدة الأشعرية تبرز في كون نصب الإمام مما يتوقف عليه الواجب الشرعي من عبادات ومعاملات وغيرهما، وما يتوقف عليه الواجب الشرعي، واجب تحصيله شرعا.
أما بخصوص طريقة الجنيد فهي مؤسسة على منهج النبوة ومذهب الخلفاء، وهي بذلك طريقة لحفظ النظام العام للمغرب؛ لأن أتباع هذه الطريقة يقولون بالإجماع على تحريم الخروج عن الإمام بقول أو فعل.[12]
ثانيا: البيعة
أمام تعد التعاريف التي أعطيت للبيعة منها أنها عهد على الطاعة –ابن خلدون- وفي الرسالة التي وجهها الملك الحسن الثاني إلى ندوة:” البيعة والخلافة الإسلامية” اعتبر أن :” البيعة ميثاق عظيم يجمع بين الراعي والرعية، وتؤصل الرابطة بينهما، وتقتضي حقوقا متبادلة، تستوجب من الملك راعي الأمة الحفاظ على مصالح الدين والدنيا، والدفاع عن حوزة البلاد، وضمان وحدتها وتماسكها واجتماع شملها والتئام كلمتها وتستوجب من الرعية الحفاظ على البيعة والولاء لها والوفاء بها، والتزام السمع والطاعة لمن ولاه مقاليدها”.[13]
وبالتالي فهي تنتمي إلى الحقل الدلالي الديني الذي يؤسس لوجوب طاعة الإمام الذي يطلب منه درء أسباب الفتنة وتحقيق إجماع الأمة؛
وكون البيعة شريعة من الله، فهي معصومة -عند البعض- من كل تصرف بشري، سواء بتحريفها أو الزيادة فيها أو النقصان منها، يجعلها فوق كل تشريع آخر يصنعه البشر، مهما أجمعوا عليه وتألبوا لصنعه واحتشدوا لإقراره، فولي الأمر يمارس مهامه مستمدا لها من شريعة الله، لا من شريعة بشرية، ومعنى ذلك، أن أي دستور مهما أفتن البشر في صناعته وضبط مواده وتقييدها وتحديد آمادها ومفاهيمها، لا يعدو أن يكون من صنع البشر، وما كان من صنع البشر، لا يمكن أن يتحكم في ما هو من صنع الله.
بل لو اجتمعت الأمة الإسلامية قاطبة على تشريع “دستوري”، لما كان لهذا التشريع أي تأثير على أحكام البيعة ومقتضياتها، ولا على ولي الأمر طبقا لها، فولي الأمر فوق الدستور، والبيعة فوق ولي الأمر، ولا يتحكم في ولي الأمر غير شرع الله، وشرع الله يوجب عليه الالتزام في جميع تصرفاته، بما نص عليه أو استنبط منه من أحكام أفرزتها تطورات البشر الحضارية، واستنبطها أولي العلم والخبرة.[14]
المطلب الثاني: الضمانات الدستورية لحماية ثوابت العقيدة السياسية
تعتبر الوثيقة الدستورية بالنسبة للدولة لحظة مفصلية في تاريخها، مع العلم أن هذه الثوابت التي أشرنا إليها سابقا هي عقائد فوق دستورية تم التنصيص عليها كثوابت، والتي بموجب فصول الدستور تم حضر إجراء تعديل عليها وذلك من خلال ما يلي:
الفقرة الأولى: حظر تعديل النصوص المتعلقة بالدين الإسلامي
يعتبر الدين الإسلامي من الدعائم والركائز الأساسية التي يقوم عليها النظام السياسي المغربي، لذلك قام المشرع الدستوري -عبر جميع الدساتير- بحضر المساس بالأحكام المتعلقة به أو تعديل ثوابته، حيث شکل دستور 1962 القاعدة الأولى التي على أساسها تحدد نظام الحكم في المغرب، فنص في تصديره على أن المغرب بلد إسلامي يتمتع بالسيادة الكاملة، لغته الرسمية العربية، كما نص الفصل السادس من دساتیر 1972،1970،1962، 1996،1992 على أن :” الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد ممارسة شؤونه الدينية “.
أما دستور 2011 فقد تميز بكونه أورد الأحكام المتعلقة بالدين الإسلامي قبل النظام الملكي للدولة، على خلاف الدساتير السابقة التي قدمت النظام الملكي للدولة على النصوص المتعلقة بالدين الإسلامي. وبناءً على هذه الأهمية الاستراتيجية والمكانة الرمزية التي يحظى به الدين الإسلامي في الضمير الجماعي للشعب المغربي أكدت كل دساتير المغرب -ضمن فصولها- على عدم قابلية هذا الثابت للمراجعة. ومما عمق من مكانته في النظام السياسي المغربي أن هذا الأخير برئاسة ملك تتوافق مكانته مع التفسير الاستراتيجي سياسيا للتقاليد، فالفصل 41 ينص على أن الملك بصفته ”أمير المؤمنين“ يضمن الالتزام بالإسلام، كما يضمن حرية ممارسة الدين ويرأس المجلس العلمي الأعلى الذي هو هيئة مخولة بإصدار الفتاوى أو الآراء الدينية في المسائل التي ترفع إليها، وبهذا المعنى فطبيعي أن هذا المجلس لن يقبل المساس بالدين الإسلامي أو أي تعديل قد يطاله، وهو ما يُعد ضمانا دستوريا لحماية الهوية الدينية الوطنية ضد أي محاولة للمس بها.
الفقرة الثانية: حظر المساس بالنظام الملكي ومقومات الوحدة الوطنية
ظلت المكانة السامية ملتصقة بالمؤسسة الملكية، على الرغم من دخول المغرب عهد الدسترة، فالدستور لم يكن إلا تجديدا للعهد المقدس بين الملك وشعبه. ولذلك فمن الطبيعي أن تنص الدساتير المغربية جميعها على عدم إمكانية تعديل ” الأحكام المتعلقة بالنظام الملكي”، واعتباره خطاً أحمر لا يمكن المساس به ولا بالأحكام المرتبطة بوظائفه في أي تعديل دستوري ، إضافة إلى حظر تعديل تلك الأحكام المتعلقة بالنظام الملكي والمنصوص عليها في ثنايا الدستور من قبيل دور المؤسسة الملكية وكيفية انتقال العرش و علاقة الملك بالسلطات الأخرى، فقد منحت الدساتير المغربية للملكية مكانة بارزة مقارنة بالمؤسسات الدستورية الأخرى، من خلال اعتباره الممثل الأسمى للأمة والساهر على احترام الدستور. حيث نصت جميعها في الفصل الأول على أن “نظام الحكم بالمغرب هو ملكية دستورية ديمقراطية واجتماعية “، هذا فضلا على أن كل تصادیر الدساتير المغربية من 1962 إلى 2011 استهلت بعبارة ” المملكة المغربية ” كعنوان لطبيعة النظام السياسي القائم في البلاد.
إن الأهمية التي ظلت تحظى بها المؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي في الماضي والحاضر، لم تجعل المشرع يقف عند حد دسترتها فقط، بل تجاوز ذلك إلى حظر المساس بهذا النظام في أي مبادرة للتعديل، وهذا الحظر تم التنصيص عليه في جميع الدساتير، فالفصل 108 من دستور 1962 أكد أن ” النظام الملكي للدولة لا يمكن أن تتناوله المراجعة“. وهو الأمر ذاته الذي أكدته الفصول 100 من دستور 1970 و1992، و101 من دستور 1972، و106 من دستور 1996، والتي وردت بنفس صيغة دستور 1962، وهو نفس الحظر الذي أكده الفصل 175 من دستور 2011.
فقد نصت الفقرة الثالثة من الفصل الأول من دستور 2011 على أن من بين ما تستند إليه الأمة في حياتها العامة (الثوابت الجامعة) التي تقوم على الوحدة الوطنية المتعددة الروافد، وقد حدد التصدير هذه الروافد في الروافد الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية والوحدة الترابية تعني سيادة الدولة المغربية على جميع أراضيها، فالمملكة المغربية دولة ذات سيادة كاملة متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية. والملك هو ضامن استقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة. من هنا نستخلص أن الوحدة الوطنية متعددة الروافد والوحدة الترابية خطان أحمران لا يمكن المساس بهما عن طريق التعديل الدستوري ولعل هذا ما كرسته الفقرة الثانية من تصدير دستور 2011.[15]
المبحث الثاني: استمرارية العقيدة السياسية في ضوء الإصلاحات الدستورية
إن الثوابت الدينية والوطنية التي تمت الإشارة إليها سابقا، ستطرح مشكلة على مستوى العقيدة السياسية من خلال تنازع مرجعية التقليد والتحديث داخل بينة النظام السياسي.
المطلب الأول: التقليد والتحديث من دستور 1962 إلى دستور 2011
ارتكز دستور 1962 على المرجعية التقليدية والموروث السياسي المغربي، من خلال إحالته إلى إمارة المؤمنين في فصله التاسع عشر؛ حيث تكمن أهمية دستور سنة 1962 في كون الدساتير الأربعة اللاحقة عليه (دساتير 1970، و1972، و1992، و1996)، لم تُحدث إلا تغييرات شكلية وطفيفة، دون المساس بجوهر أول دستور اعتمده المغرب المستقل.
وقد كان لأحداث الربيع العربي تأثير في فواعل الإصلاح الدستوري، ومن مظاهره أن الملكية الفاعل المركزي في مسألة الإصلاح، والتي لجأت كثيرا إلى الإصلاح الدستوري كمورد سياسي لتدبير الأزمات، من خلال الديوان الملكي المعضد بعضوية خبراء فرنسيين، في عهد الحسن الثاني؛ ظلت تتفادى تسجيله في أجندتها في عهد محمد السادس؛ حيث سيضطر إلى الإعلان عن الإصلاح الدستوري في خطاب” 9 مارس” متأثرا برياح التغيير التي هبت على المغرب في سياق الربيع العربي، والتي أفضت، إضافة إلى الفاعل المركزي (المؤسسة الملكية)، إلى ظهور فاعل جديد كإفراز مباشر للربيع العربي، هو “حركة 20 فبراير”. [16]
يرى محمد ضريف بأن الدساتير الخمسة الأولى ابتداءً من دستور 1962، وانتهاءً بدستور 1996، والتي أطرت ما يمكن تسميته ب “الملكية الأولى”، قد امتازت بتغليب المرجعية التقليدية على المرجعية الحديثة، في حين أن دستور 2011 الذي يؤطر تجربة الملكية الثانية، يتسم بتغليب المرجعية الحديثة.
ويتمثل المظهر الأول، بحسب ضريف، في إسناد دستور 2011 مشروعية التمثيل الديمقراطي للبرلمان. فبعد أن كانت الدساتير السابقة على دستور 2011، باستثناء دستور 1962، تؤسس لصنفين من التمثيلية: تمثيلية دنيا تعود لممثلي الأمة في البرلمان، وتمثيلية عليا تستند إلى المشروعية الدينية والتاريخية للملك، من خلال الفصل 19 الذي يَعتبره ممثلا أسمى للأمة، فإن دستور 2011 حذف هذا المقتضى الأخير.
كما يحيل ضريف إلى مظهر آخر، ألا وهو تحويل القضاء إلى سلطة مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، خلافا للدساتير الخمسة المؤطرة للملكية الأولى، التي كانت تُدرج القضاء ضمن وظائف إمارة المؤمنين، وهو ما كان يشدد عليه الملك الحسن الثاني والملك محمد السادس قبل اعتماد دستور 2011. إذ قطع الأخير مع التصور التقليدي للفصل بين السلطات عند جون لوك، الذي لم يكن يعتبر القضاء سلطة مستقلة، بقدر ما كان يُدرجه ضمن سلطة التاج أو الملك، على عكس التصور الحديث لمونتيسكيو حول الفصل بين السلطات، والذي عبر عنه الدستور المغربي الحالي.
وإلى جانب ذلك، يمكن رصد مؤشرات قوية لحضور المرجعية الحديثة في تصدير الدستور، وفي البابين الأول والثاني منه مثل: الفردانية، الحرية، الديمقراطية، سمو المعاهدات الدولية على التشريعات الوطنية… إلخ. كما قطع دستور 2011 مع التصور اليعقوبي الكلاسيكي للدولة، ذلك أن التوجه الحديث لوظيفة الدولة يحيل إلى استيعابها لكل المواطنين، وهو ما كرسه هذا الدستور من خلال تفصيله للهوية المغربية بمختلف مكوناتها وروافدها، وعدم الاكتفاء بالمكون العربي الإسلامي.
ومن جهة أخرى، يُعد تمييز دستور 2011 بين الأدوار الدينية، والأدوار السياسية للملك، تكريسا للمرجعية الحديثة، من خلال الاعتراف بوجود فضاءين: سياسي، وديني، لكل منهما فاعلوه وقواعده. هذا على عكس الدساتير السابقة التي لم تكن تفصل بين صفة الملك كأمير للمؤمنين، وصفته كرئيس للدولة، من خلال الفصل 19 الذي كان يعد “دستورا داخل الدستور”.
وبالرغم من الحضور البارز للمرجعية الحديثة في دستور 2011، فإنه لا تخفى – في المقابل – مظاهر الاستمرارية ذات الصلة بالمرجعية التقليدية، وفي مقدمتها إسناد دستور 2011 للمؤسسة الملكية مهاما استراتيجية كأعلى سلطة دينية في البلد، من خلال التنصيص على إمارة المؤمنين في فصله الحادي والأربعين، وهو ما عوض جانبا أساسيا من مقتضيات الفصل 19 في الدساتير السابقة. هذا ناهيك بدسترة المجلس العلمي الأعلى، بما يدل عليه ذلك من الاعتراف بالعلماء كمكون حيوي من مكونات المجتمع المغربي، دون إغفال دسترة حضور العلماء ضمن تركيبة مجموعة من المؤسسات الدستورية، مثل المحكمة الدستورية، ومجلس الوصاية.[17]
من خلال مقارنة دساتير الملكية الأولى مع دساتير الملكية الثانية يظهر استمرار العلاقة الجدلية والتلازمية بين المرجعيتين التقليدية والحديثة، لاعتبارات تتعلق بمصادر مشروعية نظام الحكم، وثقل الإرث التاريخي لبلاد المخزن، الممزوج بتأثير تجربة التحديث السياسي الأوروبية، وانعكاساتها على الحقل السياسي المغربي، التي تمتد بجذورها إلى عهد الحماية الفرنسية. وهو الأمر الذي يستنتج من خلاله مركزية وهيمنة المؤسسة الملكية في فرض عقيدتها السياسية ما فوق دستورية التي أشرنا إليها سالفا، والتي تظل محور كل التعديلات الدستورية وأساس المشروعية الدينية للحكم؛
وأمام هذه الإصلاحات تراجعت تلك النزعات والتوجهات الثورية والأيديولوجية، المستهدفة والمنازعة في شرعية السلطة والنظام السياسي، مقابل بروز لرؤى وأفكار مُشككةً في كل ما يتعلق بخطابات السلطة عن الإصلاح وبناء دولة المؤسسات، وإن ظل هذا التوجه في نسبة كبيرة منه يثق في المؤسسة الملكية ويعتبرها بمثابة أساس متين للاستقرار؛ لأنها هي المؤسسة الوحيدة، التي تملك القدرة والإمكانات، وصاحبة الحل والعقد لحل الإشكالات والتعامل مع القضايا المطروحة، ولاتزال هي الفاعل الأكبر والأكثر تحكمًا في توجيه الأحداث والوقائع والقرارات والمؤسسات، بالإضافة إلى تشكيل موازين القوى الاجتماعية والسياسية.[18]
المطلب الثاني: الانتقال الديمقراطي في روايات متعددة
تعهدت المملكة المغربية بالاستمرار في بناء الدولة الديمقراطية. انطلاقا من أن نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية، دستورية، ديمقراطية، برلمانية واجتماعية. ومن مكونات النظام الدستوري للمملكة الديمقراطية المواطنة والتشاركية. والقانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. ويشكل الاختيار الديمقراطي ثابتا من ثوابت الأمة الجامعة. والثوابت لا تخضع للمراجعة الدستورية.
ومن أجل تحقيق الديمقراطية لا بد من الوقوف على مسار التحول الديمقراطي الذي عرف مجموعة من التعثرات انطلاقا من الوثيقة الدستورية، والتي إن كانت تطرح داخل مسلسلات الانتقال الديمقراطي كآلية للخروج من البنيات السياسية لنظام ما قبل الانتقال وتسمح بمتابعة دينامية وإكراهات الدمقرطة وميلاد مؤسسات جديدة تروم المصالحة مع فكرة القانون والحقوق.
يقول عبد الرحمان اليوسفي أن مسلسل الانتقال الديمقراطي في المغرب انطلق منذ شهر يونيو 1991، الذي استقبل فيه الملك الحسن الثاني الراحلون الثلاث: عبد الرحيم بوعبيد وعلي يعته وامحمد بوستة، هذا اللقاء الذي أبان عن رغبة القصر في الانفتاح على المعارضة، وفتح الطريق أمام الانفراج السياسي الذي سيعقبه إطلاق سراح المعتقلين السياسيين والتفكير في التصالح مع الماضي، خلال هذا اللقاء تمت مناقشة بين الطرفين، كانت بمثابة محاكمة نهائية للاختيارات الحكومية والسياسات المتبعة، وعبر خلالها الحسن الثاني عن حقيقة ضرورة القيام بمراجعة سياسية، وعبر خلالها كذلك عن عزمه على إجراء إصلاحات سياسية ودستورية، أصبحت تقتضيها ظروف البلاد، تلك الإصلاحات التي من شأنها أن تفتح آفاقا جديدة أمام الشعب المغربي، ومن ضمنها إمكانية القيام بتناوب سياسي على مستوى الجهاز التنفيذي.[19]
هذا ما دفع المعارضة السياسية في المغرب خلال هذه الفترة، على استغلال الظروف والمستجدات الدولية، واستغلال الانفراج السياسي في المغرب بين السلطة الحاكمة وعناصر المعارضة، وانطلاق مشروع فكرة التناوب التوافقي حول الحكم، والرغبة في إشراك المعارضة في مناصب المسؤولية، هذا ما دفع أحزاب المعارضة إلى التكتل في كتلة ديمقراطية منذ 1991 ضمت حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.[20]
وقد أقدم الملك الحسن الثاني، في السنوات الأخيرة من حياته، على إطلاق إصلاحات سياسية ودستورية واجتماعية، توجت بدستور 1996 الذي تمكن بموجبه من إنجاز المصالحة مع المعارضة التاريخية، ومن التهيؤ لإدماج جزء من الإسلاميين، وإحداث تحسن في أوضاع حقوق المرأة والإنسان. وهي الملفات التي تسلمها الملك محمد السادس سنة 1999 مفتوحة، وواصل القيام بها لكن بمقاربات جديدة.
إلا أن هناك من اعتبر مسار الإصلاح الذي روّج له، أسس لمرحلة التناوب المسدود مع حكومة عبد الرحمان اليوسفي، فقط من تيسير انتقال العرش للوريث الجديد، قبل أن ينطلق عهد التحول الديمقراطي المجمد مع حكم محمد السادس، وكلها نماذج لوصف دايفيد هيلد (David Held) لأبعاد التحول الديمقراطي، عندما تكون سيرورات الانتقال ملتبسة من نظام سلطوي إلى آخر ديمقراطي.[21]
حيث أن لحظة الاستخلاف لم تخرج عن السياق العام الذي حكم التاريخ السياسي المغربي، فعراقة التقليد وضغط البنى المخزنية وخوف النخبة من مغامرة التغيير وتفضيل صيغ من الماضي عوض سيناريو الانتقال المقترن في المخيال السياسي بالمجهول…هي التي جعلت انتقال الحكم من ملك إلى آخر انتقالا بيولوجيا وغير مقترن بهم للدمقرطة والتحديث.
وبمرور الوقت تحول ” الأمل” إلى “خيبة الأمل”…، فيكتشف الجميع “وهم الانتقال الديمقراطي” ويوتوبيا التحديث السياسي عبر استعادة لآليات اشتغال “النظام القديم” وإبرام صفقات تواطئية” جعلت النخبة تدافع عن “ملكية قوية” استرجعت تدريجيا صلاحياتها التي لم يضمن انتقالها صك البيعة، وتروج لمقولات “الخوف من الحرية” لشرعنة انتكاسة الانفتاح المراقب والهامش المكتسب من حرية الرأي والتعبير.[22]
وقد تبين بالتدريج أن المحاولة الأولى للانتقال الديمقراطي قد أخفقت، وتعد محاضرة الوزير الأول الأسبق عبد الرحمن اليوسفي، الذي قاد تجربة حكومة ” التناوب التوافقي” (1998-2002)، في بروكسيل سنة 2003، حاسمة في تأكيد تلك القناعة، إذ أعلن صراحة عن إخفاق محاولة الانتقال الأولى نحو الديمقراطية، وقرر على إثر ذلك اعتزال العمل السياسي نهائيا؛
إلا أنه وبخلاف تجارب عربية مختلفة اعترف الملك محمد السادس في خطابه الشهير يوم 9 مارس 2011، إبان الحراك الثوري، بالحاجة إلى عقد اجتماعي جديد، ومن ثم إلى دستور جديد. وفي سياق ذلك تجدد الحديث عن محاولة ثانية للانتقال الديمقراطي، ولا سيما بعد وضع دستور جديد، يتضمن توزيعا جديدا للسلطة، ويضمن الحقوق والحريات، واعترافا بأبعاد الهوية المغربية المتعددة والمزيجة[23].
إلا أن هناك من اعتبر أن مقولة الانتقال الديمقراطي أصبحت بلا طعم على المستوى التداولي، لأن مؤشرات قياس آثارها على صعيد الوضعية الاجتماعية وعلى مستوى الصحة النفسية للمغاربة، أضحت صادمة. فكيف لهذا المجهود التنموي الذي تبذله الدولة ألا يتلمسه المغاربة كافة !؟، قد نستنتج ربما بأن الانتقال الديمقراطي بهذا المعنى كان نخبويا، أي استفادت منه فئات بعينها دون غالبية المواطنين.
فالذي حصل هو انتقالات فرعية غير منسجمة: انتقال من دستور إلى آخر، ومن حكومة إلى أخرى، ومن برلمان الى آخر. لكن لم يحصل انتقال في النخبة، إذ بقيت هي نفسها تحتل الفضاء السياسي لعقود. ومن يقول النخبة يقول العقليات التي تحملها والمصالح التي تحصنها. أما السبب العميق والحقيقي، قد يكمن، حسب المفكر المغربي عبد الله العروي، في كون النخبة الحالية المسيرة لدواليب الدولة، أقل وطنية من التي سبقتها.[24]
وفي هذا السياق يذهب الباحث عبد الرحيم العلام بأنّ “الانتقال الديمقراطي لم ينجح في المغرب. ولا أحد حتى داخل السلطة يقول إننا بلدٌ ديمقراطيّ. كل ما نسمعه، أننا بلد سائرٌ في طريق الديمقراطية، ولا أحد يدري متى تنتهي هذه السيرورة”.
هي “ديمقراطية شكلية” يراها العلام، تتعضّد فقط، “بوجود الأغلبية والأقلية والحكومة و”المعارضة” وانتخابات دورية… لكن، ما هي وظيفة هذه الاستحقاقات في المغرب؟ ألا ينبغي أن نطرح سؤال ماهية هذه الانتخابات التي تسمح للأحزاب المقربة من السلطة أو الأحزاب المتشابهة في التوجه، بالتناوب على رئاسَة الحكومة أو التواجد ضمن الأغلبيّة الحكومية؟” يتساءل العلام.
فهو يجزم بوجود شكليات ديمقراطية في المغرب، وليس تجربة ديمقراطية واعدة أو فعلية “إن الديمقراطية مثل عربة تسير على عجلتين، هناك عجلة الإجراءات والشكلانيات، من قبيل الانتخابات والأغلبية والأقلية والحكومة والمعارضة والبرلمان، ثم هناك روح وقيم الديمقراطية، التي تتعلق بحرية الضمير وحرية العقيدة وحرية التعبير والحق في الاحتجاج السلمي… وهذه الروح الديمقراطية باتت حتما مهددة في المغرب”، وفق قوله.[25]
غير أن الأكاديمي والسياسي محمد الساسي يرى أن “الانتقال الديمقراطي” سيتحقق في المغرب والمنطقة مستقبلا، حيث قال أن “ما نشاهده اليوم من قمع وضغط على حرية التعبير ومحاصرة بعض المعارضين، ومن حراكات مثل حراكي الريف وزاكورة، معناه خوف النظام من أن تأتي حركة أخرى. هذا قمع استباقي، لكن العاصفة آتية لا محالة، لا بد في منطقتنا كلها أن تأتي هبات أخرى، ولا يمكن أن تبقى منطقتنا معزولة عن تيار الدمقرطة العالمي (…) وربما ستأتي الهَبّات في مواعيد لا نتوقعها”.[26]
إنها سيرورة الانتقالات أو دراما الانتقال الديمقراطي التي لم تتحقق بعد، وكأن المغرب محكوم عليه أن يعيش ديمقراطية بلا زمن سياسي، بلا أجندة على مستوى مراحل تنزيل مقوماتها القائمة على انتخابات نزيهة وحرة، وبرامج انتخابية واضحة، والتناوب على السلطة، إنه الزمن المهدور للإصلاح السياسي، أو ما يمكن تسميته بالإصلاح السياسي بلا سياسة.
المطلب الثالث: ثوابت العقيدة السياسية وسؤال الاستمرارية
إن التحولات العميقة التي يشهدها المغرب، وعلى جميع الأصعدة تعمل بقوة على خلخلة منظومة القيم. وتحفز مقاومة كبيرة من قبل جماعات المصالح والضغط المستفيدة من الواقع القائم إلا أن المغرب في هذه المرحلة من تاريخه يتقدم بوصفه مجتمعاً يتطلع إلى التجاوز وإعادة البناء، وأمام هذا الاندفاع الداخلي وفي ضوء الشروط الخارجية يجد التقليد نفسه مضطراً إلى التفاوض وإدخال أكثر ما يلزم من عناصر المشاركة ومن قواعد الثقافة الحديثة، فضغوط البنك الدولي الذي فتح مندوبية خاصة منذ سنة 1998 في المغرب بما يفترض ذلك من صلاحيات المراقبة والمديونية الثقيلة والتزام المغرب المتوسطي في إطار الوضع المتقدم مع أوروبا بإدخال إصلاحات جذرية في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والميل الملفت الذي بدأت تعبر عنه شرائح اجتماعية متعددة ونخب مثقفة تدعو إلى المشاركة وأخذ الكلمة خارج الأطر التقليدية، ثم الرهانات الكبرى التي تطرح على المغرب سياسياً ولغوياً وثقافياً كل ذلك يدفع المرء إلى القول إن المغرب يشهد لحظة انعطاف بالغة الأهمية في مساره السياسي والثقافي وما لم تتجدد اللغة السياسية، ويتحرر الفاعلون من مواقعهم الحذرة، ويتأسس إجماع عصري جديد، فإن الإيقاع البطيء للقرار، واحتقان الحياة السياسية والاجتماعية، في ظل المتغيرات الإقليمية والعالمية الجارفة سيؤدي لا محالة إلى إضاعة فرص أخرى وإلى تشجيع عوامل نمو التخلف.[27]
الفقرة الأولى: الليبرالية السياسية أم الديمقراطية؟
لاحظ “جورج بيرنانوس” أن كلمة ديمقراطية استعملت لدرجة فقدت فيها كل دلالة، بل إنها الكلمة بلا ريب الأكثر تعرضا للإذلال في كل اللغات”. غير أن المهتم بدلالات الألفاظ في الديمقراطية ليس ديمقراطياً بالضرورة، لأن أساس الديمقراطية، فضلاً عن أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، يتمثل في الشفافية والإعلام والاستشارة وأخذ الكلمة بحرية. وبعبارة أخرى ممارسة حرية النقد.[28]
وفي تشخيص للمفكر عبد الاله بلقزيز لمسألة الدولة والسلطة والشرعية، توصل أنها ليست بتلك البساطة في كون المجال السياسي في الدول العربية لا يعدو أمره أن يكون على أوجه ثلاثة: إما مجال منعدم انعداماً تامّاً، أو مجال تقليدي، أو مجال «حديث» صورياً، بل المسألة مركبة ولا يمكن اختزالها في اعتبارات سياسية أو فكرية محضة حتى؛ بل إن لها مضامين وأبعاداً ثقافية لأن الاستبداد متجذر في كل مناحي الحياة وفي المؤسسات، ولأن الثقافة العربية السائدة مصابة بـ “المُطلقية، لا نسبية فيها ولا حساً واقعياً. ومجتمعنا مصاب بالانغلاق على تقاليده، لا تسامح فيه ولا اعتراف بآخر مختلف”. لذلك لم يصل الوعي العربي بالديمقراطية إلى القدر المطلوب لبناء حقل سياسي ديمقراطي حقّاً، وما يُدبَّج من خطابات حول الديمقراطية كثير منها بعيد من مقتضياتها النظرية العصرية.
وفي سياق استحضار ما ينعته بـ «أزمة الشرعية الديمقراطية» يقرر بلقزيز، بكثير من الاقتناع والحدة، أن «المجتمعات التي تعاني من نقص حاد في الاندماج الاجتماعي، ومن ثقل مواريث الاستبداد … والتي لم تعرف حركة إصلاح ديني… لا سبيل لديها إلى شرعية ديمقراطية». فالديمقراطية اختيار كلي، سياسي، ومؤسسي، واجتماعي، وثقافي، وديني، ولا يمكن بناؤها باستجلاب «حداثة شكلية مُستعارة»، وإنما باعتماد قواعد وشروط الممارسة السياسية في المجتمعات الحديثة المتمثلة في «العقلانية والواقعية الإيجابية والتاريخية».[29]
لكن يبدو من خلال بعض الكتابات والمناقشات الجارية اليوم في المغرب حسب نور الدين أفاية أن ثمة التباساً كبيراً بين الديمقراطية والليبرالية السياسية. وإذا كانت هذه الأخيرة عبارة عن نظام سياسي يستند إلى دستور متوافق عليه، ويضمن إجراء انتخابات حرة ونزيهة”، ويفترض دولة الفصل بين السلطات، ويحمي الحريات الأساسية، ويؤمن شروط التداول على السلطة فإن جميع هذه الشروط في واقع الأمر، تحيل إلى “الليبرالية الدستورية ” التي قد لا تعبر عن الاختيار الديمقراطي بالضرورة الذي يستدعي مراعاة حقوق تشمل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لذلك لاحظ ازدهاراً للخطاب الليبرالي ذي النزعة الدستورية وتراجعاً للديمقراطية، حتى في داخل بعض البلدان الديمقراطية، فما بالك ببلدان لا تزال تتطلع إلى استنبات بعض مقوماتها، كما في حالتنا.[30]
لقد بين النظام التمثيلي حدوده، فمهما كانت شرعيته ومستنداته القانونية والمؤسسية، فإنها في نظر روزانفالون – وهو أحد كبار فقهاء الديمقراطية في الوقت الحالي غير كافية . ولذلك يتعين ابتكار أشكال غير انتخابية للتمثيل من قبيل مجالس وهيئات الضبط، والسلطات الإدارية المستقلة ومجالس فاعلة للحسابات، وقضاء نزيه ولا مناص من الإقرار بالتغيرات الحاصلة على “النموذج الديمقراطي”، خصوصاً على صعيد العلاقات بين الحاكمين والمحكومين. لهذا يبدو من المستعجل الانكباب على إقامة تعبير لديمقراطية التملك (appropriation) التي تختلف في آلياتها تماماً عن ديمقراطية التماهي (identification). وتتمثل في تصحيح وتعويض وتنظيم الفصل بين الحاكمين والمحكومين بطريقة تسمح للمحكومين بإمكانية مراقبة وتوجيه السلطة اعتمادا على نمط مختلف عن ذلك الذي تضمنه آلية التفويض أو الانتداب.
فالسؤال الذي طرحه نفس الباحث هو كيف يمكن تحويل الديمقراطية من مجرد مطلب أو شعار إلى نشاط اجتماعي واسع؟؛ حيث الأحاديث الدائرة الآن حول التغيير، والتي توحي بأن المغرب في مختلف تعبيراته مقبل على منعطف يفصل بين زمنين في السياسة، وهذا ما لا تتحمله دائماً السياسة على ما يبدو، خصوصاً إذا كانت المطالب أكبر وأعقد مما يمكن أن تترجمه وثيقة دستورية.
نحن أمام نزوع نحو إعادة بناء شاملة للديمقراطية في المغرب، وتحديداً للسياسة وللمعمار المؤسسي. تأخذ من كل الآليات السابقة إيجابياتها فتعقد الديمقراطية لا يكمن في نمط اشتغالها الوظيفي. وإنما في إعادة إدماج مجموع الإجراءات والمؤسسات الداعمة لنتائج الاقتراع العام التي تنظم تجارب الحرية وتنشغل بالمنفعة العامة في مغرب اليوم.
ورغم التفاؤل بإمكانية إقامة نموذج ديمقراطي يترجم ويستجيب لمقتضيات العمل الديمقراطي العصري. نجد أنفسنا أيضاً مضطرين مع ذلك إلى التساؤل حول مدى استجابة الفاعلين السياسيين لتصورات مستقبلية للمسألة السياسية وللتطلعات الديمقراطية الفعلية على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وتكفل الحقوق الأساسية للناس، وترقى بالمغربي إلى مستوى المواطنة؟ وهل ما يجري الآن في المغرب، خطوة على درب إقامة مؤسسات تمنح الحقل السياسي ما يلزم من الصلابة وشروط الاستمرارية ؟. [31]
الفقرة الثانية: مصير الدولة المستقبلية
جاء في تقرير الاتجاهات والسيناريوهات الاستراتيجية العالمية 2040 الذي أصدره مجتمع الاستخبارات الأميركي في مارس/آذار 2021، أن سمة الدولة المستقبلية هو التغيير وليس الاستمرارية، باعتبارها الديناميكية المهيمنة على كيفية تطور العالم خلال العقدين القادمين، لذا فإن المرونة والتكيف لمواجهة عدم اليقين بشأن المستقبل من العوامل الرئيسية في الصعود والسقوط النسبي للحكم الديمقراطي والسلطوي على حد سواء.
الملمح العام للمستقبل كما يشرحه التقرير، هو عدم التوافق بين الطلبات العامة والقدرات الحكومية، فعلى مدى العقدين المقبلين من المرجح أن تواجه العلاقات بين الدول ومجتمعاتها في كل منطقة توترات مستمرة بسبب عدم التوافق المتزايد بين ما يحتاجه الجمهور أو يتوقعه وما يمكن للحكومات أن تقدمه.
كما يلتقط التقرير مأزق الربيع العربي ويعممه على مناطق أخرى ليصبح حالة عالمية، فقد كشف الربيع العربي قبل عقد عن أوجه قصور خطيرة في الأنظمة السياسية السائدة، ولكنه في نفس الوقت لم يستطع أن يفرز عقدا اجتماعيا جديدا بين الدولة والمجتمع، وعلى غرار المنطقة يمكن أن تتجه مناطق أخرى من العالم.
ومن المرجح في السنوات القادمة -وفق التقرير- أن يتوسع هذا التناقض بين قدرات الحكومات وتوقعات الجمهور، مما يؤدي إلى مزيد من التقلبات السياسية والاستقطاب والشعبوية وموجات الاحتجاج، مع زيادة في التطرف السياسي، والعنف، والصراع الداخلي، أو حتى انهيار الدولة.
فالمستقبل السياسي ستحكمه الاختلافات في قدرة الدولة، والأيديولوجيا، والتاريخ السابق للتعبئة السياسية، كيف ومتى يتحولان إلى سخط عام وتقلبات سياسية؟.
كما يتوقع التقرير أن عدم الرضا العام الذي برز في العقود الماضية عن السياسة السائدة لفشلها في معالجة المظالم الاقتصادية والاجتماعية أدى إلى ارتفاع عالمي في الشعبوية، ومن المتوقع زيادتها العقدين القادمين.
يخلق هذا المناخ السياسي المتقلب نقاط ضعف لجميع أنواع الحكومات، من الديمقراطيات الليبرالية الراسخة إلى الأنظمة الاستبدادية المغلقة، ويصبح معيار الشرعية مستمدا من قدرة الحكومات على تسخير الفرص الجديدة، والتكيف مع الضغوط المتزايدة، وإدارة التفتت الاجتماعي المتصاعد، وتوفير الأمن والازدهار الاقتصادي لشعوبها.
ويضيف التقرير أن تحويل السخط يتطلب إلى شيء جديد مزيجا من القيادة الملهمة والموحدة مع الأفكار أو الأيديولوجيا المقنعة لبناء تحالفات سياسية وكسب المجتمع، وهذا ما ستجيب عنه السنوات الـ20 القادمة.
دولة المستقبل تواجه بيئة تتسم بعدم اليقين، وهذا يتطلب منها مرونة كبيرة تستطيع بها الاستجابة لتحديات لا يمكن تحديد ملامحها بدقة ولكن يمكن رسم اتجاهاتها الأساسية.[32]
خاتمة:
من خلال تسليط الضوء على مقومات العقيدة السياسية للدولة نسجل مركزية المؤسسة الملكية في وضع ثوابت العقيدة السياسية للدولة باعتبارها راعية لثقافة الإجماع ولما تتمتع به من وظائف سيادية وتحكيمية، وهو ما مكنها من احتواء مطالب حركة 20 فبراير، إلا أنه مع تسارع تطور المجتمع وعدم الرضا، أضحت معه هذه العقيدة السياسية تحتاج إلى دينامية سياسية جديدة لتجاوز هذا التكلس الذي أصاب مفاصل الدولة، من خلال بناء هرمي يضم أذرعا تكون رافعة لنشرها وترسيخها، من خلال عقد اجتماعي جديد بين المؤسسة الملكية وباقي الفاعلين السياسيين يؤسس لتوافق جديد بشأن المسار المستقبلي لتطويق التآكل الديمقراطي، بالإضافة إلى نخب سياسية جديدة تواكب تطور ثقافة المجتمع، ورأي عام حاضن لهذه العقيدة، وإعلام مستقل، ومجتمع مدني قوي.
[1] – سليم بوسكين، العقيدة الأمنية الجزائرية وإشكالية التكيف مع التهديدات الجديدة، مجلة العلوم القانونية والسياسية، المجلد 10، العدد 2، شتنبر 2019،ص. 1330.
[2] – د.محمد عبدالرحمن عريف، كيف تحدد العقيدة العسكرية للدولة؟، أنظر المقال على الموقع الالكتروني: www.almayadeen.net.
[3] – أمجد الفتلاوي، العقيدة السياسية وتأثيرها على المذهب السياسي، أنظر القال على الموقع الالكتروني: burathanews.com.
[4] – د. وليد عبد الرحيم جاب الله: الجانب المادي للعقيدة السياسية،7/02/2023، مجلة السياسة الدولية، أنظر المقال على الموقع الالكتروني: www.siyassa.org.eg.
[5] – عبد العالي الفيل، مسألة الهوية في الدولة المغربية الحديثة المرتكزات والضمانات،(بتصرف) أنظر المقال على الموقع الالكتروني: m.marocdroit.com.
[6] – محمد بليلض، التعددية اللغوية والتنوع الثقافي وسؤال الهوية في الدستور المغربي دراسة مقارنة بين دستور 1996 و 2011،مجلة القانون الدستوري والعلوم الإدارية، إصدارات المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والاقتصادية/المانيا- برلين، العدد 24، غشت 2024،ص.161.
[7] – مولاي أحمد العلوي، أرض المهمة الإسلامية، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: الجامعة الصيفية للصحوة الإسلامية، الصحوة: واقع وآفاق(28 غشت، 3شتنبر 1990)الجزء الأول، 1991،ص.34.
[8] – عبد العالي الفيل، مسألة الهوية في الدولة المغربية الحديثة المرتكزات والضمانات،(بتصرف) أنظر المقال على الموقع الالكتروني: m.marocdroit.com.
[9] – في خطاب موجه لمجلس النواب حول التعليم، حرر بالقصر الملكي بتاريخ 15 يوليوز 1994، في: “خطب وندوات صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني”، المجلد الرابع عشر، الطبعة الثانية، 1993، نشر وزارة الإعلام، ص.199.
[10] – الحسن الثاني، التحدي، المطبعة الملكية، الطبعة الثانية، 1983، ص. 235.
[11] – عبد العلي حامي الدين، إمارة المؤمنين في النظام السياسي المغربي: الأصول المرجعية، الوظائف السياسية، ألوان مغربية، العدد الثالث، أكتوبر –نونبر 2004، ص.19.
[12] – محمد البخاري، الثوابت الدينية وتجلياتها في التنمية من خلال النموذج التنموي المغربي الجديد، أنظر المقال على الموقع الالكتروني: www.attawabit.ma.
[13] – إسماعيل الخطيب، البيعة في السنة النبوية، في: “البيعة والخلافة الإسلامية”، ندوة العيون، 20 إلى 22 يوليوز 1994، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الدورة الثانية، الجزء الأول، ص.332.
[14] – محمد الحاج ناصر، مرجع ومصدر شرعية إمارة المؤمنين بين البيعة والدستور، دعوة الحق، العدد 353، السنة الواحد والأربعون، يوليوز 2000، ص.44-45.
[15] – راجع عبد العالي الفيل، مسألة الهوية في الدولة المغربية الحديثة المرتكزات والضمانات،(بتصرف)، نفس المرجع السابق.
[16] -محمد كولفرني، الربيع العربي والإصلاح الدستوري بالمغرب: قراءة من منظور الفاعلين،سياسات عربية للعلوم السياسية والعلاقات الدولية، العدد 22،سبتمبر 2016، ص. 44، أنظر المقال على الموقع الالكتروني: siyasatarabiya.dohainstitute.org.
[17] – صلاح الدين ياسين، الدستور المغربي وسؤال المرجعيات، أنظر المقال على الموقع الالكتروني: www.acrseg.org.
[18] – توفيق عبد الصادق، واقع ومستقبل الإصلاحات بالمغرب 2011-2021: دراسة حول موضوع السلطة، أنظر المقال على الموقع الالكتروني: cihrs-rowaq.org.
[19] – اليوسفي عبد الرحمان، أحاديث فيما جرى، شذرات من سيرتي كما رويتها لبودرقة، دار النشر المغربية، عين السبع، الدار البيضاء، ج1، ط1، 2018 ص، 177.
[20] – نفس المرجع، ص.158.
[21] – غيورغ سورنسن، الديمقراطية والتحول الديمقراطي: السيرورات والمأمول في عالم متغير، ترجمة عفاف البطاينة (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص 43.
[22] – محمد أتركين: النظام السياسي المغربي بعد حدث الاستخلاف وهم “الانتقال الديمقراطي” ووضع “خيبة الأمل”،المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 17، شتاء 2008، ص.55-56 بتصرف.
[23] – إسماعيل حمودي: الانتقال الديمقراطي في المغرب: حدود التحول، ربيع 2015، مقال منشور على الموقع الالكتروني: https://rouyaturkiyyah.com/file/، ص. 31- 32(بتصرف).
[24] -امحمد لقماني: دولة الانتقال وانتقال الدولة، أنظر المقال على الموقع الالكتروني: www.hespress.com
[25] – علي بنهرار، الديمقراطية في المغرب… النموذج الذي لم يُفهم بعد 4\4، أنظر المقال على الرابط الالكتروني: marayana.com.
[26] – وائل بورشاشن، الساسي: الانتقال الديمقراطي سيتحقق في المغرب .. و”العاصفة” آتية لا محالة، أنظر المقال على الموقع الالكتروني: www.hespress.com.
[27]– محمد نور الدين أفاية، توترات التقليد والتحديث.. الديمقراطية ومتغيرات السياسة في المغرب، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، معهد الدوحة، أغسطس 2011، سلسلة تقييم حالة، ص.8، على الموقع الالكتروني: www.dohainstitute.org.
[28] – محمد نورد الدين أفاية، توترات التقليد والتحديث.. الديمقراطية ومتغيرات السياسة في المغرب، نفس المرجع السابق، ص.12.
[29] – محمد نور الدين أفاية، الرهانات النظرية للدولة، السلطة والشرعية في كتابات عبد الإله بلقزيز، نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 465 في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، أنظر المقال على الموقع الالكتروني: caus.org.lb.
[30] – محمد نورد الدين أفاية، توترات التقليد والتحديث.. الديمقراطية ومتغيرات السياسة في المغرب، نفس المرجع، ص. 12-13.
[31] – نور الدين أفاية، نفس المرجع السابق، ص.15-23(بتصرف).
[32] – هشام جعفر، نموذج الدولة المستقبلية في 2040: تتسم بعدم اليقين وجمهور أكثر طلبا وقدرة، أنظر المقال على الموقع الالكتروني: www.aljazeera.net.






