في الواجهةمقالات قانونية

الفقر والهامش الحضري قراءة اجتماعية في دوافع الجريمة بالمغرب – طه عقار

الفقر والهامش الحضري

قراءة اجتماعية في دوافع الجريمة بالمغرب

دراسة تحليلية-وثائقية في ضوء معطيات الفقر والهشاشة والشغل والأسرة والساكنة السجنية بالمملكة المغربية

مقاربة سوسيولوجية معتمدة على المعطيات الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، والمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، ووزارة العدل، والمديرية العامة للأمن الوطني

إعداد الباحث: طه عقار

سلك الماستر: المنازعات والتحولات الرقمية

ملخص

تزايد في السنوات الأخيرة الحديث في النقاش العمومي المغربي عن ارتفاع بعض مظاهر الجريمة، خصوصاً في المدن الكبرى وأحزمة الفقر المحيطة بها. تحاول هذه الدراسة، انطلاقاً من مقاربة سوسيولوجية توثيقية-تحليلية، مساءلة العلاقة بين مجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية -المستوى المعيشي والبطالة، طبيعة السكن والحي، البنية الأسرية وتحولاتها، جماعة الأقران والثقافات الفرعية الحضرية- وبين الميل نحو ارتكاب الجريمة، وذلك بالاستناد إلى أحدث المعطيات الرسمية المتوفرة حول الفقر والهشاشة والبطالة في المغرب، وحول خصائص الساكنة السجنية، وحول مؤشرات الطلاق وبنية الأسرة، وحول أنماط الجريمة المسجلة لدى المصالح الأمنية. وتعتمد الدراسة على الإطار النظري الكلاسيكي في علم الاجتماع الجنائي (النظرية البنائية، نظرية الثقافة الفرعية، نظرية التفكك الاجتماعي بمدرسة شيكاغو، ونظرية الضبط الاجتماعي)، وتخلص إلى أن الجريمة في السياق المغربي، كما في سياقات أخرى، لا تنمو في فراغ اجتماعي، بل ترتبط بشبكة من الظروف البنيوية المتشابكة، دون أن يعني ذلك أي حتمية آلية بين الفقر والجريمة.

الكلمات المفتاحية: الجريمة، العوامل الاجتماعية، الفقر، الهشاشة، البطالة، الأسرة، جماعة الأقران، المجتمع المغربي.

مقدمة :

الجريمة ظاهرة اجتماعية عالمية، لا يكاد يخلو منها مجتمع إنساني قديما كان أم حديثا. وقد انتبه الناس منذ القدم إلى مخاطرها وآثارها السلبية على مسار الحياة الاجتماعية وعلى استقرار المجتمع وتوازنه، وحاولوا التصدي لها بوسائل تراوحت بين المعتقدات الدينية والأسطورية البدائية والجزاءات الاجتماعية التقليدية القائمة على الثأر الجماعي أو النبذ الاجتماعي. وخلال العصور الوسطى، ظل السلوك الإجرامي يُفسَّر غالبا في إطار ديني، إذ كانت مخالفة القانون الإلهي تُقدَّم على أنها الانتهاك الأخطر، قبل أن تتحول المقاربة تدريجيا، إبان القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، نحو تفسيرات ترتكز على المسؤولية الأخلاقية والعقلية للفرد.

ومع تطور المجتمعات ونشوء صور أكثر تعبيرا عن إرادتها الجماعية -كالقانون المكتوب والمؤسسات القضائية الحديثة- لم تتراجع مخاطر الجريمة، بل رافقت التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الكبرى التي عرفتها المجتمعات الحديثة. بل إن الجريمة أصبحت في بعض المجتمعات المتقدمة ظاهرة معقدة، ينتظم فيها بعض مرتكبيها في تنظيمات شبه مهنية لها كيانها الخاص، وهو ما دفع الباحثين والدارسين إلى التعامل معها بوصفها موضوعا علميا مستقلا يستحق دراسة موضوعية منهجية، بعيدا عن الأحكام الأخلاقية المسبقة.

وفي ضوء هذه المخاطر، رأت حكومات الدول النامية والمتقدمة على حد سواء أن هناك حاجة ماسة إلى معالجة هذه الظاهرة والحد من انتشارها والوقاية منها، وقد تنبه العلماء والدارسون المتخصصون إلى أهمية دراستها دراسة علمية موضوعية بهدف التعرف إلى دوافعها والوقوف على القوى الكامنة وراءها. وقد أفرزت هذه الجهود العلمية تعميمات ونماذج تفسيرية متعددة، وظهرت عدة مدارس ونظريات حديثة لتفسير السلوك الإجرامي، إلى درجة يمكن القول معها إن لكل حقل من حقول البحث العلمي الإنساني نظريته الخاصة في تفسير الجريمة.

ويكتسي هذا الموضوع أهمية خاصة في السياق المغربي الراهن، حيث تعرف البلاد تحولات اجتماعية واقتصادية وديموغرافية متسارعة: نمو حضري متزايد، وهجرة قروية-حضرية مستمرة وإن كانت وتيرتها تتباطا، وتحولات عميقة في بنية الأسرة وأنماط الزواج والطلاق، إلى جانب تحديات مرتبطة بالبطالة والهشاشة الاقتصادية، خاصة في صفوف الشباب. وتحاول هذه الدراسة، من خلال قراءة سوسيولوجية للمعطيات الرسمية المتوفرة، مساءلة العلاقة المحتملة بين هذه التحولات وبين الدفع نحو ارتكاب الجريمة.

أولا: الإشكالية، الأسئلة الفرعية، المنهج المعتمد.

  1. الاشكالية

انطلاقا مما سبق، يمكن صياغة الإشكالية المركزية لهذه الدراسة على الشكل التالي :

هل الفقر والبطالة والظروف السكنية في المغرب تدفع فعلا نحو ارتكاب الجريمة؟ وكيف تؤثر البيئة الأسرية ورفاق السوء في هذا المسار؟ وهل تكشف الإحصائيات الرسمية المتاحة عن وجود أرقام تؤكد هذا الارتباط؟

  1. الأسئلة الفرعية
  • هل تلعب الظروف الاقتصادية المتدنية (الفقر، الهشاشة، البطالة) دورا في الدفع نحو ممارسة الجريمة في السياق المغربي؟
  • هل هناك علاقة بين خصائص البيئة الحضرية (المدينة، الحي الهامشي، مدن الصفيح) وبين تركز الظاهرة الإجرامية؟
  • إلى أي مدى يشكل التحول في البنية الأسرية المغربية (ارتفاع حالات الطلاق، ضعف الإشراف الأسري) مناخا ملائما للانحراف؟
  • ما حجم الدور الذي يمكن أن تلعبه جماعات الأصدقاء والرفاق والثقافات الفرعية الحضرية في دفع الأفراد، خاصة الشباب، نحو ممارسة الجريمة؟
  1. المنهج المعتمد.

خلافا للدراسات الاستطلاعية الميدانية المباشرة التي تعتمد عينات مسحية من نزلاء المؤسسات السجنية (على غرار الدراسات الكلاسيكية التي أنجزت في سياقات عربية مشابهة)، تعتمد هذه الدراسة منهجا وصفيا-تحليليا توثيقيا، يقوم على جمع وتحليل المعطيات الإحصائية الرسمية المتاحة والصادرة عن المؤسسات المغربية المختصة (المندوبية السامية للتخطيط، المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، وزارة العدل، المديرية العامة للأمن الوطني)، وربطها بالإطار النظري السوسيولوجي المفسر للجريمة.

وتقتضي الأمانة العلمية التنبيه إلى الحدود المنهجية لهذه المقاربة: فالمعطيات الرسمية المعروضة هي معطيات إحصائية عامة (Aggregate Data) لا تسمح بإثبات علاقة سببية مباشرة على مستوى الأفراد، بل تسمح فقط برصد ترابطات إحصائية عامة (Correlations) بين المتغيرات على المستوى الكلي. كما أن هذه الدراسة لا تعوض الحاجة إلى بحوث ميدانية مباشرة داخل المؤسسات السجنية المغربية، وهو ما تدعو إليه هذه الدراسة صراحة في توصياتها الختامية.

ثانيا: الدراسات السابقة: قراءة موجزة في تجارب عربية مشابهة.

استفادت هذه الدراسة، في بناء إطارها النظري وصياغة أسئلتها، من مجموعة من الدراسات الاستطلاعية العربية الكلاسيكية التي تناولت العلاقة بين العوامل الاجتماعية والاقتصادية والدفع نحو الجريمة، والتي أنجزت غالبا بالاعتماد على عينات ميدانية مباشرة من نزلاء المؤسسات السجنية. ويجدر التذكير بأن هذه الدراسات تعود، في غالبيتها، إلى عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وأنجزت في سياقات اجتماعية واقتصادية مغايرة نسبيا للسياق المغربي الراهن، وإن ظلت مرجعيتها النظرية صالحة للاستئناس بها.

فقد تناولت إحدى الدراسات الميدانية التي أنجزت في العراق ظاهرة الإجرام في منطقة ريفية، وخلصت إلى أن التخلف الاجتماعي والاقتصادي وتدني المستوى التعليمي للسكان كانا من أهم العوامل المساعدة على انتشار الجريمة في تلك المنطقة. كما تناولت دراسة أخرى أنجزت في مصر العلاقة بين الأحداث السياسية والاجتماعية والتاريخية التي عرفتها البلاد على مدى عقود، وبين تذبذب معدلات بعض أنماط الجريمة صعوداً وهبوطاً، لترجح تفسيراً يربط بين حالات عدم الاستقرار وسرعة التحول الاجتماعي من جهة، وارتفاع بعض أنماط الجريمة من جهة أخرى.

وفي السياق الأردني، أنجزت دراسة استطلاعية ميدانية مباشرة اعتمدت عينة مسحية عشوائية منتظمة من نزلاء عدد من السجون المركزية، مثلت مختلف محافظات المملكة، بهدف قياس العلاقة بين متغيرات اجتماعية محددة (الظروف الاقتصادية، خصائص البيئة الطبيعية، جماعات الأصدقاء، الوضع الأسري) وبين الدافع إلى ممارسة الجريمة، مستعينة بأدوات إحصائية استدلالية (اختبار مربع كاي) لاختبار فرضيات التوزيع المنتظم لأفراد العينة على مختلف الفئات المدروسة. وخلصت هذه الدراسة إلى وجود علاقة قوية بين تدني معدلات الدخل وبين الدافع إلى الجريمة، وإلى تركز الظاهرة الإجرامية في الوسط الحضري أكثر من الوسط القروي، وإلى دور ملحوظ لجماعات الأصدقاء وللاختلالات الأسرية (تعدد الزوجات، وفاة أحد الوالدين، غياب سلطة الأب) في الدفع نحو الانحراف.

وتنطلق هذه الدراسة من نفس الأسئلة البحثية الكبرى التي طرحتها تلك الدراسات، لكنها تكيفها مع خصوصيات السياق المغربي الراهن، وتستبدل المنهج الاستطلاعي الميداني المباشر (استمارة الاستبيان لدى عينة من نزلاء السجون) بمنهج توثيقي-تحليلي يعتمد على المعطيات الرسمية الإحصائية الحديثة، نظرا لعدم توفر مسح ميداني مباشر خاص بهذه الدراسة، على أن يبقى إنجاز مثل هذا المسح الميداني داخل المؤسسات السجنية المغربية أفقاً بحثيا مستقبليا موصى به في خاتمة هذه الدراسة.

ثالثا: الإطار النظري: مدارس تفسير السلوك الإجرامي

يمكن تصنيف النظريات المفسرة للسلوك الإجرامي، تبعا لتصنيف مايكل نيتزل (M. Nietzel) المعتمد في كثير من الدراسات الكلاسيكية، إلى أربع فئات كبرى: النظريات البيولوجية، والنظريات النفسية، والنظريات النفسية-الاجتماعية، والنظريات الاجتماعية. وتنطلق هذه الدراسة من الفئة الأخيرة، مع استعراض موجز للفئات الأخرى لأغراض السياق.

  1. النظريات البيولوجية:

يتزعم هذا الاتجاه العالم الإيطالي تشيزاري لومبروزو (C. Lombroso)، الذي افترض وجود سمات بيولوجية فطرية تميز الشخص المجرم عن غيره، وإمكانية انتقال الاستعداد للإجرام وراثيا. وقد تعرضت هذه الفرضية لانتقادات علمية واسعة ورفضت منذ عقود طويلة كتفسير حتمي، وإن ظلت بعض الدراسات اللاحقة تقر بوجود تفاعل محدود بين عوامل بيولوجية-نفسية وبين البيئة الاجتماعية دون أن ترقى تلك العوامل إلى مرتبة الحتمية.

  1. النظريات النفسية:

ترتكز هذه النظريات على فكرة أن الجريمة نتاج اضطراب في بنية الشخصية أو اتجاهاتها، وأن هذا الاضطراب قد يتشكل نتيجة عوامل نمائية مبكرة (صدمات الطفولة، اضطرابات الشخصية، ضعف الأنا الأعلى في التحليل النفسي الكلاسيكي). وتتفرع هذه النظريات إلى عدة اتجاهات فرعية، لكنها تتفق جميعا على أن السلوك الإجرامي مرتبط أساسا بديناميات نفسية داخلية لدى الفرد.

  1. النظريات النفسية-الاجتماعية:

تقوم هذه النظريات على أساس نظرية التعلم الاجتماعي، وأبرزها نظرية ‘الاختلاط التفاضلي’ (Differential Association) لإدوين ساذرلاند (E. Sutherland)، التي ترى أن السلوك الإجرامي، شأنه شأن أي سلوك آخر، سلوك متعلم يكتسبه الفرد عبر التفاعل مع جماعات تحمل قيما واتجاهات مؤيدة لخرق القانون، خاصة حين يكون هذا التفاعل مبكرا ومكثفا ومستمرا.

  1. النظريات الاجتماعية:

تقوم جميع النظريات الاجتماعية على افتراض مشترك مفاده أن شروط الإجرام وظروفه الأساسية توجد في البيئة الطبيعية والثقافية والاجتماعية التي تحيط بالفرد، وينبعث من هذه البيئة مجموعة من العوامل الخارجية السابقة على أي فعل إجرامي، تدفع الفرد إلى ارتكاب الجريمة. ويمكن التمييز داخل هذا التيار الواسع بين عدة اتجاهات فرعية رئيسية:

أ. النظرية البنائية (نظرية الأنومي / اللامعيارية)

طورها روبرت ميرتون (R. K. Merton) اعتمادا على مفهوم ‘الأنومي (Anomie) ‘ الذي صاغه إميل دوركهايم، وتفترض أن الجريمة تنشأ من التعارض بين الأهداف الثقافية المشتركة التي يدفع المجتمع أفراده إلى السعي وراءها (كالثروة والمكانة الاجتماعية)، وبين محدودية الوسائل المشروعة المتاحة لبعض الفئات لتحقيق هذه الأهداف. فحين تغلق السبل الشرعية أمام فئة من الناس، مع بقاء الأهداف الثقافية ضاغطة عليهم، يضطر بعضهم إلى اللجوء إلى وسائل غير مشروعة لإشباع حاجاتهم وتحقيق طموحاتهم، وهو ما أسماه ميرتون بـ’الابتكار’ (Innovation) كأحد أنماط التكيف مع حالة الأنومي.

ب. نظرية الثقافة الفرعية (Subculture Theory)

طورها باحثون من أمثال ألبرت كوهين (A. Cohen) ووالتر ميلر (W. Miller) وريتشارد كلوارد ولويد أوهلن (Cloward & Ohlin)، وتفترض أن بعض الأحياء والفئات الاجتماعية المهمشة تفرز، تحت ضغط ظروفها المشتركة، أنماطا ثقافية خاصة (ثقافات فرعية) تتعارض أحيانا مع القيم والمعايير العامة السائدة في المجتمع، وتوفر لأفرادها نوعاً من ‘الحلول الجماعية’ لمواجهة مشكلاتهم المشتركة، قد يكون من بينها اللجوء إلى السلوك الإجرامي كوسيلة لاكتساب المكانة والاعتراف داخل الجماعة.

ج. نظرية التفكك الاجتماعي (المدرسة الإيكولوجية بشيكاغو)

طورها كليفورد شو وهنري ماكاي (Shaw & McKay) في إطار ما عرف بـ’مدرسة شيكاغو’ لعلم الاجتماع الحضري، وتربط ارتفاع معدلات الجريمة بخصائص مجالية محددة داخل المدينة، خاصة ‘مناطق الانتقال’ (Zones in Transition) المحيطة بالمراكز التجارية والصناعية، والتي تتميز بتدهور السكن، وعدم استقرار الساكنة، وضعف الروابط المجتمعية غير الرسمية، وتنوع سكاني وثقافي كبير يصعب توحد المعايير الاجتماعية. وتفترض هذه النظرية أن ارتفاع معدلات الجريمة في هذه مناطق يبقى ثابتا نسبيا بصرف النظر عن الجماعة السكانية التي تقطنها في لحظة معينة، مما يرجح تفسيرا بنيويا مجاليا على تفسير مرتبط بخصائص فردية أو عرقية.

د. نظرية الضبط الاجتماعي (Social Control Theory)

طورها ترافيس هيرشي (T. Hirschi)، وتنطلق من افتراض معاكس نسبيا للنظريات السابقة: فبدل السؤال عن ‘لماذا يرتكب بعض الناس الجريمة؟’، تسأل ‘لماذا لا يرتكب معظم الناس الجريمة؟’. وتجيب بأن الأفراد يمتنعون عن الانحراف بفضل قوة الروابط الاجتماعية التي تشدهم إلى النظام الاجتماعي (الارتباط العاطفي بالأسرة والمدرسة، الالتزام بالأهداف التقليدية، الانخراط في أنشطة مشروعة تستهلك الوقت والجهد، والإيمان بشرعية القواعد الأخلاقية والقانونية السائدة). وحين تضعف هذه الروابط -بفعل التفكك الأسري، الفشل الدراسي، أو البطالة- يصبح الفرد أكثر ‘حرية’ نسبية للانحراف عن السلوك القويم.

وتتبنى هذه الدراسة مقاربة تركيبية تجمع بين هذه الاتجاهات الأربعة الفرعية للنظرية الاجتماعية، باعتبارها الأكثر ملاءمة لتحليل واقع مجتمع يعيش تحولات اجتماعية واقتصادية متسارعة كالمجتمع المغربي، حيث تتقاطع الفوارق الاقتصادية (البعد البنائي)، مع خصوصية بعض الأحياء الحضرية (البعد الإيكولوجي والثقافة الفرعية)، مع تراجع بعض آليات الضبط الاجتماعي التقليدي (البعد الأسري والقيمي).

رابعا: الظروف الاقتصادية بالمغرب ودورها المحتمل في الدفع نحو الجريمة

  1. الفقر والهشاشة: تراجع عام وتفاوتات مجالية حادة

تعد معدلات الفقر والهشاشة من أهم المؤشرات التي يمكن الاستناد إليها لتقييم الظروف الاقتصادية للأفراد. وقد شهد المغرب خلال العقد الأخير تراجعا ملموسا في معدلات الفقر: فبحسب أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط، تراجع معدل الفقر متعدد الأبعاد على الصعيد الوطني من 11.9% سنة 2014 إلى 6.8% سنة 2024، أي من نحو أربعة ملايين فقير إلى 2.5 مليون شخص. كما تراجع معدل الهشاشة الاقتصادية من 11.7% إلى 8.1% خلال الفترة نفسها، وارتفع متوسط الدخل السنوي للفرد من نحو 11.000 درهم إلى 24.000 درهم بين سنتي 2001 و2020.

غير أن هذا التحسن العام يخفي تفاوتات مجالية حادة تُبقي الظاهرة قائمة بقوة في بعض المناطق: فلا يزال نحو ثلاثة ملايين شخص في وضعية هشاشة، يتركز 82% منهم في الوسط القروي، بينما يقيم 72% من مجموع الفقراء في القرى مقابل معدل فقر حضري لا يتجاوز 3%. وتسجل بعض الأقاليم القروية معدلات فقر تتجاوز 20%، على غرار فجيج (24.1%) وتاونات (21.1%)، في حين تتركز نحو 60% من الساكنة في وضعية هشاشة في خمس جهات فقط من جهات المملكة، هي فاس-مكناس ومراكش-آسفي والدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة وطنجة-تطوان-الحسيمة.

المؤشر سنة 2014 سنة 2024
معدل الفقر متعدد الأبعاد (وطنياً) 11.9% 6.8 %
عدد الأشخاص في وضعية فقر 4 ملايين 2.5 مليون
معدل الفقر في الوسط القروي 23.6% 13.1%
معدل الفقر في الوسط الحضري 4.1% 3.0%
نسبة الفقراء المقيمين بالقرى 79% 72%
معدل الهشاشة الاقتصادية (وطنيا) 11.7% 8.1%
متوسط الدخل السنوي للفرد (تقريبي) 11.000 درهم سنة (2001) 24.000 درهم (2020)

جدول رقم (1): تطور مؤشرات الفقر والهشاشة والدخل بالمغرب (المصدر: المندوبية السامية للتخطيط).

وتكشف قراءة الخريطة الجهوية للفقر عن تباين واضح بين الجهات، إذ تستمر خمس جهات في تركيز الحصة الأكبر من الفقراء والهشاشة، بينما تسجل جهات أخرى (كالداخلة-وادي الذهب والعيون-الساقية الحمراء) أدنى المعدلات المسجلة وطنيا، وهو ما يعكس تفاوتا بنيويا في وتيرة التنمية الجهوية:

الجهة الوضعية العامة من حيث الفقر والهشاشة
فاس-مكناس من الجهات الخمس الأكثر تركزاً للفقراء (نسبة فقر أعلى من المعدل الوطني)
مراكش-آسفي من الجهات الخمس الأكثر تركزاً للفقراء، رغم تسجيلها أكبر تراجع في العشرية الأخيرة (7.9- نقطة)
بني ملال-خنيفرة معدل فقر أعلى من المعدل الوطني، مع تراجع ملحوظ (7.5- نقطة) خلال العقد الأخير
الدار البيضاء-سطات من الجهات الخمس الأكثر تركزاً للفقراء من حيث العدد المطلق، لكن بمعدل فقر منخفض نسبياً بحكم الوزن السكاني الكبير
الرباط-سلا-القنيطرة من الجهات الخمس الأكثر تركزاً للفقراء من حيث العدد المطلق
طنجة-تطوان-الحسيمة تراجع ملحوظ في معدل الفقر (6.8- نقطة) خلال العقد الأخير
الداخلة-وادي الذهب والعيون-الساقية الحمراء من أدنى معدلات الفقر المسجلة وطنيا

جدول رقم (1 مكرر): التفاوتات الجهوية في مؤشرات الفقر بالمغرب سنة 2024 (المصدر: المندوبية السامية للتخطيط).

ويلاحظ أن ثلاثا من هذه الجهات الخمس الأكثر تركزا للفقر والهشاشة (الدار البيضاء-سطات، الرباط-سلا-القنيطرة، فاس-مكناس) هي نفسها الجهات الثلاث الأكثر تركزا للساكنة السجنية كما سيرد لاحقا، وهو تقاطع لافت يستدعي مزيدا من التدقيق العلمي، وإن كان يبقى في حدود الترابط الإحصائي لا العلاقة السببية المباشرة، بالنظر إلى الوزن الديموغرافي الكبير لهذه الجهات أصلا.

2 – البطالة وسوق الشغل: هشاشة خاصة في صفوف الشباب

إلى جانب الفقر، تشكل البطالة، خاصة بطالة الشباب، متغيرا اقتصاديا محوريا في تفسير الجريمة وفق النظرية البنائية، باعتبارها تعكس مباشرة العجز عن الوصول إلى الوسائل المشروعة (الشغل والدخل المستقر) لتحقيق الأهداف الثقافية المشتركة. وقد سجل معدل البطالة على الصعيد الوطني 13.3% سنة 2024، مقابل 13% سنة 2025 (بعد تراجع طفيف)، أي ما يعادل نحو 1.62 مليون عاطل عن العمل. وتبرز الفجوة الحضرية-القروية بوضوح: إذ بلغ معدل البطالة في الوسط الحضري 16.4% سنة 2025 مقابل 6.6% فقط في الوسط القروي، وهو ما يعكس ضغطا اقتصاديا أكبر على سكان المدن رغم انخفاض الفقر النقدي فيها مقارنة بالقرى.

والأخطر من ذلك أن بطالة الشباب (15-24 سنة) بلغت مستوى مقلقا وصل إلى 36.7%، بينما بلغت البطالة في صفوف حاملي الشهادات العليا نحو 19.6-20%. وهذه المعطيات دالة بشكل خاص، إذ إن فئة الشباب هي الفئة الأكثر حضورا داخل الساكنة السجنية كما سيرد لاحقا، وهو ما يقوي فرضية الربط بين محدودية فرص الإدماج المهني للشباب وبين الميل نحو سلوكيات منحرفة كبديل عن الوسائل المشروعة المسدودة.

ويضاف إلى ذلك اتساع رقعة “الشغل الناقص” (Sous-emploi)، الذي بلغ معدله 10.1% على الصعيد الوطني سنة 2024 (يهم أزيد من مليون شخص)، ويعكس هشاشة نوعية لشغل المتاح حتى لمن يتوفرون على عمل، بما يحد من قدرة الدخل على تلبية الطموحات الاجتماعية، وهو ما يعزز مفهوم “الفقر النسبي” الذي سيأتي تفصيله لاحقا.

3- الفقر النسبي ومفهوم الحرمان

تجدر الإشارة إلى أن مفهوم الفقر، كما تؤكده الأدبيات السوسيولوجية، ليس مفهوما كميا محضا يقاس فقط بمستوى الدخل، بل هو مفهوم متعدد الأبعاد يشمل صعوبة الولوج إلى التعليم والصحة وظروف السكن الكريم، وهو ما تتبناه صراحة منهجية المندوبية السامية للتخطيط في قياسها للفقر متعدد الأبعاد بالمغرب.

وبعبارة أخرى، فإن الشعور بالحرمان النسبي — حتى لدى من يتوفرون على دخل لا يوصف بالمنخفض إحصائيا — قد يشكل بحد ذاته دافعا نفسيا واجتماعيا لسلوكيات منحرفة، حين يعجز هذا الدخل عن تلبية طموحات اجتماعية أوسع يفرضها نمط استهلاكي متغير في المدن، وهي فكرة تلتقي مباشرة مع جوهر النظرية البنائية لميرتون حول التعارض بين الأهداف الثقافية والوسائل المتاحة.

4-السياسات العمومية لمحاربة الفقر والهشاشة: المبادرة الوطنية للتنمية البشرية

لا يكتمل تحليل البعد الاقتصادي دون الإشارة إلى الإطار المؤسساتي الذي تعتمده الدولة المغربية لمعالجة الفقر والهشاشة والإقصاء الاجتماعي، والمتمثل أساسا في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (INDH)، التي انطلقت رسميا سنة 2005 بهدف تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للفئات الفقيرة والهشة، عبر منهج تشاركي يقوم على إشراك الساكنة المعنية في تشخيص حاجياتها وتحديد أولوياتها. وقد مرت المبادرة عبر ثلاث مراحل كبرى: مرحلة تأسيسية (2005-2010) بميزانية بلغت 10 مليارات درهم، ثم مرحلة ثانية (2011-2018) بميزانية 18 مليار درهم وسعت نطاق التدخل ليشمل عددا أكبر من الجماعات القروية والأحياء الحضرية الهامشية، ثم مرحلة ثالثة انطلقت سنة 2019 بميزانية مماثلة (18 مليار درهم)، ركزت على الاستثمار في الرأسمال البشري والأجيال الصاعدة، خاصة عبر برامج محاربة الهدر المدرسي وتشجيع التفوق الدراسي ودعم التشغيل الذاتي للشباب.

ويكتسي هذا التوجه الأخير للمبادرة -أي الانتقال من منطق ‘تدارك النقص المادي المباشر’ في البنيات التحتية إلى منطق ‘الاستثمار طويل المدى في الإنسان’- أهمية خاصة من منظور هذه الدراسة، إذ ينسجم مباشرة مع التوصيات النظرية المنبثقة عن نظرية الضبط الاجتماعي (تعزيز الالتزام المدرسي والمهني للشباب) ونظرية الثقافة الفرعية (معالجة جذور التهميش في الأحياء الحضرية قبل أن تفرز ثقافات فرعية منحرفة).

خامسا: البعد المجالي والحضري للجريمة

1. التمركز الحضري للجريمة

تؤكد المعطيات الرسمية الصادرة عن المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، في تقريرها السنوي برسم سنة 2025، أن الظاهرة الإجرامية في المغرب تتسم بتمركز حضري واضح. فقد بلغ إجمالي الساكنة السجنية بالمملكة، إلى غاية 31 دجنبر 2025، ما مجموعه 99.366 سجينا بمعدل 280 سجينا لكل 100 ألف نسمة، تتصدر فيه جهة الدار البيضاء-سطات ترتيب الجهات بنسبة 19.76% من مجموع السجناء، تليها جهة الرباط-سلا-القنيطرة بنسبة 17.92%، ثم جهة فاس-مكناس بنسبة 15.34%؛ أي أن ثلاث جهات حضرية كبرى تجمع وحدها أكثر من نصف الساكنة السجنية بالمملكة.

الجهة نسبة السجناء من المجموع الوطني
الدار البيضاء-سطات 19.76%
الرباط-سلا-القنيطرة 17.92%
فاس-مكناس 15.34%

جدول رقم (2): الجهات الثلاث الأكثر تركزاً للساكنة السجنية سنة 2025 (المصدر: المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج).

ويتوافق هذا التمركز الحضري مع معطيات المديرية العامة للأمن الوطني حول حجم الجريمة المسجلة عموماً: إذ بلغ عدد الجرائم والمخالفات المسجلة برسم السبعة أشهر الأولى من سنة 2024 نحو 641.900 قضية على الصعيد الوطني، شكلت فيها “قضايا المس بالأشخاص وبالممتلكات” وحدها نحو 47% من مجموع القضايا المسجلة، وهي أنماط الجريمة التي ترتبط تاريخياً، وفق الأدبيات النظرية المستعرضة أعلاه، بالفوارق الاقتصادية والاجتماعية الحادة داخل المجال الحضري.

  1. مدرسة شيكاغو الإيكولوجية والأحياء الهامشية بالمدن المغربية

يتفق هذا التركز الحضري للجريمة مع ما تذهب إليه أدبيات علم الاجتماع الحضري، وعلى رأسها المدرسة الإيكولوجية بشيكاغو، من أن المدينة، بما تتيحه من كثافة سكانية وتنوع اجتماعي وثقافي وانفتاح على نماذج استهلاكية متجددة، تشكل بيئة أكثر ملاءمة لظهور مشكلات اجتماعية متعددة، من بينها الجريمة، مقارنة بالوسط القروي الذي لا يزال، رغم تحولاته، أكثر تماسكا من حيث الضبط الاجتماعي غير الرسمي القائم على الروابط القرابة والجوارية.

ولا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه الأحياء الهامشية داخل المدن الكبرى في هذا السياق، بما ينسجم مع فرضية “مناطق الانتقال” التي طورها شو وماكاي. فرغم التراجع المسجل في السكن غير اللائق (“مدن الصفيح”) بالوسط الحضري -من 234 ألف وحدة سنة 2014 إلى 184 ألف وحدة سنة 2024، بفضل برامج من قبيل “مدن بدون صفيح” التي استفادت منها أزيد من 70 ألف أسرة- لا تزال هذه الأحياء، إلى جانب أحياء أخرى تعاني نقصاً في التجهيزات الأساسية، تشكل بؤراً يتركز فيها الحرمان الاقتصادي والاجتماعي معاً، وهو ما يجعلها، وفق المنظور النظري المعتمد في هذه الدراسة، أكثر عرضة لأن تفرز ثقافات فرعية قد تتعارض مع القيم العامة السائدة في المجتمع.

ويتقاطع هذا الطرح مع معطيات ديموغرافية بنيوية: فالمغرب يعرف تحولاً حضرياً متسارعاً منذ عقود، حيث يفوق عدد سكان المدن اليوم عدد سكان القرى والبوادي بفارق واضح، وهو ما يضاعف الضغط على العرض السكني والتجهيزات الاجتماعية في المدن الكبرى، خاصة في الأحياء المستقبلة للهجرة القروية-الحضرية، والتي غالباً ما تكون أحياء هامشية ذات إيجار منخفض.

سادسا: خصائص الساكنة السجنية بالمغرب مؤشرات دالة:

توفر معطيات المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج لسنة 2025 صورة دالة عن الخصائص الديموغرافية والاجتماعية للأفراد النزلاء، والتي تتقاطع مع الفرضيات التي طرحتها الدراسات الاجتماعية الكلاسيكية حول الجريمة:

الخاصية النسبة / العدد
إجمالي عدد السجناء (31 دجنبر 2025) 99.366
معدل السجناء لكل 100 ألف نسمة 280
العزاب من مجموع السجناء 63.38%
المتزوجون من مجموع السجناء 29.44%
السجناء دون سن 30 سنة أكثر من 45%
متوسط سن السجناء 33.62 سنة
ذوو المستوى التعليمي الابتدائي والإعدادي أو أقل أكثر من 74%
نسبة الإناث من مجموع الساكنة السجنية 2.47%
نسبة الاكتظاظ على الصعيد الوطني (نهاية 2025) 153%

جدول رقم (3): خصائص الساكنة السجنية بالمغرب سنة 2025 (المصدر: المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج).

يلفت الانتباه في هذه المعطيات، أولاً، الوزن الكبير لفئة الشباب والعزاب: فأكثر من 45% من السجناء تقل أعمارهم عن 30 سنة، وتناهز نسبة العزاب بينهم ثلثي الساكنة السجنية. وهذا يتقاطع مع ما تشير إليه الدراسات الاجتماعية من أن مرحلة الشباب، بما تحمله من ضغط اجتماعي لتحقيق الاستقلال المادي (الزواج، السكن، الشغل)، وفي ظل محدودية فرص الإدماج الاقتصادي التي أكدتها معطيات بطالة الشباب أعلاه (36.7%)، أكثر عرضة للانحراف عن السلوك القويم حين تصطدم الطموحات بضيق الإمكانات المتاحة، خاصة في المدن حيث تتضاعف كلفة الاستقرار الأسري.

ثانياً، يلاحظ الارتفاع اللافت لنسبة السجناء ذوي المستوى التعليمي المحدود (أكثر من 74% في مستوى ابتدائي أو إعدادي فأدنى)، وهو مؤشر يدعم الفرضية القائلة بأن ضعف التحصيل الدراسي -المرتبط غالباً بالظروف الاقتصادية والاجتماعية للأسرة ونوعية الحي الذي تقطنه- يحد من فرص الفرد في الحصول على عمل مستقر يشبع طموحاته بالطرق المشروعة، ويجعله أكثر عرضة لتبني وسائل غير شرعية، وهو ما ينسجم أيضاً مع نظرية الضبط الاجتماعي، إذ إن الفشل الدراسي المبكر يُضعف أحد أهم الروابط التي تشد الفرد إلى النظام الاجتماعي القويم، أي ‘الالتزام’ بمسار دراسي ومهني تقليدي.

ثالثاً، رغم استمرار نسبة اكتظاظ مرتفعة (153% نهاية 2025)، فقد سجلت السنة نفسها أدنى نسبة اكتظاظ خلال السنوات الأخيرة (مقابل 161% سنة 2024)، ويعزى ذلك إلى تراجع عدد الوافدين الجدد على المؤسسات السجنية بـ5.689 نزيلاً، في مقابل ارتفاع عدد المفرج عنهم إلى 104.485 شخصاً، وهو ما قد يعكس جزئياً أثر السياسات العمومية الرامية إلى تخفيف الضغط على المنظومة السجنية عبر بدائل العقوبات السالبة للحرية.

سابعا: الوضع الأسري وتحولات بنية الأسرة المغربية

  1. الأسرة كخلية أولى للتنشئة الاجتماعية

تعد الأسرة الخلية الاجتماعية الأولى المسؤولة عن التنشئة الاجتماعية، وقد تنبه إلى ذلك المشرع المغربي نفسه من خلال مدونة الأسرة التي تروم تعزيز الاستقرار الأسري وحماية الأطفال، عبر آليات مثل إلزامية محاولة الصلح بين الزوجين، وانتداب الحكمين، ومجلس العائلة. غير أن المغرب، كباقي المجتمعات التي تعيش تحولات اجتماعية متسارعة، يشهد تصاعدا ملموسا في حالات الانفصال (الطلاق) الأسري، وهو ما قد يضعف وظائف الضبط الاجتماعي غير الرسمي التي كانت تؤديها الأسرة الممتدة تقليديا.

  1. ارتفاع حالات الطلاق:: مؤشرات كمية

تشير معطيات المجلس الأعلى للسلطة القضائية إلى أن سنة 2024 شهدت تسجيل 40.214 قضية طلاق أمام المحاكم (بزيادة طفيفة عن 2023)، أي بمعدل يفوق 110 قضايا في اليوم، فضلاً عن تسجيل 107.681 قضية تطليق خلال السنة نفسها. وبحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، تجاوز إجمالي قضايا الطلاق بمختلف أشكاله 65 ألف حالة سنة 2024، مقابل 249.089 عقد زواج مسجل سنة 2023، وهي نسبة دالة على اتساع رقعة عدم الاستقرار الأسري.

ولافت أيضاً أن “الطلاق الاتفاقي” أصبح الشكل المهيمن على إنهاء العلاقة الزوجية، إذ قفزت نسبته من 63.1% سنة 2014 إلى 89.3% سنة 2024، وهو مؤشر إيجابي من حيث تراجع النزاعات الحادة، لكنه يبقى دالاً في المقابل على الحجم الكمي المتنامي لظاهرة انحلال الروابط الأسرية، بصرف النظر عن طبيعتها الودية أو الخلافية.

المؤشر القيمة
عقود الزواج المسجلة (2023) 249.089
مجموع قضايا الطلاق (بمختلف أشكاله، 2024) أزيد من 65.000
قضايا الطلاق المحكومة أمام المحاكم (2024) 40,771 قضية (من أصل 40,214 قضية مسجلة خلال السنة).
قضايا التطليق المسجلة (2024) 107.681
نسبة الطلاق الاتفاقي من مجموع حالات الطلاق (2024) 89.3% (مقابل 63.1% سنة 2014).

جدول رقم (4): مؤشرات الزواج والطلاق بالمغرب (المصادر: وزارة العدل، المجلس الأعلى للسلطة القضائية، المندوبية السامية للتخطيط)

  1. الانعكاسات المحتملة على التنشئة الاجتماعية

ولعل من أبرز الآثار السلبية التي قد يتركها تصاعد حالات الانفصال الأسري على الأبناء هو ضعف الإشراف الأسري المباشر، خاصة حين يقترن الانفصال بإعادة الزواج، أو بتحمل أحد الوالدين وحده لأعباء التنشئة في ظروف اقتصادية صعبة.

وتتقاطع هذه الفرضية مع ما أكدته الأدبيات السوسيولوجية الكلاسيكية من أن غياب سلطة الأب أو الأم وتوجيهاتهما، خاصة في مرحلة الطفولة والمراهقة المبكرة، يترك الفرد أكثر عرضة لتأثيرات سلبية من محيطه، وأكثر ميلا لملء الفراغ العاطفي والرقابي عبر الانتماء إلى جماعات، بما قد يفتح الطريق نحو السلوك الانحرافي.

المراجع

أولاً: المراجع العامة (باللغة العربية)

  1. عارف، محمد (دكتور)، الجريمة في المجتمع، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1975.
  2. الخشاب، مصطفى (دكتور)، دراسات في الاجتماع العائلي، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1980.
  3. حسن، محمود (دكتور)، الأسرة ومشكلاتها، دار المعارف، مصر، 1977.
  4. الخالدي، عطا (دكتور)، الإدمان على المسكر: سبل الوقاية والعلاج، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، الرياض، 1981.
  5. عبد الجبار، كريم، منع الجريمة، مطبعة المعارف، بغداد، 1963.
  6. المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب بالرياض، السجون: مزاياها وعيوبها، أبحاث الندوة العلمية الأولى، الرياض، 1981.
  7. المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي ضد الجريمة، المجلة العربية للدفاع الاجتماعي، العدد التاسع، يناير 1980.

ثانياً: المراجع الخاصة والتقارير الرسمية المغربية

  1. المندوبية السامية للتخطيط، خريطة الفقر متعدد الأبعاد بالمغرب 2014-2024، الرباط، 2025.
  2. المندوبية السامية للتخطيط، المذكرة الإخبارية حول وضعية سوق الشغل، الرباط، فبراير 2025 وفبراير 2026.
  3. المندوبية السامية للتخطيط، إحصائيات الزواج والطلاق بالمغرب، الرباط، 2024-2025.
  4. المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، التقرير السنوي لأنشطة سنة 2025، الرباط، 2026.
  5. وزارة العدل، الكتاب الإحصائي السنوي لقطاع العدل، الرباط، 2024.
  6. المجلس الأعلى للسلطة القضائية، التقرير السنوي حول قضايا الطلاق والتطليق، الرباط، 2025.
  7. المديرية العامة للأمن الوطني، الحصيلة السنوية لأنشطة سنة 2024، الرباط، 2024.
  8. وزارة الداخلية، حصيلة المنجزات الأمنية برسم سنة 2024، الرباط، 2024.

ثالثاً: المراجع الأجنبية

  1. Merton, R. K., “Social Structure and Anomie”, American Sociological Review, Vol. 3, 1938.
  2. Sutherland, E. H., Principles of Criminology, J.B. Lippincott, Philadelphia, 1947.
  3. Shaw, C. R. & McKay, H. D., Juvenile Delinquency and Urban Areas, University of Chicago Press, Chicago, 1942.
  4. Cohen, A. K., Delinquent Boys: The Culture of the Gang, Free Press, Glencoe, 1955.
  5. Cloward, R. A. & Ohlin, L. E., Delinquency and Opportunity: A Theory of Delinquent Gangs, Free Press, New York, 1960.
  6. Hirschi, T., Causes of Delinquency, University of California Press, Berkeley, 1969.
  7. Clinard, M. B., Sociology of Deviant Behavior, 3rd ed., Rinehart and Winston, New York, 1968.
  8. Nietzel, M. T., Crime and its Modification, Pergamon International Library, New York, 1979.
  9. Clark, R., Crime in America, Simon and Schuster, New York, 1970.
  10. Jeffery, C. R., Crime Prevention Through Environmental Design, Sage Publications, Beverly Hills/London, 1977.
  11. Burgess, E. & Bogue, D., Urban Sociology, University of Chicago Press, Chicago, 1970.
  12. Prassel, F. P., Introduction to American Criminal Justice, Harper and Row, New York, 1979.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى