في الواجهةمقالات قانونية

الخطاب الحقوقي كآلية لإعادة شرعنة السلطوية في العصر الرقمي الباحث : حسام لوريكة

الباحث : حسام لوريكة

 

الخطاب الحقوقي كآلية لإعادة شرعنة السلطوية في العصر الرقمي

Human Rights Discourse as a Mechanism for the Re-legitimation of Authoritarianism in the Digital Age

الباحث : حسام لوريكة

باحث في سلك الدكتوراه – مختبر الأبحاث والدراسات في القانون العام والعلوم السياسية،

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سلا، جامعة محمد الخامس

هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 60 الخاص بشهر أكتوبر/ نونبر 2025
رابط تسجيل الاصدار في DOI


https://doi.org/10.63585/EJTM3163

للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

الخطاب الحقوقي كآلية لإعادة شرعنة السلطوية في العصر الرقمي

Human Rights Discourse as a Mechanism for the Re-legitimation of Authoritarianism in the Digital Age

الباحث : حسام لوريكة

باحث في سلك الدكتوراه – مختبر الأبحاث والدراسات في القانون العام والعلوم السياسية،

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سلا، جامعة محمد الخامس

الملخص:

يشهد الخطاب الحقوقي تحوّلًا لافتًا في ظلّ السلطوية الرقمية، حيث لم يعد مجرد أداة للدفاع عن الحريات، بل صار يُستثمر لتبرير تدخل الدولة في الفضاء السيبراني عبر مفاهيم مثل الأمن القومي، والحماية الاجتماعية، والكرامة، والخصوصية، والملكية الفكرية. يهدف هذا المقال إلى تحليل هذا التحوّل من منظور نقدي، مبينًا كيف يُستخدم الخطاب الحقوقي كأداة بلاغية لإعادة شرعنة السلطة في الزمن الرقمي، مستندًا إلى نماذج نظرية من فوكو، بوزان، دراهوس، كابشينسكي، وغيرهم. ويرصد المقال انزياح القيم الحقوقية عن وظيفتها التحررية نحو منطق تبريري للضبط والتأديب، مما يستوجب مساءلة الأسس الفلسفية والقانونية لهذا التوظيف.

الكلمات المفتاحية: السلطوية الرقمية، الخطاب الحقوقي، الأمن السيبراني، الكرامة الإنسانية، الخصوصية، الملكية الفكرية.

Abstract:

Human rights discourse is undergoing a significant transformation under digital authoritarianism, where it no longer functions merely as a tool for defending freedoms, but is instead instrumentalized to justify state intervention in cyberspace through concepts such as national security, social protection, dignity, privacy, and intellectual property. This article aims to critically analyze this transformation, demonstrating how human rights discourse is employed rhetorically to re-legitimize authority in the digital age, drawing on theoretical models from Foucault, Buzan, Drahos, Kapczynski, among others. The article further observes the shift of human rights values from their emancipatory function toward a justificatory logic of control and discipline, thereby necessitating a questioning of the philosophical and legal foundations of such instrumentalization.

Keywords: Digital authoritarianism, human rights discourse, cybersecurity, human dignity, privacy, intellectual property.

 

مقدمة:

يُعد مؤلَّف مارسيل غوشيه “ثورة حقوق الإنسان”([1]) أول مرجع نظري انطلقت منه في التمهيد لهذا البحث، ضمن أفق اقترحه أستاذي المشرف، وقد شكل هذا العمل مدخلًا لفهم التحوّل الجذري الذي طرأ على الخطاب الحقوقي، من كونه أداة للتحرر إلى كونه أداة لإنتاج السلطة وإعادة شرعنتها. ففي قراءته لإعلان حقوق الإنسان لعام 1789، يُبيّن غوشيه أن هذا الإعلان لم يُلغِ السلطة بل أعاد تشكيلها، من خلال تحويل السيادة إلى مفهوم رمزي يتمثل في “الشعب”، لتُمارَس السلطة باسمه داخل مؤسسات تمثيلية. وهكذا، بدل أن تُحرر الحقوق الأفراد، فإنها تعيد إنتاج التراتبية في صيغ قانونية كونية تُخفي منطق السيطرة خلف خطاب التحرر.

ينطلق هذا المقال من هذه الأرضية النظرية، ومن فرضية مفادها أن الخطاب الحقوقي، في الزمن الرقمي، لم يعد خارج السلطة، بل صار أحد أدواتها. فقد بات يُعاد توظيف مفاهيم مركزية مثل الكرامة، الخصوصية، الحماية الاجتماعية، والأمن القومي، ضمن بلاغة قانونية جديدة تُشرعن توسيع تدخل الدولة في الفضاء السيبراني، باسم الحماية والمصلحة العامة. هكذا، يتحوّل الخطاب الحقوقي من إطار لضبط السلطة إلى غلاف يُبرّر ممارساتها الرقابية، ويُعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع عبر منطق تأديبي جديد، ناعم الشكل، سلطوي الجوهر.

ولتفكيك هذا التحوّل، ينقسم المقال إلى خمسة عناصر رئيسية تتناول بالتوالي: كيف يُوظّف مفهوم الأمن القومي لتوسيع الرقابة الرقمية، وكيف تُستغل الحماية الاجتماعية كغطاء للتأديب السيبراني، ثم كيف تُحوَّل الكرامة الإنسانية إلى مرجعية مزدوجة تُشرعن الضبط بدل التحرير، فضلًا عن تحليل آليات توظيف الخصوصية لتأطير الرقابة القانونية، واستخدام الملكية الفكرية كوسيلة لإغلاق المجال العمومي المعرفي. وتسعى هذه الفروع مجتمعة إلى إبراز الكيفية التي تتحوّل بها منظومة الحقوق إلى أدوات لضبط الأفراد وإعادة إنتاج الهيمنة، بدل أن تظل ضامنًا لحرياتهم في الفضاء الرقمي. وذلك وفق التصميم التالي:

  • المبحث الأول: المداخل الأمنية والاجتماعية والقيمية في تأصيل الضبط الرقمي وشرعنته

المطلب الأول: البعد الأمني – توسيع آليات الرقابة الرقمية عبر توظيف مفهوم الأمن القومي

المطلب الثاني: البعد الاجتماعي – استثمار سياسات الحماية الاجتماعية كغطاء للتأديب السيبراني

المطلب الثالث: البعد القيمي – إعادة تأويل الكرامة الإنسانية كمرجعية مزدوجة تُشرعن الضبط بدل التحرير

  • المبحث الثاني: المداخل الحقوقية والمعرفية في تأصيل الرقابة القانونية وإعادة إنتاج الضبط الرقمي

المطلب الأول: البعد الحقوقي – تأطير الخصوصية كأداة للرقابة القانونية

المطلب الثاني: البعد المعرفي – تقييد المجال العمومي المعرفي من خلال أدوات الملكية الفكرية

المبحث الأول: المداخل الأمنية والاجتماعية والقيمية في تأصيل الضبط الرقمي وشرعنته

يُبرز المبحث الأول كيف تتحول المرجعيات الكلاسيكية للأمن والحماية والكرامة إلى مداخل تأسيسية لشرعنة السلطوية الرقمية. فمع التحولات التكنولوجية، لم تعد الدولة تكتفي بالرقابة التقليدية، بل أعادت تعريف مفاهيمها الكبرى بما يتناسب مع منطق الضبط في الفضاء الرقمي. إذ يُستدعى الأمن القومي بوصفه غطاءً لتوسيع صلاحيات المراقبة (المطلب الأول)، بينما تُستثمر سياسات الحماية الاجتماعية كأداة لتأطير المجتمع سيبرانيًا تحت شعار الرعاية (المطلب الثاني)، في حين يُعاد تأويل الكرامة الإنسانية من قيمة تحرّرية إلى مرجعية مزدوجة تشرعن التدخلات السلطوية (المطلب الثالث).

المطلب الأول: البعد الأمني – توسيع آليات الرقابة الرقمية عبر توظيف مفهوم الأمن القومي

يُشكّل مفهوم الأمن القومي أحد الأعمدة التي تستند إليها الدولة لتبرير حضورها المتزايد في المجال الرقمي؛ إذ يُعاد تعريف هذا المفهوم في ظل التحولات التكنولوجية ليشمل التهديدات السيبرانية، وتسريب البيانات، واستهداف البنى التحتية الرقمية الحساسة.

وشكّل الأمن القومي أحد المرتكزات الجوهرية في بنية الدولة الحديثة، وقد عُرّف تقليديًا، وفقًا لمجلس الأمن القومي الأمريكي، بأنه “حماية الدولة من التهديدات الداخلية والخارجية التي قد تُعرّض استقرارها السياسي أو سلامة بنيتها الأساسية للخطر” ([2]). غير أن هذا التعريف، وإن ظل مرجعيًا، لم يعد كافيًا لفهم تحوّلات المخاطر في العصر الرقمي، حيث أضحى الفضاء السيبراني مكوّنًا بنيويًا من الأمن الوطني، بما يتطلّب إعادة نظر في المفاهيم والأطر الحاكمة.

في هذا السياق، يبرز الأمن السيبراني باعتباره الامتداد الرقمي لمفهوم الأمن القومي؛ وهو لا يقتصر على حماية البيانات والشبكات، بل يشمل كل ما يتعلق بتأمين البنية التحتية للمعلومات، وصيانة سلامة الفضاء الرقمي ضد الهجمات الإلكترونية أو الاختراقات أو الاستخدامات غير المشروعة. ويُعرَّف الأمن السيبراني، وفق الأدبيات الحديثة، بأنه “مجموع السياسات والتقنيات والإجراءات الرامية إلى حماية الأنظمة الرقمية من التهديدات التي قد تمس سيادة الدولة أو استقرارها الداخلي أو سلامة مواطنيها “([3]).

تُستحضر في هذا التحول المفاهيمي مجموعة من النظريات المؤطرة للعلاقة بين التكنولوجيا والأمن، من أبرزها نظرية “الأمن الموسّع” (Expanded Security) التي طوّرها باري بوزان، حيث يؤكد أن الأمن لم يعد حكرًا على المجال العسكري، بل امتد إلى مجالات جديدة كالمعلومات والبيئة والهوية ([4]) في ضوء هذا التوسّع، يُفهم الأمن السيبراني بوصفه أحد أوجه “التحوّل السيادي” الذي يعيد تشكيل منطق الدولة في الرقابة والضبط، من خلال تكييف التشريعات واستغلال الوسائل التقنية لتأمين المجال الرقمي.

كما تقارب أدبيات الحوكمة الرقمية هذا التحوّل من زاوية العلاقة بين الدولة والتكنولوجيا، حيث تتحوّل أدوات الحماية إلى آليات ضبط، ويتم تطبيع خطاب “الخطر السيبراني” لتبرير توسيع صلاحيات الدولة في التدخل والمراقبة، وهو ما أشار إليه ستيفن فيلدستين حين اعتبر أن الأمن الرقمي بات يُستخدم كذريعة لتقنين الرقابة وتعزيز السلطوية ([5]).

بناءً عليه، فإن تطوّر مفهوم الأمن القومي نحو الأمن السيبراني لا يُمثّل مجرّد استجابة تقنية للتهديدات الجديدة؛ بل يعكس أيضًا إعادة هيكلة للعلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث تتعزّز السلطة ضمن منطق جديد يدمج بين الحماية والسيطرة، ويُعيد تعريف المجال العمومي الرقمي كمنطقة ذات أولوية أمنية.

المطلب الثاني: البعد الاجتماعي – استثمار سياسات الحماية الاجتماعية كغطاء للتأديب السيبراني

شهدت الحماية الاجتماعية، في ظل تحوّلات الدولة المعاصرة، انزياحًا عن وظيفتها التضامنية التقليدية، لتُوظف كأداة خطابية تبرّر تدخل الدولة في الفضاء الرقمي؛ فلم تعد تُمارَس بوصفها حقًا اجتماعيًا، بل باتت تُستثمر ضمن منطق سلطوي يُعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث تُقدَّم الرقابة باعتبارها رعاية، والضبط الأمني على أنه حماية للفئات الهشّة ([6]).

وفي ضوء الإطارات النظرية الحديثة، تُستثمر مبررات “الحماية الاجتماعية” كوسيلة شرعية تُطبّقها الدول لتعزيز السلطوية الرقمية بتوظيفها كخطاب أخلاقي ورسمي؛ إذ إن هذا التحوّل يعكس:

  1. السلطة الحيوية (biopower) عند فوكو، التي تبرّر تدخل الدولة عبر إدارة الحياة ورعاية الأفراد؛ وبالتالي تُقدّم السلطة الرقمية كأداة إنسانية لحماية المجتمع بدلاً من فرض قمع صريح ([7]).
  2. الدولة الاجتماعية التأديبية عند غارلاند، حيث تُدمج أدوات الرعاية مع الضبط والقمع؛ فتتم مراقبة الفضاء السيبراني بحجة محاربة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، على أنها حماية للفئات الضعيفة ([8]).
  3. الدولة ما بعد الليبرالية لدى براون، التي تُعيد تعريف المصلحة العامة لتخدم السيطرة والضبط، حيث يستحيل التضامن الاجتماعي مع التوسّع الرقابي تحت ستار الأزمات ([9]).
  4. القمع الرقمي عند فيلدشتاين، الذي يوضح كيف تُوظف الحكومات الأدوات الرقمية – مثل الحجب والمراقبة الجماعية والذكاء الاصطناعي – باسم حماية الأمن الاجتماعي، رغم أن هذا يتجاوز أطر الشرعية والديمقراطية ([10]).
  5. الأوتوقراطية الرقمية أو “Techno‑authoritarianism”، التي تصف تطور الدولة في استخدام التكنولوجيا كمرفق قمعي يخضع للخطاب الأخلاقي في التعبير عن الحماية، وينشر منظومة مراقبة شاملة ([11]).

المطلب الثالث: البعد القيمي – إعادة تأويل الكرامة الإنسانية كمرجعية مزدوجة تُشرعن الضبط بدل التحرير

تُعدّ الكرامة الإنسانية مبدأً أصيلًا في المرجعيات الدينية والحقوقية، وقد وردت أولى تجلياتها في النص القرآني، حيث قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] ([12])، على ذات الأساس، نصّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بصيغة صريحة على أن “الكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية…هي أساس الحرية والعدل والسلام في العالم” ([13]). ويكرّس الدستور المغربي لسنة 2011 هذا المبدأ في الفصل 22، حيث يؤكد على أنه “لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة، خاصة أو عامة” ([14]).

فلسفيًا، تستند الكرامة إلى المرجعية الكانطية التي تجعل من الإنسان غاية في ذاته لا مجرد وسيلة، وهو ما يُضفي على الكرامة طابعًا كونيًا سابقًا لكل حق مكتسب. هذا المنظور الأخلاقي استوعبه الفكر العربي المعاصر من زوايا متعددة: فـعبد الله العروي يرى أن الكرامة شرط بنيوي لميلاد الدولة الحديثة، باعتبارها الإطار الذي يحمي الفرد من تعسف السلطة ([15])، في حين يربط محمد عابد الجابري الكرامة بفاعلية العقل والحرية، بوصفها القاعدة الأخلاقية لأي مشروع نهضوي ([16]).

وفي السياق القانوني المغربي، تميل بعض القراءات الأكاديمية إلى إبراز التأويل المؤسساتي لمفهوم الكرامة باعتباره مبدأ موجّهًا للسلطات العمومية في صياغة السياسات والقوانين، مع التنبيه في الآن ذاته إلى مخاطر استغلاله بصورة ذرائعية تتيح توسيع نطاق تدخل الدولة في الحريات الفردية تحت غطاء الحماية.

وفي قلب الشرعنة المستمرة لممارسات التسلط الرقمي، تتموضع الكرامة الإنسانية كمرجع أخلاقي مزدوج الاستخدام: فهي من جهة مبدأ تأسيسي لحقوق الإنسان، ومن جهة أخرى تُوظّف كأداة بلاغية لتبرير تدخلات الدولة في الفضاء الرقمي بدعوى الحماية من المخاطر ([17]). في هذا السياق، تُطرح إشكالية مركزية: هل تُستخدم الكرامة كذريعة للحد من الحريات الرقمية، أم أنها حق جوهري يُفترض أن تُسخّر التقنية لصيانته؟

في هذا السياق، يرى غوديس (Gohdes) أن “التحكم في المعلومات الرقمية أصبح جزءًا بنيويًا من استراتيجية الدولة القمعية” ([18])، حيث تُمارَس الرقابة السيبرانية تحت شعار حماية الكرامة من “الفوضى الرقمية”، بما يُكسب هذه الممارسات طابعًا تبريريًا يُغلّفها بقيم أخلاقية ظاهرية ([19]).

ومن منظور مواز، يرى فيلدستين (Feldstein) أن الأنظمة السياسية تتبنى خطابًا مزدوجًا يدّعي حماية المواطنين من الأخبار الزائفة وخطابات الكراهية، لكنها فعليًا تنخرط في تقويض المجال العام عبر التتبع، والتصنيف، والحجب ([20])، مما يؤدي إلى إعادة صياغة الكرامة الإنسانية لا كقيمة تحررية، بل كحد أمني يُسوَّق بوسائل تقنية.

في هذا السياق، يرى بولياكوفا وميسيرول أن السلطوية الرقمية تقوم على توظيف القيم الأخلاقية، وخصوصًا الكرامة، كغطاء تبريري لممارسات الرقابة والتقييد السياسي ([21])، وفي الاتجاه نفسه، تشير آيزنبرغ وفان دن هوفن إلى أن الكرامة تُستدعى غالبًا كأداة بلاغية في تصميم السياسات الرقمية دون أن تُترجم إلى ضمانات فعلية، ما يفتح المجال أمام استخدامها لتسويغ أنماط سلطوية مقنّعة ([22]).

ينبّه جيمس بريدل في كتابه “عصر مظلم جديد” إلى أن التكنولوجيا ليست محايدة، بل تُعبّر عن اختيارات أيديولوجية تعكس مصالح القوى الاقتصادية والسياسية، وبالتالي فإن خطاب الكرامة لا يُترجم بالضرورة إلى حماية، بل قد يُستخدم أداة لإعادة إنتاج السيطرة ([23]).

وتذهب ندى فاضل الربيعي في اتجاه أكثر جذرية، حيث تصف منظومات الذكاء الاصطناعي والرقابة السلوكية بأنها “تكنولوجيات للسيطرة على البشر”، لا تستهدف حماية الكرامة، بل توظيفها لتبرير إخضاع الأفراد لمنطق الطاعة الرقمية والانضباط ([24]).

في المحصلة؛ يكشف توظيف الكرامة في سياق السلطوية الرقمية عن مفارقة دالة؛ إذ تتحوّل من قيمة تحرّرية إلى أداة لضبط الفضاء العمومي وتأطيره، ما يعكس انزياحًا وظيفيًا في دلالاتها يخدم منطق السيطرة أكثر مما يعبر عن حماية فعلية.

المبحث الثاني: المداخل الحقوقية والمعرفية في تأصيل الرقابة القانونية وإعادة إنتاج الضبط الرقمي

ينصرف المبحث الثاني إلى تحليل كيفيات توظيف المداخل الحقوقية والمعرفية لإعادة إنتاج الضبط الرقمي وتبريره قانونيًا. فإذا كان البعد الأمني والاجتماعي والقيمي قد أتاح للدولة بناء خطاب شرعي للتدخل الرقمي، فإن البعد الحقوقي والمعرفي يُوفّران غطاءً مؤسساتيًا أكثر رسوخًا، يجعل من الخصوصية ومن الملكية الفكرية ركيزتين لإضفاء الشرعية على آليات الرقابة والتقييد.
فالخصوصية، التي تشكّل مبدئيًا حقًا فرديًا لحماية الحياة الخاصة، تتحول في السياقات السلطوية إلى أداة قانونية تُبرّر التتبع والمراقبة، من خلال خطاب يزاوج بين حماية الأفراد وتوسيع صلاحيات الدولة (المطلب الأول). وفي المقابل، تُستثمر الملكية الفكرية كأداة لتقييد المجال العمومي المعرفي، بحيث تتحوّل من وسيلة لحماية الإبداع إلى آلية لإغلاق الفضاء الرقمي وتقنين النفاذ إلى المعرفة، بما يخدم منطق السيطرة الاقتصادية والسياسية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: البعد الحقوقي – تأطير الخصوصية كأداة للرقابة القانونية

في ظلّ التحوّل الرقمي المتسارع، لم تعد الخصوصية حقًا فرديًا فحسب، بل تحولت إلى منطلق للتجاذب القانوني والسياسي حول حدود تدخل الدولة في الفضاء الرقمي؛ إذ تسعى السلطات، وهي تهيمن على المجال الرقمي، إلى توظيف خطاب “حماية الخصوصية” كغطاء قانوني وتنظيمي للمراقبة، ليس لصون الحقوق، بل لغرض الضبط وإعادة تشكيل العلاقة بين الفرد والسلطة ([25]) ([26]) ([27])ويتجلّى هذا التوظيف في السياق المغربي، من خلال تبنّي مقاربات قانونية وتنظيمية تبدو في ظاهرها حمائية، لكنها تُخفي نزوعًا نحو تقنين المراقبة وتوسيع نطاق تدخل الدولة في الحياة الرقمية للأفراد، بما في ذلك عبر المؤسسات الأمنية والقضائية والهيئات التنظيمية. ([28]) ([29])

ورغم أن الخصوصية تُعدّ، في أصلها، مبدأً تأسيسيًا في فلسفة الحقوق، حضر في المرجعية الإسلامية من خلال النهي الصريح عن التجسس ووجوب الاستئذان وحرمة البيوت ([30])، ثم ارتبط لاحقًا بفكرة الاستقلال الذاتي للفرد، كما صاغها جون ستيوارت ميل ([31])، وتمّ تكريسه في الوثائق المرجعية، كالنصوص الدولية والإقليمية ([32])، إلا أن هذا المفهوم عرف تحويرًا دلاليًا مع تمدد الدولة الرقمية، بحيث لم تعد الخصوصية تُمثّل حاجزًا ضد السلطة، بل أضحت تُستثمر بلاغيًا وقانونيًا لتبرير أشكال متقدمة من التتبع والمراقبة.

يُوظَّف مبدأ الخصوصية في السياقات السلطوية عبر مستويين متكاملين؛ أوّلهما، إخضاع المنصات الرقمية لتدخلات الدولة بذريعة حماية الحياة الخاصة، من خلال إلزام الشركات بتمكين الولوج إلى البيانات أو حذف محتوى دون شفافية أو رقابة مستقلة ([33])؛ وثانيهما، تجريم التعبير بدعوى حماية المعطيات، كما في ملاحقة صحافيين ونشطاء نشروا معلومات تخدم الصالح العام؛ فتحوّلت الخصوصية من أداة لحماية الأفراد إلى وسيلة لحماية السلطة من المساءلة.

لم تعد الخصوصية تُفهم فقط كحق فردي، بل باتت تُستخدم لتوسيع تدخل الدولة تحت غطاء الحماية. وتُفسّر عدد من الأطر النظرية هذا التحول؛ من ذلك نظرية الأمننة (Securitization Theory) كما طوّرها بوزان وويفر، حيث تصبح بعض القضايا، كالمعطيات الشخصية، موضع تهديد أمني يقتضي “تجاوز القواعد العادية واتخاذ تدابير استثنائية” ([34]). كما تندرج ضمن هذا الفهم نظرية الحكومة-العقلانية (Governmentality)، التي ترى أن الدولة الحديثة تُمارس سلطتها عبر توجيه الأفراد لضبط أنفسهم، لا عبر المنع المباشر، لتغدو الخصوصية “أداة تأديب ناعمة” أكثر منها حقًا مضمونًا ([35]). من جانبها، تبرز نظرية حالة الاستثناء (State of Exception) التي تفيد بأن السلطة قد “تُعلّق الحقوق دون إعلان ذلك صراحة”، مما يُدخل الخصوصية في منطق أمني دائم ([36]). وتتكامل هذه الرؤية مع نظرية السلطة الحيوية (Biopolitics)، حيث تُدار حياة الأفراد – بما فيها بياناتهم – باعتبارها عنصرًا في الصحة الاجتماعية يجب مراقبته، لا احترامه ([37]). وبهذا، تتحوّل الخصوصية إلى واجهة بلاغية تُشرعن بواسطتها الدولة توسّعها في الفضاء المدني.

المطلب الثاني: البعد المعرفي – تقييد المجال العمومي المعرفي من خلال أدوات الملكية الفكرية

في سياق تصاعد السلطوية الرقمية، يبرز تحول لافت في وظيفة الملكية الفكرية ([38])؛ إذ لم تعد تُؤطَّر كآلية لحماية الإبداع، بل باتت تُوظَّف كأداة للضبط وإعادة تشكيل المجال الرقمي بما يخدم منطق السيطرة لا منطق الحرية. وتشير جولي كوهين إلى أن البنية القانونية التي تنظّم حقوق النشر والترخيص لم تعد تحمي الذوات المنتجة، بل أصبحت تُعيد تشكيل الذوات الرقمية نفسها، من خلال تقييد ما يمكن معرفته وتداوله والتفاعل معه ([39]). وفي الاتجاه نفسه، ينبّه لورنس لِسِّغ إلى أن قوانين الملكية الفكرية تُستخدم لإغلاق الفضاء الرقمي وتحويله إلى سوق مغلق تتحكم فيه الشركات الكبرى، مما يؤدي إلى تهميش الحقوق الجماعية وخصخصة الثقافة، وتحويلها من أداة تحرر إلى سلعة تجارية ([40]).

يذهب عدد من الباحثين النقديين إلى أن النظام العالمي للملكية الفكرية قد انحرف عن أهدافه الأصلية، ليكرّس أشكالًا جديدة من التبعية والتمييز المعرفي، فـبيتر دراهوس وجون برايثوايت يصفانه بـ “الإقطاع المعلوماتي”، حيث تُحتكر المعرفة داخل شبكات قانونية واقتصادية تعيد إنتاج السيطرة لصالح الدول والشركات. في المقابل ([41])، يدعو جيمس بويل إلى استعادة “المجال العمومي المعرفي”، محذرًا من أن تآكل “المشاعات الذهنية” بفعل التشريعات الصارمة أتاح بروز سلطوية ثقافية مقنّعة بخطاب الحماية ([42]). أما إيمي كابتشينسكي، فتقترح تصورًا بديلاً تعتبر فيه المعرفة “وقفًا عموميًا” يجب أن يُوظَّف في خدمة العدالة الاجتماعية والتنمية، لا أن يُستغل كأداة لإقصاء الفقراء أو تقييد النفاذ إلى المعرفة ([43]).

في السياق العربي، ينتقد إدريس لكريني توظيف الحماية القانونية للملكية الفكرية كأداة إقصائية، معتبرًا أن “التوسّع في القيود المفروضة على الحق في المعلومة، تحت ذريعة حماية الحقوق الفكرية، يمكن أن يُحوّل هذا الحق إلى شعار فارغ من مضمونه، ويُسهِم في تكريس ممارسات احتكارية تُقوّض مبادئ العدالة والشفافية” ([44]).

كما لا يمكن تجاهل البعد الإسلامي في تصور الملكية الفكرية، حيث تُقارب المعرفة باعتبارها “وقفًا عامًا” لا يجوز احتكارها إلا درءًا لمفسدة راجحة ([45]).

نتيجة لذلك، لم تعد حماية الملكية الفكرية تضمن حرية المعرفة وتكافؤ الوصول إليها، بل تحوّلت إلى أداة للضبط والهيمنة، ما يفرض تبنّي مقاربات بديلة تُعيد للمعرفة وظيفتها التحررية كمجال مشاع، لا كامتياز مقنَّن ومقيَّد.

خاتمة:

تكشف القراءة النقدية للخطاب الحقوقي في الزمن الرقمي عن مفارقة مؤلمة: فالقيم التي نشأت تاريخيًا لحماية الأفراد من السلطة أصبحت تُستخدم لتوسيع سيطرة السلطة عليهم. هذا التداخل بين الحماية والضبط يُعيد طرح سؤال جوهري: كيف نحصّن الخطاب الحقوقي من التوظيف السلطوي في عالم تُعيد فيه التكنولوجيا تشكيل الحريات؟ يستدعي هذا التحوّل بلورة إطار حقوقي بديل، يُعيد الاعتبار للحقوق كمساحات تحرّر لا كأدوات تأديب، ويعيد التفكير في وظيفة القانون داخل الدولة الرقمية.

لائحة المراجع :

أولًا: المراجع باللغة العربية:

الكتب:

الفاسي، علال، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، الرباط: دار الغرب الإسلامي، 1993.

الجابري، محمد عابد، الخطاب العربي المعاصر، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1982.

العروي، عبد الله، مفهوم الدولة، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2010.

برايدل، جيمس، عصر مظلم جديد: التقنية والمعرفة ونهاية المستقبل، ترجمة: هدى عبد المجيد خاطر، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 497، أغسطس 2022.

فوكو، ميشيل، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن في القرن الحديث، ترجمة: د. علي مقلد، مراجعة وتقديم مطاع صفدي، مركز الإنماء القومي، بيروت، الطبعة الأولى، 1990.

فوكو، ميشيل، ولادة السياسة الحيوية، ترجمة: حسن أوزال، منشورات الجمل، بيروت، 2011.

محمد بن الطيب، الحق في الخصوصية وحماية المعطيات الشخصية: قراءة في القانون المغربي رقم 09.08، منشورات كلية الحقوق، جامعة محمد الخامس، الرباط، 2020.

محمد مصطفى الشقيري، وقف حقوق الملكية الفكرية: دراسة فقهية مقارنة، رسالة دكتوراه، الأمانة العامة للأوقاف – الكويت، 2014.

المقالات والدراسات الأكاديمية

أبو القاسم العمارتي، “التحول الرقمي والخصوصية: نحو مقاربة قانونية جديدة في المغرب”، مجلة القانون والأعمال الدولية، العدد 29، 2021.

إدريس لكريني، “الحق في الوصول إلى المعلومة في ضوء القانون الدولي لحقوق الإنسان”، مجلة الحقوق والحريات، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – جامعة القاضي عياض، مراكش، العدد 7، 2017.

الربيعي، ندى فاضل، العبودية مقابل الأمن: تكنولوجيات السيطرة على البشر، مركز آفاق، 2022.

رجا بهلول، خطاب الكرامة وحقوق الإنسان، المركز العربي للأبحاث، 2017.

عبد العالي حامي الدين، “الدولة والسلطة في المغرب: تحولات الرقابة ومآلات الحريات”، مجلة وجهة نظر، العدد 90، الرباط، 2019.

عبد القادر عمري، “نقد أجامبين لآليات اشتغال الاستثناء في الدولة الحديثة: قراءة في حالة الاستثناء”؛ مجلة تبين، العدد 48، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2024.

عبد الرفيع زعنون، “الاقتصاد السياسي للبيانات الاجتماعية: فرص ومخاطر رقمنة منظومة الاستهداف في المغرب”، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي – منصة صدى، 29 ماي 2025.

فؤاد بوعلي، “الرقابة والمراقبة في المجال الرقمي المغربي”، مجلة العلوم القانونية والسياسية، جامعة مولاي إسماعيل، العدد 15، 2022.

كوهوم، مليندا، عمليات ضبط المعلومات في الفضاء السيبراني الإيراني: استراتيجية الحرب الناعمة، معهد الدوحة للدراسات السياسية، سلسلة “تقييم حالة”، وحدة الدراسات الإيرانية، 26 أيار/مايو 2022.

الوثائق والمواثيق الرسمية

الأمم المتحدة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

المملكة المغربية، دستور المملكة المغربية.

منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، السياسات المتعلقة بحقوق التأليف وحق الوصول إلى العلم والثقافة، تقرير المقرر الخاص المعني بالحقوق الثقافية، الأمم المتحدة، 2015.

الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.

الميثاق العربي لحقوق الإنسان.

ثانيًا: المراجع باللغات الأجنبية

Books

Boyle, James, The Public Domain: Enclosing the Commons of the Mind, Yale University Press, 2008.

Buzan, Barry & Wæver, Ole & de Wilde, Jaap, Security: A New Framework for Analysis, Boulder, CO: Lynne Rienner, 1998.

Cohen, Julie E., Configuring the Networked Self: Law, Code, and the Play of Everyday Practice, Yale University Press, 2012, pp. 23–40.

Drahos, Peter & Braithwaite, John, Information Feudalism: Who Owns the Knowledge Economy?, Routledge, 2002.

Feldstein, Steven, The Rise of Digital Repression: How Technology Is Reshaping Power, Politics, and Resistance, Oxford University Press, 2021.

Lessig, Lawrence, Free Culture, Penguin Press, 2004.

Academic Articles and Studies

Aizenberg, Elinor & van den Hoven, Jeroen, “Designing for Human Rights in AI”, arXiv, 2020.

Amy Kapczynski, “The Access to Knowledge Mobilization and the New Politics of Intellectual Property,” Yale Law Journal, vol. 117, 2008.

Gohdes, Anita R., “Repression in the Digital Age: Information Control and Protest,” American Journal of Political Science, 2024.

Polyakova, Alina & Meserole, Chris, “Exporting Digital Authoritarianism,” Foreign Affairs, 98(1), 2019.

Documents and Reports

Freedom House, Freedom on the Net – Morocco Report, 2023.

National Security Council, The National Security Strategy of the United States of America, 2002.

Targeted but not Silenced: Internet Shutdowns in North Africa, 2021.

  1. National Security Council. (2002). The National Security Strategy of the United States of America (pp. 3–4). Washington, DC: The White House. Retrieved from https://www.whitehouse.gov/wp-content/uploads/2017/11/National-Security-Strategy.pdf
  2. الموسى، محمد. (2020). الأمن السيبراني في الوطن العربي (ص. 45). الرياض: مركز الدراسات الاستراتيجية. [رابط الاطلاع: https://arabcyberbook.org/cybersecurity.pdf] (تاريخ الاطلاع: 21 يونيو 2025).
  3. Buzan, B., Wæver, O., & de Wilde, J. (1998). Security: A New Framework for Analysis (pp. 119–121). Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers. Retrieved from https://dokumen.pub/security-a-new-framework-for-analysis-9781685853808.html
  4. Feldstein, S. (2021). The Rise of Digital Repression: How Technology is Reshaping Power, Politics, and Resistance (pp. 14–21).
  5. عبد الرفيع زعنون، الاقتصاد السياسي للبيانات الاجتماعية: فرص ومخاطر رقمنة منظومة الاستهداف في المغرب، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي – منصة صدى، 29 ماي 2025.
    تسلّط الدراسة الضوء على الكيفية التي تحوّلت بها آليات الحماية الاجتماعية الرقمية في المغرب، وعلى رأسها “السجل الاجتماعي الموحد”، من أدوات تضامنية إلى منظومات تقنية تُوظَّف لتبرير تدخل الدولة وتوسيع نطاق مراقبتها للفئات الهشة، تحت غطاء أخلاقي وإداري.
    رابط الاطلاع:

    : https://carnegieendowment.org/sada/2025/05/the-political-economy-of-social-data-opportunities-and-risks-of-digitizing-moroccos-social-targeting-system?lang=en (: 17 يونيو 2025)

  6. راجع:

    ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، ترجمة سعيد بنكراد، مركز الإنماء القومي، بيروت، 1990، ص. 103–120.

    مفهوم الميكروفيزياء في: جيل دولوز، المعرفة والسلطة: مدخل إلى فوكو، ترجمة سالم يفوت، بيروت: المركز الثقافي العربي، 1987.

    جودة محمد أبو خاص، المنظور الفلسفي للسلطة عند ميشيل فوكو: دراسة في الفلسفة السياسية والاجتماعية، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017، ص. 36–38، 86–88.

  7. David Garland, The Culture of Control: Crime and Social Order in Contemporary Society, Oxford University Press, 2001, pp. 45–47. Access link: https://archive.org/details/cultureofcontrol0000garl
  8. للمزيد، راجع:

    Wendy Brown, Undoing the Demos: Neoliberalism’s Stealth Revolution, Zone Books, 2015, pp. 112–115. Access link: https://archive.org/details/undoingdemosneol0000brow

    وحيد عبد المجيد، ديمقراطية القرن الحادي والعشرين – مقاس كبير، القاهرة: مؤسسة الأهرام، 2021، ص. 16. يتناول تحوّل مفهوم “المصلحة العامة” ضمن الفضاء الرقمي، مشيرًا إلى تغليب المصالح الخاصة على الصالح العام، مما يُعيد تشكيل علاقة الدولة بالمجتمع ضمن أطر رقابية.

    نهوند القادري، “التموضع العربي في البيئة الرقمية: رهانات وتحديات”، ضمن كتاب العرب والسوشيال ميديا، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2020، ص. 94–97. توضح الكاتبة كيف أصبحت الثورة الرقمية أداة رقابية غير مباشرة، تتيح مراقبة الأفراد دون عنف ظاهر، مما يجعل “الحماية الاجتماعية” إطارًا تقنيًا للضبط المجتمعي.

    مركز دراسات الوحدة العربية، الإنسانية في مواجهة النيوليبرالية، بيروت، 2024، ص. 43–58. يناقش الكتاب سياسات الهيمنة النيوليبرالية على الفضاء العام، ويُظهر كيف تُعاد صياغة مفاهيم مثل التضامن والمصلحة العامة بما يخدم منطق السوق والسيطرة بدلًا من العدالة الاجتماعية.

  9. Steven Feldstein, The Rise of Digital Repression: How Technology is Reshaping Power, Politics, and Resistance, Oxford University Press, 2021, pp. 10–30
  10. للمزيد، راجع:

    Freedom House, The Rise of Digital Authoritarianism, 2018.

    يُبرز هذا التقرير كيف تلجأ الحكومات إلى استخدام تقنيات مراقبة رقمية متطورة، وبرامج تحكم في المعلومات تحت ذريعة مكافحة “الأخبار الزائفة” وخطاب الكراهية؛ ما يشكّل مظهرًا جوهريًا من مظاهر الأوتوقراطية الرقمية.

    Marc Owen Jones, Digital Authoritarianism in the Middle East, Hurst Publishers, 2022.

    يسلط هذا الكتاب الضوء على ممارسات الرقابة الرقمية في دول الخليج، بما في ذلك شبكات الدعاية الإلكترونية والتضييق على المجال العمومي عبر أدوات تكنولوجية تُقدَّم تحت غطاء الاستقرار والحماية.

    Zwischenräume, Techno-authoritarianism and the Future of Political Dissent, Policy Brief, 2025. Access link: https://zwischenraeume.co.at/wp-content/uploads/ZWISCHENRAEUME_POLICY-BRIEF_The-Rise-of-Techno-Authoritarianism-and-its-Impact-on-US-Foreign-Policy.pdf Accessed on: June 17, 2025.

    يناقش هذا التقرير كيف تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي والمراقبة الخوارزمية في الولايات المتحدة كوسائل لإضعاف المساءلة الديمقراطية، وتحييد الأصوات المعارضة، ضمن نموذج متكامل من “الأوتوقراطية التقنية”.

  11. هو ما فسّره علال الفاسي بكونه “إعلانًا إلهيًا يُثبِت للإنسان كرامته الذاتية، منذ بداية وجوده، دون نظر إلى عرقه أو دينه أو جنسه أو طبقته، مما يجعل الكرامة أصلًا شرعيًا سابقًا لكل حق وضعي أو مكتسب”، أنظر: علال الفاسي، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، الرباط: دار الغرب الإسلامي، 1993، ص. 112.
  12. الأمم المتحدة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، صادر بتاريخ 10 ديسمبر 1948، الديباجة، المادة 1.
  13. المملكة المغربية، دستور المملكة المغربية، صادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليوز 2011، الجريدة الرسمية، عدد 5964 مكرر، 30 يوليوز 2011، الفصل 22.
  14. عبد الله العروي، مفهوم الدولة، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2010، ص. 117
  15. محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1982، ص. 84.
  16. رجا بهلول، خطاب الكرامة وحقوق الإنسان، المركز العربي للأبحاث، 2017.
  17. Gohdes, A. R. (2024). Repression in the Digital Age: Information Control and Protest. American Journal of Political Science, p. 9.
  18. كوهوم، مليندا، عمليات ضبط المعلومات في الفضاء السيبراني الإيراني: استراتيجية الحرب الناعمة، معهد الدوحة للدراسات السياسية، سلسلة “تقييم حالة”، وحدة الدراسات الإيرانية، 26 أيار/مايو 2022.
    تم الاسترجاع من https://www.dohainstitute.org/ar/PoliticalStudies/Pages/information-controls-in-iranian-cyberspace-a-soft-war-strategy.aspx

    بتاريخ 18 يناير 2024.

  19. Feldstein, S. (2021). The Rise of Digital Repression: How Technology Is Reshaping Power, Politics, and Resistance. Oxford University Press, p. 25.
  20. Polyakova, A., & Meserole, C. (2019). Exporting digital authoritarianism. Foreign Affairs, 98(1), 56–68.

    from https://www.foreignaffairs.com/articles/world/2018-09-04/exporting-digital-authoritarianism

    Retrieved January 18, 2024.

  21. Aizenberg, E., & van den Hoven, J. (2020). Designing for Human Rights in AI. arXiv. from https://arxiv.org/abs/2005.04949 (p. 2) , Retrieved January 18, 2024
  22. برايدل، جيمس. عصر مظلم جديد: التقنية والمعرفة ونهاية المستقبل. ترجمة: هدى عبد المجيد خاطر، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 497، أغسطس 2022، ص. 17–19.

    رابط الوصول: https://ia800306.us.archive.org/10/items/NewDarkAgeJamesBridleArabic/NDA-JamesBridle-Arabic.pdf

  23. الربيعي، ندى فاضل. (2022). العبودية مقابل الأمن: تكنولوجيات السيطرة على البشر. مركز آفاق، الصفحات 34–36.
  24. أبو القاسم العمارتي، التحول الرقمي والخصوصية: نحو مقاربة قانونية جديدة في المغرب، مجلة القانون والأعمال الدولية، العدد 29، 2021، ص. 45–48.
  25. عبد العالي حامي الدين، الدولة والسلطة في المغرب: تحولات الرقابة ومآلات الحريات، مجلة وجهة نظر، العدد 90، الرباط، 2019، ص. 112–118.
  26. محمد بن الطيب، الحق في الخصوصية وحماية المعطيات الشخصية: قراءة في القانون المغربي رقم 09.08، منشورات كلية الحقوق، جامعة محمد الخامس، الرباط، 2020، ص. 23–27 و33–40.
  27. فؤاد بوعلي، “الرقابة والمراقبة في المجال الرقمي المغربي”، مجلة العلوم القانونية والسياسية، جامعة مولاي إسماعيل، العدد 15، 2022، ص. 101–108.
  28. فقد:

    نصّ القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي على مبادئ تتعلّق بالموافقة المسبقة، وحق الولوج والتصحيح، وضمانات المعالجة، غير أن التطبيق العملي لهذا الإطار أتاح في مناسبات متعددة شرعنة عمليات تتبع ومراقبة بغطاء قانوني، خصوصًا مع ما تُحيله اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات الشخصية (CNDP) من صلاحيات تقريرية إلى مصالح إدارية وأمنية في بعض الحالات. أنظر: المملكة المغربية، القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الجريدة الرسمية، عدد 5714، بتاريخ 18 فبراير 2009.

    وفي نفس الاتجاه، يُعزّز القانون رقم 07.03 المتعلق بمحاربة الجريمة المعلوماتية صلاحيات الضبط لدى السلطات الأمنية، ويمنحها إمكانيات واسعة لتتبّع الأنشطة الرقمية، من دون أن يُرفق ذلك بضمانات مؤسساتية كافية لحماية الحياة الخاصة. أنظر: الظهير الشريف رقم 1.03.197 الصادر في 11 نوفمبر 2003، بتنفيذ القانون رقم 07.03 المتعلق بالجريمة المعلوماتية.

    ويُسجّل التقرير السنوي لـ CNDP لسنة 2022 استمرار إعادة إنتاج خطاب “حماية الخصوصية” لتبرير اعتماد تكنولوجيات ذات قدرة عالية على المراقبة، من قبيل الأنظمة البيومترية، والمراقبة بالفيديو، والتعقّب عبر الصوت، وذلك تحت مظلة “تحصين الأمن السيبراني”. أنظر: اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP)، التقرير السنوي لسنة 2022، ص. 12–15 و78– 82 https://www.cndp.ma

    من جانب آخر، يكشف تقرير Access Now الخاص بشمال إفريقيا أن المغرب يُطوّر قدراته في مجال المراقبة الشاملة من خلال الاستثمار في البنى التحتية التي تُمكِّن من تحليل البيانات الضخمة ورصد الأنشطة عبر تقنيات مثل DPI (Deep Packet Inspection)، مما يعكس مفارقة قائمة بين الخطاب الحمائي والممارسة الرقابية. أنظر:

    – Access Now, Targeted but not Silenced: Internet Shutdowns in North Africa, 2021.

    كما يُشير تقرير Freedom House (2023) إلى تراجع واضح في مؤشرات الحريات الرقمية في المغرب، نتيجة لاستخدام تشريعات الفضاء الرقمي كأدوات للضبط السياسي، لا كضمانات للحق في الخصوصية. أنظر:

    Freedom House, Freedom on the Net – Morocco Report, 2023. https://freedomhouse.org

  29. نذكر:

    القرآن الكريم، سورة الحجرات، الآية 12: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾.

    الحديث النبوي: «إنما جُعل الاستئذان من أجل البصر» (رواه البخاري).

    حيث أقر الفقه الإسلامي قاعدة حرمة البيوت والأسرار، واعتبر العلماء أن التلصص والتجسس يُعدّان اعتداءً على الكرامة الإنسانية.

  30. للمزيد، أنظر:

    جون ستيوارت ميل، عن الحرية، ترجمة: كاظم نصّار، دار الأكاديميون، بيروت، ط1، 2009.

    حمد الشرقاوي، رباعية الليبرالية: في فلسفة جون ستيوارت ميل، دار المحرسة، القاهرة، 2017.

  31. نذكر:

    الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار رقم 217 أ (د-3)، بتاريخ 10 دجنبر 1948، المادة 12: “لا يجوز تعرّض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو منزله أو مراسلاته، ولكل شخص الحق في أن يحميه القانون من مثل هذا التدخل أو هذه المساس”؛

    العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار 2200 أ (د-21)، بتاريخ 16 دجنبر 1966، ودخل حيز التنفيذ في 23 مارس 1976، المادة 17: “لا يجوز تعرّض أي شخص لتدخل تعسفي أو غير قانوني في خصوصياته أو أسرته أو بيته أو مراسلاته”؛

    الميثاق العربي لحقوق الإنسان، أقرّته جامعة الدول العربية بتاريخ 23 ماي 2004، ودخل حيز التنفيذ في 15 مارس 2008، المادة 21: “لكل شخص الحق في احترام خصوصيته، ويحظر التدخل التعسفي أو غير المشروع في حياته الخاصة أو شؤون أسرته”؛

    الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، مجلس أوروبا، موقعة بتاريخ 4 نونبر 1950، ودخلت حيز التنفيذ في 3 شتنبر 1953، المادة 8:”لكل إنسان الحق في احترام حياته الخاصة والعائلية ومنزله ومراسلاته… ولا يجوز تدخل السلطة العامة إلا وفقًا للقانون وبدافع ضروري في مجتمع ديمقراطي”؛

    الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، اعتمد في نيروبي بتاريخ 27 يونيو 1981، ودخل حيز التنفيذ في 21 أكتوبر 1986، المادتان 9 و18: تنصّ المادة 9 على الحق في الحصول على المعلومات وحماية حرية التعبير، بينما تشير المادة 18 إلى حماية الأسرة والحياة الخاصة بوصفها مكونات جوهرية للكرامة الإنساني.

  32. يعتزم المغرب إصدار مشروع قانون يتعلق بتنظيم وضبط استعمال المنصات الرقمية للتواصل الاجتماعي، يهدف إلى تقنين المحتوى الرقمي وتعزيز مراقبة الفضاء التواصلي. وإلى حدود تاريخ كتابة هذه الأسطر، 18 يونيو 2025، لم يُنشر النص الرسمي لهذا المشروع بعد؛ إذ يستند التداول بشأنه إلى تصريح أدلى به الوزير محمد مهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، خلال جلسة برلمانية بتاريخ 13 ماي 2024، أعلن فيه عن نية الحكومة عرض مشروع القانون قريبًا، دون تقديم نسخة نهائية أو تفاصيل تشريعية منشورة للعموم حتى الآن.
  33. Buzan, Barry & Wæver, Ole, Security: A New Framework for Analysis, Boulder, CO: Lynne Rienner, 1998, p. 24
  34. فوكو، ميشيل، ولادة السياسة الحيوية، ترجمة: حسن أوزال، منشورات الجمل، بيروت، 2011، ص. 88–92.
  35. عمري، عبد القادر، “نقد أجامبين لآليات اشتغال الاستثناء في الدولة الحديثة: قراءة في حالة الاستثناء”؛ تبين، العدد 48، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2024، ص. 90–94. رابط الاطلاع:

    https://tabayyun.dohainstitute.org/ar/issue048/Documents/Tabayun48-2024_omri.pdf

    (تم الاطلاع في 18 ماي 2025).

  36. أنظر: فوكو، ميشيل، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن في القرن الحديث، ترجمة: د. علي مقلد، مراجعة وتقديم مطاع صفدي، مركز الإنماء القومي، بيروت، الطبعة الأولى 1990.
  37. أنظر: منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، السياسات المتعلقة بحقوق التأليف وحق الوصول إلى العلم والثقافة، تقرير المقرر الخاص المعني بالحقوق الثقافية، الأمم المتحدة، 2015، الفصلان II.4 وII.6. رابط الاطلاع:
    https://www.ohchr.org/sites/default/files/Documents/Issues/CulturalRights/ReportCopyrightPolicy.pdf
    حيث أن:

    الفصل II.4: يتناول التوتر بين قوانين حقوق المؤلف وحق الجمهور في النفاذ إلى الثقافة.

    الفصل II.6: يركّز على القيود المفروضة على المعرفة العلمية وهيمنة المؤسسات على إنتاجها.

  38. Julie E. Cohen, Configuring the Networked Self: Law, Code, and the Play of Everyday Practice, Yale University Press, 2012, pp. 23–40.
  39. Lawrence Lessig, Free Culture, Penguin Press, 2004, pp. 105–145.
  40. Peter Drahos and John Braithwaite, Information Feudalism: Who Owns the Knowledge Economy?, Routledge, 2002, pp. 12–18.
  41. James Boyle, The Public Domain: Enclosing the Commons of the Mind, Yale University Press, 2008, pp. 1–11
  42. Amy Kapczynski, “The Access to Knowledge Mobilization and the New Politics of Intellectual Property,” Yale Law Journal, vol. 117, 2008, pp. 804–885.
  43. إدريس لكريني، “الحق في الوصول إلى المعلومة في ضوء القانون الدولي لحقوق الإنسان”، مجلة الحقوق والحريات، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – جامعة القاضي عياض، مراكش، العدد 7، 2017، ص. 75–93.
  44. محمد مصطفى الشقيري، وقف حقوق الملكية الفكرية: دراسة فقهية مقارنة، رسالة دكتوراه، الأمانة العامة للأوقاف – الكويت، 2014.
    رابط الوصول: https://dawa.center/file/4563
  45. أحمد حبيب، لذكاء الاصطناعي، ثورة في تقنية العصر، عبد الله موسى، ، المجموعة العربية للتدريب والنشر، القاهرة، ط 1، 2019، ص 20.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى